خطبة الجمعة في مسجد الهاشمية
11/11/2005
لفضيلة الشيخ
علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد
الحلبي الأثري
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أمّا بعد:
فيا أَيُّها المُؤمِنون:
يَقُولُ رَبُّنا -تبارك وتعالى- في كتابه العزيز: {لإيلافِ قُريش * إيلافِهِم رِحلةَ الشّتاءِ وَالصّيف * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البيتِ * الّذي أطعمهُم مِن جوعٍ وَآمَنَهُم مِن خوف}.
هذهِ سورةٌ كامِلَةٌ في كِتابِ اللَّهِ -تعالى-: مِن أقصرِ السُّوَرِ آياتٍ، وَمِن أواخِرِها في المُصحف ترتيباً.
وهي -عَلى وَجازَتِها- حَوَت أصولَ الحياةِ الإسلامِيَّةِ كامِلَةً، ضِمْنَ قَواعِدِ الشّرْعِ وَضَوابِطِه، وَأُصُولِهِ المُحْكَمَةِ وَغاياتِه: مِن وحدةِ المُسْلِمين، وَاستِقْرارِ كَلِمَتِهِم، وَعِبادَةِ رَبِّهِم، وَسَلامَةِ أَمْنِهِم وَأمانِهِم..
وَهَكذا كَلامُ اللَّهِ المُعْجِزُ -كُلُّه-: بين اعتِقادٍ يُؤَيَّد، أو مُنْكَرٍ يُرَدّ، أو قَصَصٍ يُسْرَد، أو حُكْمٍ يُورَد:
فَقَوْلُهُ -تَعالى-: (لإيلافِ قُريش) معناه -كَما قَال الإِمامُ ابنُ كَثير-: ائتلافُهُم واجتِماعُهُم في بلدِهِم آمِنين، مُطْمَئِنِّين:
والائتِلاف وَالاجتِماع -هذا يا عباد الله- مِن أعظَمِ مَقاصِدِ الشّرعِ الحَكِيم، وَفيهِ يقولُ اللَّهُ -تبارك تعالى-: {واعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}، وَنَبِيُّ الإسلامِ -عليه الصّلاة والسّلام- يقول: «يَدُ اللَّهِ عَلى الجماعة»، وَيقول: «الجماعة رحمة، والفُرقة عذاب».
أَيُّها المُؤمِنون:
إِنَّ هذا الأصْلَ الأصِيلَ -وحدةً، واجتِماعاً، وائتِلافاً يغيبُ -في ظِلال مِن العاطِفَةِ العَمْياء، والحماسَةِ الصمّاء- عن فِئامٍ مِن النّاس عادَوْا أَنْفُسَهُم، وَجَهِلُوا أَقْدارَهُم؛ وتسربلوا لَبُوسَ الإسلام وهُم عنهُ بَعِيدون، وتكلّموا باسمِ الشّرْعِ وهُم بِهِ جاهِلُون؛ فأفسدوا مِن حيث توهَّمُوا أنّهم مُصْلِحُون؛ وَاللّه -عزّ وجلّ- يَقُول في كتابه -وهو أصدق القائلين-: {قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أعمالاً الَّذينَ ضَلَّ سَعْيُهُم فِي الحياةِ الدُّنْيا وَهُم يحسَبُونَ أَنَّهُم يُحْسِنُونَ صُنْعاً}.
والاستِدلالُ بِهذهِ الآيَةِ الكريمَةِ في هَذا السّياقِ استِدْلالٌ حَقّ؛ مبنيٌّ عَلى التأصيلِ العِلْميّ المُحَرَّر: (العِبْرَةُ بِعُمومِ اللَّفْظ لا بِخُصُوصِ السَّبَب).
وَأمّا قولُهُ -تعالى-بَعْدُ- في السورة نفسِها-: (لإيلافِ قُريش إيلافِهِم رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصّيف} فَفِيهِ مَعنى الاستِمرار وَالاستِقْرار -تَواصُلاً مَيموناً، وَتَكامُلاً مَأمُوناً-: استِمرارٌ يشملُ زمانَ الإسلامِ وَمكانَه، واستِقرارٌ يتّسِعُ بلدَ الإِيمانِ وأهلَهُ وَسُكَّانَه.
وَذاكَ الائتِلافُ البَدَنِيّ، وَهَذا الأَمانُ الزمانيّ المكانيّ هُما -معاً- موضعُ عَجَبٍ وَتَعَجُّبٍ؛ لِكَوْنِهِمَا واقِعَيْنِ فِي أُناسٍ كانُوا -قَبْلاً- أذِلَّةً مُتَفَرِّقينَ قَلِيلِين، ثُمَّ صارُوا- مِن بَعْدُ- أعِزَّةً كَثَيرينَ مُتَّحِدِين..
وَما ذاكَ على هذا النَّسق إلاّ بِسَبَبِ انتِسابِهِم الحَقّ لِهَذا الدِّين، وانتِمائِهِم الصِّدق لدعوةِ الحَقِّ وَاليَقِين.
فَكَانَ البَدْءُ فِي السِّياقِ القُرآنِيّ -هذا- بِلامِ التعجُّب: {لإيلافِ قُريش}؛ تَوْجِيهاً لِلسَّامِعين وَإرشاداً للتَّالِينَ لأَمْرٍ قَد يَدِقُّ عَلَيْهِم فَهْمُه، أَو يَصْعُبُ عَلَيْهِم إِدْراكُهُ؛ فَكأنّه -سبحانه- يقول: اعجبوا لأمرِ قُريش، وَأَثَرِ نِعْمَتي عليهم؛ كَيْفَ كَانُوا، وَكَيْفَ صَارُوا..
وَهَذا الأَصْلُ الثَّانِي -أيضاً- غَدَا حالُهُ -عِند أولئِكَ الجهلة المُتَصَدِّرِين-، الحَماسِيِّين الغَوْغائِيِّين، المُتَطَرِّفِينَ الغَالِين -أَنْفُسِهِم-: كَحالِ ذاكَ الأَصْلِ الأَوَّلِ -تَماماً-: فَقَد صارَ نَسْياً مَنْسِيًّا، وَأَثَراً مَاضياً مَقْضِيًّا..
وَمَا آلَ حالُ هَؤُلاءِ القَوم إلى هَذا الحَدِّ المُزْرِي -سَفَهَاً وَطَيشاً وَبَلاءً- إلاَّ بِسَبَبِ جَهْلِهِم بِالشَّرْعِ وَبِنائِه، وَتَنَكُّبِهِم لِطَرِيقِ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَعُلَمائِه، وَرَسُولُنا -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنّ مِن أشْراطِ السّاعَةِ أن يُلْتَمَسَ العِلْمُ عِند الأصاغِر»؛ فَهُم أصاغِرُ فِي أَسْنانِهِم، أصاغِرُ فِي مَعْرِفَتِهِم وَثَقافَتِهِم، ولا أقول في علمهم..
كَمَا وَصَفَهُم النبِيُّ الكريم -صلى الله عليه وسلم- فِي حَدِيثٍ آخَرَ بأنهم: «حُدَثَاءُ الأسْنان، سُفَهاءُ الأحْلام»..
وَصَدَقَ نَبِيُّنا الكريم -عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيم- فِي قَوْلِه: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ سَنَواتٍ خَدَّاعات: يُصَدَّقُ فِيها الكاذِب، وَيُكَذَّبُ فِيها الصَّادِق، وَيَنْطِقُ فِيها الرُّوَيْبِضَة»، قالوا: مَن الرُّوَيْبِضَة -يا رَسُولَ اللَّه-؟! فقال -عليه الصلاة والسلام-: «الرَّجُلُ التّافِهُ يَتَحَدَّثُ فِي أمْرِ العامَّة».
نَعَم؛ وَرَبِّ مُحَمَّد؛ إنَّ هَؤلاءِ الجَهَلَةَ الغُلاةَ شَغَلُوا الخاصَّةَ وَالعامَّة، وَتَحَدَّثُوا فِي أَعْظَمِ الأُمورِ الهامَّة، فِي الوَقْتِ الَّذي هُم فِيهِ فاقِدُونَ لأدَنى أدنى أهْلِيَّةِ العِلْمِ الشرعِيّ، فَضْلاً عَن رِفْعَةِ مَكانَةِ الإِفْتاءِ الدّينِيّ؛ الَّذي جَعَلَ اللَّهُ -تَعالى- القَوْلَ فيهِ -بَغَيْرِ عِلْمٍ- مِن أَكْبَرِ الكَبائِر-؛ كَما قَالَ -تَعالى-: {قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّي الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ سُلْطاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون}، وَقَالَ -جَلَّ فِي عُلاه، وَعَظُمَ فِي عالِي سَماه-: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُم الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وَهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّه الكَذِب}:
فَفِي الآيَةِ الأولى: قَرَنَ -سُبْحانَهُ- القَوْلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ: بِالشِّرْكِ بِاللَّه..
وَفِي الآيَةِ الثَّانِيَة: جَعَلَ -سُبْحانَهُ- القَوْلَ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ -بِغَيْرِ فِقْهٍ في الدين-: افتِراءً عَلى اللَّه..
... فَأَشْئِم بِهِمَا مِن فِعْلَيْنِ قَبِيحَيْنِ خَسِيسَيْنِ؛ تَنَطَّحَ لَهُما -بِغَيْرِ خَوْفٍ مِنَ اللَّه، وَلا حَياءٍ مِن عباد الله- أُولَئِكَ الجَهَلَةُ المُتَصَدُّونَ المُتَصَدِّرُون -أَنْفُسُهُم-؛ فَتَكَلَّمُوا بِجَهْلِهِم الشَّدِيد فِي الدِّماء، ثُمَّ تَرْجَمُوا كَلامَهُم الفَاسِدَ إِلى وَاقِعٍ أَفْسَد؛ فَأَوْقَعُوا فِي الأُمَّةِ القَتْلَ، وَالبَلاءَ، وَالفَتِنَ، وَالمِحَنَ..، باسم بالجهاد، وباسم نشر الدِّين، وباسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ...
بَلْ كَانُوا بِأَفْعَالِهِم المُفْسِدَة السُّوأى -هذه- سَبَباً عَظِيماً مِن أَسْبابِ تَسَلُّطِ أعْدَاءِ الأُمَّةِ عَلَيْها، وَاستِنْزافِهِم مُقَدَّراتِها، وَالضَّغْطِ عَلَيْها.. فَضْلاً عَن وَصْفِهِم الإِسْلامَ بِالإِرْهاب، وَالمُسْلِمين الصَّالحِين بِالتطَرُّف -وَهُم لا يَشْعُرون، وَلا لِضَلالاتِهِم وَإِفْسَاداتِهِم يُقَدِّرُون!!
وَهَذا -والله- أَخْطَرُ وَأَعْظَمُ مَا فِي هَذِهِ البَلِيَّة،
وَشَرُّ مَا فِي تِلْكُمُ القَضِيَّة... وَبَسَبَبِهِ نَتَكَلَّم، وَنَحْرِصُ، وَنُبَيِّن، وَنُجادِل -وَلا نَزَالُ نُحاوِل-؛ حِرْصاً شديداً عظيماً عَلى صُورَةِ الإِسْلامِ النقِيَّة، وَأَحْكامِهِ الجَليلةِ البَهِيَّة..
أَمَّا مَا يَفْعَلُهُ المُناوِئُون الأَغْيَار: مِن ظُلْمٍ كُبَّار: فَحُكْمُهُ أَجْلَى مِن شَمْسِ النَّهَار، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلى الصِّغَارِ الصَّغَار..
أَيُّها المُؤمِنُون:
مَا ذَاكَ الحادِثُ المُرِيع، وَالحَدَثُ الفَظِيع الَّذِي وَقَعَ فِي بَلَدِنَا الطَّيِّب المُبارَك -بِالأَمْسِ القَرِيب- مِمَّا تَكَسَّرَتْ لَهُ القُلُوبُ النقِيَّةُ تَصَدُّعاً، وَمَلأَ الأعْيُنَ الرَّحِيمَةَ أَدْمُعاً- إلاَّ دَلِيلاً مِن أَدِلَّةٍ شَتَّى تُبِينُ حَقِيقَةَ هَؤُلاءِ الجَهَلَةِ الغالِين، الضالِّينَ المُجْرِمِين -إنْ كانُوا فَاعِلِينَها بِاسْمِ الدِّين، فَالدِّينُ مِنْهُم -وَاللَّهِ- بَراءٌ بِكُلِّ يَقِين..
وَلا زِلْنَا نَسْمَعُ مِن عُلَمَائِنا الرّبّانِيِّين، وَأَئِمَّتَنا العالمين العامِلِينَ التَّحْذِيرَ تِلْوَ التَّحْذِيرِ مِن ذَلِكَ الخَطَرِ الدَّاهِمِ الكَبِير.. وَذَلِكَ -وَاللَّهِ- مُنْذُ نَحْوِ رُبْعِ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ -أَوْ أَكْثَر-؛ لأَنَّ أَهْلَ العِلْمِ دَوْماً يَعْرِفُونَ الحَقّ، وَيَرْحَمُونَ الخَلْق..
فَكَانَتْ تَنْطَلِقُ مِن عُلَمائِنَا هَؤلاءِ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِين -الَواحِدُ تِلْوَ الآخَرِ- عَلَى وَجْهِ التَّكْرِير- «صَيْحَةُ نَذِيرٍ»، وَصَرْخَةُ تَذْكِيرٍ: لَعَلَّ أُولَئِكَ الغُلاةَ -بِها- إلى الحَقِّ يَرْجِعُون، وَعَن باطِلِهِم يَرْتَدِعُون..
وَلِكَوْنِ أُولَئِكَ السُّفَهَاء المَارِقِين جاهِلِين، ظَنَّانِين، شَكَّاكِين: أَلْقَوْا بِسَوادِ قُلُوبِهِم عَلى أَطْرافِ أَلْسِنَتِهِم؛ فَصَارُوا يَرْمُونَ عُمومَ الأُمَّةِ بِالضَّلالِ الكَبِير، وَحُكَّامَها بِالكُفْرِ وَالتَّكْفِير، وَعُلَماءَهَا بِالتُّهَمِ الجِزَاف، وَكُبَراءَهَا بِالخَلَلِ وَالانْحِراف …
وَهَذِهِ -وَاللَّهِ- كَلِماتٌ لَوْ عُكِسَتْ عَلَى أُولَئِكَ الجَهَلَةِ: مَا وَجَدَتْ لَهُم بَدَلاً..
أَيُّها المُؤمِنُون:
إِنَّ كَلِماتِ عُلَمائِنا الأَكابِر -رَحِمَهُمُ اللَّه- المَبْنِيَّةَ عَلى كِتاَب الله -تعالى- وَسُّنَّة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وَطريق الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم- هي نِبْراسٌ لِكُلِّ النَّاس، بَلْ هِيَ الأَصْلُ وَالأَساس -مِن قَدِيمٍ قَدِيم- فِي التَّحْذِيرِ مِن هَذا النَّهْجِ التَّكْفِيرِيِّ الخَطِيرِ المَرِير، وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ مِن تَقْتِيلٍ وَتَدْمِير، وَسَفْكِ دِماءٍ وَتَفْجِير؛ فَهذه الكلمات -لِلحَقِّ وَالتَّارِيخ- قَبْلَ هَذَا التَّكْرارِ الكَثِير الكَثِير، الَّذِي يُرَدَّدُ عَلَى الأَسْماعِ -فِي جَمِيعِ الأَصْقَاع- كُلَّ آن -وَفِي كُلِّ مَكان-:
وَقَدْ قَالَ بَعْضٌ مِن عَلَمائِنا المُعاصِرين، وَأَئِمَّتِنا الكُبَراء الفاقِهِين- مِمَّن اتُّفِقَ عَلَى مَكانَتِهِم وَأَمانَتِهِم -قبل عشْر سنواتٍ كاملاتٍ -ما نَصُّه-:
(إِنَّ التَّسرُّعَ في التَّكفيرِ لهُ خَطَرُهُ العظيمُ؛ وَبِخَاصَّةٍ لِمَا يَنْجُمُ عنْهُ مِنِ استباحةِ الدِّماءِ، وانتهاكِ الأَعراضِ، وسلبِ الأَموالِ الخاصَّةِ والعامَّةِ، وتفجيرِ المساكنِ والمركباتِ، وتخريبِ المنشآتِ:
فهذهِ الأَعمالُ -وأَمثالُهَا- مُحرَّمةٌ شرعاً -بإِجماعِ المسلمينَ-؛ لما في ذلكَ مِنْ هتكٍ لحُرمةِ الأَنفسِ المعصومةِ، وهتكٍ لحُرمةِ الأَموالِ، وهتكٍ لحُرُماتِ الأَمنِ والاستقرارِ، وحياةِ النَّاسِ الآمِنينَ المطمئِنِّينَ في مساكنهمْ ومعايشهمْ، وغُدُوِّهمْ ورواحِهمْ، وهتكٍ للمصالحِ العامَّةِ الَّتي لاَ غِنى للنَّاسِ في حياتِهمْ عنها.
فَالإِسلامَ بريءٌ مِنْ هذا المعتقدِ الخاطئ.
وَما يجري في بعضِ البلدانِ منْ سفكٍ للدِّماءِ البريئةِ، وتفجيرٍ للمساكنِ والمركباتِ، والمرافقِ العامَّةِ والخاصَّةِ، وتخريبٍ للمنشآتِ: هوَ عملٌ إِجراميٌّ، والإِسلامُ بريءٌ منهُ.
وهكذا كُلُّ مسلمٍ يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ بريءٌ منهُ؛ وإِنَّما هوَ تصرٌّفٌ منْ صاحبِ فكرٍ منحرفٍ، وعقيدةٍ ضالَّةٍ، فهوَ يحملُ إِثمَهُ وجُرمَهُ، فلاَ يُحْتَسَبُ عملُهُ على الإِسلامِ، ولاَ على المسلمينَ المهتدينَ بهديِ الإِسلامِ، المُعتصِمينَ بالكتابِ والسُّنَّةِ، المُستمسِكينَ بحبلِ اللهِ المتينِ؛ وإِنَّما هوَ محضُ إِفسادٍ وإِجرامٍ تأْباهُ الشَّريعةُ والفطرةُ؛ ولهذا جاءتْ نصوصُ الشَّريعةِ بتحريمهِ؛ مُحذِّرةً مِنْ مصاحبةِ أَهلهِ..).
انتهى كَلامُهُ -يَرْحَمُهُ اللَّه-.
أَقُولُ -خِتاماً-:
لَقَد انْطَبَقَ عَلى هَؤلاءِ التكفِيرِيِّينَ المُنْحَرِفين، الجَهَلَةِ الضالِّينَ قَوْلُ أَئِمَّةِ العِلْمِ وَالدِّين -مُنْذُ سِنين-:
لا لِلإسْلامِ نَصَرُوا... وَلا لِلكُفْرِ كَسَرُوا...
... فَهَلاَّ تَدَبَّرُوا، وَتَفَكَّرُوا، وَعَنْ ضَلالِهِم انْقَطَعُوا وَأَدْبَرُوا؟!!
أَقُولُ قَوْلِي هَذا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم..
الخُطبة الثانية :
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالمِين -القائِلِ-: {وَمَا أَرْسَلْناكَ إلاَّ رَحْمَةً لِلعالَمِين}، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى نَبِيِّه مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- الهادِي الأَمِين -القائِل-: «إِنَّما أَنا رَحْمَةٌ مُهْداة».
أَمَّا بَعْد:
فَإِنَّ خِتامَ (سُورَةِ لإيلافِ قُرَيش) جاءَ مُتَكامِلاً مَع فاتِحَتِها، مُتَوائِماً مَعَ بِدَايَتِهَا: تَحْرِيضاً عَلى المُحافَظَةِ عَلى النِّعَم أَكْثَر، وَحَضًّا وَتَرْغِيباً عَلى استِمرارِها لأَهْلِها بِحالٍ أَوْفَرَ...
فَقَالَ -تَعالى- مُرْشِداً عِبادَه إلى شُكْرِ نِعَمِهِ العَظِيمَة، وَمِنَنِهِ الجَمَّة: {فَلْيَعْبُدوا رَبَّ هَذا البَيْت}؛ لأَنَّ اللَّهَ -تَعالى- يَقُول -مُبَيِّناً فَضْلَهُ عَلى عِبادِهِ، وَهُوَ خَالِقُهُم-: {وَما بِكُمْ مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه}، وَيَقُول -سُبْحانَه-: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا}.
فَمَا السَّبِيلُ المُوصِلُ إلى المُحافَظَةِ عَلَيْها؟! وَما الطَّرِيقُ المُؤَدِّي -بِالحَقِّ- إلَيْها؟!
قَال -تَعالى-: {لَئِن شَكَرْتُم لأَزِيدَنَّكُم، وَلَئِن كَفَرْتُم [أي: تَرَكْتُم المُحافَظَة عَلَى النِّعَم] إِنَّ عَذابِي لَشَدِيد}..
فَعِبادَةُ اللَّهِ حَقَّ العِبادَة، وَالقِيامُ بِتَوْحِيدِهِ الخالِص، وَالعِلْمُ بِالشَّرْع، والإحياءُ للسنة، وَالعَمَلُ بِأحْكامِهِ: أَكْبَرُ أَسْبابِ تَوَاصُلِ تِلْكُمُ المِنَن، وَأَجَلُّ طَرائِقِ تَعَاظُمِ هاتِيكَ النِّعَم..
ثُمَّ قَال -سُبْحانَهُ- خِتْماً لِلسُّورَةِ -وَاصِفاً نَفْسَهُ العَلِيَّة، وَذَاتَهُ المُقَدَّسَة بِصِفاتٍ بِها أَهْلُها المُخاطَبُون يَشْعُرُون، وَلآثارِها يَحُسُّون، وَلِفَضائِلِها يَلْمَسُون: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِن خَوْف}:
فَرَبَطَ -جَلَّ فِي عُلاه- عِبادَتَهُ مِنْهُم إيماناً، باطمِئْنانِهِم هُم -أَمْناً وَأَماناً-..
كَمَا وَرَد -تَماماً- فِي مُحْكَمِ قَوْلِهِ -تَعالى-: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يَلْبِسُوا إِيمانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُهْتَدُون}..
فكان الأمنُ منّة ونعمة وهبة مِن الله لعباده القائمين بحقه على الوجه الذي أمر به.
أَيُّها المُؤْمِنُون:
إِنَّ الأَمْنَ وَالأَمانَ مُرْتَبِطانِ بِالإِيمان، وَكِلاهُما مِنَّةٌ عُظْمى مِن مِنَنِ رَبِّنا الرَّحْمَن.
وَالحِرْصُ عَلَيْهِمَا مَقْصِدٌ عَالٍ مِن مَقاصِدِ الشَّرْعِ الشَّرِيف، وَأَصْلٌ تَامٌّ مِن أُصُولِ دِينِنا الحَنِيف..
وَأَمَّا ذَلِكَ الهَذَيانُ الطَّاغِي الَّذِي يُرَدِّدُهُ بَعْضُ المُدافِعِينَ بِالجَهْلِ، أَوِ المُتَلَمِّسِينَ العُذْرَ لِتِلْكُمُ الأَفْكارِ التّكْفِيرِيَّة الضالَّة -أَو أَصْحابِها بِالبَاطِلِ-؛ لِيُسَوِّغُوا ضَلالَهُم، وَيهونوا فعائلهم، وَيُمَرِّرُوا انحِرافَهُم وَغُلَواءَهُم: مِن أَنَّهُم يَقْتُلونَ -أَصالَةً- الكُفّار، وَيَقْتُلونَ -تَبَعاً- المُتَتَرَّسَ بِهِم -المُخْتَبَأَ وَراءَهُم- مِن خُلَطائِهِم المُسْلِمِين:
فَهَذا -وَاللَّهِ- مِن أَعْظَمِ الجَهْلِ وَأَكْبَرِه، وَأَشَدِّ الظُّلْمِ وَأَفْجَرِه:
فَغَيْرُ المُسْلِمين إِذا دَخَلُوا بِلادَ المُسْلِمينَ بِعَقْدِ الأَمانِ، وَعَهْدِ الإذْنِ وَالاستِئْمَان: كَانَت حُقُوقُهُم -رِعايَةً وَحِمايَةً- كَحُقُوقِ المُسْلِمينَ بِلا أَدنى فَرق؛ بَل إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ مُحَمَّداً -صلى الله عليه وسلم- قال -مُحَذِّراً مِن مُخالَفَةِ هَذا الحُكْمِ المَتِينِ-بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين-: «مَن قَتَلَ مُعاهِداً لَمْ يَرَح رائِحَةَ الجَنَّة»، و(المُعاهِدُ): هُوَ غَيْرُ المُسْلِمِ إِذا اسْتُؤْمِنَ -عَهْداً- داخِلَ بِلاد المُسْلِمين.
وَأَمَّا التَتَرُّس المُدَّعى -ذاك-: فَإِنَّ صُورَتَهُ الصَّحِيحَةَ الَّتِي ذَكَرَها أَئِمَّةُ الفِقْهِ العارِفُون، وَعُلَماؤُه الصَّادِقُون: تَخْتَلِفُ ظَهْراً لِبَطْنٍ عَن تلكم الصُّورَةِ القاتِمَةِ المُظْلِمَةِ الَّتِي يَجْهَلُها هَؤُلاء، فَتُنْتِجُ تِلْكَ الدِّمَاء، وَتَنْثُرُ هَذِهِ الأَشْلاء.. مِن شَيْخٍ هَرِم، وَامْرَأَةٍ غافِلَة، وَطِفْلٍ بَرِيء..
فَالتتَرُّسُ -بِصُورَتِهِ الفِقْهِيَّةِ الحَقَّة- ضَرورَةٌ يِلْجَأُ إِلَيْهَا الجُنْدِيُّ المُسْلِمُ مُرْغَماً عَلَيْهَا؛ لا أَنَّهُ يَتَطَلَّبُها بِغَيْرِ حَقِّها، وَيَسْعَى إِلَيْها بِنَقِيضِ حُكْمِها وَحِكْمَتِها.. {أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا}..
فَلْيَتَّقِ اللَّهَ أُناسٌ جاهِلُون، لا لِلحَقِّ هُمْ عارِفُون، وَلا لِلباطِلِ هُمْ رادُّون، بَل هُم لَهُ -وَإِن جَهِلُوا- مُؤَيِّدُونَ ناشِرُون، وَلِدُعاتِهِ وَأَصْحابِهِ ناصِرُون منتصرون ..
أَيُّها المُؤمِنُون:
إِنَّ مِن بَدائِهِ الكَلِمات، وَمُسَلَّماتِ البَيانَات أَن أَقُولَ مِن عَلى هَذا المِنْبَر:
إِنَّ مَا جَرى فِي عَمَّانَ الخَيْرِ -بِالأَمْسِ القَرِيبِ- مِن تَفْجِيرٍ، وَتَدْمِير، وَتَقْتِيل، وَنَقْضِ لِلأَمْنِ وَالأَمَان، وَهَتْكِ لِسُتُورِ الدِّينِ وَالإِيمان: أَمْرٌ منكْرٌ شديد؛ لا يُقِرُّهُ شَرْع، وَلا يُؤَيِّدُهُ عَقْل، وَلا تَنْصُرُه مَصْلَحَة، وَلا يُسَوِّغُهُ ذُو ضَمِير، وَلا يُدافِعُ عَنْه صَاحِبُ نَظَرٍ وَتَفْكِير..
فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ تِلْكَ الصَّنائِعُ الفَظَائِعُ غَدْراً خَبِيثاً مَاكِراً جَباناً -مِن وَراءِ جُدُرٍ-، تَأْنَفُ مِنْهُ الطَّبائِعُ السَّوِيَّة، فَضْلاً عَنِ الأَخْلاق الإسْلامِيَّة؟!!
وَالحَقِيقَةُ وَالواقِعُ أَنَّها كَانَت أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ، وَأَجَلّ: لقد كان هذا الفعل غَدْراً مُضاعَفاً كُبَّاراً؛ قَلَبَ الأَفْراحَ أَتْراحاً، وَالهَناءَ عَزاءً، وَالبَسَماتِ عَوِيلاً وَبُكاءً، وَالدَّواءَ داءاً، وَالشِّفَاءَ بَلاءاً، وَالوُرودَ دَماءً، وَالأَجْسادَ أَشْلاءً..
وَلَسْتُ أدري -بَل إِنَّنِي أَدْرِي-:
هَل هَذِهِ المَواقِعُ المُسْتَهْدَفَة -مِن هَذِهِ الفِئَةِ الضالَّةِ المُنْحَرِفَة- ساحَاتُ جِهادٍ وَأَعْدَاء، وَمَواقِعُ قِتالٍ وَفِداء؟!
أَمْ أَنَّها أَماكِنُ كَمَالِ أَفْراحٍ، وَتَرابُطِ أُسَرٍٍ، وَتَواصُلِ أَرْحامٍ، وَتَبادُلِ مَوَدَّاتٍ، وَتَقَابُلِ مَسَرَّات؟!
تَاللَّهِ، وَبِاللَّهِ، وَوَاللَّه: إِنَّ الفَاعِلَ لِهَذَا، وَالمُتَلَبِّسَ بِهِ -وَمَن وَراءَه-كائِناً مَن كَان، وَإِلى أَيِّ ذَرِيعَةٍ واهِيَةٍ استْكَان- مُجْرِمٌ جَبان، وَدَنِيءٌ فَتَّان؛ لَمْ يَرْقُب فِي عَامَّةِ المُسْلِمينَ إِلاًّ وَلا ذِمَّة، وَلَم يُراعِ حَقَّ صِيانَةِ المُجْتَمَعِ وَالأُمَّة..
وَإِنَّنا لِنَدْعُو رَبَّنا -جَلَّ وعلا- مُخْلِصِين-: أَن يُوَفِّقَ مَلِيكَنَا، وَوَلِيَّ أَمْرِنا -حَفِظَهُ اللَّه، وَجَمَّلَهُ بهداه وِتَقْواه- لِمَزِيدٍ مِنَ السَّعْيِ الدَّؤُوبِ الحَثِيث؛ الَّذِي مَا فَتِئَ -حفظه الله- يَجْهَدُ فِيه، وَيَجِدُّ فِي تَحْقِيقِه: تَعْرِيفاً لِدُوَلِ العَالَمِ أجمع بِحَقِيقَةِ دِينِ الإِسْلام، وَمَواقِفِهِ السَّدِيدَةِ العِظَام، وَبَراءَتِهِ مِن أَفْعالِ أُولَئِكَ الغُلاةِ الجَهَلَةِ الطَّغَام..
وَرَسُولُنا -صلى الله عليه وسلم- يَقُول: «مَن لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّه»؛ فَالشُّكْرُ -كُلُّه- مُوَجَّهٌ لِمَلِيكِنا -جَزاهُ اللَّهُ خَيْراً، وَزَادَهُ فَضْلاً وَبِرًّا- فِي رِعايَتِهِ، وَحِياطَتِهِ، وَسَهَرِهِ، وَحَدَبِه، وَحرصه، وحِراسَتِه..
وَما (رِسالَةُ عَمَّان) -السَّبَّاقَةُ فِي شَرْحِ رِسالَةِ الإِسْلام الحَقّ الوسطيّة- الَّتي أَطْلَقَها -حَفِظَهُ اللَّه وَرَعاه- قَبْلَ أَكْثَرَ مِن عام: إِلاَّ دَليلاً قَوِيًّا، وَبُرْهاناً جَلِيًّا عَلَى عِزَّتِهِ بِهَذا الدِّين وَصَفائِهِ، وَاعْتِزازِهِ بِجَمالِهِ وَنَقائِه، وَحِرْصِهِ عَلى تَقَدُّمِهِ وَبَقائِه؛ مِمَّا يَسْتَدْعِي لُزُومَ طاعَتِهِ بِالحَقِّ المَأْلُوف، وَوُجوبَ التِزامِ أَمْرِهِ بِالبِرِّ وَالمَعْرُوف …
وَإِنِّي لأُخَوِّفُ هَؤُلاءِ الفاعِلِين بِرَبِّ العالَمِين -إِن كَانُوا بِهِ مُؤمِنينَ مُوَحِّدِين، وَلِحُكْمِهِ مُقِرِّينَ مُذْعِنِين- مُبَيِّناً لَهُم مَا يَجْهَلُون، وَمُعَرِّفاً إِيَّاهُم مَا لا يَعْلَمُون:
وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ -تَعالى-، وَيَكُفُّوا عَن فَعَائِلِهِم المُنْكَرَةِ الدنيئة هَذِه، وَأَن يَكْفُوا المُسْلِمِينَ وَبِلادَهُم شَرَّهُم، وَأَنْ يَرْجِعُوا إلى الحَقِّ، وَيَرْحَمُوا الخَلْقَ؛ بَدَلاً مِن هَذا الطُّغْيانِ الطَّاغِي الَّذِي يَنْشُرُونَهُ فِي الأُمَّةِ -بَل فِي العالَم أَجْمَعَ- بِاسْمِ الإِسْلامِ، وَلَيْسَ فِيِهِ مِنْهُ وَلَوْ أَدْنَى قولٍ أو كَلاَم.
هَذَا حُكْمُ اللَّهِ وَشَرْعِه، لَيْسَ الهَوَى، وَلا التَّأَلِّي، وَلا الجَهْلَ الفارِغ، وَلا الحَماَسَةَ الفاسِدَة …
{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُون حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجَاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.
أَسْأَلُ اللَّهَ العَظِيمَ -جَلَّ فِي عُلاه، وَعَظُمَ فِي عالي سَماه- أَن يَهْدِيَ هَؤُلاءِ الضالِّين المارِقين، أو أَن يَأْخُذَهُم -سُبحانَه- أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِر؛ وَيُخَلِّصَ الأُمَّةَ مِن شَرِّهِم، وَضَرَرِهِم: لِيَكُونُوا عِبْرَةً لِلمُعْتَبِرِين، وَسَبَباً يَرْتَدِعُ بِهِ، وَيَرْجِعُ بِسَبَبِهِ: مَن لا يَزَالُونَ بِهِمْ مُغْتَرِّين، وَبِفَعائِلِهِم مَغْرُورِين؛ إِنَّهُ -سُبْحانَهُ- سَمِيعٌ مُجِيب.
كَمَا أَسْأَلُهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعالى- أَن يُجَنِّبَ بِلادَنا وبلاد المسلمين الفِتَنَ وَالمِحَن -مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن- إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقادِرُ عَلَيْه.
هَذِي بِلادي وَالإلَهُ حَفِيظُها
أَمْناً وَإِيماناً بِكُلِّ أمانِ
أَهْلُ الضَّلالَةِ وَالغُلُوِّ بِساحِها
لاَ لَن يَدُومُوا ساعَةً بِزَمانِ
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّم وَبارَك عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين..
{وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تنْهى عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون}.
حكم العمليات الإنتحارية
من كتاب(السلفيون و قضية فلسطين)
للشيخ مشهور بن حسن ال سلمان حفظه الله
r نماذج من فتاوى علماء العصر الربانيين
هذه نماذج من فتاوى علماء العصر، يظهر من خلالها أن المنع لما يترتب على هذه الفتاوى من أضرار، فأطلق المانعون الحرمة لهذا الاعتبار، لا لحرمة العدو، إو إقراراً له على احتلاله واغتصابه، وقتله وبطشه! ويمكن أن نجعل هذه المحاذير بمثابة قيود للحل! فتضيق الهوة بين المختلفين، وتتقارب وجهات نظرهم، وينحصر([1]) الخلاف بينهم!
r فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه اللّه تعالى-
للشيخ ابن عثيمين -رحمه اللّه- كلام في أكثر من مكان على هذه العمليات، المتأمل فيه يجد أن الشيخ يمنع العمليات القائمة في بلاد فلسطين وغيرها، تقديراً منه على أن الأضرار فيها غالبة على وجه ظاهر عنده، ومن أنعم النظر في كلامه يجد أن هذه العمليات -عنده- لها وجود بقيود في الشرع، فإدراجه ضمن المانعين لها بإطلاق ليس بصحيح([2]).
قال في «شرح رياض الصالحين» (1/165-166) في شرح حديث قصة أصحاب الأخدود، محدِّداً الفوائد المستنبطة منه: «إن الإنسان يجوز أن يغرر بنفسه في مصلحة عامَّة للمسلمين، فإن هذا الغلام دلَّ الملك على أمر يقتله به ويهلك به نفسه، وهو أن يأخذ سهماً من كنانته... إلخ.
قال شيخ الإسلام: «لأنَّ هذا جهاد في سبيل اللّه، آمَنَت أمَّة وهو لم يفتقد شيئاً؛ لأنَّه مات، وسيموت آجلاً أو عاجلاً».
فأمَّا ما يفعله بعض الناس من الانتحار، بحيث يحمل آلات متفجرة ويتقدّم بها إلى الكفار، ثم يفجرها إذا كان بينهم، فإن هذا من قتل النفس والعياذ باللّه، ومن قتل نفسه فهو خالد مخلد في نار جهنم أبد الآبدين، كما جاء في الحديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام-([3]).
لأن هذا قتل نفسه لا في مصلحة الإسلام؛ لأنه إذا قتل نفسه وقتل عشرة أو مئة أو مئتين، لم ينتفع الإسلام بذلك، فلم يُسلم الناس، بخلاف قصة الغلام، وهذا ربما يتعنت العدو أكثر ويُوغر صدره هذا العمل، حتى يفتك بالمسلمين أشدّ فتك.
كما يوجد من صنع اليهود مع أهل فلسطين، فإن أهل فلسطين إذا مات الواحد منهم بهذه المتفجرات، وقتل ستة أو سبعة، أخذوا من جراء ذلك ستين نفراً أو أكثر، فلم يحصل في ذلك نفع للمسلمين، ولا انتفاع للذين فُجرت المتفجرات في صفوفهم.
ولهذا نرى أنَّ ما يفعله بعض الناس من هذا الانتحار، نرى أنه قتل للنفس بغير حق، وأنَّه مُوجب لدخول النار -والعياذ باللّه-، وأن صاحبه ليس بشهيد، لكن إذا فعل الإنسان هذا متأولاً ظاناً أنه جائز، فإننا نرجو أن يَسلَم من الإثم، وأمَّا أن تكتب له الشهادة فلا؛ لأنه لم يسلك طريق الشهادة، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر» انتهى كلامه.
إذاً؛ الشيخ ابن عثيمين -رحمه اللّه- يرى أن النتائج المترتبة على هذه العمليات، هي التي تقرر مشروعيتها من عدمها، وأن في تقدير الشيخ أن ما يقوم به أهل فلسطين ممنوع؛ لما يترتب عليه من آثار سيئة في حق سائر أفراد الشعب، وقد صرح بذلك في «اللقاء الشهري» (20)، وهذا نص السؤال والجواب بالحرف:
«السؤال: فضيلة الشيخ! علمت -حفظك اللّه- ما حصل في يوم الأربعاء من حادث قُتل فيه أكثر من عشرين يهودياً على يد أحد المجاهدين، وجرح فيه نحو خمسين، وقد قام هذا المجاهد فلفّ على نفسه المتفجرات، ودخل في إحدى حافلاتهم ففجَّرها، وهو إنما فعل ذلك:
أولاً: لأنه يعلم أنه إن لم يقتل اليوم قُتل غداً؛ لأنّ اليهود يقتلون الشباب المسلم هناك بصورة منتظمة.
ثانياً: إن هؤلاء المجاهدين يفعلون ذلك انتقاماً من اليهود الذين قتلوا المصلين في المسجد الإبراهيمي([4]).
ثالثاً: إنهم يعلمون أن اليهود يخططون هم والنصارى للقضاء على روح الجهاد الموجودة في فلسطين.
والسؤال هو: هل هذا الفعل منه يعتبر انتحاراً أو يعتبر جهاداً؟ وما نصيحتك في مثل هذه الحال، لأننا إذا علمنا أن هذا أمر محرّم لعلنا نبلغه إلى إخواننا هناك، وفقك اللّه؟
الجواب: هذا الشاب الذي وضع على نفسه اللباس الذي يقتل، أول من يقتل نفسه، فلا شك أنه هو الذي تسبب في قتل نفسه، ولا يجوز مثل هذه الحال إلا إذا كان في ذلك مصلحة كبيرة للإسلام، فلو كانت هناك مصلحة كبيرة ونفع عظيم للإسلام، كان ذلك جائزاً.
وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللّه- على ذلك، وضرب لهذا مثلاً بقصة الغلام، الغلام المؤمن الذي كان في أمة يحكمها رجل مشرك كافر، فأراد هذا الحاكم المشرك الكافر أن يقتل هذا الغلام المؤمن، فحاول عدة مرات، مرة ألقاه من أعلى جبل، ومرة ألقاه في البحر، ولكنه كلما حاول ذلك نجى اللّه ذلك الغلام، فتعجب هذا الملك الحاكم، فقال له الغلام يوماً من الأيام: أتريد أن تقتلني؟ قال: نعم، وما فعلت هذا إلا لقتلك، قال: اجمع الناس في صعيد واحد، ثم خذ سهماً من كنانتي، واجعله في القوس، ثم ارمني به، قل: بسم اللّه ربّ الغلام. وكانوا إذا أرادوا أن يسموا، قالوا: باسم الملك، لكن قال له: قل: بسم اللّه رب هذا الغلام.
فجمع الناس في صعيد واحد، ثم أخذ سهماً من كنانته، ووضعه في القوس، وقال: بسم رب هذا الغلام، وأطلق القوس، فضربه، فهلك، فصاح الناس كلهم: الرب ربّ الغلام، والربّ ربّ الغلام، وأنكروا ربوبية هذا الحاكم المشرك؛ لأنهم قالوا هذا الرجل الحاكم فعل كل ما يمكن أن يهلك به هذا الغلام، ولم يستطع إهلاكه، ولما جاءت كلمة واحدة: بسم اللّه رب هذا الغلام، هلك، إذاً مدبر الكون؛ هو: اللّه، فآمن الناس.
يقول شيخ الإسلام: هذا حصل فيه نفع كبير للإسلام.
وإن من المعلوم، أن الذي تسبب في قتل نفسه هو هذا الغلام لا شك، لكنه حصل بهلاك نفسه نفع كبير؛ آمنت أمة كاملة، فإذا حصل مثل هذا النفع، فللإنسان أن يفدي دينه بنفسه، أما مجرد قتل عشرة أو عشرين دون فائدة، ودون أن يتغير شيء ففيه نظر، بل هو حرام، فربما أخذ اليهود بثأر هؤلاء فقتلوا المئات، والحاصل أن مثل هذه الأمور تحتاج إلى فقه وتدبر، ونظر في العواقب، وترجيح أعلى المصلحتين ودفع أعظم المفسدتين، ثم بعد ذلك تقدّر كل حالة بقدرها»([5]).
وسئل الشيخ -رحمه اللّه تعالى- بما يلتقي مع الجوابين السابقين، وفيه زيادة في حكم من فعل ذلك مجتهداً وقد أخطأ في تقدير المصالح والمفاسد، وهذا نص السؤال والجواب:
السؤال: ما الحكم الشرعي فيمن يضع المتفجرات في جسده، ويفجر نفسه بين جموع الكفار نكاية بهم؟ وهل يصح الاستدلال بقصة الغلام الذي أمر الملك بقتله؟
الجواب: «الذي يجعل المتفجرات في جسمه من أجل أن يضع نفسه في مجتمع من مجتمعات العدو، قاتل لنفسه، وسيعذب بما قتل به نفسه في نار جهنم خالداً فيها مخلداً، كما ثبت ذلك عن النبي فيمن قتل نفسه في شيء يعذب به في نار جهنم.
وعجباً من هؤلاء الذين يقومون بمثل هذه العمليات، وهم يقرؤون قول اللّه -تعالى-: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}، ثم فعلوا ذلك، هل يحصدون شيئاً؟ هل ينهزم العدو؟! أم يزداد العدو شدة على هؤلاء الذين يقومون بهذه التفجيرات، كما هو مشاهد الآن في دولة اليهود، حيث لم يزدادوا بمثل هذه الأفعال إلا تمسكاً بعنجهيتهم، بل إنا نجد أن الدولة اليهودية في الاستفتاء الأخير نجح فيها (اليمينيون) الذين يريدون القضاء على العرب.
ولكن من فعل هذا مجتهداً ظاناً أنه قربة إلى اللّه -عز وجل- فنسأل اللّه -تعالى- ألا يؤاخذه؛ لأنه متأول جاهل...
وأما الاستدلال بقصة الغلام، فقصة الغلام حصل فيها دخول في الإسلام، لا نكاية في العدو، ولذلك لما جمع الملك الناس، وأخذ سهماً من كنانة الغلام، وقال: باسم اللّه رب الغلام، صاح الناس كلهم، الرب رب الغلام، فحصل فيه إسلام أمة عظيمة، فلو حصل مثل هذه القصة لقلنا إن هناك مجالاً للاستدلال، وأن النبي قصها علينا لنعتبر بها، لكن هؤلاء الذين يرون تفجير أنفسهم إذا قتلوا عشرة أو مئة من العدو، فإن العدو لا يزداد إلا حنقاً عليهم وتسمكاً بما هم عليه»([6]).
r فتوى الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني -رحمه اللّه تعالى-
لشيخنا محدث هذا العصر محمد ناصر الدين الألباني -رحمه اللّه- كلام حول حكم هذه العمليات، مفاده ومؤداه لا يخرج عما سبق تقريره في فتوى الشيخ ابن عثيمين([7])، وقد أخطأ عليه كثير من الشانئين، فأكلوا لحمه، وأقاموا عليه الدنيا وما أقعدوها، كشأنهم في حرب الخليج، ولما هدأت الأحوال، تبيَّن لهم أن صنيعهم رماد، وأنهم علقوا الناس بسراب، وأنهم متعجِّلون، وهيهات لهم -في وقت الأحداث الجسام- أن يمسكوا ألسنتهم، لأنه لا وجود لهم إلا بها، ووجودهم صياح وعويل، دون ثمرة أو تأصيل، وزمن (العواطف) ولَّى أو كاد، ولن يبقى الوجود -إن شاء اللّه تعالى- إلا للأصيل، الذي أحكم تصوراته وأفعاله وأقواله بالدليل، على قواعد أهل العلم والتبجيل، وهذا أول النصر، لا سيما لهذا الجيل.
إن فتوى الشيخ -رحمه اللّه تعالى- تدور على الجواز بشروط، من أهمِّها: أن يقع تقدير المصالح المترتبة عليها من أمير للجيش، وإلا دبَّت الفوضى. وأن تقدير الشيخ -رحمه اللّه- في العمليات التي وقعت في (فلسطين) -أعادها اللّه إلى حضيرة الإسلام والمسلمين- لم تترتب عليها الآثار المتوخّاة في الشرع، ولهذا فهو يمنعها([8])، مع قوله -فيما سمعتُ منه-: «إنَّ مآل أصحابها إلى اللّه -عز وجل-، أرجو اللّه أن يتقبَّلهم»([9]).
وهذا نص كلامه -رحمه اللّه تعالى- في هذه العمليات:
السائل: بعض الجماعات تقر الجهاد الفردي مستدلة بموقف الصحابي أبي بصير، وتقوم بما يسمى بعمليات استشهادية (وأقول: انتحارية)، فما حكم هذه العمليات؟
فأجاب الشيخ بالسؤال:
كم صار لهم...؟
السائل: أربع سنوات.
فقال الشيخ ناصر: ربحوا أم خسروا؟
السائل: خسروا.
فقال الشيخ ناصر: من ثمارهم يعرفون([10]).
السائل: بالنسبة للعمليات العسكرية الحديثة، فيه قوات تسمى بالكوماندوز، فيكون فيه قوات للعدو تضايق المسلمين، فيضعون فرقة انتحارية تضع القنابل ويدخلون على دبابات العدو، ويكون هناك قتل... فهل يعد هذا انتحاراً؟
الجواب: لا يعد هذا انتحاراً؛ لأنّ الانتحار؛ هو: أن يقتل المسلم نفسه خلاصاً من هذه الحياة التعيسة... أما هذه الصورة التي أنت تسأل عنها، فهذا ليس انتحاراً، بل هذا جهاد في سبيل اللّه... إلا أن هناك ملاحظة يجب الانتباه لها، وهي أن هذا العمل لا ينبغي أن يكون فردياً شخصياً، إنما هذا يكون بأمر قائد الجيش... فإذا كان قائد الجيش يستغني عن هذا الفدائي، ويرى أن في خسارته ربح كبير من جهة أخرى، وهو إفناء عدد كبير من المشركين والكفار، فالرأي رأيه ويجب طاعته، حتى ولو لم يرض هذا الإنسان فعليه الطاعة...
الانتحار من أكبر المحرمات في الإسلام؛ لأنّ ما يفعله إلا غضبان على ربه ولم يرض بقضاء اللّه... أما هذا فليس انتحاراً، كما كان يفعله الصحابة يهجم الرجل على جماعة (كردوس) من الكفار بسيفه، ويعمل فيهم بالسيف حتى يأتيه الموت، وهو صابر؛ لأنه يعلم أن مآله إلى الجنة... فشتان بين من يقتل نفسه بهذه الطريقة الجهادية وبين من يتخلص من حياته بالانتحار، أو يركب رأسه ويجتهد بنفسه، فهذا يدخل في باب إلقاء النفس في التهلكة([11]). (ا.هـ)
: نخلص مما تقدم إلى ما يلي:
أولاً: إن مشايخ الدعوة السلفية (الألباني، ابن عثيمين، وغيرهما) لا يمنعون العمليات لذاتها([12])، وإنما يعلِّقون حكمها بما يترتَّب عليها، ومن نقل عنهم خلاف ذلك فهو مخطئ.
ثانياً: إنهم يفرقون بين مفرداتها، وينظرون إلى ملابساتها وظروفها، واختلاف أزمنتها وأمكنتها بحسب الحالة التي تقع فيها هذه العمليات: هل هي حالة ضرورة لا غنى عن القيام بها، أم لا؟، ويفرقون -أيضاً- بين حكمها ومآل القائمين عليها عند اللّه -عز وجل-.
ثالثاً: إن (أمر قائد الجيش) من شروط القيام بهذه العمليات، إذ هي من (جهاد الطلب)، ولا يتصور ذلك إلا بأمير، أما (جهاد الدفع) فلا يحتاج إلى أمير ولا إلى إذنه، سمعتُه من شيخنا الألباني -رحمه اللّه تعالى- أكثر من مرة.
رابعاً: تقدير المشايخ في هذه العمليات التي جرت على أرض فلسطين، أن النتائج السلبية المترتبة عليها أكثر من مصالحها، فهم يمنعونها لهذا الملحظ، ومناقشتهم ينبغي أن تحصر في هذا المطلب، وأن يكون بالحجج والبراهين، مع معرفة قدر هؤلاء الربانيين، دون تبجح واتّهام، وإلا -واللّه- (على نفسها تجني براقش)!
وأما تقدير المجوزين([13]) للمصالح فيها، وتغليبها على المفاسد، فهو (حقٌّ) من وجهة نظرهم، ولكن... ينقصه (العدل)، وللّه سنن لا تحابي أحداً، والسعيد والموفّق من انشغل بواجب الوقت، وأحسن فيما يستطيع من القيام به من واجبات، وتوسَّع فيها، وتوصل من خلال هذا التوسع إلى الذي كان لا يستطيعه، وأما ترك ما نستطيع، بحجة إيجاد ما لا نستطيع، فهذا يضيِّع الأمرين، ويهمل الواجبين، وهو من صنيع المخذولين المحرومين.
([3]) يريد: ما أخرجه البخاري (5778)، ومسلم (109) ضمن حديث فيه: «ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً فيها أبداً».
([4]) قام يهوديٌّ حاقد، اسمه (جولدشتاين) بقتل أكثر من خمسة وثلاثين مصلياً في المسجد الإبراهيمي بالخليل، أثناء أدائهم لصلاة الفجر من يوم الجمعة 15/رمضان/ 1414هـ.
([6]) مجلة «الفرقان» الكويتية (العدد 79) (ص 18-19)، وجريدة «الفرقان» الكويتية، 28 صفر/العدد (145) (ص 20).
([8]) القول بأن الشيخ يمنع هذه العمليات من أصلها ليس صحيحاً، ومن أراد أن يحرر مذهب عالم أو باحث أو شيخ أو مفت، فعليه أن يرجع إلى كلام صاحبه دون واسطة، وأن يعمل على جمع ما ورد عنه، فإن تعذر؛ فالرجوع إلى العارفين به، ولا سيما أن للشيخ تلاميذ معروفين، وأما الاقتصار على كلام أو فتوى دون إحاطة، والتلويح به وتحميله ما لا يحتمل، وسياقه في معرض التنفير منه، ومن منهجه؛ فهذه من ألاعيب الحزبيين، وسرعان ما يظهر عواره، و(حبل الكذب قصير)، وللكلام صلة تأتي في تعليقي على كلام الشيخ، واللّه المسدد.
([9]) مآل القائمين بهذه العمليات إلى اللّه -عز وجل-، ولا يجوز لأحد -كائن من كان- إلا أن يعلق الأمر هكذا، وتقدم هذا في كلام الشيخ ابن عثيمين -أيضاً-، ويقول الشيخ صالح السدلان -حفظه اللّه- بعد تقريره المنع: «ثم نأتي على بعض الصور من الأعمال الانتحارية، التي يقوم بها بعض المسلمين بقصد إغاظة العدو، وإن كان فعله لا يقدم ولا يؤخر، ولكن مع كثرة هذا الفعل ربما يضعف العدو أو يخيفه، كما قد يحدث في الأعمال الانتحارية التي لم تحقق من الأهداف ولا خمسة في المئة من هدف المنتحرين، فهذا العمل الذي يقوم به بعض الأشخاص يختلف من شخص لآخر، فربما يكون هذا الذي= =يقوم بعمل فدائي انتحاري يكون قد أثّر عليه من قبل من يرى ذلك، فيدخل بنية أنه مقاتل ومجاهد ومدافع عن مبدأ أو شعار أو غير ذلك، فإن كان هذا المبدأ حقاً، وهذا المنتحر إنما اعتمد على من يقول بجواز ذلك فقد لا يسمى هذا قاتلاً لنفسه؛ لأنه معذور بسبب ما يقال ويسمع». انظر جريدة «الفرقان» (العدد 145) (ص 21).
([12]) أفتى الأستاذ القرضاوي بحماس ولهجة شبابية، ولغة فيها اندفاع وحط على الرأي المخالف: بجواز هذه العمليات. انظر: مجلة «المجتمع» الكويتية، العدد (19/3/ 1996م)، رقم (1201) (ص 50-51)، ومجلة «فلسطين المسلمة» (العدد التاسع) أيلول/ 1996م. بينما (تقديراً لما يترتب عليها من أضرار) منع ما حصل أخيراً في الولايات المتحدة الأمريكية، فتأمل ولا تكن من الغافلين.
([13]) قياسهم ما يجري على أرض فلسطين بالعمليات التي حصلت في لبنان، وأدّت إلى هزيمة القوات الفرنسية والأمريكية، وبما حصل في السودان، وأدّت إلى هزيمة الجيش الأوغندي -في نظري- قياس غير صحيح، ولو سنح في البال، وقام في الخيال أن (اليهود) سيتركون (فلسطين) على إثر تصعيد هذه العمليات -ولو على مجرد الاحتمال- ما منعها أحد، ولأفتوا بمشروعيتها على استعجال! بلا (إمهال).
بسم الله الرحمن الرحيم
السلفيون بريئون من الأعمال الإرهابية
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ، وبعد :
فإنَّ الله أرسل رسوله بالهدى ، ودين الحق ؛ ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون ، وإنَّ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي ترجمة عملية لشريعة الله سبحانه وتعالى ؛ التي أوحاها إليه ، والتي أمره الله باتباعها في قوله تعالى : ) ثمَّ جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتبعها ولاتتبع أهواء الذين لايعلمون * إنَّهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإنَّ الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين ( ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الغدر ، والخيانة ، ويأمر بالصدق والعفاف ، والأمانة ، فقد كان صلى الله عليه وسلم : (( إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ، ومن معه من المسلمين خيرا ، ثم قال : اغزوا باسم الله في سبيـل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ، ولا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا ، وليدا )) رواه مسلم ، وفي رواية الطبراني في المعجم الصغير برقم الحديث 340 : (( ولا تجبنوا ، ولا تقتلوا وليدا ، ولا امرأة ، ولا شيخا كبيرا )) فحرَّم الرسول صلى الله عليه وس