مؤاخاة الرسول بين عبدالرحمن بن عوف وسعد بن الربيع

 

عن ابراهيم بن سعد عن ابيه عن جده؛ قال:

قال عبدُ الرحمن بن عوق (رضى الله عنه): لمَّا قَدِمنا المدينة؛ آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينى وبين سعد بن الرَّبيع.

فقال سعدُ بنُ الرَّبيع: إنَّى اكثُر الأنصار مالاً، فأقسمُ لك نصفَ مالى، وانظرْ أىَّ زوجتَّى هَويتَ؛ نَزَلْتُ لك عنها، فإذا حلَّتْ؛ تزوَّجْتَها.

قال: فقال له عبدُ الرحمن: لا حاجة لى فى ذلك هل من سوقٍ فيه تجارةٌ؟

قال: سوقُ قينُقاع.

قال: فغدا إليه عبدُ الرحمن، فأتى بأقِطٍ(1) وسمنٍ.

قالَ: ثمَّ تابعَ الغُدُوَّ، فما لبِثَ أن جاءَ عبدُ الرحمن عليهِ أثُر صُفرةٍ(2).

فقال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "تَزَوَّجْتَ؟".

قال: نعم

قال: "ومّنْ؟".

قال: امرأةً من الأنصار.

قال: "كم سُقْتَ؟".

قال: زِنَةَ نواةٍ(3) من ذهب – أو نَواةً من ذهب.

فقال له النبىُّ صلى الله عليه وسلم: "أوْلِمْ ولو بشاةٍ"(4).

***

"فقال سعدُ بنُ الرَّبيع: إنَّى اكثُر الأنصار مالاً، فأقسمُ لك نصفَ مالى".

لم يَقُل: إنى ذو مال.

لم يَقُل: إنى ذو مالٍ قليل.

لم يبحث عن فتاوى ومعاريض لإنكار المال.

ولم يقل: إنَّ علىَّ ديوناً كثيرةً؛ ليصدَّ به أخاه.

أوليس هذا – مع الأسف – شأنُنا وحالُنا؟!

***

"فأقسم لك نصف مالى"!

لا يُريد أن يعطيه دراهم محدودة أو دنانير معدودة! ولكن نصف المال!

ياللعجب من هذه النفوس!

إنها نفوسٌ غير النفوس التى نعرف ونشاهد.

نفوسٌ استمدَّت هذا الخلق الزكىَّ من كتاب الله (تعالى)

***

"أقسم لك نصفَ مالى"!

إننا مع الأسف نرى ذوى الأرحام والأقارب – لبُعْدِهم عن الدين – قد أقصَوْا هذا التعامل بينهم.

كيف بسعدٍ يفعل هذا مع عبد الرحمن بن عوف (رضى الله عنهما)؟

إنَّها الأخوَّة فى الله (عزَّ وجلَّ).

. . .آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بنِ الرَّبيع.

آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأى أخوَّة أعظم من هذه الأخوَّة؟

أى أُلفةٍ أحسن من هذه الألفة؟

أى محبَّة تفوق هذه المحبة؟

مؤاخاة الرسول صلى الله عليه وسلم لهما.

. . .مؤاخاة الدين.

يا لها من مؤاخاة فى الله (تعالى) يُنقَّى القلوب، ويجعلها تتطلَّع إلى السماء، يجعلها تنظر للآخرة. . . يجعلها تسير فى درب الإيثار وطريق التَّضحية وسبيل الوفاء والبذل والعطاء؛ دونما كَلَل أو تعب.

هل أراد سعد أن يُضيّع ماله؟

لا؛ بل هذه وسيلة طيَّبة لاستثمار المال وعدم تعطيله.

إنه الإستثمار فى الدَّار الآخرة.

انظر إلى مَن يملكون آلاف الآلاف كيف أضاعوا آخرتهم؟

إنهم – على القواعد التجارية – لم يحسنوا استخدام أموالهم، بل وجمَّدوها!

كيف ذلك؟!

هذا الذى يملك المبالغ الضخمة العظيمة، ماذا سيصرفُ هو وأبناؤه منها فى الطعام والشراب واللباس والبناء ونحو ذلك؟

هل سيأخذ أكثر من حاجته؟

وما الذى استفاده من الباقى؟

الاحتفاظ بأرقام وهمَّية فقط، لا تغيَّر فى حياته إلا السمعة والرياء.

كم سيَّارة يركب من يملك مائة ألف سيارة مثلاً؟! فليكنْ لكلَّ فردٍ سيارة، ولن ننسى الاحتياط أيضاً، ولكن؛ أيركب مائة أو ألفاً منها فى ذهابه وإيابه؟!

وإذا ما وُضِع امامه عند الغداء مائة دجاجة مشويَّة ومائة خروف محشوَّة؛ فماذا سيأكل منها؟!

أم يقضى وطره من الموجود ويذر الباقي؟

فلو أنَّ هؤلا الأغنياء الأثرياء الموسرين أنفقوا فى سبيل الله؛ لكان خيراً لهم فى دينهم ودُنياهم، فكان الثراء حليفهم فى الدُّنيا والآخرة.

ثمَّ لا ستحقَّ هؤلاء الحسد الذى ذكَرَهُ صلى الله عليه وسلم، فقال: "لا حسد إلا فى اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالاً، فهو يُنفِقُه آناء الليل وآناء النهار"(5).

***

"وانظرْ أىَّ زوجتَّى هَويتَ؛ نَزَلْتُ لك عنها، فإذا حلَّتْ؛ تزوَّجْتَها".

هل قائل هذا من البشر؟!

هل قائله من لحمٍ ودمٍ؟!

هل هذه القصة حصلت فى عالم الواقع؟!

أجل؛ قائله من البشر، جسمه من لحم ودم، ولكنه عاش مع كتاب4 الله (تبارك وتعالى)، وتربى على يد النبى صلى الله عليه وسلم.

عاش مع العلم والعمل والإخلاص.

. . .شعورٌ باللَّذَّة وهو يفرَّجُ كرب أخيه.

إحساسٌ بالمتعةِ وهو ينفَّسُ مُصابَه.

ما كان مثل هؤلاء ليَزْهَدوا ينسائهم؛ لأنهم كانوا خيار الناس وأفاضلهم وكانوا خير الناس لنسائهم.

وأمثالهم لا ينسون قوله صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلى"(6).

إنهم مع حبَّهم ووفائهم لزوجاتهم يقدَّمون حبَّ الله على حبَّ نسائهم.

إنهم مع هذا الحبَّ الجمَّ يؤثرون رضوان الله (تعالى) على هذا الودَّ.

إنَّهم مع رقَّة مشاعرهم وصدقِ احاسيسهم ووفائهم لنسائِهم يؤثرون إخوانَهم واحبابَهم؛ طمعاً فيما عند الله (تبارك وتعالى).

اسمعوا يا مَن تبحثون لبناتكم عن أزواج أثرياء غير سائلين عن دينهم!

اسمعوا يا من تحبثون لبناتكم عن ذوى الجاه والمناصب والسمعة قول سعد (رضى الله عنه)!

اسمعوا يا من تتعذَّرون بالمعاذير الكاذبة عندما يأتى الفقراء يخطبون بناتكم.

. . . معاذير استكمال الدراسة وأخواتها من الأكاذيب!

تنازل عن الأموال والنَّساء!

فهلا تنازَلْنا من أموالنا للفقراء والمساكين والمحتاجين!

هلاَّ ساعَدْنا الشباب الظامىء للزَّواج ليغضَّ بصره ويعقَّ نفسَه ويحصنَ فرجَه!

نساعدهم بالأموال، وبكل ما نستطيع.

 لا نعقَّد أماهم الزواج بالمؤجَّل والمعجَّل وإقام الحفلات.

***

"قال له عبدُ الرحمن: لا حاجة لى فى ذلك، هل من سوقٍ فيه تجارةٌ؟ قال: سوقُ قينُقاع".

". . .لا حاجة لى فى ذلك، هل من سوقٍ فيه تجارةٌ؟"

لم يستغلَّ عبدُ الرحمن بن عوف (رضى الله عنه) أخاه، ولم يقُلْ فى نفسه: إنَّ أخى أكثر الناس مالاً، فلو أخَذْتَ شيئاً منه؛ لما ضرَّه!

لم يقبل المال، فكيق به يقبل أهله؟!

بيْد أنه سأله عن السوق، حتى لا يرزأ منه شيئاً، وليسدَّ حاجته، ويستر نفسه.

وكذلك فعَلَ، وبارك الله (تعالى) له، ويسَّر الله (سبحانه) له الزواج، والله (تعالى) فى عون من أراد النَّكاح ليُعِفَّ نفسه، وفى ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"ثلاثةٌ حقُّ على الله (تعالى) عونُهم: النَّاطح الذى يريد العفاف، والمكاتِب(7) الذى يريد الأداء، والغازى فى سبيل الله"(8).

هذه هى النفوس العفيفة النقيَّة الطاهرة.

هذه هى النفوس الصافية الطيَّبة.

لقد سجَّل هذان الصحابيَّان الجليلان مزاقف مضيئة فى صفحات التاريخ، ستظل تشرق فى النفوس، فتحفزها على الإيثار والوفاء والعمل الطيَّب والتوكُّل على الله (تعالى)، فبأىَّ منها تشبَّهْتَ افْلَحْتَ بإذن الله (تعالى).

وفى هذا يقول الشاعر:

فَتَشَبَّهُوا إنْ تَكُونُوا مَثْلَهُمْ

                                                إنَّ التَّشَبُّهَ بالكِرامِ فَلاحُ

***

 

 

 

 

 

 

 


-------------------------------

(1)      الأقِط: لَبن مجفَّف يابس مستحجر يُطبخ به."النهاية".

(2)      صُفر الخلوق، والخلوق: طيب يُصنع من زعفران وغيره. قاله الحافظ فى "الفتح" كتاب النكاح.

(3)      نواة؛ نصب النون، على تقدير فعل؛ أى: أصدقتها، ويجوز الرفع على تقدير مبتدأ؛ أى: الذى أصدقتها هو.    "الفتح"، كتاب النكاح.

(4)      رواه البخارى. "الفتح" (2048).

(5)      رواه مسلم (815) وغيره.

(6)      رواه الطحاوى فى "المشكل"وغيره، وهو جزء من حديث عند الترمذى والدرامى وغيرهما، وانظر: "آداب الزفاف" (صفحة 147-الطبعة الرابعة).

(7)      هى مكاتبة العبد سيده على نفسه ببذل مقدار من المال، فإذا أدَّاه أعتقه.

(8)      أخرجه: أحمد، والنسائى، والترمزى، وابن ماجه، وغيرهم، وانظر: "غاية المرام" (برقم 210).

 

كتاب: من مواقف الصحابة

تأليف: حسين بن عُودة العوايشة

دار ابن القيم                        دارُ ابن عفان