فوائد فى اثبات الصورة لله (للعلامة الراجحى)

فوائد في إثبات الصورة لله تعالى "من موقع العلامة الراجحى الرسمى على الشبكة www.sh-rajhi.net

فوائد في إثبات الصورة لله تعالى 1

أحاديث الصورة: فيها إثبات الصورة لله تعالى، والمراد الصورة التي يدخل فيها الوجه، والصورة من صفات الله تعالى، وإن كانت الصورة قد يراد بها الوجه كحديث: ويحرم الله صورهم على النار اضغط هنا.

أي: وجوههم، لكن المراد بالصورة في أحاديث الصورة: الصورة التي يدخل فيها الوجه.

الأحاديث الواردة في الصورة ثلاثة أنواع:

النوع الأول: الأحاديث في خلق آدم على صورة الله:

إذا قاتل أحدكم أو ضرب أحدكم فليجتنب الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته اضغط هنا .

خلق الله آدم على صورته طوله في السماء ستون ذراعًا اضغط هنا .

فالضمير في ( صورتِهِ ) يعود إلى الله، وهذا يقتضي نوعًا من المشابهة فقط، وهو المشابهة في مطلق الصورة ولا يقتضي تماثلا في حقيقة ولا قَدْرٍ، إذ التشابه في الحقيقة والقدر منفي بالنص والإجماع والأدلة العقلية الصحيحة.

والإضافة تتنوع دلالتها بحسب المضاف إليه، فلما قال في آخر الحديث: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعًا اضغط هنا كان هذا يقتضي المشابهة في الجنس والقدر؛ لأن صورة المضاف من جنس صورة المضاف إليه، وحقيقتهما واحدة.

وأما قوله في الحديث: خلق آدم على صورته فهذا يقتضي نوعًا من المشابهة، ولا يقتضي تماثلا في حقيقة ولا قدر.

ومن المعلوم أن الشيئين المخلوقين قد يكون أحدهما على صورة الآخر مع التفاوت العظيم بين جنس ذواتهما وقدر ذواتهما، وقد تظهر السماوات والقمر في صورة ماء أو مرآة في غاية الصغر، ويقال هذه صورتها، مع العلم بأن حقيقة السماوات والأرض والقمر أعظم من ذلك بما لا نسبة لأحدهما إلى الآخر، وكذلك المصوِّر الذي يصور السماوات والكواكب والشمس والقمر والجبال والبحار، مع أن الذي يصوره -وإن شابه ذلك- فإنه أبعد شيء عن حقيقته وقدْره.

ومن المعلوم كذلك أن الصورة قائمة بالشيء، فصورة الله كوجه الله و يد الله وقدرة الله، ومشيئة الله، وكلام الله، قائمة به ويمتنع أن تقوم بغيره.

وثبوت الوجه والصورة لله قد جاءت في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة المتواترة، واتفق على ذلك سلف الأمة.

ففي حديث الصورة: إذا قاتل أحدكم أو ضرب فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته نهى عن ضرب الوجه؛ لأن الله خلق آدم على صورته، فلو كان المراد مجرد خلقه عالمًا قادرًا، ونحو ذلك لم يكن للوجه بذلك اختصاص، بل لا بد أن يريد الصورة التي يدخل فيها الوجه، ولو كانت الإضافة ( على صورته ) إضافة خلق لكان سائر الأعضاء مشاركة للصورة التي هي الوجه في كون الله خلق ذلك.

ثم إن الأدلة الشرعية والعقلية التي تثبت بها صفات الله يثبت بنظيرها هذه الصورة، فإن وجود ذات ليس لها صفات ممتنع، وثبوت الصفات الكمالية معلوم بالشرع والعقل، وثبوت المشابهة من بعض الوجوه في الأمور الكمالية معلوم بالشرع والعقل، وكما أنه لا بد لكل موجود من صفات تقوم به، فلا بد لكل موجود قائم بنفسه من صورة يكون عليها.

كون الإنسان على صورة الله -إذا أقر الحديث كما جاء- فيه نوع من المشابهة أكثر من المشابهة في تأويل الحديث على أن الصورة بمعنى الصفة أو الصورة المعنوية، أو الروحانية ونحو ذلك، فمسمى التشبيه لازم على التقديرين، والتشبيه المنفي بالنص والإجماع والأدلة العقلية الصحيحة منتف على التقديرين.

قال الإمام أحمد في رواية أبي القاسم الجيلي عن حنبل والذي جاء به الشرع في هذا النص من قوله: خلق آدم على صورته ونحوه، فإنه أخص مما يعلم بمجرد العقل من ثبوت القدْر المشترك بينه وبين كل موجود وكل حي، فإن هذا المدلول عليه بالنص لا يعلم بالعقل والقياس، وإنما يعلم أصل ذلك مجملا.

أما قول بعض أهل البدع كالرازي وغيره إن الضمير في الحديث: خلق الله آدم على صورته يعود إلى آدم أو إلى المضروب فهذا باطل، وقد ناقشهم المؤلف شيخ الإسلام ورد عليهم من وجوه متعددة.

وكذلك قول بعض أهل الحديث - كابن خزيمة إن الضمير يعود إلى المضروب باطل ردّ عليه المؤلف من وجوه متعددة، وكذلك تضعيف ابن خزيمة لرواية الحديث خلق الله آدم على صورة الرحمن اضغط هنا رد عليه المؤلف وبين أنها ثابتة كما أثبتها الحافظ ابن حجر في فتح الباري اضغط هنا .

 

فوائد في إثبات الصورة لله تعالى 2

النوع الثاني: من الأحاديث التي وردت في الصورة، الأحاديث التي وردت في رؤية المؤمنين لله -تعالى- يوم القيامة وهذه الأحاديث رويت بطرق وألفاظ متعددة استوفاها المؤلف شيخ الإسلام عن أبي سعيد الخدري اضغط هناوأبي هريرة اضغط هنا + وجابر + وابن مسعود ................................. وغيرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه أنه قال: فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون وفي لفظ: في غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة .

وفي لفظ: في أدنى من الصورة التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئًا ( مرتين أو ثلاثًا ) هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيقول: هل بينكم وبينه علامة، فيقولون: نعم، الساق، فيكشف ساقه فإذا رأوه سجدوا، فيسجد له من كان يسجد لله من تلقاء نفسه، وأما من كان يسجد لله رياء فيريد أن يسجد فيصير ظهره طبقًا واحدًا كصياصي البقر فلا يستطيعون السجود، فيرفعون رءوسهم، وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة .

وفي لفظ: فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه .

وفي الحديث أنه بعد رؤيتهم المرة الأولى.. ينادي منادٍ لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الشمسَ الشمسَ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيقال لهم: من تنتظرون؟ فيقولون: فارقنا الناس أحوج ما كنا إليهم، ونحن ننتظر ربنا ، فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم.... الحديث.

هذا الحديث متواتر في الجملة عند أهل الحديث كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: خبر الصورة متواتر في الجملة عند أهل الحديث. أ هـ.

وقد رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما من أهل السنن والمسانيد.

هذا الحديث فيه إثبات الصورة لله -تعالى- وأن الله -تعالى- له صورة لا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه وتعالى، كسائر صفاته من السمع والبصر والعلم والقدرة والكلام والمشيئة وغيرها.

هذا الحديث فيه أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة في صورة أربع مرات.

المرة الأولى: رؤية تعريف رأوه فعرفوا، وهذه الرؤية تكون قبل أن ينادي المنادي: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فإن هذا هو محاسبة العباد، فإذا حوسبوا أمروا بأن يتبعوا آلهتهم، ويتجلى الرب لعباده المؤمنين فيتبعونه، وينصب الجسر على ظهر جهنم فيعبر عليه المتقون وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا فالمرة الأولى لقوه وخاطبهم قبل المناداة، وذلك كان عامًّا للعباد، كما يدل عليه سائر الأحاديث ثم حجَب الكفار.

المرة الثانية: التي امتحنهم فيها فأنكروه وهي أدنى من التي رأوه فيها أول مرة، وهذا تفسير ما في حديث أبي هريرة مع أبي سعيد حيث قال: فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون .

المرة الثالثة: يكشف لهم عن ساقه حتى يسجدوا له، فهذه التي يعرفون هي التي يكشف فيها عن ساق فيسجدون له.

المرة الرابعة: حين يرفعون رءوسهم - أي من السجود - وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فيتبعونه حينئذ.

فوائد في إثبات الصورة لله تعالى 3

تأول بعض أهل الحديث مثل أبي عاصم النبيل وعثمان بن سعيد الدارمي إتيان الله في صورة بعد صورة بأنه تغيُّر يقع في عيون الرائين، كنحو ما يتخيل الإنسان الشيء بخلاف ما هو عليه، فيتوهم الشيء على الحقيقة، قال عثمان بن سعيد الدارمي في رده على بشر المريسي وهذا مثل ما مثل جبريل مع عظم صورته وجلالة خلقه في عين النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي وكما مثَّلَه لمريم بشرًا سويًّا وهو ملك كريم في صورة الملائكة، وكما شبه في أعين اليهود أنهم قتلوا المسيح وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ .

وهذا التأويل أقرب ما يكون لكنه تأويل باطل من وجوه:

أحدها: أن في حديث أبي سعيد المتفق عليه: فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة وفي لفظ: في أدنى صورة من التي رأوه فيها وهذا تفسير قوله في حديث أبي هريرة فيأتيهم في صورة غير صورته التي يعرفون فبيَّن أن تلك المعرفة كانت لرؤية منهم متقدمة في صورة غير الصورة التي أنكروه فيها.

وفي هذا التفسير والتأويل من بعض أهل الحديث قد جعل صورته التي يعرفون هي التي عرفهم صفاتها في الدنيا وليس الأمر كذلك، لأنه أخبر أنها الصورة التي رأوه فيها أول مرة لا أنهم عرفوها بالنعت في الدنيا ولفظ الرؤية صريح في ذلك إذ ثبت في غير حديث ما يبين أنهم رأوه قبل هذه المرة.

الثاني: أنهم لا يعرفون في الدنيا لله صورة، ولم يروه في الدنيا في صورة فإن ما وصف الله به نفسه ووصف به رسوله لا يوجب لهم صورة يعرفونها، كما أخبر -سبحانه- أنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فعلم أنهم لم يطيقوا وصف الصورة التي رأوه فيها أول مرة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في سدرة المنتهى فغشيها من أمر الله ما غشيها حتى لا يستطيع أحد أن ينعتها من حسنها، فالله أعظم أن يستطيع أحد أن ينعت صورته، وهو -سبحانه- وصف نفسه لعباده بقدر ما تحتمله أفهامهم، ومعلوم أن قدرتهم على معرفة الجنة بالصفات أيسر، ومع هذا فقد قال -تعالى- في الحديث القدسي: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر اضغط هنا فالخالق أولى أن يكونوا لا يطيقون معرفة صفاته كلها.

الثالث: أن تأويل بعض أهل الحديث بقولهم: لا يتحول من صورة إلى صورة ولكن يمثل ذلك في أعينهم، مخالفة لنص حديث أبي سعيد وفيه: فيرفعون رءوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة .

الرابع: أن في حديث ابن مسعود وأبي هريرة أخبر أن الله تعالى يتمثل لهم فيأتيهم، ولم يقل مثل لهم كما قال في معبودات المشركين وأهل الكتاب أنه يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدون وفي لفظ أشباه ما كانوا يعبدون.

الخامس: أن في عدة أحاديث: قال: هل بينكم وبينه علامة فيقولون نعم فيكشف عن ساقه فيسجدون له وهذا يبين أنهم لم يعرفوه بالصفة التي وصف لهم في الدنيا، بل بآية وعلامة عرفوها في الموقف.

4- أنكرت الجهمية والمعتزلة والاتحادية أن يكون لله صورة يكون عليها، فأنكروا أن يكون الله يرى يوم القيامة في صورة
5- أنكرت الجهمية أن يكون الله يرى بالأبصار أو بالقلوب في الدنيا وفي الآخرة يقظة أو مناما وهم كفار بذلك.
6-

تأول أهل البدع الصورة في هذا الحديث تأويلات.

تأول الرازي الحديث بتأويلين:

أحدهما: أن تكون ( في) بمعنى الباء والتقدير فيأتيهم الله بصورة غير الصورة التي عرفوه بها في الدنيا وذلك بأن يريهم ملكا من الملائكة وقال في قوله ( فإذا جاء ربنا عرفناه ) يحمل على أن يكون المراد، فإذا جاء إحسان ربنا عرفناه، وقال في قوله ( بيننا وبينه علامة ) يحتمل أن تكون تلك العلامة كونه تعالى في حقيقته مخالفا للجواهر والأعراض فإذا رأوا تلك الحقيقة عرفوا أنه الله.

وقد رد المؤلف شيخ الإسلام على هذا التأويل، وناقشه من وجوه متعددة.

التأويل الثاني: أن يكون المراد من الصورة الصفة، والمعنى أن يظهر لهم من بطش الله وشدة بأسه ما لم يألفوه ولم يعتادوه من معاملة الله تعالى منهم...الخ.

وقد رد شيخ الإسلام على هذا التأويل وناقشه من وجوه متعددة.

تأويل الاتحادية لهذا الحديث:

قال ابن عربي في فصوصه فكان الحق ظاهرهم أي غير صورهم وهم أعظم الناس وأحقه عند الجمع، وقال في السائل والمجيب: فهما صورتان بلا شك وتلك الصورة كلها كالأعضاء لزيد فمعلوم أن زيدا حقيقة واحدة شخصية، وأن يده ليست صورة رجله، ولا رأسه، ولا عينه، فهو الكبير بالواحد، الكبير بالصورة الواحدة، فإن أشخاص هذه العين الواحدة لا تنافي وجودا، فالحق يتجلّى يوم القيامة في صورة فيعرف، ثم يتجلى في صورة فينكر ثم يتجلى عنها في صورة فيعرف، وهو المتجلّي ليس غيره في كل صورة.

الاتحادية: جعلوا ما أخبرت به الرسل من أن الله يجيء يوم القيامة في صورة، أصلا في أن كل صورة في العالم هو الآتي فيها، وأنه الظاهر في صورة الموجودات، بل هو عينها فهو الكبير الواحد الكبير بالصورة،الواحد بالعين كالإنسان بالعين، فإن أشخاص هذه العين الواحدة لا تنافي وجودا فهو وإن كان واحدا بالعين فهو كبير بالصورة والأشخاص.

مضمون أقاويل الجهمية أنه يعبد غير الله في الدنيا والآخرة وهذا من جملة شركهم، فإنهم دخلوا في الشرك من وجوه منها إثباتهم خصائص الربوبية لغير الله حتى جعلوه يدعي الربوبية ويحاسب العباد ويسجدون له.

وتأويل الاتحادية والحلولية لهذا الخبر ( خبر الصورة ) من أعظم التأويلات كفرًا وضلالا الذين يقولون أن الله هو الوجود أو يقولون أنه حال في الوجود، أو ظاهر فيه، ويزعمون أن المخلوقات كلها مظاهر الرب ومتجلياته، بمعنى أن ذاته هي الظاهر في المخلوقات ويحتجون بهذا الحديث - فهم مع تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته - يجعلون الخاص عاما في مثل هذا الحديث ( حديث الصورة )، وحديث كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به وحديث: لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله + .

تأويل البكرية لهذا الحديث: قالت البكرية - أتباع بكر ابن أخت عبد الواحد فيما نقله الأشعري وغيره من مقالات أهل الكلام: أن الله يخلق صورة يوم القيامة يرى فيها ويكلم خلقه منها، ورد عليهم المؤلف كما رد الاتحادية وناقشهم من وجوه وقال في رده على البكرية، ومعلوم أن هذا ليس هو معنى الحديث ولكن هؤلاء لما رأوا بقياس عقوله أنه لا يرى ورأوا النصوص جاءت برؤيته قالوا ما قالوا.

7-

أهل الاتحاد والحلول طائفتان:

أحدهما: أهل الاتحاد والحلول الخاص أو المعين كالذين يقولون بالاتحاد أو الحلول في المسيح أو علي أو بعض المشايخ أو بعض الملوك أو غير ذلك.

الثانية: أهل الاتحاد والحلول المطلق الذين يقولون بالحلول والاتحاد في كل شيء، وهم يتأولون حديث الصورة ( فيأتيهم الله في صورة ) على الحلول والاتحاد المطلق كما يتأوله أهل الحلول والاتحاد الخاص على معتقدهم.

فابن عربي يصرح في الفتوحات المكية وغيره بأنه ما بعد المخلوقات إلا العدم المحض، فيصرح بعدم الخالق الذي خلق المخلوقات، وأنه لا يمكن أن يرى إلا كما يرى في الدنيا.

8- لفظ الصورة: في هذا الحديث ( فيأتيهم الله في صورة ) كسائر ما ورد من الأسماء والصفات التي قد يسمى المخلوق بها على وجه التقييد، وإذا أطلقت على الله تكون مختصة به مثل العليم والقدير والرحيم والسميع والبصير ومثل خلقه بيديه واستوائه على العرش ونحو ذلك ممن زعم أن الله يحلّ أو يتّحد ببعض الأشخاص كما يزعمه من تأول هذه الأسماء والصفات فقوله من أفسد الأمور المعلومة بالضرورة.

فوائد في إثبات الصورة لله تعالى 4

النوع الثالث من الأحاديث التي وردت في الصورة:

رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في المنام في صورة كحديث: رأيت ربي في أحسن صورة وهو حديث اختصام الملأ الأعلى وفيه فوضع يده بين كتفي.

الحديث له طرق متعددة لكن هذه الطرق ترجع إلى أربع طرق وهي:

ـ حديث أم الطفيل امرأة أبي بن كعب .

ـ حديث معاذ بن جبل .

ـ حديث ابن عباس .

ـ حديث ثوبان يأتي تخريجها. .

- وأصح الطرق وأكملها وأتمها حديث معاذ بن جبل فهو أكملها وأتمها سندا ومتنا، قال أبو القاسم الحافظ الطبراني في كتاب السنة: حدثنا محمد بن محمد التمار البصري حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي حدثنا موسى بن خلف العمي حدثنا يحيى بن كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن أبي عبد الرحمن السكسكي عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال: احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الغداة حتى كادة الشمس تطلع، فلما صلى الغداة قال إني صليت الليلة ما قضى لي ووضعت جنبي في المسجد فأتاني ربي عز وجل في أحسن صورة، وفي لفظ - رأيت ربي في أحسن صورة - فقال يا محمد هل تدرى فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت لا يا رب، قالها ثلاثا، قلت لا يا رب قال فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها في صدري، فتجلى لي كل شيء وعرفته، فقلت في الكفارات، وفي لفظ والدرجات، قال فما الدرجات، قلت إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام، فقال صدقت فما الكفارات، قلت إسباغ الوضوء في المسرات وفي لفظ في السيرات وفي لفظ في الكريهات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ونقل الأقدام إلى الجمعات وفي لفظ والجماعات، قال صدقت: سل يا محمد قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت بين عبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، اللهم إني أسألك حبك وحب من أحبك وحب عمل يقربني إلى حبك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلموهن وادرسوهن فإنهن حق

+ ، وفي لفظ زيادة: من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وكان من خطيئته مثل يوم ولدته أمه وفي لفظ آخر في الدرجات: والجلوس في المساجد بعد الصلوات.

3- الحديث له طريقان يثبت بهما:

أحدهما: جمع الطرق.

والثاني: الكتاب.

على أن الحديث محفوظ صحيح الأصل لا ريب في ذلك بل قد يجب القطع والعلم بثبوته عند كثير من الناس الحديث له طريقان يثبت بهما أحدهما جمع الطرق، الحديث وإن كان في إسناده اضطرابا إلا أن هذه الطرق مع ما فيها من الاضطراب تدل دلالة واضحة - لمن يتدبر الحديث ويحسن معرفته - على أن الحديث محفوظ صحيح الأصل لا ريب في ذلك، بل قد يوجب له القطع بذلك فإنه قد ثبت أنه حدث به عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وأخبره يزيد بن يزيد وأبو قلابة والأوزاعي عن خالد بن اللجلاج وكل هؤلاء من الثقاة المشاهير، وهذا يثبت رواية خالد لكن أحدهم قال عن ابن عباس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر عن ابن عايش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يقتضي ثبوت إحدى الروايتين دون الأخرى، إذ لم يختلف في متنه، وإنما اختلفا في صفة الإسناد وعلى كل تقدير فالحديث محفوظ، فأما طرحهما جميعا فإنما يكون إذا تعارض متنان متناقضان.

ورواية يحيى بن كثير عن زيد بن سلام عن ابن عايش لا تخالف رواية خالد بن اللجلاج عنه بل توافقه وتقصده، لأن رواية خالد تدل على أنه كان لا يستوفي إسناده بل تارة يرسله، وتارة يذكر الصاحب (أي الصحابي ) فهذه الرواية ذكرت ما ذكروه، واستوفت الإسناد والمتن.

الثانية الكتاب: أما ما ذكره ابن خزيمة من كون يحيى بن كثير مدلسا لم يذكر السماع فهذا لا يضر، لان غاية ما فيه أن يكون يأخذه من كتاب زيد ابن سلام إما لمعرفته بخطه وإما لأن الذي أعطاه قال له هذا خطه، وهذا مما يزيد الحديث قوة حيث كان مكتوبًا، ولهذا كان إسناده ومتنه تامان في هذه الطريقة الذي تحمله دون الأخرى. والاحتجاج بالكتاب في مثل هذا جائز، كالاحتجاج بصحيفة عمرو بن حزم وصحيفة عمرو بن شعيب كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب كتبه إلى النواحي فتقوم الحجة بذلك.

وإن لم يكن هذا حجة فمن المعلوم أن هذه الطريق تبين أن الحديث عن ابن عايش إذ مثل هذه الطريق إذا ضمت إلى طريق خالد بن اللجلاج كان أقل أحوال الحديث يكون حسنًا إذ روى من طريقين مختلفين ليس فيهما متهم بالكذب، بل هذا يوجب العلم عن كثير من الناس؛ ولهذا كان الأئمة يكتبون من الشواهد والمتابعات مالا يحتج به منفردًا.

4- والذي ذكر ابن خزيمة من أنه لم يثبت طريق معين من هذه الطرق، هذا فيه نزاع بين أهل الحديث لكن إذا ضمت الطرق بعضها إلى بعض صدّق بعضها بعضا، فهذا مالا يتنازعون فيه، لكن ابن خزيمة جرى على عادته أنه لا يحتج إلا بالإسناد يكون وحده ثابتا،( وهو كثيرًا ما يدخل في الباب الذي يحتج له من الشواهد والاعتبارات مالا يحتج بها وحدها ) فما قاله - أي ابن خزيمة - لا ينافي من اتفق عليه أهل العلم. فثبت صحة الاحتجاج به، أي حديث: رأيتُ ربي في أحسن صورة من طريقين:

أحدهما: من جمع الطرق لكن ابن خزيمة لم يسلك هذا.

والثاني: من جهة قوة الاحتجاج بالكتاب.

لكن ابن خزيمة لم يذهب إلى هذا ويؤيد هذا أن المتن قد روى من وجوه أخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ثوبان الذي تقدم ذكره وأما ما رواه الترمذي للأحاديث المتقدمة فالصواب أنها ثابتة كما عليه أئمة الحديث، وكذلك احتج به أحمد وقال: ( يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أتيت ربي ) فأنكر على من رد موجبها وقد ثبت - أي أحمد - حديث عكرمة عن ابن عباس وهو أشدها وذكر أن العلماء تلقته بالقبول، وقال حدث به فقد حدث به العلماء فأما قول أحمد في رواية الأثرم (مضطرب في إسناده، وأصل الحديث واحد وقد اضطربوا فيه ) فهذا كلام صحيح، فإنهم اضطربوا في إسناده بلا ريب، لكن لم يقل: إن هذا يوجب ضعف متنه، ولا قال: إن متنه غير ثابت، بل مثل هذا الاضطراب يوجد في أحاديث كثيرة وهي ثابتة وهذه الطرق مع ما فيها من الاضطراب - لمن يتدبر الحديث ويحسن معرفته - تدل دلالة واضحة على أن الحديث محفوظ صحيح الأصل لا ريب في ذلك، بل قد يوجب له القطع بذلك كما نبهنا عليه أولا.

وأما حديث أم الطفيل فإنكار أحمد له لكونه لم يعرف بعض رواته لا يمنع أن يكون عرفه بعد ذلك، ومع هذا فأمره بتحديثه به لكون معناه موافقًا لسائر الأحاديث كحديث معاذ وابن عباس وغيرهما، وهذا معنى قول الخلال: إنما يروى هذا الحديث، وإن كان في إسناده شيء تصحيحًا لغيره، ولأن الجهمية تنكر ألفاظه التي قد رويت في غيره ثابتة، فروى لبيان أن الذي أنكره تظاهرت به الأخبار واستفاضت، وكذلك قول أبي بكر عبد العزيز ( غلام الخلال ) فيه: ( وها نحن قائلون به، أي: لأجل ما يثبت من موافقته لغيره الذي هو ثابت، لا أنه يقال بالواهي من غير حجة فإن ضعف إسناد الحديث لا يمنع أن يكون متنه ومعناه حقًّا، ولا يمنع أيضا أن يكون له من الشواهد والمتابعات ما يبن صحته.

ومعنى الضعف عندهم ( أي أهل الحديث ) أنا لم نعلم أن راويه عدل أو لم نعلم أنه ضابط، فعدم علمنا بأحدهما لا يمنع الحكم بصحته، لا يعنون بضعفه أنا نعلم أنه باطل، فإن هذا هو الموضوع وهو الذي يعلمون أنه كذب مختلق، فإذا كان الضعف في اصطلاحهم عائد إلى عدم العلم فإنه يطلب له اليقين والتثبت فإذا جاء من الشواهد أو المتابعات بالأخبار الأخرى ما يوافقه صار ذلك موجِبًا للعلم بأن راويه صدق فيه وحفظه والله أعلم.

5- أما رواية الخلال في كتاب السنة له، وكذلك القاضي أبو يعلى في كتاب التأويلات - لهذا الحديث: بلفظ لما كانت ليلة أُسرى بي رأيت ربي في أحس صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري، قال: فوضع يده... الخ الحديث.

فهذا الحديث كذب موضوع - على هذا الوجه - بلا نزاع بين أهل العلم بالحديث، وهذا لم يذكره الإمام أحمد فيما ذكره من أخبار هذا الباب، ولا أحد من أصحابه الذين أخذوا عنه لا فيما يصححونه ولا فيما عللوه، وكذلك ابن خزيمة لم يذكره لا فيما صححه ولا فيما علله، ولا رواه الأئمة الذين جمعوا في كتب السنة أحاديث الباب كابن أبي عاصم والطبراني وابن منده وغيرهم، لأنه من الموضوعات التي لا يجوز ذكرها لمن علم بها إلا أن يبين أنها موضوعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: مَن حدّث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين .

وهذا الحديث من أبطل الباطل من وجوه عديدة:

ـ فقد جاء من طريق سفيان الثوري والحسن بن صالح بن حي ومع ذلك لم يأت به أحد عنهما من أصحابهما مع كثرتهم واشتهارهم.

ـ وأيضًا فأحاديث المعراج قد رواها أهل الصحيح من حديث مالك بن صعصعة وأبي ذر وأنس وابن عباس وأبي حبة الأنصاري ورواه أهل السنن والمسانيد من وجوه أخرى وليس في شيء منها هذا،مع توفر الهمم والدواعي على ضبط ذلك لو كان له أصل. وهذا التأويل يوجب العلم ببطلان هذا.

ـ وأيضا فقوله في الحديث ( ونقل الأقدام إلى الجُمعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ) يدل على بطلان هذا الحديث على هذا الوجه؛ فإن المعراج كان بمكة وفي تلك الليلة فرضت الصلوات الخمس ولم تكن جمعة، فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس رضى الله عنهما: أن أول جمعة في الإسلام - بعد الجمعة بالمدينة - جمعة بالبحرين بجواثى + ،، قرية من قرى البحرين وهذا من العلم المتواتر الذي لا يتنازع فيه أهل العلم.

6- أما ما يوجد في كتب أخرى، ويوجد عند كثير من الشيوخ ( شيوخ الصوفية والعامة ) من أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه في بعض سكك المدينة أو في بعض مخارج مكة أو أنه ينزل عشية عرفة فيعانق المشاة ويعانق الركبان، ونحو هذه الأحاديث التي فيها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه في اليقظة في الأرض،فكلها من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل العلم،فليعلم ذلك.

7- روى الخلال هذا الحديث من وجه آخر هو الصواب لأنه جمع الطرق، فرواه عن أبي هريرة مرفوعًا وعن قيس بن طارق مرسلا. بلفظ: رأيت ربي في منامي في أحسن صورة فقال فيما يختصم الملأ الأعلى الحديث.

8- إنما اعتقد صحة الحديث الذي رواه الخلال والقاضي وأبو يعلى لما كانت ليلة أُسرى بي رأيت ربي في أحسن صورة وأن الرؤية ليلة المعراج في اليقظة إنما اعتقد صحة هذا من لم يكن له بالحديث وألفاظه ورواياته خبرة تامة من جنس الفقهاء وأهل الكلام والصوفية ونحوهم فلهذا ذكروه من بين متأول ومن بين راد للتأويل ثم المثبتة تزيد في الأحاديث لفظا ومعنا فيثبتون ببعض الأحاديث الموضوعة صفات،ويجعلون بعض الظواهر صفات ولا يكون كذلك، والنافية تنقض الأحاديث لفظا ومعنى، فيكذبون بالحق ويحرفون الكلم عن مواضعه.

9- المتأولون لهذا الحديث كالمريسي وذويه وابن فورك ونحوهم - يجعلون هذا في اليقظة ويتأولونه كما فعل المؤسس ( أي الرازي في كتاب تأسيس التقديس).

10- الإسراء وإن كان حقا، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم قد جاءت بها آثار ثابتة، وهذا الحديث قد يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه بالمدينة بالمنام، لكن هذا الحديث بهذا اللفظ المذكور في ليلة الإسراء من الموضوعات المكذوبات، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: لما كانت ليلة أُسرى بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيما يختصم الملأ الأعلى، وإنما ذكر أن ربه أتاه في المنام وقال له هذا، ووضع يده بين كتفيه، بالمدينة في المنام؛ ولهذا لم يحتج أحد من علماء الحديث بهذا، ولم يثبته أحد في الأحاديث المعروفة عند أهل العلم.

11- قيل لأحمد أحاديث الإسراء منام، قال هذا كلام الجهمية .

قلتُ: وجهه أن الجهمية تنكر أن الله في العلو وأن محمدًا أعرج به إليه في العلو، فلهذا قالوا: الإسراء منام وأنكروا أن يكون في اليقظة.

12- رؤيا الأنبياء وحي، ومن ذلك هذا الحديث: رأيت ربي في أحسن صورة، فقال: فيما يختصم الملأ الأعلى... الحديث هذا وحي قال الله تعالى عن خليله إبراهيم فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ .

13- قال المؤلف شيخ الإسلام رحمه الله: (فصل )

إذا عرف أن الحديث الذي فيه ( رأيت ربي أو أتاني ربي في أحسن صورة، وقال فيما يختصم الملأ الأعلى، وفيه: فوضع يده بين كتفي ) إنما كان بالمدينة وكان في المنام وهو حديث ثابت: ظهر خطأ طائفتين:

- طائفة تعتقد أنه كان في اليقظة ليلة المعراج، وتجعله من الصفات التي تقررها أو تحرفها.

- وطائفة تنكر الحديث وترده، لأنها تنكر رؤية الله في المنام وهم طائفة من الجهمية .

14- رؤية الله في المنام جائزة بلا نزاع بين أهل الإثبات وإنما أنكرها طائفة من الجهمية وكأنهم جعلوا ذلك باطلا وإلا فما يمكنهم إنكار وقوع ذلك.

15- قال شيخ الإسلام:

الإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه، فهذا حق في الرؤيا ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلا ولكن لا بد أن تكون الصورة التي رأوه فيها مناسبة ومشابهة لاعتقاده في ربه فإن كان إيمانه واعتقاده حقا أُتى من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان بالعكس - إلى قوله - وهذه مسألة معروفة، وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين - والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به سبحانه وتعالى وإنما ذلك بحسب حال الرائي، وصحة إيمانه وفساده واستقامة حاله وانحرافه وقول من يقول - ما خطر بالبال أو دار في الخيال فالله بخلافه ونحو ذلك - إذا حمل على مثل هذا - كان محملا صحيحًا فلا نعتقد أن ما تخيله الإنسان في منامه أو يقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك، فإنه ليس هو في نفسه مثل ذلك بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان ويتخيلها على حقيقتها، بل هي على خلاف ما يتخيله ويتصوره في منامه ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبا مشابها لها فالله تعالى أجل وأعظم.

16- تأويل الرازي لحديث: ( رأيت ربي في أحسن صورة وفيه، فقال فيم يختصم الملأ الأعلى وفيه فوضع يده بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثديي ) قال الرازي قوله: رأيت ربي في أحسن صورة يحتمل أن يكون من صفات الرائي وهو الرسول، وفيه وجهان، ويحتمل أن يكون من صفات المرئي وهو الله تعالى وفيه وجوه.

وقوله: ( فوضع يده بين كتفي ) فيه وجهان، وقوله: ( بين كتفي ) فإن صح فالمراد منه كذا، وقد روى ( بين كنفي ) بالنون، وقوله: (فوجدتُ بردها ) يحتمل كذا ويحتمل كذا وقوله:( فوجدت برد أنامله ) تأويله كذا..... الخ.

وهذه التأويلات ناقشها المؤلف وردها وأبطلها بوجوه متعددة تراجع في رد المؤلف عليها.

17- أنكر أحمد على من نفى أحاديث رؤية الله في الدنيا مطلقًا؛ لأن من الجهمية طوائف يقولون: ( إن الله لا يجوز أن يرى بالأبصار ولا بالقلوب أصلا، وطوائف يقولون: إنه لا يجوز أن يرى في المنام أيضًا، وهؤلاء يجحدون كل ما فيه إثبات أن محمدًا رأى ربه سواء كان بفؤاده أو في منامه أو غير ذلك، وهؤلاء جهمية ضلال باتفاق أهل السنة، ولهذا كان أحمد ينكر على هؤلاء لردهم ما في ذلك من الأخبار التي تلقاها العلماء بالقبول.

وإذا كانوا يمنعون أن محمدًا رأى ربه بفؤاده أو في منامه فهم لرؤية غيره أجحد وأجحد،وقد ذكر العلماء من أصحابنا وغيرهم ذلك عن طوائف من الجهمية حتى إن المعتزلة من يقول يجوز أن يرى بالقلوب بمعنى العلم ومنهم من ينكر ذلك كما نقل ذلك الأشعري في المقالات فقال: اجتمعت المعتزلة على أن الله لا يرى بالأبصار، واختلفت هل يرى بالقلوب فقال أبو الهذيل وأكثر المعتزلة نرى الله بقلوبنا بمعنى أنا نعلمه بقلوبنا، وأنكر هشام الفوطي وعباد بن سليمان ذلك.

وهؤلاء النفاة يسمون مثبتة الرؤية مجسمة ويجمعون في نقل مقالات المثبتة بين الحق والباطل كما نقل الأشعري عنهم ما نقله من كتب المعتزلة فقال: واختلفوا في رؤية الله بالأبصار فقال قائلون: يجوز أن يرى الله بالأبصار في الدنيا، ولسنا ننكر أن يكون بعض من تلقاه في الطرقات وأجاز عليه بعضهم الحلول في الأجسام، وأصحاب الحلول إذا رأوا إنسانا يستحسنونه لم يدروا لعل إلههم فيه.

وأجاز كثير ممن أجاز رؤيته في الدنيا مصافحته وملامسته ومزاورته إياهم، وقالوا: إن المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا أرادوا ذلك. حُكي عن بعض أصحاب معمر وكهمس وحُكي عن أصحاب عبد الواحد بن زيد أنهم كانوا يقولون: إن الله يُرى على قدر الأعمال، من كان عمله أفضل رآه أحسن.

قال: وقال قائلون: إنا نرى الله في الدنيا في النوم، فأما في اليقظة فلا: وروى رقبة بن مصقلة أنه قال: رأيت رب العزة في النوم فقال: لأكرمن مثواه - يعني سليمان التيمي - صلى الفجر بطهر العشاء أربعين سنة.

18- الذي عليه أكثر أهل السنة والحديث إثبات رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه.

لكن اختلفوا: هل يقال: رآه بعين رأسه أو يقال رآه بقلبه أو يقال رآه ولا يقال رآه بعينه ولا بقلبه على ثلاث أقوال وهي ثلاث روايات عن أحمد على ما ذكر ذلك القاضي أبي يعلى وغيره، ولهذا جمع طائفة بين أقوال السلف في ذلك، فالرواية الواحدة عن أحمد وهي قول طائفة أنه يقال: رآه ولا يقال بعينه ولا بقلبه كما في مسائل الأثرم وذكره الخلال في كتاب السنة عن الأثرم .

وجمهور أهل السنة والعلماء على أنه رآه بقلبه لا بعين رأسه واستدلوا بحديث أبي ذر عند مسلم رأيت نورًا، نورٌ أنى أراه +؟ وحديث أبي موسى عند مسلم حجابه النور +، وحديث عائشة مَن حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب +.

وذهب بعض العلماء إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج بعين رأسه، وإليه ذهب ابن خزيمة في كتاب التوحيد، والنووي في شرح مسلم وأبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات أو الإبانة، وأبو إسماعيل الهروي في كتاب الأربعين له، والقرطبي والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات.

واستدلوا بما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج + ، وبما ثبت عن الإمام أحمد أنه سئل: هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج؟ قال: نعم رآه +.

والصواب: ما عليه الجمهور من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعين رأسه وإنما رآه بقلبه وجمع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين حديث عائشة وحديث ابن عباس بأن حديث عائشة في نفي الرؤية محمول على رؤية العين وحديث ابن عباس في إثبات الرؤيا محمول على رؤية القلب، وكذا ما روي عن الإمام أحمد يجمع بينهما بذلك، وبذلك تجتمع الأدلة وهذا هو الحق.

روى الخلال عن جيش بن سندي أن أبا عبد الله ( يعني أحمد بن حنبل ) سئل عن حديث ابن عباس أن محمدًا رأى ربه فقال بعضهم يقول بقلبه، فقيل له: أيما أثبت عندك؟ فقال في رؤية الدنيا قد اختلفوا فيها، وأما في رؤية الآخرة فلم يختلف فيها إلا هؤلاء الجهمية قيل له: تعيب على من يكفرهم قال:لا، قيل: فيكفرون، قال: نعم.

ففي هذا الجواب أنهم سألوه عما يروى عن ابن عباس من إطلاق الرؤية فقال بعض الرواة يقيدها بالقلب، ولما سئل أيما أثبت عندك لم يجزم بأحد الطرفين، لكن ذكر أن السلف تنازعوا في ذلك ولم يتنازعوا في رؤية الآخرة، فيحتمل أنهم تنازعوا هل رآه بقلبه أم لا ويحتمل أنهم تنازعوا هل رآه بقلبه أم لا؟ويحتمل أنهم تنازعوا في إثبات الرؤية مطلقًا ومقيدًا، وفي إطلاق نفيها لكن استقر أمره على إثبات ما ورد في ذلك من الأحاديث الثابتة والرد على من نفا موجبها.

فوائد في إثبات الصورة لله تعالى 5

من قال أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر لأنه كذب بالقرآن وبالسنة المتواترة يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا كما أفتى بذلك الإمام أحمد كما سبق قريبا وكما في مجموع الفتاوى وهذا قول جمهور العلماء وجمهور أهل السنة وهو الصواب.

19- طرق حديث ( رأيت ربي ) كثيرة ترجع إلى أربع طرق:

1- طرق حديث أم الطفيل امرأة أبي بن كعب قال أبو بكر الخلال حدثنا محمد بن علي الوراق حدثنا إبراهيم بن هانئ حدثنا أحمد بن عيسى وقال له أحمد بن حنبل حدثهم به فحدثهم به في منزل عمه حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال أن مروان بن عثمان حدثه عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أُبي بن كعب أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موقر رجلاه في خضر، عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب .

قال الخلال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا عبد الله بن وهب فذكره بإسناده عن أم الطفيل أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه في المنام في أحسن صورة، شابا موقرا رجلاه من خضر، عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب، ورواه أبو بكر عبد العزيز ( غلام الخلال ) حدثنا محمد بن سليمان حدثنا ( أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي عبد الله بن وهب فذكره بإسناده عن أم الطفيل امرأة أُبي بن كعب أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رأيت ربي في المنام في خضر من الفردوس إلى أنصاف ساقيه، في رجليه نعلان من ذهب وهذا الحديث الذي أمر أحمد بتحديثه قد صرح فيه بأنه رأى ذلك في المنام وهذه الألفاظ نظير الألفاظ التي في حديث ابن عباس .

2- طرق حديث بن عباس رضي الله عنهما قال الخلال حدثنا أبو بكر المروزي قال قرئ على أبي عبد الله ( يعني أحمد ) قال حدثنا شاذان حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن محمدًا رأى ربه فذكر الحديث قلت أنهم يطعنون في شاذان يقولون قال بلى قد كتبته عن عفان عن رجل عن حماد بن سلمة عن قتادة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي، وقال المروزي في موضع آخر: قلت لأبي عبد الله فشاذان فكيف هو، قال ثقة وجعل يثبته وقال في هذا يشنع علينا.

قلت: أليس العلماء تلقته بالقبول قال: بلى، قلت أنهم يقولون: إن قتادة لم يسمع من عكرمة قال هذا لا يدري الذي قال وعجبت وأخرج إلي كتابه فيه أحاديث مما سمع قتادة من عكرمة فإذا ستة أحاديث سمعت عكرمة حدثنا بهذه المروزي عن أبي عبد الله .

قال الخلال حدثنا المروزي حدثني عبد الصمد بن يحيى الدهقان سمعت شاذان يقول أرسلت إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل أستأذنه في أن أحدث بحديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رأيت ربي، قال حدِّثْ به فقد حدّث به العلماء، قال الخلال حدثنا الحسن بن ناصح حدثنا الأسود بن عامر ( شاذان ) حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه شابا أمرد جعدا قططا في حلة خضراء ورواه القطيعي والطبراني قالا حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا الأسود بن عامر حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم رأيت ربي في صورة شاب أمرد له وفرة جعد قطط في روضة خضراء. وفي بعض الروايات ( في صورة ) وفي بعضها جعدا قططا أمرد في حلة حمراء والصواب في حلة خضراء ورواه الحافظ أبو الحسن الدارقطني فقال حدثنا عبد الله بن جعفر بن جيش حدثنا محمد بن منصور الطوسي حدثنا أسود بن عامر حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ربه عز وجل شابا. وهذان الحديثان حديث أم الطفيل وحديث ابن عباس بطرقهما المتعددة ليس فيها اختصام الملأ الأعلى وإنما فيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه في المنام في صورة شاب وفي حديث ابن عباس زيادة أمرد وجعد قطط.

أما الحديث الذي فيه اختصام الملأ الأعلى فهو حديث خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن عن عائش الحضرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض الروايات عن عبد الرحمن ين عايش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض الروايات عن خالد بن اللجلاج عن ابن عياش وهو تصحيف في اسم ابن عائش وكذا حديث ثوبان فيه اختصام الملأ الأعلى.

3- طرق حديث ابن عائش الحضرمي عن معاذ وهو حديث معاذ بن جبل روى طرق هذا الحديث الخلال وابن خزيمة وغيرهما من وجوه عن الوليد بن مسلم حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عائش قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رأيت ربي عز وجل في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد قال قلت: أنت أعلم يا رب، قال ثم قال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد قال قلت لا أدري يا رب، قال فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض، قال قرأ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ثم قال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد قال: قلت في الكفارات يا رب، قال وما هن قلت: المشي إلى الجمعات، وإسباغ الوضوء على المكاره، قال فقال ومن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه، ومن الدرجات ( إطعام الطعام ) وطيب الكلام وأن يقوم بالليل والناس نيام، وقال اللهم إني أسألك الطيبات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تتوب علي وتغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني إليك غير مفتون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهن حق. وقال أبو بكر بن خزيمة رواه الوليد حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا خالد بن اللجلاج حدثني عبد الرحمن بن عائش قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد قال، قلت أي رب مرتين، فوضع كفه بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض، ثم تلا وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ قال فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد قال في الكفارات يا رب، قال وما هو؟ قلت: المشي إلى الجمعات، والجلوس في المساجد وانتظار الصلوات، وإسباغ الوضوء على المكاره، فقال الله، من فعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه.

ومن الدرجات إطعام الطعام، وطيب الكلام، وأن يقوم بالليل والناس نيام، وقال اللهم إني أسألك الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تتوب علي وتغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلموهن، فوالذي نفسي بيده إنهن لحق. قال ابن خزيمة حدثنا أبو قدامة وعبد الله بن محمد الزهري ومحمد بن ميمون المكي قالوا حدثنا الوليد بن مسلم .

قال الإمام أبو بكر بن خزيمة قوله في هذا الخبر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم عبد الرحمن بن عايش لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة، وإنما رواه عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أحسبه أيضا سمعه من الصحابي، لأن يحيى بن أبي كثير رواه عن زيد بن سلام عن عبد الرحمن الحضرمي عن مالك عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال يزيد بن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عائش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، حدثنا أبو موسى محمد بن مثنى حدثني أبو عامر عبد الملك بن عمرو حدثنا زهير وهو ابن محمد عن يزيد قال أبو موسى وهو يزيد بن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عائش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال خرج علينا رسول الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله.

قال ابن خزيمة وجاء قتادة بلون آخر فروى معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عياش أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال رأيت ربي في أحسن صورة فقال يا محمد قلت لبيك وسعديك قال فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت يارب لا أدري فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما بين المشرق والمغرب، فقال يا محمد قلت لبيك وسعديك قال: فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: يارب في الكفارات، المشي على الأقدام إلى الجمعات وإسباغ الوضوء في المكروهات وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فمن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه، هذا حديث أبي موسى وقال بندار قال: ( أتاني ربي في أحسن صورة ).

وقال: قلت في الدرجات والكفارات وقال: ( انتظار الصلاة بعد الصلاة ) لم يقل الصلوات قال ورواه معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عياش ورواه من طريق معمر ثم قال أبو بكر رواية يزيد وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر أشبه بالصواب حين قال عن عبد الرحمن بن عائش من رواية من قال: عن عبد الله بن عياش فإنه أي ( عبد الرحمن بن يزيد ) قد روى عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام أنه حدثه عبد الرحمن الحضرمي وهو ابن عائش إن شاء الله حدثنا مالك بن يخامر السكسكي أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قربة الشمس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا ثم ثوب بالصلاة فصلى وتجوز في صلاته.

فلما صلى دعا بصوته على مصافكم كما أنتم ثم أقبل إلينا وقال: إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي، فنعست في مصلاي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي في أحسن صورة ، فقال: يا محمد فقلت لبيك، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى، قال قلت: لا أدري قالها ثلاثا، قال فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفته فقال يا محمد قال فقلت لبيك، قال يا محمد قلت لبيك، قال فيم يختصم الملأ الأعلى قال قلت في الكفارات قال وما هن قلت مشي على الأقدام إلى الجمعات وجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين الكريهات قال: ثم فيما قال قلت إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام: قال سل فقلت اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من أحبك وحب عمل يقربني إلى حبك، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها حق فتعلموها وادرسوها.

حدثنا أبو موسى حدثنا معاذ بن هانئ حدثنا جهضم بن عبد الله القيسي حدثنا يحيى بن كثير عن زيد بن سلام أنه حدثه عبد الرحمن الحضرمي قال أبو موسى وهو ابن عائش الحديث على ما أمليته قلت أي (شيخ الإسلام) هذه الطريقة أتم الطرق إسنادا ومتنا وفيها بيان أصل الحديث، فإن غيره رواه عن ابن عياش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو حق فإن الرجل معاذ بن جبل لكن لم يذكر الواسطة بينهما وهو مالك بن يخامر وهو من أكابر أصحاب معاذ والأخصاء به، ورواه الآخر عن ابن عياش مرسلا، لكن غلط في ذكر لفظ السماع.

وهذه رواية أهل الشام لهذا الحديث وهم به أعرف لأنه مخرج من عندهم، وأخذه أبو قلابة - وكان قد قدم الشام - من هذا الشيخ - خالد بن اللجلاج لكن وقع تصحيف في اسم ابن عائش بابن عياش فحدث به البصريين، وأسنده عنه تارة، وأرسله أخرى ولم يتجاوز به ذلك، لأن خالد بن اللجلاج لم يكن يستوفي إسناده، بل تارة يذكره عن ابن عياش عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتارة عنه عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن زيد بن سلام لما رواه عن ابن عائش أسنده واستوفاه لأنه كان مكتوبا عنده فهذه الروايات يصدق بعضها بعضا إذ قد رواه عن شخص أكثر من واحد، لكن بمجموع الطرق انكشف ما وقع في بعضها من غلط في بعض الطريقة.

4- طرق حديث ثوبان قال أبو بكر بن خزيمة ورواه معاوية بن صالح عن أبي يحيى وهو عندي سليمان بن عامر عن أبي زيد عن أبي سلام الحبشي أنه سمع ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة الصبح حتى أسفر فقال إنما تأخرت عنكم إن ربي قال يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت لا أدري يا رب، فرددها مرتين أو ثلاثا ثم أحسست بالكف بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي، ثم تجلى لي كل شيء وعرفت، قال قلت نعم يا رب يختصمون في الكفارات والدرجات، والكفارات المشي على الأقدام إلى الجمعات وإسباغ الوضوء في الكريهات، وإنتظار الصلاة بعد الصلاة،والدرجات إطعام الطعام وبذل السلام والقيام بالليل والناس نيام ثم قال يا محمد اشفع تشفع وسل تعط،قال فقلت اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني،وإذا أردت في قوم فتنة فتوفني وأنا غير مفتون، اللهم أني أسألك حبك وحب من يحبك وحبا يبلغني إلى حبك، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن حدثنا عمي حدثنا معاوية.

وذكر ابن خزيمة الاختلاف في هذا الحديث وذكره الإمام أحمد فذكر أبو بكر الأثرم في كتاب العلل قال سألت أحمد عن حديث فيه عبد الرحمن بن عائش الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: رأيت ربي في أحسن صورة فقال يضطرب في إسناده الخ. قال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويلات لأخبار الصفات ظاهر هذا الكلام من أحمد التوقف في طريقه لأجل الاختلاف فيه لكن ليس هذا مما يوجب تضعيف الحديث على طريقة الفقهاء. قال القاضي: وظاهر الكلام عن أبي زرعة إثباتا لرجال حديث أم الطفيل وتقديما لهم، وثباتا عن عدالتهم، قال وهو ظاهر ما عليه أصحابنا لأن أبا بكر الخلال ذكر حديث أم الطفيل في سننه ولم يتعرض للطعن عليه.

في حديث اختصام الملأ الأعلى إثبات خمس صفات لله عز وجل:

أحدهــا: صفة الكف؛ لقوله في الحديث: فوضع كفه بين كتفي.

والثانية: صفة الأنامل؛ لقوله في الحديث: حتى وجدتُ برد أنامله بين ثديي.

والثالثة: إثبات صفة اليد؛ لقوله في بعض ألفاظ الحديث فوضع يده بين ثديي.

والرابعة: إثبات الصورة لله لقوله: رأيت ربي في أحسن صورة.

الخامسة: إثبات صفة الكلام لقوله: فقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى.


الأقسام الرئيسية: