حكم زرع القرنية

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
نزع القرنية من عين إنسان وزرعها في عين آخر
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه وبعد:
فبناء على ما رآه مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة العاشرة المنعقدة بمدينة الرياض في الأيام الأخيرة من شهر ربيع الأول، والأولى من شهر ربيع الآخر عام 1397 هـ من دراسة البحث المعد في نزع القرنية من عين إنسان وزرعها في عين آخر في الدورة الحادية عشرة، وطلبه كلمة في ضابط الإيثار المرغب فيه شرعا، وأخرى في ضابط المثلة الممنوعة شرعا، وثالثة في مدى ملك الإنسان التصرف في نفسه أو في عضو من أعضائه.
تتميما للبحث كتبت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المسائل الثلاث ما يلي:
والله الموفق.
1 - ضابط الإيثار المرغب فيه شرعا :
لما كان تمييز الإيثار المحمود شرعا من غيره يتوقف على تتبع النصوص التي وردت فيه من الكتاب والسنة وتدبرها مع الاستعانة بكلام العلماء السابقين في ذلك - كان لزاما علينا أن نستعرض جملة من الآيات والأحاديث في الإيثار، وجملة أخرى من كلام أهل العلم فيه، ثم نستخلص من ذلك المطلوب إن شاء الله فنقول:
قال الله تعالى: (في سورة الحشر) سورة الحشر الآية 9  وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  فأثنى جل شأنه على الأنصار الذين استوطنوا المدينة قبل غيرهم من المهاجرين، بحبهم من هاجر إليهم من المؤمنين، وبطهارة قلوبهم من الأحقاد، وسلامتها من الضغائن، وبطيب أنفسهم وكرمها وسماحتها؛ حيث لم يجدوا في دخيلتهم حرجا مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره من الأموال، وبإيثارهم المهاجرين على أنفسهم بما شرحته أحاديث الإخاء الذي عقده الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، بهذا وأمثاله أثنى الله عليهم وكتب لهم الفوز والفلاح.
وقال البخاري  [صحيح البخاري] كتاب التفسير (6\59، 60). : باب قوله: سورة الحشر الآية 9  وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ  الآية الخصاصة: فاقة، المفلحون: الفائزون بالخلود، الفلاح: البقاء، حي على الفلاح: عجل، وقال الحسن : حاجة: حسدا. حدثني يعقوب بن إبراهيم بن كثير، حدثنا أبو أسامة، حدثنا فضيل بن غزوان، حدثنا أبو حازم الأشجعي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:  صحيح البخاري تفسير القرآن (4607),صحيح مسلم الأشربة (2054),سنن الترمذي تفسير القرآن (3304). أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ألا رجل يضيف هذه الليلة يرحمه الله " فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله، فقال لامرأته: ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخريه شيئا. فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت. ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لقد عجب الله عز وجل أو ضحك من فلان وفلانة" فأنزل الله عز وجل: سورة الحشر الآية 9  وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ   .
وقال البخاري أيضا: باب قول الله عز وجل: سورة الحشر الآية 9  وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ  حدثنا مسدد، حدثنا عبد الله بن داود عن فضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه،  صحيح البخاري المناقب (3587),صحيح مسلم الأشربة (2054),سنن الترمذي تفسير القرآن (3304). أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من يضم أو يضيف هذا؟" . فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء. فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما" ، فأنزل الله: سورة الحشر الآية 9  وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ    [صحيح البخاري] (6\225\226). .
ففي قصة هذا الأنصاري وأسرته مع الضيف إيثار له بالطعام على نفسه وعلى أسرته مع شدة حاجتهم إليه، لكنه إيثار لا يقضي على أحد منهم، ولا يفوت عليه عضوا من أعضائه، بل يمكنهم استدراك ما فاتهم في مستقبل أمرهم إن شاء الله. وقد أثنى الله عليهم بذلك ثناء عاطرا وكتب لهم الأجر الجزيل جزاء وفاقا بما كسبت أيديهم من الفعل الجميل.
وقال البخاري : باب إجابة دعاء من بر والديه  [صحيح البخاري] (7\77، 78). : حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، قال: أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  صحيح البخاري الأدب (5629),صحيح مسلم الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2743),مسند أحمد بن حنبل (2/116). بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر فمالوا إلى غار في الجبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها. فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم، فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدي أسقيهما قبل ولدي، وإنه نأى بي الشجر فما أتيت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء....  الحديث.
وقال البخاري : عن عائشة رضي الله عنها  [صحيح البخاري] (2\114، 115). . قالت: دخلت امرأة معها ابنتان لها تسأل فلم تجد عندي شيئا غير تمرة فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها ثم قامت فخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا فأخبرته، فقال:  صحيح البخاري الزكاة (1352),صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2629),سنن الترمذي البر والصلة (1915),مسند أحمد بن حنبل (6/166). من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترا من النار  .
في الحديث الأول من هذين الحديثين إيثار الرجل والديه بالطعام على نفسه وسائر أسرته مع شدة حاجتهم إليه، وقد رضي الله عنه بذلك فاستجاب دعاءه حينما أصابته وصاحبيه شدة.
وفي الحديث الثاني إيثار المرأة ابنتيها على نفسها بالتمرة مع حاجتها إليها، وقد أعجب النبي صلى الله عليه وسلم منها ما فعلت، وأخبر بأن مثل ذلك يكون وقاية لمن فعل ابتغاء وجه الله من النار. وإيثار عائشة رضي الله عنها المرأة وابنتيها على نفسها ومن معها بالتمرة وليس عندها غيرها.
وقال البخاري  [صحيح البخاري] (4\222، 223). : باب إخاء النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثني إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: لما قدموا المدينة آخى رسول صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، قال لعبد الرحمن : إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها. قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن ثم تابع الغدو ثم جاء يوما وبه أثر صفرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "مهيم؟ " قال: تزوجت، قال: "كم سقت إليها؟ " قال: نواة من ذهب أو وزن نواة من ذهب - شك إبراهيم .
حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قدم علينا عبد الرحمن بن عوف وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع، وكان كثير المال، فقال سعد : قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالا، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فأطلقها حتى إذا حلت تزوجتها، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك، فلم يرجع يومئذ حتى أفضل شيئا من سمن وأقط، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه وضر من صفرة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :  صحيح البخاري المناقب (3722),صحيح مسلم النكاح (1427),سنن الترمذي البر والصلة (1933),سنن النسائي النكاح (3388),سنن أبو داود النكاح (2109),سنن ابن ماجه النكاح (1907),مسند أحمد بن حنبل (3/205),موطأ مالك النكاح (1157),سنن الدارمي النكاح (2204). مهيم " قال: تزوجت امرأة من الأنصار فقال: "ما سقت فيها؟ " قال: وزن نواة من ذهب، أو نواة من ذهب، فقال: "أولم ولو بشاة  .
في قصة الإخاء بين المهاجرين والأنصار إيثار سعد بن الربيع عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله وبإحدى زوجتيه، فقد أمره أن يقسم ماله بينهما، وأمره أن ينظر إلى أعجب زوجتيه إليه؛ ليطلقها فيتزوجها عبد الرحمن بعد انتهاء عدتها، وهذا الإيثار أعلى مما قبله، لكنه بما ينفع غيره ولا يضر بمن بذله ضررا فادحا، ومع ذلك يمكنه استدراك ما فاته.
وقال البخاري  [صحيح البخاري] (5\33، 34). : حدثني عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن إسماعيل عن قيس قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد. حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز عن أنس رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم مجوب عليه بحجفة له، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل فيقول: "انثرها لأبي طلحة" قال: ويشرف النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة : بأبي أنت وأمي، لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يد أبي طلحة إما مرتين أو ثلاثا.
في هذا الحديث إيثار أبي طلحة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه بالحياة والسلامة من المكاره فقد فداه بنفسه فقال: (نحري دون نحرك) وجوب عليه بحجفة له، وهذا إيثار أعلى مما قبله إيثار بالنفس، وذلك في ميدان الجهاد وقد أوجبه الله على المؤمنين، وكتب لمن قتل فيه الشهادة، ولمن أصيب فيه الأجر الجزيل. ثم هو إيثار واجب بالنفس والأعضاء لمن هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وفيه أن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم ووقاه بيده حتى أصيبت بشلل.
وروى مسلم  [صحيح مسلم] رقم الحديث (1789). . عن أنس بن مالك رضي الله عنه،  صحيح مسلم الجهاد والسير (1789),مسند أحمد بن حنبل (3/286). أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش. فلما رهقوه قال: "من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة"، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا فقال: "من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة" فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل. فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: "ما أنصفنا أصحابنا  .
وروى البخاري [صحيح البخاري] (5\33). . عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:  صحيح البخاري المغازي (3831),صحيح مسلم فضائل الصحابة (2412),سنن الترمذي الأدب (2830),سنن ابن ماجه المقدمة (130),مسند أحمد بن حنبل (1/186). لقد جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بين أبويه كليهما - يريد: حين قال: " فداك أبي وأمي  - وهو يقاتل.
وروى البخاري  [صحيح البخاري] (5\33). أيضا عن علي رضي الله عنه قال: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أحد :  صحيح البخاري المغازي (3833),صحيح مسلم فضائل الصحابة (2411),سنن الترمذي الأدب (2829),سنن ابن ماجه المقدمة (129),مسند أحمد بن حنبل (1/92). يا سعد، ارم فداك أبي وأمي  .
وقاتل عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا مصعب بن عمير وعلي بن أبي طالب وآخرون من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم حتى قضى بعضهم نحبه.
وفي الموضوع أحاديث وآثار اكتفينا عن إيرادها بما ذكرنا؛ لكونها في معناه.
مما تقدم يتبين: أن الإيثار المحمود شرعا يمكن أن يضبط بما أباح الشرع البذل في جنسه  أو حث عليه ورغب فيه. . ، كالأموال ومنافع الأبدان وثمار الأفكار ونحو ذلك مما هو من حظوظ النفس ومتعها، أو أوجب بذل النفس فيه،
كالجهاد في سبيل الله نصرة للدين وإقامة لحدوده وإحياء لمعالمه، ومع ذلك لا يسلم نفسه لعدوه، ولا يستسلم للأحداث، بل يستعد بما استطاع من قوة، ليحفظ نفسه وإخوانه، وليكون سيف الله المسلول على الأعداء، فإن قتل كان شهيدا، وإن رجع منتصرا سالما أو مصابا أجر وغنم ، فله الحسنيان أو إحداهما على كل حال.
أما الإيثار بما حرم الله عليه البذل في جنسه فلا يجوز، بل هو جريمة يعاقب عليها.
وقال ابن القيم : قال صاحب [ المنازل ]  [مدارج السالكين على منازل السائرين] (2\291-304). :
فصل: ومن منازل سورة الفاتحة الآية 5  إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  منزلة الإيثار، قال الله تعالى: سورة الحشر الآية 9  وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  فالإيثار ضد الشح؛ فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه، والشحيح حريص على ما ليس بيده، فإذا حصل بيده شيء شح عليه وبخل بإخراجه، فالبخل ثمرة الشح، والشح يأمر بالبخل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :  سنن أبو داود الزكاة (1698),مسند أحمد بن حنبل (2/195). إياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا  .
فالبخيل: من أجاب داعي الشح، والمؤثر: من أجاب داعي الجود. كذلك السخاء عما في أيدي الناس هو السخاء، وهو أفضل من سخاء البذل، قال عبد الله بن المبارك : سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل.
وهذا المنزل هو منزل الجود والسخاء والإحسان.
وسمي بمنزل (الإيثار)؛ لأنه أعلى مراتبه، فإن المراتب ثلاثة.
إحداها: أن لا ينغصه البذل ولا يصعب عليه فهو منزلة (السخاء).
الثانية: أن يعطي الأكثر ويبقى له شيء. أو يبقي مثل ما أعطى فهو (الجود).
الثالثة: أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه وهو مرتبة (الإيثار) وعكسها (الأثرة) وهو استئثاره عن أخيه بما هو محتاج إليه. وهي المرتبة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار رضي الله عنهم:  صحيح البخاري المناقب (3582),صحيح مسلم الزكاة (1059),سنن الترمذي المناقب (3901),مسند أحمد بن حنبل (3/167). إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض  ، والأنصار: هم الذين وصفهم الله بالإيثار في قوله: سورة الحشر الآية 9  وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ  فوصفهم بأعلى مراتب السخاء وكان ذلك فيهم معروفا.
وكان قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما من الأجواد المعروفين. حتى أنه مرض مرة فاستبطأ إخوانه في العيادة. فسأل عنهم، فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة. ثم أمر مناديا ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل. فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه، لكثرة من عاده.
وقالوا له يوما: هل رأيت أسخى منك؟ قال: نعم، نزلنا بالبادية على امرأة فحضر زوجها. فقالت: إنه نزل بك ضيفان. فجاء بناقة فنحرها وقال: شأنكم، فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها. فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير. فقال: إني لا أطعم ضيفاني البائت. فبقينا عنده يومين أو ثلاثة والسماء تمطر. وهو يفعل ذلك. فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه، ومضينا. فلما طلع النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا. قفوا أيها الركب اللئام. أعطيتموني ثمن قراي؟ ثم إنه لحقنا وقال: لتأخذنه أو لأطاعننكم برمحي فأخذناه وانصرف.
فتأمل سر التقدير حيث قدر الحكيم الخبير، سبحانه، استئثار الناس على الأنصار بالدنيا -وهم أهل الإيثار- ليجازيهم على إيثارهم إخوانهم في الدنيا على نفوسهم بالمنازل العالية في جنات عدن على الناس. فتظهر حينئذ فضيلة إيثارهم ودرجته ويغبطهم من استأثر عليهم بالدنيا أعظم غبطة. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
فإذا رأيت الناس يستأثرون عليك -مع كونك من أهل الإيثار- فاعلم أنه لخير يراد بك. والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل
و ( الجود ) عشر مراتب .
أحدها: الجود بالنفس. وهو أعلى مراتبه كما قال الشاعر:
يجود بالنفس، إذ ضن البخيل بها     والجود بالنفس أقصى غاية الجود


   
   


فأطلق فيه ولم يفصل

ثم ذكر بقية مراتب الجود ثم قال: قال: (وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يخرم عليك دينا، ولا يقطع عليك طريقا، ولا يفسد عليك وقتا.
يعني: أن تقدمهم على نفسك في مصالحهم. مثل أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدين. ومثل أن تؤثرهم بمالك وتقعد كلا مضطرا مستشرفا للناس أو سائلا. وكذلك إيثارهم بكل ما يحرمه على المؤثر دينه فإنه سفه وعجز يذم المؤثر به عند الله وعند الناس.
وأما قوله: (ولا يقطع عليك طريقا) أي: لا يقطع عليك طريق الطلب والمسير إلى الله تعالى، مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك وتوجهك وجمعيتك على الله. فتكون قد آثرته على الله وآثرت بنصيبك من الله مالا يستحق الإيثار. فيكون مثلك كمثل مسافر سائر على الطريق لقيه رجل فاستوقفه وأخذ يحدثه ويلهيه حتى فاته الرفاق. وهذا حال أكثر الخلق مع الصادق السائر إلى الله تعالى، فإيثارهم عليه عين الغبن. وما أكثر المؤثرين على الله تعالى غيره. وما أقل المؤثرين الله على غيره.
وكذلك الإيثار بما يفسد على المؤثر وقته قبيح أيضا مثل أن يؤثر بوقته ويفرق قلبه في طلب خلفه. أو يؤثر بأمر قد جمع قلبه وهمه على الله. فيفرق قلبه عليه بعد جمعيته، ويشتت خاطره فهذا أيضا إيثار غير محمود.
وكذلك الإيثار باشتغال القلب والفكر في مهماتهم ومصالحهم التي لا تتعين عليك على الفكر النافع واشتغال القلب بالله. ونظائر ذلك لا تخفى، بل ذلك حال الخلق والغالب عليهم.
وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله، فلا تؤثر به أحدا. فإن آثرت به فإنما تؤثر الشيطان على الله. وأنت لا تعلم.
وتأمل أحوال أكثر الخلق في إيثارهم على الله من يضرهم إيثارهم له ولا ينفعهم، وأي جهالة وسفه فوق هذا.
ومن هذا تكلم الفقهاء في الإيثار بالقرب وقالوا: إنه مكروه أو حرام كمن يؤثر بالصف الأول غيره ويتأخر هو أو يؤثره بقربه من الإمام يوم الجمعة، أو يؤثر غيره بالأذان والإقامة أو يؤثره بعلم يحرمه نفسه ويرفعه عليه فيفوز به دونه.
وتكلموا في إيثار عائشة رضي الله عنها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بدفنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرتها.
وأجابوا عنه: بأن الميت ينقطع عمله بموته وبقربه. فلا يتصور في حقه الإيثار بالقرب بعد الموت ؛ إذ لا تقرب في حق الميت. وإنما هذا إيثار بمسكن شريف فاضل لمن هو أولى به منها، فالإيثار به قربة إلى الله عز وجل للمؤثر. والله أعلم. اهـ - المقصود منه ثم ذكر الدرجتين الأخيرتين وقد تركناهما لعدم الحاجة إليهما في الموضوع.
وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي  [الموافقات] (2\255- 263). . تحت عنوان:
المسألة الخامسة: جلب المصلحة أو دفع المفسدة إذا كان مأذونا فيه بثمانية أقسام: نذكر منها الرابع لصلته بالإيثار في الجملة، قال: وأما الرابع: فإن الموضع في الجملة يحتمل نظرين: نظر من جهة إثبات الحظوظ، ونظر من جهة إسقاطها، فإن اعتبرنا الحظوظ فإن حق الجالب أو الدافع مقدم إن استضر غيره بذلك؛ لأن جلب المنفعة أو دفع المضرة مطلوب للشارع مقصود، ولذلك أبيحت الميتة وغيرها من المحرمات الأكل، وأبيح الدرهم بالدرهم إلى أجل للحاجة الماسة للمقرض والتوسعة على العباد، والرطب باليابس في العرية للحاجة الماسة في طريق المواساة إلى أشياء من ذلك كثيرة دلت الأدلة على قصد الشارع إليها، وإذا ثبت هذا فما سبق إليه الإنسان من ذلك قد ثبت حقه فيه شرعا بحوزه له دون غيره، وسبقه إليه لا مخالفة فيه للشارع فصح، وبذلك ظهر أن تقديم حق المسبوق على حق السابق ليس بمقصود شرعا إلا مع إسقاط السابق لحقه، وذلك لا يلزمه، بل قد يتعين عليه حق نفسه في الضروريات فلا يكن له خيرة في إسقاط حقه؛ لأنه من حقه على بينة ومن حق غيره على ظن أو شك وذلك في دفع الضرر واضح، وكذلك في جلب المصلحة إن كان عدمها يضر به، وقد سئل الداودي : هل ترى لمن قدر أن يتخلص من غرم هذا الذي يسمى بالخراج إلى السلطان أن يفعل؟ قال: نعم، ولا يحل له إلا ذلك. قيل له: فإن وضعه السلطان على أهل بلده وأخذهم بمال معلوم يردونه على أموالهم هل لمن قدر على الخلاص من ذلك أن يفعل وهو إذا تخلص أخذ سائر أهل البلد بتمام ما جعل عليهم؟ قال: ذلك له ) إلى أن قال:
هذا كله مع اعتبار الحظوظ، وإن لم نعتبرها فيتصور هنا وجهان:
أحدهما: إسقاط الاستبداد والدخول في المواساة على سواء، وهو محمود جدا، وقد فعل ذلك في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال عليه الصلاة والسلام:  صحيح البخاري الشركة (2354),صحيح مسلم فضائل الصحابة (2500). إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد فهم مني وأنا منهم  ، وذلك أن مسقط الحظ هنا قد رأى غيره مثل نفسه. وكأنه أخوه أو ابنه أو قريبه أو يتيمه أو غير ذلك ممن طلب بالقيام عليه ندبا أو وجوبا وإنه قائم في خلق الله بالإصلاح والنظر والتسديد فهو على ذلك واحد منهم فإذا صار كذلك لم يقدر على الاحتجاج لنفسه دون غيره ممن هو مثله، بل ممن أمر بالقيام عليه كما أن الأب الشفيق لا يقدر على الانفراد بالقوت دون أولاده، فعلى هذا الترتيب كان الأشعريون رضي الله عنهم، فقال عليه الصلاة والسلام: فهم مني وأنا منهم ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان في هذا المعنى الإمام الأعظم، وفي الشفقة الأب الأكبر، إذ كان لا يستبد بشيء دون أمته .
وفي مسلم عن أبي سعيد قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  صحيح مسلم اللقطة (1728),سنن أبو داود الزكاة (1663),مسند أحمد بن حنبل (3/34). من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له  قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل، وفي الحديث أيضا:  سنن الترمذي الزكاة (660),سنن ابن ماجه الزكاة (1789),سنن الدارمي الزكاة (1637). أن في المال حقا سوى الزكاة  ، ومشروعية الزكاة والإقراض والعرية والمنحة وغير ذلك مؤكد لهذا المعنى، وجميعه جار على أصل مكارم الأخلاق، وهو لا يقضي استبدادا، وعلى هذه الطريقة لا يلحق العامل ضرر إلا بمقدار ما يلحق الجمع أو أقل ولا يكون موقعا على نفسه ضررا ناجزا وإنما هو متوقع أو قليل يحتمله في دفع بعض الضرر عن غيره وهو نظر من يعد المسلمين كلهم شيئا واحدا على مقتضى قوله عليه الصلاة والسلام:  صحيح البخاري الصلاة (467),صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2585),سنن الترمذي البر والصلة (1928),سنن النسائي الزكاة (2560),سنن أبو داود الأدب (5131),مسند أحمد بن حنبل (4/405). المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا  ، وقوله:  صحيح البخاري الأدب (5665),صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2586),مسند أحمد بن حنبل (4/270). المؤمنون كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى  ، وقوله:  صحيح البخاري الإيمان (13),صحيح مسلم الإيمان (45),سنن الترمذي صفة القيامة والرقائق والورع (2515),سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5016),سنن ابن ماجه المقدمة (66),مسند أحمد بن حنبل (3/272),سنن الدارمي الرقاق (2740). المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه  ، وسائر ما في المعنى من الأحاديث، إذ لا يكون شد المؤمن للمؤمن على التمام إلا بهذا المعنى وأسبابه، وكذلك لا يكونون كالجسد الواحد إلا إذا كان النفع واردا عليهم على السواء كل أحد بما يليق به، كما أن كل عضو من الجسد يأخذ من الغذاء بمقداره قسمة عدل لا يزيد ولا ينقص فلو أخذ بعض الأعضاء أكثر مما يحتاج إليه أو أقل لخرج عن اعتداله وأصل هذا من الكتاب ما وصف الله به المؤمنين من أن بعضهم أولياء بعض وما أمروا به من اجتماع الكلمة والأخوة وترك الفرقة وهو كثير إذ لا يستقيم ذلك إلا بهذه الأشياء وأشباهها مما يرجع إليها.
والوجه الثاني: الإيثار على النفس، وهو أعرق في إسقاط الحظوظ وذلك أن يترك حظه لحظ غيره اعتمادا على صحة اليقين إصابة لعين التوكل وتحملا للمشقة في عون الأخ في الله على المحبة من أجله وهو من محامد الأخلاق وزكيات الأعمال، وهو ثابت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن خلقه المرضي، وقد كان عليه الصلاة والسلام أجود الناس بالخير وأجود ما كان في شهر رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة وقالت له خديجة: إنك تحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق. وحمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير ثم قام إليها يقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منه.
وجاءه رجل فسأله فقال:  ما عندي شيء، ولكن ابتع علي، فإذا جاءنا شيء قضيناه فقال له عمر رضي الله عنه: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وعرف البشر في وجهه وقال: بهذا أمرت  ذكره الترمذي .
وقال أنس : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد، وهذا كثير. وهكذا كان الصحابة. وقد علمت ما جاء في تفسير قوله تعالى: سورة الإنسان الآية 8  وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا  وما جاء في الصحيح في قوله: سورة الحشر الآية 9  وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ  وما روي عن عائشة وهو مذكور في باب الأسباب من كتاب الأحكام عند الكلام على مسألة العول على إسقاط الحظوظ، وهو ضربان:
إيثار بالملك من المال وبالزوجة بفراقها، لتحل للمؤثر، كما في حديث المؤاخاة المذكور في الصحيح.
وإيثار بالنفس، كما في الصحيح: أن أبا طلحة ترس على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتطلع ليرى القوم، فيقول له أبو طلحة : لا تشرف يا رسول الله، يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، ووقى بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت، وهو معلوم من فعله عليه الصلاة والسلام إذ كان في غزوة أقرب الناس إلى العدو، ولقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا قد سبقهم إلى الصوت، وقد استبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عري والسيف في عنقه وهو يقول: "لن تراعوا"، وهذا فعل من آثر بنفسه، وحديث علي بن أبي طالب في مبيته على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عزم الكفار على قتله مشهور، وفي المثل الشائع: والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
ومن الصوفية من يعرف المحبة بأنها: الإيثار، ويدل على ذلك قول امرأة العزيز في يوسف عليه السلام: سورة يوسف الآية 51  أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ  فآثرته بالبراءة على نفسها.
قال النووي : أجمع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام ونحوه من أمور الدنيا وحظوظ النفس بخلاف القربات، فإن الحق فيها لله، وهذا مع ما قبله على مراتب والناس في ذلك مختلفون باختلاف أحوالهم في الاتصاف بأوصاف التوكل المحض واليقين التام، وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل من أبي بكر جميع ماله ومن عمر النصف، ورد أبا لبابة وكعب بن مالك إلى الثلث، قال ابن العربي : لقصورهما عن درجتي أبي بكر وعمر، وهذا ما قال.
وتحصل أن الإيثار هنا مبني على إسقاط الحظوظ العاجلة فتحمل المضرة اللاحقة بسبب ذلك لا عتب فيه إذا لم يخل بمقصد شرعي فإن أخل بمقصد شرعي فلا يعد ذلك إسقاطا للحظ ولا هو محمود شرعا. أما أنه ليس بمحمود شرعا؛ فلأن إسقاط الحظوظ إما لمجرد أمر الآمر وإما لأمر آخر أو لغير شيء. فكونه لغير شيء عبث لا يقع من العقلاء، وكونه لأمر الآمر يضاد كونه مخلا بمقصد شرعي؛ لأن الإخلال بذلك ليس بأمر الآمر، إذا لم يكن كذلك فهو مخالف له ومخالفة أمر الآمر ضد الموافقة له، فثبت أنه لأمر ثالث وهو الحظ وقد مر بيان الحصر فيما تقدم من مسألة إسقاط الحظوظ. هذا تمام الكلام في القسم الرابع، ومنه يعرف حكم الأقسام الثلاثة المتقدمة بالنسبة إلى إسقاط الحظوظ. انتهى المقصود منه.
- ضابط المثلة الممنوعة
نذكر فيما يلي بيان معنى المثلة، وما تيسر من الآيات والأحاديث فيها مع كلام بعض العلماء عليها؛ لنستخلص من ذلك ما يجوز من المثلة وما يمتنع، فنقول:
أولا: في [القاموس]: مثل: قام منتصبا كمثل بالضم مثولا.. وبفلان مثلا ومثلة بالضم نكل كمثل تمثيلا وهي المثلة بضم الثاء وسكونها ج مثولات ومثلات ). اهـ. المقصود منه.
وفي [ المفردات في غريب القرآن ] للراغب الأصفهاني :
والمثلة: نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثالا يرتدع به غيره، وذلك كالنكال، وجمعه مثلات ومثلات وقد قرئ (من قبلهم المثلات) والمثلات بإسكان الثاء على التخفيف نحو عضد وعضد وقد أمثل السلطان فلانا إذا نكل به ). اهـ. المقصود منه.
ثانيا: وفي تفسير ابن جرير : قوله تعالى: سورة الرعد الآية 6  وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ  يقول تعالى ذكره: سورة الرعد الآية 6  وَيَسْتَعْجِلُونَكَ  يا محمد، مشركو قومك بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية فيقولون: سورة الأنفال الآية 32  اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  وهم يعلمون ما حل بمن خلا قبلهم من الأمم التي عصيت ربها وكذبت رسلها من عقوبات الله وعظيم بلائه، فمن أمة مسخت قردة وأخرى خنازير، ومن بين أمة أهلكت بالرجفة وأخرى بالخسف وذلك هو المثلات التي قال الله جل ثناؤه: سورة الرعد الآية 6  وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ  والمثلات: العقوبات المنكلات، والواحدة منها مثلة، بفتح الميم وضم الثاء ثم تجمع المثلات كما واحد الصدقات صدقة ثم تجمع صدقات، وذكر أن تميما من بين العرب تضم الميم والثاء جميعا من المثلات فالواحدة على لغتهم منها مثلة، ثم تجمع مثلات كغرفة وغرفات، والفعل منه مثلث به أمثل مثلا بفتح الميم وتسكين الثاء فإذا أردت أنك أقصصته من غيره قلت: أمثلته من صاحبه أمثله إمثالا وذلك إذا قصصته منه) اهـ.
وفي [تفسير الكشاف] للزمخشري : قوله تعالى: سورة الرعد الآية 6  وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ  أي: عقوبات أمثالهم من المكذبين فما بالهم لم يعتبروا بها فلا يستهزئوا، والمثلة العقوبة بوزن السمرة
والمثالة، لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة، وجزاء سيئة سيئة مثلها. ويقال: أمثلت للرجل من صاحبه أقصصته منه، والمثال القصاص. ثم ذكر قراءات في المثلات، ولغات فيها أغنى عنها ما تقدم.
وروى البخاري عن مسلم عن قتادة عن أنس رضي الله عنه  باب قصة عكل وعرينة. أن ناسا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام فقالوا: يا نبي الله، إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم ، واستاقوا الذود، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم. قال قتادة : وبلغنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة.
وفي الصحيح عن بريدة بن الحصيب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الطويل أنه قال:  صحيح مسلم الجهاد والسير (1731),سنن الترمذي السير (1617),سنن أبو داود الجهاد (2613),سنن ابن ماجه الجهاد (2858),مسند أحمد بن حنبل (5/358),سنن الدارمي السير (2439). لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا..  .
وروى النسائي عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  سنن النسائي الضحايا (4440). لا تمثلوا بالبهائم  .
وروى النسائي أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  سنن النسائي الصيد والذبائح (4349),مسند أحمد بن حنبل (2/166). ما من إنسان يقتل عصفورة فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عز وجل عنها" قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: "يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها يرمى به  .
ثالثا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية  [مجمع الفتاوى] (28\314، 315). :
فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص وقد قال عمران بن حصين رضي الله عنهما: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة، حتى الكفار إذا قتلناهم فإنا لا نمثل بهم بعد القتل ولا نجدع آذانهم وأنوفهم ولا نبقر بطونهم إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا فنفعل بهم مثل ما فعلوا، والترك أفضل، كما قال الله تعالى: سورة النحل الآية 126  وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ  سورة النحل الآية 127  وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ 
قيل: إنها نزلت لما مثل لما مثل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد رضي الله عنهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :  لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بضعفي ما مثلوا بنا  أنزل الله هذه الآية- وإن كانت قد نزلت قبل ذلك بمكة مثل قوله: سورة الإسراء الآية 85  وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي  وقوله: سورة هود الآية 114  وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ 
وغير ذلك من الآيات التي نزلت بمكة ثم جرى بالمدينة سبب يقتضي الخطاب فأنزلت مرة ثانية- فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بل نصبر".
وفي [صحيح مسلم] عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال:
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أو في حاجة نفسه أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرا ثم يقول:  صحيح مسلم الجهاد والسير (1731),سنن الترمذي السير (1617),سنن أبو داود الجهاد (2613),سنن ابن ماجه الجهاد (2858),مسند أحمد بن حنبل (5/358),سنن الدارمي السير (2439). اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا  ا هـ.
الخلاصة
أولا : المثلة : كل ما كان فيه تشويه للخلق من سمل عين أو فقئها أو بقر بطن أو قطع عضو وأمثال ذلك سواء كان ذلك قصاصا أم مجرد نكاية وعقوبة، شفاء لغل وحق أم عبثا ولهوا.
ثانيا : ما كان منها قصاصا فهو جائز وتركه أولى؛ لقوله تعالى: سورة النحل الآية 126  وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ  وقوله: سورة الشورى الآية 40  وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ  الآيات.
وما كان منها في حي لمصلحته فهو جائز، وقد يجب، وقد يمنع حسب اختلاف الأحوال، ولمصلحة غيره، فهو محل نظر واجتهاد، وما كان منها في ميت لمصلحته أو لحق غيره أو لمضطر فهو محل نظر واجتهاد، يعلم تفصيله مما تقدم في بحث (التشريع والقرنية)، وما كان منها عبثا ولهوا أو لمجرد شفاء غليل فهو محرم.
- مدى ملك الإنسان التصرف في نفسه أو في عضو من أعضائه .
سبق في الموضوع الأول من هذا البحث ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب تكريم المسلم ومن في حكمه حيا وميتا، والمحافظة على حرمته في نفسه وأعضائه وبشرته فلا يجوز الخروج عن مقتضى هذه الأدلة إلا بدليل يبيح لنا الاستثناء مما دلت عليه.
وسبق في الموضوع الثاني ما قرر العلماء من أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أعلاهما، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما، تقليلا للضرر وتخفيفا للمشقة والحرج، وإذا تعارضت مصلحة ومفسدة قدم الأرجح منهما وعند تساويهما يرجح جانب الخطر؛ تقديما لدرء المفسدة على جلب المصلحة.
وسبق في الموضوع الثالث ذكر نقول عن علماء الإسلام فيها استثناء حالات دعت الضرورة فيها إلى إباحة دم المسلم واقتضت شق بطنه أو جثته أو قطع عضو من أعضائه حيا أو ميتا وليس منه أخذ عين أو قرنيتها من إنسان لزرعها في إنسان آخر تحقيقا لمصلحته مع الإضرار بمن أخذت منه فعلى من يدعي جواز ذلك أن يأتي بدليل يرخص فيه؛ ليمكن استثناؤه من عموم الأدلة الدالة على حرمة المسلم ووجوب المحافظة على نفسه وأعضائه ووجوب مراعاة ذلك.
ونوردها نقلا عن الحنابلة من كتاب [المغني] له صلة بالموضوع.
قال أبو محمد بن قدامة رضي الله عنه: مسألة  [المغني] (9\417). . (قال): ومن اضطر فأصاب الميتة وخبزا لا يعرف مالكه أكل الميتة، وبهذا قال سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، وقال مالك : إن كانوا يصدقونه أنه مضطر أكل من الزرع والثمر وشرب اللبن وإن خاف أن تقطع يده ولا يقبل منه أكل الميتة، ولأصحاب الشافعي وجهان أحدهما: يأكل الطعام، وهو قول عبد الله بن دينار؛ لأنه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة، كما لو بذله له صاحبه.
ولنا: أن أكل الميتة منصوص عليه ومال الآدمي مجتهد فيه والعدول إلى المنصوص عليه أولى، ولأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق، ولأن حق الآدمي تلزمه غرامة وحق الله لا عوض له.
(فصل): إذا وجد المضطر من يطعمه ويسقيه لم يحل له الامتناع من الأكل والشرب ولا العدول إلى أكل الميتة إلا أن يخاف أن يسمه فيه أو يكون الطعام الذي يطعمه مما يضر ويخاف أن يهلكه أو يمرضه.
(فصل): فإن لم يجد المضطر شيئا لم يبح له أكل بعض أعضائه، وقال بعض أصحاب الشافعي : له ذلك؛ لأن له أن يحفظ الجملة بقطع عضو، كما لو وقعت فيه الأكلة.
ولنا: أن أكله من نفسه ربما قتله فيكون قاتلا نفسه ولا يتيقن حصول البقاء من أكله، أما قطع الأكلة  في القاموس: الإكلة: الحكة، كالأكال والأكلة كغراب وفرحة. اهـ. المقصود منه. فإنه يخاف الهلاك بذلك العضو فأبيح له إبعاده ودفع ضرره المتوجه منه بتركه كما أبيح قتل الصائل عليه ولم يبح له قتله ليأكله.
(فصل): وإن لم يجد إلا آدميا محقون الدم لم يبح له قتله إجماعا ولا إتلاف عضو منه مسلما كان أو كافرا، لأنه مثلة فلا يجوز أن يبقي نفسه بإتلافه وهذا لا خلاف فيه.
وإن كان مباح الدم كالحربي والمرتد فذكر القاضي: أن له قتله وأكله؛ لأن قتله مباح، وهكذا قال أصحاب الشافعي؛ لأنه لا حرمة له فهو بمنزلة السباع وإن وجده ميتا أبيح أكله؛ لأن أكله مباح بعد قتله فكذلك بعد موته وإن وجد معصوما ميتا لم يبح أكله في قول أصحابنا.
وقال الشافعي وبعض الحنفية : يباح وهو أولى، لأن حرمة الحي أعظم. وقال أبو بكر بن داود : أباح الشافعي أكل لحوم الأنبياء واحتج أصحابنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:  سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1617). كسر عظم الميت ككسر عظم الحي  واختار أبو الخطاب أن له أكله، وقال: لا حجة في الحديث هاهنا؛ لأن الأكل من اللحم لا من العظم والمراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة لا في مقدارها بدليل اختلافها في الضمان والقصاص ووجود صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت.
(مسألة): قال: (فإن لم يصب إلا طعاما لم يبعه مالكه أخذه قهرا ليحصي به نفسه وأعطاه ثمنه إلا أن يكون بصاحبه مثل ضرورته) وجملته أنه إذا اضطر فلم يجد إلا طعاما لغيره نظرنا فإن كان صاحبه مضطرا إليه فهو أحق به ولم يجز لأحد أخذه منه؛ لأنه ساواه في الضرورة وانفرد بالملك فأشبه غير حال الضرورة وإن أخذه منه أحد فمات لزمه ضمانه؛ لأنه قتله بغير حق. وإن لم يكن صاحبه مضطرا إليه لزمه بذله للمضطر؛ لأنه يتعلق به إحياء نفس آدمي معصوم فلزمه بذله له كما يلزمه بذل منافعه في إنجائه من الغرق والحريق، فإن لم يفعل فللمضطر أخذه منه؛ لأنه مستحق له دون مالكه فجاز له أخذه كغير ماله، فإن احتيج في ذلك إلى قتال فله المقاتلة عليه، فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه، وإن آل أخذه إلى قتل صاحبه فهو هدر؛ لأنه ظالم بقتاله فأشبه الصائل إلا أن يمكن أخذه بشراء أو استرضاء فليس له المقاتلة عليه لإمكان الوصول إليه دونها فإن لم يبعه إلا بأكثر من ثمن مثله فذكر القاضي أن له قتاله، والأولى أن لا يجوز له ذلك لإمكان الوصول إليه بدونها، وإن اشتراه بأكثر من ثمن مثله لم يلزمه إلا ثمن مثله؛ لأنه صار مستحقا له بقيمته ويلزمه عوضه في كل موضع أخذه فإن كان معه في الحال وإلا لزمه في ذمته. ولا يباح للمضطر من مال أخيه إلا ما يباح من الميتة. اهـ. المقصود منه.
مجمل ما ذكره ابن قدامة رحمه الله في [المغني]:
1 - أبيح للمضطر ما كان محرما عليه من أكل زرع غيره أو ثمره أو شرب لبن أنعامه بلا إذنه إبقاء على نفسه أو أكل الميتة إبقاء على يده حتى لا تقطع فيما لو أكل من الثمر ولم يصدق في دعوى اضطراره، وفي هذا دلالة على وجوب حفظ النفس والعضو وتحريم بذلها لغيره عند هؤلاء.
2 - لا يحل لمضطر أن يمتنع عن طعام أو شراب بذل إليه بعوض أو بغير عوض، وفي هذا دلالة على أن بذلك نفسه أو عضو منها أو تفويت شيء من ذلك ليس إليه، بل يجب عليه المحافظة على ذلك ما استطاع.
3 - في أكل المضطر بعض أعضائه خلاف، قيل: يمنع خشية أن يفضي إلى قتله، وقيل: يجوز ارتكابا لأخف الضررين.
4 - ليس للمضطر أن يقتل محقون الدم مطلقا أو يقطع عضوا من أعضائه لسد حاجته أو حفظ نفسه إجماعا، وإن وجده ميتا ففي جواز أكله منه؛ إيثارا لحق الحي ومنعه منه محافظة على حرمة الميت- قولان.
5 - من اضطر إلى طعام ووجده عند مستغن عنه وجب عليه أخذه ولو بعوض، فإن أبى صاحبه وهو مضطر إليه أيضا وجب تركه له، وإن كان مستغنيا عنه وجب أخذه منه كرها ولو بقتال وفي وجوب العوض عليه خلاف، فإن قتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه، وإن قتل صاحب الطعام فهو هدر؛ لأنه ظالم وفي هذا دلالة على وجوب حفظ الإنسان نفسه وأعضاءه وإثمه بتفويت ذلك.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو     عضو     نائب رئيس اللجنة     الرئيس
عبد الله بن قعود
عبد الله بن غديان
عبد الرزاق عفيفي
عبد العزيز بن عبد الله بن باز


قرار هيئة كبار العلماء
رقم (62) وتاريخ 25\10\1398هـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:
ففي الدورة الثالثة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف في النصف الأخير من شهر شوال عام 1398 هـ - اطلع المجلس على بحث نقل القرنية من عين إنسان إلى آخر الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، بناء على اقتراح سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد فـي كتابه رقـم (4572\2\1\ د) واطلع على ما ذكره جماعة من المتخصصين في أمراض العيون وعلاجها عن نجاح هذه العملية، وأن النجاح يتراوح بين 50% و 95% تبعا لاختلاف الظروف والأحوال.
وبعد الدراسة والمناقشة، وتبادل وجهات النظر قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
أولا: جواز نقل قرنية عين من إنسان بعد التأكد من موته وزرعها في عين إنسان مسلم مضطر إليها وغلب على الظن نجاح عملية زرعها ما لم يمنع أولياؤه، وذلك بناء على قاعدة: تحقيق أعلى المصلحتين، وارتكاب أخف الضررين، وإيثار مصلحة الحي على مصلحة الميت فإنه يرجى للحي الإبصار بعد عدمه والانتفاع بذلك في نفسه ونفع الأمة به، ولا يفوت على الميت الذي أخذت قرنية عينه شيء، فإن عينه إلى الدمار والتحول إلى رفات، وليس في أخذ
قرنية عينه مثلة ظاهرة، فإن عينه قد أغمضت، وطبق جفناها أعلاهما على الأسفل.
ثانيا : جواز نقل قرنية سليمة من عين قرر طبيا نزعها من إنسان، لتوقع خطر عليه من بقائها، وزرعها في عين مسلم آخر مضطر إليها، فإن نزعها إنما كان محافظة على صحة صاحبها أصالة، ولا ضرر يلحقه من نقلها إلى غيره وفي زرعها في عين آخر منفعة له، فكان ذلك مقتضى الشرع، وموجب الإنسانية. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
محمد بن جبير أرى جواز النقل مطلقا     عبد الله خياط     سليمان بن عبيد     راشد بن خنين     عبد الله بن قعود متوقف في النقل من المسلم الميت فقط
عبد المجيد حسن أرى جواز النقل مطلقا     عبد الله بن محمد بن حميد     عبد الله بن غديان
صالح بن غصون     عبد العزيز بن صالح غائب
رئيس الدورة محمد بن علي الحركان     عبد العزيز بن عبد الله بن باز متوقف
عبد الرزاق عفيفي
إبراهيم بن محمد آل الشيخ
عبد الله بن منيع
صالح بن لحيدان

المصدر : أبحاث هيئة كبار العلماء المجلد السابع

الأقسام الرئيسية: