شبهات حول التوحيد

 الشبهة الأولى :

قالوا -عن أهل السنة والجماعة - : تقسيمكم للتوحيد بدعة ! آتوني بكلام أحد من السلف قسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام : توحيد الألوهية ، وتوحيد الربوبية ، وتوحيد الأسماء والصفات .

والجواب عن هذه البدعة أن نقول : هذا التقسيم – الذي قسمه العلماء - قديم من أيام ابن منده ، ومن أيام أبي نعيم ومن بعدهما ، بل من أيام ابن خزيمة ، قسموا مثل هذا التقسيم ، وذكروا مثل هذا التقسيم .

وهذا التقسيم للتفهيم والتعليم ، لا للمغايرة ، لا لبيان أن هذا التوحيد : توحيد الربوبية بمفرده هو المراد شرعا ، لا ! أو توحيد الأسماء والصفات بمفرده هو المراد شرعا ، لا ! إنما تقسيم من أجل أن يتعلم الناس ما يتكون منه التوحيد الشرعي ، كما يقول الناس – مثلا - : الإنسان جسد ، وروح ، الروح فقط ليست إنسانا ، والجسد فقط ليس إنسانا ، إنما الجسد والروح هي إنسان ، فلم يلزم من هذه القسمة قيام حقيقة الإنسان بأحد القسمين دون الآخر .

كما يقول – أيضا – بعض الناس : الماء مركب من هيدروجين وأكسجين (hot) من هيدروجين وأكسجين ، لكن لا توجد حقيقة الماء إلا بمجموع هذا الأمر : الهيدروجين والأكسجين بمفردها : هيدروجين لحال ، أكسجين لحال .
فهذه القسمة لا يقصد بها المغايرة ، إنما يقصد بها بيان ما يتركب منه التوحيد المراد شرعا ، فإذا كان هذا الذي يعتقد أن هذه القسمة بدعة ، فنقول له : أنت أيها الأخ ما هو التوحيد عندك ؟

فإذا قال : التوحيد عندي هو : الربوبية ، والألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات .

فنقول : خلاص ! لا اختلاف بيننا وبينك ، أنت جعلت التوحيد شيئا واحدا ، لا يضر ، ما دام أتيت بجميع هذه المعاني الثلاثة ؛ ولذلك العلماء من أهل السنة والجماعة لم يجعلوا التوحيد دائما ثلاثة أقسام ، تجدهم في بعض المرات يجعلونه قسمين ، يجعلون التوحيد قسمين :
القسم الأول : التوحيد الطلبي .
القسم الثاني : التوحيد العلمي .
فالتوحيد العلمي يشمل معنى توحيد الربوبية ، والأسماء والصفات .
والتوحيد الطلبي : معنى توحيد الألوهية .
وتجد بعضهم يجعل التوحيد قسما واحدا .

وعليه نقول : هذه القسمة لأنواع التوحيد - إلى أقسام ثلاثة ، أو إلى قسمين ، أو إلى قسم واحد لا حرج فيها .
لا تريد أن تقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام ؟ ما فيه مشكلة .
ما دام أثبت المعاني المقصودة ، وأن التوحيد عندك لابد أن يشتمل على هذه الأمور الثلاثة ، فما دام التوحيد عندك : توحيد ربوبية ، وألوهية ، وأسماء وصفات ، انتهينا ، ما دام هو مجموع هذه الثلاثة ، وتريد أن تجعل هذه الثلاثة شيئا واحدا لا مانع .
إذن هذا القسمة اصطلاحية محضة ، استخرجها العلماء من الاستقراء لآيات القرآن والسنة .
إنما المشكلة ممن يقول : قسمة التوحيد إلى ثلاثة أقسام بدعة ، ويرى أن التوحيد نوعا واحدا ! وهو توحيد الربوبية - مثلا - أو يرى أن التوحيد نوع واحد ، وهو توحيد الأسماء والصفات – مثلا – هنا تأتي المشكلة ! إذ هذا الذي يقول هذا الكلام نقول له : أنت أخطأت في هذا الذي ذكرته ! فإن التوحيد يتركب من هذه المعاني الثلاثة : توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات .
وأنت حينما تقتصر على نوع واحد فقد خالفت ما ذكره لك الله - سبحانه وتعالى – من أن التوحيد هو مجموع هذه الأمور الثلاثة .

والدليل أن كفار قريش كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ، ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولون الله ) فهم يقرون بأن الله ] هو [ : الخالق ، الرازق ، يقرون بهذا ، لكن المعركة حصلت في توحيد الألوهية .
هنا حصلت المعركة بين الأنبياء وبين أقوامهم ، فإذا أنت أثبت أن التوحيد فقط هو الربوبية ؛ خالفت ما جاء به القرآن ، بل أهل التواريخ ينقلون عن العرب أنهم كانوا في جاهليتهم يحجون ويلبون ، ومن تلبيتهم يقولون ( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكا هو لك تملكه وما لك ) (14) .
والله – سبحانه وتعالى - ذكر عنهم أنهم قالوا ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) [ ورة الزمر ؛ آية رقم (3) ] .

فهم مقرون بأن الله – سبحانه وتعالى – موجود ، وأنه مستحق للعبادة ، ولكن يصرفون شيئا من العبادة لهذه الأصنام ، ولهذه الآلهة التي يتخذونها من دون الله .

فإذا أنت لم تقر أن التوحيد هو مجموع هذه المعاني الثلاثة فمعنى التوحيد عندك باطل ، ليس هو المراد الشرعي ، ارجع إلى النصوص الشرعية ، ارجع إلى العلماء وكلام العلماء ، وصحح عقيدتك في هذا الباب .

الشبهة الثانية :

 أن بعض الناس يظن أن التوحيد هو مجرد تقرير أن الله موجود ، وأن هذا هو الإيمان .
فقط تقرير أن الله موجود ، حتى يذكرون أن الإيمان الشرعي هو : الإقرار بوجود الله سبحانه وتعالى ، وألف بعضهم في ذلك كتب جمَّـع مقالات ( العلم يدعو إلى الإيمان )  ، ومنها كتاب ( الله يتجلى في عصر العلم ) 
!!


وهذا في الحقيقة التباس عظيم ، وخطير ، ليس محور الكلام في التوحيد هو : تقرير أن الله موجود ، فإن كفار قريش – كما ذكرنا لكم – يقرون أن الله موجود ، إنما المعركة مع كفار قريش في تقرير أن الله هو المستحق وحده للعبادة دون سواه ، وهذا هو الذي جاء به الرسل . والله - سبحانه وتعالى – يقول ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ سورة الذاريات ؛ آية رقم (56) ] .

والله – عز وجل - يقول ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) [ سورة الأنبياء ؛ آية رقم (25) ] .

ومن اعتراضات الكفار على الأنبياء (أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ) [ سورة ص ؛ آية رقم (5) ] .

فلما تقول أنت : إن التوحيد هو مجرد الإقرار أن الله موجود .
نقول لك : لا ، هذا انحراف عن الطريق ، ليس هذا المقصود ، وهنا تعلمون خطورة بعض البرامج وبعض الكتب التي تقرر أن الإيمان هو مجرد الإقرار بأن الله موجود ، وهذا خطأ ، هذا صرف للموضوع عن حقه ، صرف للموضوع عن وجهه ، ليس التوحيد هو فقط الإقرار أن الله موجود .
تجد بعضهم يعمل كتابا يعمل محاضرةً ، يعمل برامجَ ، يعمل كذا ، فقط لتقرير أن الله موجود (17) ، وكأن المعركة ، وكأن الموضوع الأهم هو فقط تقرير وجود الله ! لا !! ليست هذه هي القضية .
فالكفار ، بل الله ركز في جميع الخلق فطرة الإقرار بوجود الله - سبحانه وتعالى - .
يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة وأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ) (18) .
والله – عز وجل - يقول ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) [ سورة الأعراف ؛ آية رقم (172) ] .

قال العلماء : ولم يسم الكفر كفرا إلا لأن الإنسان يغطي بالشبهات والشهوات . هذه الفطرة التي فطرها الله عليها ؛ لأن أصل معنى الكفر : هو الستر والتغطية ، الزراع يقال لهم : كفار ؛ لأنهم بالفعل يغطون الأرض .
فالكُـفْـر في أصله الستر والتغطية ، ومنه ما شاع في مصر من تسمية بعض البلاد الزراعية : كفر كذا ، كفر كذا ، يعني أرض زراعية ، لأنها بالزرع غطيت ، فالكفر - أصلا - معناه : الستر والتغطية .
وسمي ما يقابل الإيمان كفرا ؛ لأن صاحبه يستر الفطرة التي ركزها الله في النفوس من الإقرار بأن الله موجود .
فكل إنسان مفطور على الإقرار بأن الله موجود .
فكونك تأتي وتجعل الموضوع هو الإقرار بوجود الله هذا خروج من الموضوع عن سبيله ، وخروج عن المعنى الذي قرره الله - سبحانه وتعالى – الذي من أجله أرسل الرسل ، وهو عبادته سبحانه دون سواه ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ سورة الذاريات ؛ آية رقم (56) ] .

فانتبهوا لهذه القضية ، حتى أن بعض أولادنا الصغار يقولون – يعني - : هذا مؤمن ؛ لأنه يقول : الله !
نقول له : لا ، لا يلزم من قوله الله ، ومن إقراره بوجود الله أن نقول عنه : مؤمن ، أو موحد .
والمصيبة لما تحصل من رجل ينتسب إلى الإسلام ويؤلف كتابا ، ويدير الكتاب ، ويجعل الكتاب بعنوان ( التوحيد )  والكتاب كله موضوعه تقرير أن الله موجود !
فكأن التوحيد هو فقط هذا المعنى لا ! هذا غير صحيح ، وهو خروج عما أرسل الله به الرسل .
في سورة الأعراف ذكر الله لنا الأنبياء ، يقول سبحانه وتعالى :

( لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قومي اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) .

قال ( وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قومي اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) .

[ وقال ] ( وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قومي اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) .
[ وقال ] ( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قومي اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )

إذن القضية في توحيد الألوهية ، أن تفرد الله وحده - سبحانه وتعالى - بالعبادة دون سواه .
هذه هي القضة ، ليست القضية فقط تقرر أن الله موجود ، ليست القضية فقط تقرير دلائل وجود الله في الكون ، لا !
القضية هي في إفراد الله وحده بالعبادة دون ما سواه .

 الشبهة الثالثة:

 أن بعض الناس يقول : التوحيد في القلب (20) ، فلا يراعي ما ينافيه أصلا ، أو كمالا من الألفاظ أو الأعمال .


وهذا يحصل معنا كثيرا ، نتناقش مع بعض الناس نقول له : يا أخي هذا خلاف التوحيد يقول لك : يا أخي التوحيد في القلب !!
ونحن نقول : لا يكون التوحيد توحيدا إلا إذا كان في القلب ، ونطق به اللسان ، وعملت به الجوارح .
لابد أن تعتقد في قلبك إفراد الله بالعبادة ، وبالربوبية ، وبالأسماء والصفات ، وينطق لسانك بهذا ؛ ولذلك أجمع العلماء أن الإنسان لا يدخل في الإسلام ، ولا يكون موحدا إلا إذا نطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .
وأن يعمل بالجوارح بمقتضى هذا التوحيد ، فلا يصرف شيئا من العبادة لغير الله - سبحانه وتعالى - .
هل هناك أحد يقول : أنا كالصحابة في إيماني ، وفي توحيدي ؟
لا أحد يقول بهذا !
ومع ذلك لما جاء صحابي إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم - وقال : يا محمد ! ما شاء الله وشئت (21) .
وجاء آخر وقال : يا محمد ! إنا نستشفع بك إلى الله ، ونستشفع بالله إليك (22) .
فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم – غاضبا - : أجعلتني لله ندا (23) ؟!
لماذا ما قال الرسول – صلى الله عليه وسلم - هذا صحابي ، وإيمانه صحيح في قلبه ما يضر خطأ اللسنان ؟ لا !!
التوحيد لابد أن يظهر أثره في اللسان .
مما ينافي التوحيد أن تصف الرسول – صلى الله عليه وسلم – بصفات الله ، مثل ما نسمع بعض الناس يقولون (24) :
دع ما ادعته النصارى في نبيهم // وقل ما شئت فيه واحتكم
فإن من جودك الدنيا وضرتها // ومن علومك علم اللوح والقلم

هل يصح أن يقال هذا عن الرسول – صلى الله عليه وسلم - ؟

لما نأتي نناقشهم يقولون : لا ، نحن قلوبنا - نعرف إن الله الله ، والرسول رسول !!
نقول : هذا ينافي التوحيد ، لابد أن تفرد الله في علمه ، فالله لا شريك له في علمه ، أنت حيمنا تتدعي أن علم الرسول – صلى الله عليه وسلم - مثل هذا العلم كأنه جعلته شريكا لله ، ندا لله .

يا أخي هل تعلم أنك مع شهادتك ( أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ) وإقامتك للصلاة ، وصومك رمضان ، وحجك البيت ، قد تخرج من الإسلام بكلمة تقولها لا تلقي لها بالا ؟!

والدليل على ذلك ما ذكره الله لنا - سبحانه وتعالى - في سورة التوبة عن أولئك النفر من الصحابة الذين استهزؤا بالقراء : ما رأينا مثل قراءنا هؤلاء أكبر بطونا ، وأجبن عند اللقاء ، فاستهزأوا ! فحكم الله بكفرهم بعد إيمانهم (25) .
( لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) [ سورة التوبة ؛ آية رقم (66) ] .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : أثبت الله لهؤلاء النفر الإيمان ، فقال : ( بعد إيمانكم ) وجعل السبب الذي أخرجهم من هذا الإيمان هو هذا الاستهزاء بهذه المقولة .

فإذن يا عبدَ الله احفظ عليك لسانك ، لا تكون موحدا وأنت بلسانك مشركا .

كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقلت : يا رسول الله ! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ، ويباعدني عن النار ؟
قال : لقد سألتني عن عظيم ؛ وإنه ليسير على من يسره الله عليه : تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت ، ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير ؟! الصوم جنة ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ، وصلاة الرجل من جوف الليل .
قال ثم تلا { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } حتى بلغ { يعملون } [ سوة السجد الآيتان (16) و (17) ] .
ثم قال : ألا أخبرك برأس الأمر كله ، وعموده ، وذروة سنامه ؟
قلت : بلى يا رسول الله !
قال : رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد .
ثم قال : ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟
قلت : بلى يا نبي الله !
فأخذ بلسانه قال : كف عليك هذا .
] يعني راقب لسانك وألفاظك ، لا تقل إيماني في قلبي وأقول الذي أقوله ! لا ! راقب لسانك [ (**) .
فقلت : يا نبي الله ! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟
فقال : ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم (26) .
إذن ما فيه شيء اسمه : أنا أقول بلساني شيئا ، وقلبي شيء ثان . لا !

لن تكون موحدا إلا إذا ضبطت الألفاظ والعبارات بالضوابط الشرعية .

فلا تصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولا تصف أحدا بما هو من حق الله - سبحانه وتعالى - .

لا تقل - يا أخي - : إيماني في قلبي ، توحيدي في قلبي ! أنا أفعل وأتكلم . لا ، لا ، لا ! هذا خطأ !!
ولذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر أن المناط هو القلوب . لا ، لا !
قال : إن الله لا ينظر إلى صوركم ، وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (27) .
وذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن من كان قلبه صالحا يكون ما يظهر منه صالحا من القول ومن العمل .
فنبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى أن ما يظهر من القول والعمل مرتبط بما يكون في القلب .

قال : ألا وأن في الجسد مضغة إن صلحت صلح الجسد كله ، وإن فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب (28) .

فإذا أنت كنت تدعي أن التوحيد في القلب ، وأن الإيمان في القلب ؛ لو كنت صادقا ؛ لظهر أثر هذا من التعظيم لله ، ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - بالمحل الذي أمرك به الشارع ، دون زيادة ولا نقصان .

إذن هذه القضية التي يثيرها بعض الناس خطأ ؛ ولذلك اهتم العلماء ببيان هذه الألفاظ الموهمة التي تجري على ألسنة الناس .

قد يقول الرجل كلمة ... ذكرنا قبل قليل حديث( الأنواء ) ..
كلمة قالها الصحابة : أمطرنا نوء كذا وكذا !!
فقال الله - عز وجل - : أصبح من عبادي كافر بي مؤمن بالأنواء ، أو بالنجوم .

واليوم - يا إخواننا - كثر – مع هذه الأحداث الكبيرة العالمية – إطلاق عبارات لا تليق :
حضارة من أفضل الحضارات ، ومن أعلاها حضارة ضاعت ( وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) ) [ سورة الفجر ؛ من الآية (1) إلى الآية (8) ] .

ما خلق مثلها أين هي ؟

الله أزالها ! ما خلق مثلها وأزالها .
لا يأتِ في بالك شيء مثل هذا !! انتبه لعباراتك ! انتبه لألفاظك في كل هذه الموضوعات ؛ حتى يسلم لك التوحيد .


الشبهة الرابعة

 أن بعض الناس إذا سمع العلماء يتكلمون عن أمر التوحيد : الربوبية ، والألوهية ، والأسماء والصفات ، ويحذرون من الشرك في التوسل بغير الله - سبحانه وتعالى –  .في التوسل بغير أسماء الله وصفاته ، وبغير دعاء الصالحين ، وبغير الأسماء والصفات التي لله - عز وجل - ؛ وهذه أنواع التوسل المشروعة الثلاثة ، وما عداها فهو باطل .
إذا سمع العلماء يتكلمون في مثل هذه الموضوعات يقول : هذا الكلام في هذه الموضوعات في الشرك الساذج ، أما الشرك الحقيقي فهو الشرك في الحاكمية ، أو الشرك في الأمور السياسية
  .


نقول : هذا الكلام خطر كبير ، هذا الكلام خطر كبير .وكأن الأنبياء كلامهم - كله - في التوحيد الساذج ؛ وكلامك أنت وأمثالك من الدعاة الذين يسمون دعاة في التوحيد العظيم .

كأنكم أنتم في مكانة أعلى من مكانة الأنبياء ، والواقع أن كل ذلك من التوحيد .

وبيان خطورة هذه الأمور من الشرك التي تنافي التوحيد ، فلا ينبغي للإنسان أن يهون من شيء مقابل شيء .

فأقول : هذا مغالطة ، فإن الشرك جميعَه شركٌ ، بأي صورة كان ، ينبغي للمسلم أن يَحْذَرَ منه ، ويُحَـذِّرَ الناس من الوقوع فيه .

وكلُّ صورِ الشرك والكفر مما يُعظّم أمره ، ويخوف الناس من الوقوع فيها .
والواقع أن الشرك بالقبور ، والأصنام ، والتماثيل ، والصور من الشرك الذي لا زال إلى اليوم موجودا (31) .
فالتهوين به = تهوين بتوحيد رب العالمين ؛ فليتقِ اللهَ قائلُ هذا الكلام !

فهل يقول قائل : إن الأنبياء كانوا يشتغلون مع أقوامهم في رد هذا الشرك الساذج ؛ وأن هؤلاء الدعاة اشتغلوا بالشرك الحقيقي ؟! سبحانك ربي ما أظلمَ هذه الكلمة !

الشبهة الخامسة:

 أيضا من الشبهات الشائعة عند الناس : أنك إذا سألت الرجل ما معنى شهادة ( أن لا إله إلا الله ) ؟ (32)
يقول : معنى شهادة ( أن لا إله إلا الله ) أي لا قادر على الاختراع والخلق إلا الله ، أو لا موجود إلا الله

وهذا المعنى باطل .
نحن قررنا قبل قليل أن معنى الألوهية هو إفراد الله بالعبادة .

وأن التوحيد لابد فيه من : الربوبية ، والألوهية ، والأسماء والصفات .

فلما تفسر أنت شهادة ( أن لا إله إلا الله ) بلا خالق إلا الله ، ولا مخترع ، ولا مدبر الكون إلا الله ، هل أنت فسرت هذه العبادة بمجموع التوحيد ، أو بنوع واحد ؟
إذن هذا التفسير خطأ وباطل !

التفسير الثاني الشائع ( لا إله موجود إلا الله ) أي كل الآلهة الموجودة هي الله ، هل هذا المعنى أحد يسيغه ؟

هذا المعنى باطل ؛ لأنه يؤدي إلى معنى من معاني الوجودية والحلولية الذين يعتقدون أن الله موجود في كل شيء ، وهذا باطل .
إنما التفسير الصحيح : لا إله بحق إلا الله ، أو يستحق أن يعبد إلا الله وحده دون سواه .
فاحذروا من مثل هذا التفسير لهذه لكلمة .

 الشبهة السادسة:

أيضا من الشبهات التي تلتبس على بعض الناس في أمر التوحيد : أن بعضهم يقول : أنا أعظم الرسول ، وأحب الرسول فيطري الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ويبالغ في مدحه إلى الحد الذي يساويه بالله من حيث لا يشعر .

وهذا خطر عظيم يخالف التوحيد ، ويخالف ما أمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من حقه علينا أن نؤمن به ، وأن نطيعه ، وأن نتبعه ، وأن نرضيه ، ونحبه ، ونسلم لحكمه – صلى الله عليه وسلم - قال تعالى ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) [ سورة النساء ؛ آية رقم (80) ] .

وقال تعالى ( وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) [ سورة التوبة ؛ آية رقم (62) ] .

وقال تعالى ( قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) [ سورة التوبة ؛ آية رقم (24) ] .

وقال تعالى ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [ سورة النساء ؛ آية رقم (65) ] .

وقال تعالى ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) [ سورة آل عمران ؛ آية رقم (31) ] .

ومما أمرنا به الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - ترك الغلو فيه – صلى الله عليه وسلم - .
عن ابن عباس أنه سمع عمر يقول على المنبر : سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول : لاتطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبده ، فقولوا : عبد الله ورسوله .
فليس من تحقيق شهادة ( أن محمدا رسولُ الله ) المبالغة في مدح الرسول ، وإطرائه ، إلى الحد الذي تخرج به إلى طريقة النصارى في مبالغتهم وغلوهم في نبيهم عيسى – عليه الصلاة والسلام - ، وعلى نبينا – صلى الله عليه وسلم - .

 الشبهة السابعة:

 ظنُّ بعض الناس أن التوحيد وحكمه يثبت للمرء بدون عمل ، فبعضهم يقول : يا أخي أنا أشهد ( أن لا إله إلا الله محمدا رسولُ الله ) ، وتلاقيه ، لا يصلي ، لا يصوم ، لا كذا !!
فهو يظن أنه بمجرد الشهادة ضمن الجنة ؛ وضمن البراءة من الشرك ، وضمن البراءة من النار !

وهذا خطأ .
فإن الرسول – صلى الله عليه وسلم - يقول في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أنه قال : قيل يا رسول : من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك ؛ لِمَا رأيت من حرصك على الحديث : أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال : لا إله إلا الله – فقط ! – قال : خالصا من قلبه ، أو نفسه .
فاشترط ماذا ؟ = الإخلاص .

ولا تكون الشهادة مخلصة ، وأنت عملك لا يصدق ما في قلبك ؛ لأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول : ألا وإن في الجسد مضغة ، إن صلحت صلح الجسد كله ، وإن فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ) .
فإذا كان التوحيد في قلبك خالصا لله ، لابد أن يصدقه العمل .

هذا وأسألُ اللهَ – عز وجل – أن يوفقنا جميعا للفقه في دينه ، والاستقامة على ما يرضيه ، وأن يعيذنا جميعا من أسباب غضبه ، ومن مضلات الفتن ، كما أسأله سبحانه أن ينصر دينه ، ويعلي كلمته ، وأن يصلح أحوال المسلمين ، ويولي عليهم خيارهم ، إنه سبحانه وتعالى جواد كريم .

والحمد لله رب العالمين ، وصلّ اللهم وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد صلى الله عليه ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .
 

 

محمد بن عمر بازمول من كتاب شبهات حول التوحيد 

الأقسام الرئيسية: