الإِمَامُ الآجُرِّي

 اسمه ونسبه: هو الإِمَامُ الْحَافِظُ الثَّبْتُ النِّحْرِيرْ، وَبَحْرُ الْعِلْمِ، صَاحِبُ السُنَّةِ الأَثَريّ، الزَّاخِرُ بِالْفَضْلِ الْغَزِيرْ، المُحدِّثُ الفقيه القدوة أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، الآجُرِّيُّ الْبَغْدَادِيُّ.

 

و(الآجُرِّي) بفتحٍ أوله ممدود، وضم الجيم وكسر الراء المشددة، نشبةٌ إلى قريةٍ من قرى بغداد يقال لها (الآجُرّ)، ودَرْبُ الآجُرِّ مَحَلَّةٌ كَانَتْ بِبَغْدَادَ مِنْ مَحَالِ نَهْرِ طَابِقٍ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، سَكَنَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعَلِمِ، وَهُوَ الآنَ خَرَابٌ قَالَهُ يَاقٌوتٌ الحَمَوِيَ فِي مُعْجَمِ البُلْدَانِ. 

 

مولده ونشأته: نَشَأَ بِدَرْبِ الآجُرِّ بِبَغْدَادَ، نَشْأَةَ مَنْ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُور، فَبَكَّرَ إِلَى مَجَالِسِ عُلَمَاءِ بَلْدَتِهِ وَهُوَ يَتْلُو: اللَّهُمَّ بَارَكَ لِي فِى الْغُدُو وُالْبُكُور؛ وَلازَمَ الْحِشْمَةَ وَالْوَقَارَ وَالْوَرَعَ الْمَتِين، وَسَلَكَ فِي الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ سُنُنَ السَّادَةِ السَّالِفِين، وَجَدَّ فِي الْقِيَامِ فِى جَوْفِ الدَّيَاجِي قَانِتَاً، يَتْلُو بِلِسَانِ التَّذَلُّلِ وَالاعْتِذَارِ وَالرَّجَا: 

 

                          اتَّخِذْ طَـاعَةَ الإِلَهِ سَـبِيلاً        تَجِدِ الْفَوْزَ بِالْجِنَانِ وَتَنْجُو

                         وَاتْرُكْ الإِثْمَ وَالْفَوَاحِشَ طُرَّا        يُؤْتِكَ اللهُ مَـا تَرُومُ وَترْجُو

 

وَسَمِعَ وَهُوَ حَدَثٌ يَافِعٌ أَبَا مُسْلِمٍ الْكجِّيَّ الَّذِي فَاقَ مُحَدِّثِي عَصْرِهِ، وَأَقرَّ لَهُ بِالإِمَامَةِ وَالصَّدَارِةِ أَبْنَاءُ دَهْرِهِ؛ فَحَصَّلَ فِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ الْحَدِيثَ بَالأَسَانِيدِ الْعَوَالِي، وَتَفَرَّد عَنْ أَقْرَانِهِ وَذَوِيهِ بِأَوْسَاطِ الْمَعَالِي.

 

                    تَصَدّى رِجَالٌ فِي الْمَعَالِي لِيُدْرِكُوا      مَـدَاكَ وَمَـا أَدْرَكْتَهُ فَتَـذَبْذَبُوا

                    وَرُمْتَ الَّذِي رَامُوا فَأَذْلَلْتَ صَعْبَهُ       وَرَامُوا الَّذِي أَذْلَلْتَ مِنْهُ فَأَصْعَبُوا

 

ثُمَّ صَحِبَ بَعْدَهُ أَئِمَّةً تُشَدُّ إِلَيْهِمْ الرِّحَالُ وَيُقْصَدُونَ، مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانَاً وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، فَلازَمَ أَبَا بَكْرٍ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيَّ أَوْحَدَ الْحُفَّاظِ الرُّفَعَاءِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ بِهِمَّتِهِ عَنْهُ إَلَى بَيْضَاءَ وَلا صَفْرَاءَ، حَتَّى وَعَى صَدْرُهُ وَخَزَنَتْ دَفَاتِرُهُ مَا لَدِيهِ، وَحَمِدَ عِنْدَ إِيَابِهِ السُّرَى وَالإِدْلاجَ إِلَيْهِ.

 

وَزَاحَمَ بِرُكْبَتَيْهِ أُلُوفَ الْحَاضِرِينَ مَجَالِسَ أَبِي مُحَمَّدٍ يَحِيَى بْنِ صَاعِدٍ حَامِي جَنَابِ الشَّرْعِ مِنْ الَحَدِيثِ الْمُفْتَرَى، وَالذَّائِدِ عَنْ السُّنَّةِ وَنَاصِرِهَا نَصْرَاً عَزِيزَاً مُؤَزَّرَا، فَقَرَّبَهُ مِنْهُ وَأَدْنَاهُ، وَأَمْلَى عَلَيْهِ فَوَائِدَ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهَا سِوَاهُ، وَمَا بَرِحَ يَرْتَحِلُ فِى الأَمْصَارِ يَطْلُبُ الْمَزِيد، حَتَّى حَوَى مِنْ الْحَدِيثِ وَالآثَارِ فَوْقَ مَا يُرِيد، وَلِسَانُ حَالِهِ يَقُولُ:

 

                           وَمَا لِي حَـالَةٌ أَرْجُـو بَقَاهَا      سِوَى التَّشْمِِيرِ فِي طَلَبِ المَعَالِي

                           نَظَرْتُ فَلَمْ أَجِـدْ شَيْئَاً بِعَيْنِي    مِنْ الدُّنْيَا يَزِيـدُ عَلَى خِلالِي

 

أّقَامَ وَحَدَّثَ بِبَغدادٍ قَبْلَ سَنَةِ ثَلاَثِينَ وَثَلاَثُمَائِة (330 هـ)، وَقَدْ سَأَلَ الله أَنْ يَرْزُقَهُ الإِقَامَةَ بِهَا سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مُجَاوِراً ثَلاثِينَ عَاماً حَتَى كَانَتْ وَفَاتُهُ بِهَا؛ َصَارَ شَيْخَهَا وَمُفِيدَ حُجَّاجِهَا وَالْقَاطِنِين، عَلَى خُلُقٍ أَرَقَّ مِنْ النَّسِيمِ، وَمُحَيَّا تَعْرِفُ فِيهِ نَضْرَةَ النَّعِيمِ، وَغَـدَتْ مَجَالِسُهُ بِكُبَرَاءِ أَهْلِ الْعِلْمِ صَبَاحَاً مُشْرِقَاً، وَأَمْسَتْ أَوْقَاتُهُ غَيْثَاً بِالْخَيْرَات مُغْدِقَاً،وَأَذَاعَ أَرِيجَ ثَنَاءِهِ مِسْكُ اللَّيْلِ وَكَافُورُ الصَّبَاح، وَخَجَلَ عِنْدَ ذِكْرِهِ كُلُّ مُنَاظِرٍ مُعَانِدٍ وَكَبْشٍ نَطَّاح، وَوَضَحَ بُرْهَانُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَتُعُوِّذَ مِنْ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاس، وَنَادِي لِسَانُ الْحَقِّ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيَؤُمْ النَّاس.

وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ (280 هـ) بِبَغْدَادٍ، وَقِيلَ سَنَةَ (264 هـ).

شيوخه:

من تتبع مؤلفاته -رحمه الله-، يرى أن له مشايخ كثيرون، كما ذكره غير واحد من المؤرخين. ومن شيوخه:

·        أبومسلم الكجي أو الكشي إبراهيم بن عبدالله (ت292هـ).

·        أحمد بن عمر بن موسى بن زنجويه أبوالعباس القطان (ت304هـ).

·        أبو شعيب الحداني.

·        خلف بن عمرو العكبري.

·        أبوخليفة الفضل بن حباب.

·        المفضل بن حباب الجندي أبوسعيد الحافظ (ت308هـ).

·        هارون بن يوسف بن زياد.

·        قاسم بن زكريا المطرز البغدادي (ت305هـ).

·        أبوبكر بن أبي داود عبدالله بن سليمان بن الأشعث السجستاني (ت316هـ).

·        أحمد بن يحيي الحلواني.

·        جعفر بن محمد بن الحسن أبوبكر الفريابي ثم التركي (ت301هـ).

 

 

وغيرهم خلق كثير منهم عبد الله بن عباس الطيالسي وحامد بن شعيب البلخي وأحمد بن سهل الأشناني المقرئ، ومن نظر في كتب الإمام الآجري خاصة الشريعة و تحريم النرد والشطرنج والملاهي وقف على جم غفير غير هؤلاء.

 

تلاميذه:  نجد بتتبع المصادر التاريخية أنَّ له الكثير من التلاميذ، منهم:

·        أبو نُعيم أحمد بن عبدالله الحافظ الأصبهاني، صاحب الحلية (ت 404هـ).

·        محمد بن الحسين بن المفضل القطَّان.

·        أبوالحسن الحمامي.

·        عبدالرحمن بن عمر بن النحاس.

·        علي بن أحمد المقرىء.

·        محمود بن عمر العكبري.

·        أبوالحسين علي بن محمد بن عبدالله بن بشران.

·        أبوالقاسم عبدالملك بن محمد بن عبدالله بن بشران البغدادي (ت403ه).

وقد ذكر الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ وذلك في الصفحة السادسة والثلاثون بعد المائة التاسعة أنه روى عنه خلق كثير في مكة المكرمة من الحجاج والمغاربة.

 

مكانته العلمية ومصنفاته: اتفق المؤرخون على إمامته في الفقه والحديث مع صلاحه وورعه وزهده.

قال الذهبي: الإمام المحدث القدوة، شيخ الحرم الشريف، كان صدوقا خيرا عابدا صاحب سنة واتباع، وقال في العلُوّ:  كان الآجُرِّي أثرياً حَسَنَ التصانيف.

قال الخطيب: كان الآجُرِّي ثقةً صدوقاً ديناُ، له تصانيف.

وقال السيوطي: كان عالماً عاملاً صاحب سنة، دينا ثقة.

وقال ابن مفلح الحنبلي: كان من الفقهاء والكبار.

وقال ياقوت: كان ثقة، صنف تصانيف كثيرة، حدث ببغداد، ثم انتقل إلى مكة فسكنها إلى أن مات.

وقال النديم: الفقيه، أحد الصالحين العُباد، كان مقيما بمكة.

 

مذهبه: كان سلفياً أثرياً محارباً للتعصب المذهبي، وهذا شيءٌ جليٌ واضحٌ في كتبه، وقد تنازع المؤرخون على أي مذهب تفقَه، فمنهم من يقول أنه تفقه على مذهب الشافعي انظر الوفيات لابن خلكان وطبقات الشافعية، ومنهم من يقول أنه تفقه على مذهب أحمد بن حنبل انظر طبقات الحنابلة وشذرات الذهب.

مُصنفاته:

1- الأربعين في الحديث. 

له نسخة مخطوطة في المكتبة الظاهرية 4 ( ق49 – 80).

وله نسخة أخرى قطعة منها في مجموع 27- (ق34-45). 

(فهرس المكتبة الظاهرية ص2 ).

وذكره الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ ص936.

والتاج السبكي في طبقات الشافعية 3/149.

 

2- أخبار عمر بن عبدالعزيز. 

مخطوط بالمكتبة الظاهرية بدمشق رقم المجموع 30(ورق 1 : 22)

وله صورة في مكتبة الجامعة الإسلامية رقم106.

(فهرس مخطوط الظاهرية / ص2)؟

 

3- أخلاق حملة القرآن. 

ذكره ابن خير الأشبيلي من " فهرس ما رواه عن شيوخه " ص185 .

 

4- أحكام النساء. 

ذكره ابن النديم في " الفهرست " ص215 .

 

5- أخلاق العلماء.

وقد طبع هذا الكتاب طبعتين:

- الطبعة الأولى بالقاهرة 1931م.

- الطبعة الثانية بطابع النصر الحديثة بالرياض نشر وتوزيع إدارة البحوث العلمية والإفتاء بتحقيق الشيخ إسماعيل الأنصاري. 

 

6- التصديق بالنظر إلى الله عز وجل وما أعده لأوليائه. 

مخطوط وله نسختان في المكتبة الظاهرية:

أ- من مجموع 21 (ق185-200).

ب- نسخة من آخرها ورقتين في مجموع 116 (ق114-118).

 

7- الشريعة. 

طبع هذا الكتاب في القاهرة سنة 1369 بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي وأعادت طبعه مرة أخرى أخيراً دار الكتب العلمية ببيروت.

 

8- الغرباء من المؤمنين.

في وصف حالهم وواجب المسلم في رعايتهم:

مخطوط في الظاهرية رقم4572 (ق48-63).

 

9- أدب النفوس. 

مخطوط وله نسخة في المكتبة الظاهرية، برقم مجموع حديث 248 (23-29) وغيرها من الكتب الأخرى النافعة.

وله العديد من المصنفات الأخرى منها: " النصيحة" وينقل عنها ابن مفلح صاحب الفروع في الفروع اختياراتٍ حسنة، وله " الثمانين " و " أداب العلماء " و "مسألة الطائفين" و" التهجد" و" فرض العلم" و " صفة قبر النبي صلي الله عليه وسلم" و" مختصر الفقه" و "تحريم النرد والشطرنج" و "ذمُّ اللواط" وذكر بعض المؤرخين أنَّ مؤلفاته تزيد عن هذه التي ذكرت بكثير.

 

 تأريخ وفاته:

 

اتفق المؤرخون على وفاة الإمام الآجري في سنة ستين وثلاثمائة (360هـ) بمكة المكرمة.

ونقل التقي الفاسي من "العقد الثمين" عن العلامة ابن رشيد أنه قال في رحلته: " قرأت بخط شيخنا الخطيب الصالح أبي عبدالله بن صالح ما نصه أنه وجد بخط أبي جعفر أحمد بن محمد بن ميمون الطليطلي ما نصه: سألنا أبا الفضل محمد بن أحمد الزاز متى توفي الآجري؟ قال: " توفي -رحمه الله- يوم الجمعة أول يوم محرم سنة ستين وثلاثمائة بمكة المكرمة ودفن فيها وكان قد بلغ من العمر ستاً وتسعين سنة أو نحوها". 

قال: وكان يدعو كثيراً ألا تبلغه سنة ستين، فما مضى من أول يوم من السنة إلا ساعة حتى توفي -رحمه الله تعالى-.

  

 

 

المصادر:

1- ترجمته في كتاب الشريعة الذي نشرته دار البصيرة.

2- الكوكب الدري في ترجمة الإمام أبي بكر الآجُرِّي الذي نشره أبو الأشبال الهواري في سحاب السلفية.

3- ترجمته في كتاب أخلاق حملة القرآن الذي نشرته دار الكتب العلمية.

4- ترجمته في كتاب أخلاق العلماء الذي أصدرته الدار المصرية اللبنانية.

5- ترجمته في موقع جامع الحديث النبوي، أشمل موسوعة لكتب السنة النبوية.

6- ألف بين جميع هذه التراجم التي ذكرت على عجالة:  لقمان بن أبي القاسم الأنصاري.

 http://www.ajurry.com/WhoIsAjurry.htm