الصبر على ما يلاقيه العبد من الأذية والابتلاء والمصائب في سبيل الدعوة إلى الله تَبَارَكَ وَتعالىٰ

وليعلم أن هٰذا سبيل الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- كما قال ربنا -جَلَّ وَعَزَّ- [وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا] وقال -جَلَّ وَعَزَّ- [وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون] 
وفي حديث خباب بن الأرت رضي اللهُ تعالىٰ عنه في البخاري، قال: "شكونا إلى رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم وهو متوسد برده في ظل الكعبة، فقلنا له " ألا تستنصر، ألا تدعو الله لنا " فقال عليه الصلاة والسَّلام بكل ثبات ورباطة جأش :
[كان الرجل فيمن كان قبلكم يُحفر له في الأرض فيُجعل فيه، فيُجاء به ثم يوضع المنشار في مَفرِقِ رأسه فيفلقه فلقتين وفي لفظ -فيشق اثنتين- وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصُدُّه ذلك عن دينه] 
 
ثم قال عليه الصلاة والسَّلام [ولله ليتمن الله هٰذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون]. هكذا واجه رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم أذى قريش وتصلبهم وإمعانهم في أذية أصحابه رضي اللهُ تعالىٰ عنهم، فصبرهم صلى اللهُ عليه وسلم بضرب هٰذا المثل الذي قاله صلى اللهُ عليه وسلم وكان بعد ذلك كما قال.
 
فثبّت أصحابه رضي اللهُ تعالىٰ عنهم على هٰذا الأمر وأن النصر قادم؛ فالنصر مع الصبر، كما قال الله -جل وعلا- في كتابه العزيز في سورة الشرح [أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ] إلى قوله [فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا] فلا شك [فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ] لن يغلب عسرٌ يسرين بحال من الأحوال؛ لكن العجلة في نفوس الناس هي التي تجعلهم يستعجلون النصر؛ فالنبي صلى اللهُ عليه وسلم قال لهم هٰذه المقالة مقالة الواثق المطمئن إلى وعد ربه تَبارك وتعالىٰ.
 
قال الله جل وعز: [ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] 
 
فالابتلاء معشر الإخوان يزيد الداعية ولا ينقصه، يزيده عند الله رفعة إن شاء الله، ويفيده الأجر والثواب عند الله تبارك وَتعالىٰ ولا يضره؛ بل لابد من الابتلاء كما سمعنا في هٰذه الآية، لمن ؟ لمحبي الله ورسوله. ثبت عن رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم في صحيح بن حبان بإسناد حسن قال عليه الصلاة والسَّلام ، اسمعوا هٰذا الحديث: ((إن البلايا أسرع إلى من يُحبُّنِي من السَّيلِ إلى مُنتهاه))؛ 
 
فالابتلاء سنة الله -سُبْحَانهُ وَتعالىٰ- الجارية وقد جرت في الأنبياء، وجرت في الصالحين، وجرت في الدعاة، جرت في المرسلين وهي طريقة النبي صلى اللهُ عليه وسلم كما سمعنا، ومن قرأ الكتب المزبورة اطلع على الأخبار المنثورة فيها لعموم الدعاة إلى الله الصادقين الناصحين المصلحين وما نزل بهم من الابتلاءات؛ ولكن انظر ماذا سُطِّر لهم من لسان الصدق والبر في الآخرين، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
 
فالواجب على العبد أن لا يتعجل، وعليه أن يصبر، وعليه أن يعلم أن الفرج مع الكرب وأن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرى، وليعلم أن وعد الله لا يتخلف [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ]، قوي لا يغلبه أحد، عزيز لا يمتنع عن عزته أحد؛ فلا يخرج عن قبضته جل وعز أحد، فهو قوي لا يغلب -سُبْحَانهُ وَتعالىٰ-؛ فثق يا عبد الله، ثق يا أيها الداعية إلى الله ، على سبيل رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم، ثق أن النصر معك، ولو لم تراه أنت في حياتك فإن الله سيكتبه لمن صار على دعوتك بعد مماتك . ا.هـ
 
 
جزى الله الشيخ الهُمام المفضال أبي أنس محمد بن هادي المدخلي خير الجزاء على هذه التوجيهات والنصائح القيِّمة .
من محاضرة : أخلاقيات الداعية – ألقاها الشيخ في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .
 
هذا ما أردتُ تذكير نفسي أولاً ثم إخواني ثانياً حفظكم الله وثبتنا وإياكم على السُّنة والتوحيد حتى نلقاه سبحانه وتعالى ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصبحه أجمعين .
 
منقول من سحاب الخير

الأقسام الرئيسية: