من دعوة التوحيد للهراس

جهاد الرسول صلى الله عليه وسلم فى التوحيد

صح عنه صلى الله عيه وسلم أنه قال : ( أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فإذا قالوها فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابها على الله )

وصح عنه أيضا أنه قال ( بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقى تحت ظل رمحى ، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمرى ، ومن تشيه بقوم حشر معهم ) وليس معنى هذا أن الاسلام انتشر بالسيف كما يتهمه بذلك أعداؤه فإن الله تعالى يقول ( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى ، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ) ولكن أعداء الاسلام المحيطين به من كل جانب كانوا يتربصون به الدوائر ويشنون عليه العارة بعد الغارة ، ويجمعون له المرة بعد المرة ، فاقتضى واجب الدفاع عن الدعوة وتأمين سبيلها الإذن للمسلمين بالجهاد كما قال تعالى ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز ، الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور )

وقد دلت التجارب الكثيرة أن الحق لا يمكن أن يقوم فى أرض الله بدون قوة تسنده وتحميه وتدفع عنه عدوان الباطل وتؤمن له الطريق حتى يصل إلى الأسماع والقلوب بدون عنف أو إكراه .

ولعله لم يبل أحد من الرسل عليهم الصلاة والسلام فى سبيل التوحيد ويبلغ الغاية القصوى فى تقريره والدعوة إليه ويجاهد فى ذلك بكل ممكن كما فعل نبى الإسلام صلوات الله عليه وسلامه ولا غرو فهو الذى اختارته العناية الإلهية لحمل أعظم رسالة ، رسالة الكمال والتمام التى جاءت بالصور النهائية الكاملة لدين الله وتوحيده بعد أن شوهها أهل الأديان وجعلوها مزقا وخرقوا سياجها بما أحدثوا فى أديانهم من ألوان الشرك والابتداع وأن المتأمل فى سيرته صلى الله عليه وسلم بعد البعثة ليجدها سلسلة متصلة الحلقات من الجهاد الدائب لإعلاء كلمة التوحيد وتقويض دعائم الشرك ومحاربة الوثنية فى كل صورها ومظاهرها فقد قضى بمكة ثلاثة عشر عاما من سنى بعثته لا شغل له إلا إقرار العقائد الصحيحة والدعوة إلى التوحيد ومكارم الأخلاق ، ولم ينزل عليه فيها تشريع عملى واحد إلا الصلاة .

ولقد قامت قريش حين جدت به الدعوة تريد أن تحول بينه وبين الاستمرار فى ذلك . فهددت وتوعدت وأرغت وأزبدت ثم تجاوزت نطاق التهديد بالكلام إلى الفعل ، فافتنت فى إيذائه وإيذاء أصحابه القليلين ، وبلغت فى ذلك ما شاءه لها الجهل والحمية لدين الآباء والخوف على مركز الرياسة الذى كانت تتمتع به فى العرب . ولكن ذلك كله رغم عنفه وقسوته لم يزد هذه الفئة المؤمنة التى ذاقت حلاوة التوحيد إلا استمساكا بدينها وصلابة فى إيمانها .

والقرآن فى أثناء ذلك ينزل بالقوارع يزلزل بها قلوب أهل الكفر والعناد ، ويأخذهم بأشد الوعيد ، ويوبخهم على ما رضوا لأنفسهم من عبادة ما هو أحقر منهم شأنا وأضعف كيدا ، وينعى عليهم تقليدهم لآبائهم فى الجهل و الضلال ويدعوهم الى النظر الحر والتفكير السليم ، ولكن القوم مع ذلك ركبوا رءوسهم وتمادوا فى عتوهم واشتطوا غاية الشطط فى تعذيب المؤمنين وإيذائهم حتى اضطروهم أن يهاجروا إلى الحبشة مرتين .

كل ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم مثابر فى دعوته ماض فيها بأمر ربه صابر محتمل لما يلقى هو وأصحابه من الأذى فى سبيله لا يثنيه عن دعوته إغراء ولا يلويه تهديد .

ثم بلغت بالقوم السفاهة والعقوق وقطيعة الرحم أن تعاقدوا على مقاطعة بنى هاشم لا يبيعونهم ولا يبتاعون منهم ، ولا ينكحونهم ولا ينكحون إليهم ، وحاصروهم فى شعب أبى طالب ثلاث سنين ذاقوا فيها من أهوال الجوع والحرمان ما لا تصبر عليه شم الجبال .

ثم كان خروجه عليه السلام إلى الطائف لدعوة أهلها إلى الإيمان به ونصرته حتى يبلغ رسالة ربه فلم يجد منهم الا أقبح الرد وأغلظ الجواب ، بل بلغ من اللؤم أن أغروا به سفهائهم وصبيانهم يقفون له فى طريق عودته يرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبيه ، وحتى اضطروه أن يستند إلى حائط لعتبة وشيبة ابنى ربيعة ، وكانا من أشد الناس عداوة له ولكنهما رقا له حين وجدا ما به من آثار الجهد والألم وبعثا إليه بقطف من العنب ولم يزد النبى صلى الله عليه وسلم فى غمرة هذا الكرب الا أن يتوجه إلى الله بهذا الدعاء الذى يفيض رضى عن الله عز وجل فيقول :

( اللهم إنى أشكو إليك ضعف قوتى وقلة حياتى وهوانى على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربى إلى من تكلنى ؟ إلى قريب يتجهمنى أم إلى عدو ملكته أمرى ، إن لم يكن بك غضب على فلا أبالى ، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بى غضبك أو يحل على سخطك ، ولك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة الا بك )

ولم يستطع حينئذ أن يدخل مكة إلا فى جوار رجل من المشركين وهو ( المطعم بن عدى ) .

ثم أخذ يعرض نفسه على قبائل العرب فى موسم الحج فلا يصادف أكثرهم إلا سخرية واستهزاء ، وأبو لهب عمه يمشى بين يديه يحذر الناس من الاستماع إليه ، ويقول لهم إنه ساحر يفرق بين الأخ وأخيه ، وبين المرء وزوجه ، فلا يملك الناس الا أن يقولوا : أنت أعلم بابن أخيك .

ثم كان أن أذن الله بالفرج وهدى بعض أهل يثرب إلى الاسلام وأمر المسلمين بالهجرة إليها ، وما اكتنف هذا الحادث من أهوال ومخاطر حيث ائتمر القوم برسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمعوا على قتله . ووقف على بابه ليلة الهجرة أربعون سيفا تتحرق شوقا أن تروى من دمه الزكى ، فيتفرق دمه فى القبائل .

ولما أوى على الغار هو وصاحبه الصديق وخرج القوم فى طلبهم وأنتهى بهم الطلب إلى باب الغار ارتجف لذلك أبو بكر وقال : والله يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدمه لأبصرنا .فينظر إليه الرسول بعين ممتلئة بالاطمئنان والثقة بنصر الله ويقول له مهدئا روعه (ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما ؟ لا تخزن إن الله معنا )

وأخيرا انتهيا إلى المدينة حيث كان فى انتظارهما عسكر التوحيد وجند الإيمان من المهاجرين والأنصار .

م لم يلبث إلا أن أذن الله للمسلمين فى الجهاد دفاعا عن أنفسهم وانتقاما ممن ظلموهم وأخرجوهم من ديارهم وإنقاذا لمن بقى فى مكة من ضعاف المسلمين .

وبدأ الصراع الفعلى والحرب الساخنة بين التوحيد والشرك ، وكانت وقائع فى بدر وأحد والأحزاب عدا حرب اليهود فى الدينة حتى أدال الله لنبيه من قريش وفتح عليه مكة ونصره نصرا عزيزا بعد هذا البلاء الطويل والصبر الجميل .

وكانت آخر هذه الغزوات تلك الغزوة التى سميت بغزوة تبوك على مشارف الشام ، وكانت فى وقت شدة وعسر ، وكانت فى العام التاسع من الهجرة .

وهكذا كانت حياته كلها صلى الله عليه وسلم جهادا دائبا لا يفتر ولا ينى حتى جاءه نصر الله والفتح ودخل الناس فى دين الله أفواجا .

وهكذا بلغ الرسل صلوات الله وسلامه عليه من السمو فى الدعوة والجهاد الغاية التى تتضاءل دونها كل همة . وتتضامن عندها جميع الرقاب

الأقسام الرئيسية: