فضل الصيام و حكمته

فضل الصيام

4- فضل الصيام

الصوم فضله عظيم، وفضائله كثيرة منها:

1- أن الصيام جُنَّة وسُترة للصائم من الآثام ومن النار كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: الصيام جنة فلا يرفث، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله، أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين .
2- ومنها: أن رائحة فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، كما في حديث أبي هريرة السابق، فإن في آخره: والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي فهي أطيب عند الله من ريح المسك، وإن كانت مستكرهة في مشام الناس في الدنيا لكونها ناشئة عن طاعة الله وابتغاء مرضاته.
3- ومنها: أن الله أضاف الصيام إليه من بين سائر الأعمال كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قال الله كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به .
ولفظ مسلم كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله عز وجل إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي .
قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله - في وظائف شهر رمضان: فعلى هذه الرواية يكون استثناء الصوم من الأعمال المضاعفة فتكون الأعمال كلها تضاعف بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد، بل يضاعفه الله - عز وجل- أضعافا كثيرة بغير حصر عدد، فإنه الصيام من الصبر، وقد قال الله - تعالى - إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ولهذا ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سمى رمضان شهر الصبر، وفي حديث آخر عنه، -صلى الله عليه وسلم- قال: الصوم نصف الصبر أخرجه الترمذي
والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر على محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، وتجتمع الثلاثة في الصوم، فإن فيه صبرا على طاعة الله، وصبرا عمّا حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبرا على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش وضعف النفس والبدن، وهذا الألم الناشئ من أعمال الطاعات يثاب عليه صاحبه، كما قال الله - تعالى - في المجاهدين: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وفي حديث سلمان المرفوع الذي أخرجه ابن خزيمة في صحيحه في فضل شهر رمضان: " وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة". ا هـ كلامه رحمه الله. ولفظ رواية البخاري قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به .
قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله - في وظائف شهر رمضان: قد كثر القول في معنى ذلك، فإن الله خص الصيام بإضافته إلى نفسه من بين سائر الأعمال وذكروا فيه وجوها كثيرة ومن أحسنها وجهان:
أحدهما: أن الصيام مجرد ترك حظوظ النفس وشهواتها الأصلية التي جُبلت على الميل إليها لله - عز وجل - ولا يوجد ذلك في عبادة أخرى غير الصيام؛ لأن الإحرام إنما يترك فيه الجماع ودواعيه من الطيب دون سائر الشهوات من الأكل والشرب، وكذلك الاعتكاف مع أنه تابع للصيام، وأما الصلاة فإنه إن ترك المصلي فيها جميع الشهوات إلا أن مدتها لا تطول فلا يجد المصلي فقد الطعام والشراب في صلاته، بل قد نُهي أن يصلي، ونفسه تتوق إلى طعام بحضرته حتى يتناول فيه ما يسكن نفسه، ولهذا أمر بتقديم العشاء على الصلاة - إلى قوله - وهذا بخلاف الصيام فإنه يستوعب النهار كله فيجد الصائم فقد هذه الشهوات، وتتوق نفسه إليها خصوصا في نهار الصيف لشدة حره وطوله - إلى قوله - فشكر الله تعالى له ذلك واختص لنفسه عمله هذا من بين سائر أعماله.
الوجه الثاني: أن الصيام سر بين العبد وربه لا يطلع عليه غيره؛ لأنه مُركّب من نية باطنة لا يطلع عليها إلا الله، وترك لتناول الشهوات التي يُستخفى بتناولها في العادة، ولذلك قيل: لا تكتبه الحفظة وقيل: إنه ليس فيه رياء، كذا قاله الإمام أحمد وغيره - إلى قوله - فإن من ترك ما تدعوه نفسه إليه لله - عز وجل - بحيث لا يطلع عليه غير من أمره، أو نهيه دلَّ على صحة إيمانه، والله تعالى يحب من عباده أن يعاملوه سرا بينهم وبينه، وأهل محبته يحبون أن يعاملوه سرا بينهم وبينه بحيث لا يطلع على معاملتهم إياه سواه. ا هـ كلامه رحمه الله.
4- ومن فضائل الصوم: أن الصيام وكذا الصلاة والصدقة كفارة لفتنة الرجل في أهله وماله وجاره فيما يقع من الكلام مع أهله، أو جاره مما لا يليق من نزاع، أو كلام، أو غضب، أو سبّ، أو نحوه، وكذا ما يحصل له من الانشغال بالمال.
كما ثبت في صحيح البخاري عن حذيفة قال: قال عمر - رضي الله عنه -: من يحفظ حديثا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الفتنة؟ قال حذيفة أنا سمعته يقول: فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة قال: ليس أسأل عن ذه، إنما أسأل عن التي تموج كما يموج البحر، قال: وإن دون بابا مغلقا قال: فيفتح، أو يكسر؟ قال: يكسر، قال: ذلك أجدر أن لا يغلق إلى يوم القيامة.
5- ومن فضائل الصوم: أن في الجنة بابا للصائمين يقال له الريان يدخلون فيه دون غيرهم كما ثبت في الصحيحين عن سهل - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل فيه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل فيه أحد .
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة، يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة الحديث.
6- ومن فضائل الصوم: أن لصائم رمضان عن إيمان واحتساب يغفر له ما تقدم من الذنوب كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه .
وصيام رمضان من أسباب مغفرة الذنوب، لكن المغفرة مقيدة بهذا الشرط: "إيمانا واحتسابا" أي إيمانا بالله ورسوله، وتصديقا بشريعته، واحتسابا للأجر والثواب، بأن يصومه إخلاصا لوجه الله بنية لا رياء، ولا تقليدا، ولا تجلّدا لئلا يخالف الناس، أو لغير ذلك من المقاصد، ويضاف إلى هذا الشرط شرط آخر لا بد منه في مغفرة الذنوب للصائم، أو القائم، وهو أداء الواجبات، وترك المحرمات لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند مسلم الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ولقول الله - تعالى -: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ فهما شرطان لمغفرة الذنوب.
7- ومن فضائل الصوم: أن الصائم إذا لقي ربه فرح بصومه كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه . أما فرح الصائمِ بلقاء ربه فلما يراه من جزائه وثوابه، وترتّب الجزاء الوافر عليه بقبول صومه الذي وفقه الله له.
وأما فرح الصائم عند فطره فسببه تمام عبادته وسلامتها من المفسدات، وما يرجوه من ثوابها حيث تم صومه وختمت عبادته وأبيح له الفطر الملائم لطبيعته فزال جوعه وعطشه.

حكمة الصيام

 5- حكمة الصيام:

قال الله - تعالى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لقد بنى الله دين الإسلام على شرائع وعبادات وفرائض وواجبات، أقامها على دعائم من الخير وقواعد من البر تفيد أهلها في الدنيا، وتنفعهم في العقبى، وتسعدهم في الدنيا والآخرة، وإن أعظم تلكم الشرائع وأجلها بعد الشهادتين والصلاة والزكاة، هو صوم شهر رمضان المبارك، الذي جعله الله فريضة على هذه الأمة ووسيلة عظمى لتقواه، كما قال - تعالى-: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ إلى قوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ فالله - تعالى - لم يشرع الصوم لحاجته إليه، كلا، بل هو الغني الحميد، الكامل في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، فلا يحتاج إلى أحد، ولا يحتاج إلى شيء، بل كل شيء فقير بذاته إليه، وهو الغني بالذات عن جميع الأشياء، وعن جميع المخلوقات.

فالله - تعالى - شرع الصيام ليكون وسيلة عظمى لتقواه سبحانه، وتقوى الله جماع خيري الدنيا والآخرة، وهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال - تعالى-: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وتقوى الله سبب في تفريج الكربات، وكفاية الله لعبده ما أهمه من أمور دينه ودنياه، وسبب في تيسير الرزق الحلال للعبد من حيث لا يحتسب العبد، قال الله - تعالى -: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ فالمتوكل على الله قد اتقى الله، والصائم من المتقين، وقد قال - تعالى -: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وتقوى الله سبب في تيسير أمور العبد: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا وتقوى الله سبب في تكفير السيئات وإعظام الأجور وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ومن اتقى الله قذف الله في قلبه نورا يفرق به بين الحق والباطل وكفَّر سيئاته وغفر ذنبه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .

فالله - تعالى - شرع الصيام لصالح المسلمين شرعه تربية للأجسام، وترويضا لها على الصبر، وتحمل الآلام، شرعه تقويما للأخلاق، وتهذيبا للنفوس، وتعويدا لها على ترك الشهوات ومجانبة المنهيات، شرعه ليعلمنا- نحن المسلمين - تنظيم معاشنا، وتوحيد أمورنا، شرعه ليبلونا أينا أحسن عملا: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ شرع الصيام ليكون وسيلة للتقوى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .

لقد أودع الله في الصوم من الحكم والأسرار والمصالح الدينية والدنيوية ما هو فوق تصور البشر، ورتب عليه - تعالى- من جزيل الثواب وعظيم الجزاء، ما لو تصورته نفس صائمة لطارت فرحا وغبطة، وتمنت أن تكون السنة كلها رمضان لتبقى دوما مُمتَّعة بهذا الروح والريحان.

فالواجب على العبد أن يؤدي الصيام بإخلاص ورغب ورهب وصبر وطواعية، وانشراح صدر، محفوظا عن كل ما يشينه، أو يجرحه، أو ينقص ثوابه. فإن الصائم يترك المحبوب من الشهوات لرضا المحبوب الخالق سبحانه، فالصيام نعمة كبرى، به تكفر الذنوب، وترفع الدرجات، وبه يقهر العبد الشيطان بتضييق مجاري الطعام والشراب؛ لأنه يجري مع الشهوات من ابن آدم مجرى الدم، وهي تضعف بالصوم، وبالصوم تقوى صلة العبد بربه؛ لأنه عمل خفي، وكلما كان العمل خفيًّا كان أقرب إلى الإخلاص.

ومن حكم الصيام وأسراره أن يكون عونًا للعبد على طاعة الله، فيجتهد في فعل الخيرات واجتناب المحرمات: فمن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه .

ومن حكم الصيام الصحة في الأبدان، ويُروى: صوموا تصحُّوا ومن حكم الصيام تذكُّر الغني الأكباد الجائعة من الفقراء والمساكين والمعوزين، كما قال بعض السلف لما سئل عن حكمة الصوم فقال: ليذوق الغني طعم الجوع حتى لا ينسى الفقير، وهذه من حكم الصيام.

وبالجملة: فالصيام شُرع تعبُّدًا لله وخضوعا لأمره، وتعظيما له -سبحانه- ليتحلى المسلم بالتقوى، التي هي فعل الأوامر، وترك المحارم، فالصوم الحقيقي ليس هو مجرد الإمساك عن الطعام والشراب والتمتع الجنسي فحسب، بل هو مع ذلك أداء للواجبات، وترك للمحرمات وحفظ للجوارح عن السيئات، حفظ للعينين عن النظر المحرم، وللسان عن الفحش والكذب والسباب والغيبة والنميمة وقول الزور، وحفظ للأذن عن سماع المحرمات، وحفظ لليدين عن السرقة والغصب والغش والإيذاء والإعتداء، وحفظ للرجلين عن المشي بهما إلى ما حرم الله، وحفظ للقلب عن الغل والحقد والحسد والبغضاء والاعتقاد الباطل، وحفظ للفرج عما حرم الله، وجماع ذلك تقوى الله ومراقبته في السر والعلن كما قال ربنا سبحانه: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ والمعنى: كتب عليكم الصيام، كما كتب على الذين من قبلكم لتقوى الله، فلله در الصيام أن كان بهذه المثابة، ولله الحمد والشكر على نعمه التي لا تعد، ولا تحصى، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

(من كتاب الالمام بشىء من أحكام الصيام للعلامة عبد العزيز الراجحى ) www.sh-rajhi.org

الأقسام الرئيسية: