لقد أظلكم شهر كريم (خطبة للعلامة عبد العزيز ال الشيخ حفظه الله فى جامع الامام تركى بن عبد الله بتاريخ 28/8/1424) ملخص الخطبة: 1- فرح المؤمن بطاعة ربّه. 2- حال المؤمن عند قدوم رمضان. 3- فرضية صيام رمضان. 4- الحكمة من مشروعية الصوم. 5- البشارة بقدوم رمضان. 6- خصائص رمضان وفضائله. 7- فرح السلف ببلوغ شهر الصيام والقيام. 8- شروط وجوب الصيام. 9- الحثّ على صلاة التراويح. | |||
الخطبة الأولى
أمّا بعد: فيا أيّها النّاس، اتقوا الله تعالى حقَّ التّقوى. عبادَ الله، إنّ مِن آثار الإيمان الصّادق فرحَ المسلم بطاعة ربّه، فرحَه بعبادةِ ربّه وطمأنينة نفسه لذلك وانشراح صدره، إنّه كلّما تأمّل العبادات التي افترضها الله عليه يعلمُ حقًّا أنّ هذه العبادةَ التي افتُرضت عليه نعمةٌ من نعمِ الله عليه، وفضلٌ من فضل الله عليه، فهو يحمَد الله على هذا الفضلِ وعلى هذه النّعم. لماذا؟ لأنّه يرى حقًّا أنّ هذه العبادةَ شُرعت له لتقوّيَ صلتَه بربّه، وتجعله دائمًا على صلةٍ بربّه، وتلك غايةُ أمنيّةِ المسلم، مع ما يحصل له فيها من الأجرِ العظيم والعطاءِ الجزيل. أيّها المسلم، هكذا حال المؤمن الصّادق، محبّةُ الإيمان، محبّة الأعمال الصّالحة، الفرحُ بها، الانبساط بها، كلّما أدّى ركنًا من أركان دينِه فهو فرحٌ مسرور به. في الصّلاة قلبُه معلّق بالمسجد، يفارقه وهو يحنّ إليه ويشتاق إليه، متى ما سمع: "حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح"، قال: سمعًا وطاعة، فأتى المسجدَ عن رغبةٍ وطاعة وفرَحٍ ومحبّة لهذه الفريضة. عندما يخرِج زكاةَ ماله فهو يفرَح بها، لأيّ شيء؟ يفرح بها لأنّه ينفّذ عبادةً أمَره الله بها، فهو يشكر الله على أدائها، كما يشكُره على فضلِه ونعَمه عليه. إذا أدّى فريضةَ الحجّ فرِح بذلك لكونِه أدّى ركنًا من أركانِ إسلامه، فيحمَد الله أن أعانَه على ذلك. عندما يقبِل عليه شهرُ الصّيام والقيام، ما هي حاله؟ حالُه استبشارٌ وفرَح واغتباط بمقدَم هذا الشّهر الكريم، فرح واستبشارٌ وانبساطٌ وسرور بمقدَم هذا الشّهر الكريم. يفرَح به فرحًا عظيمًا، ويهنِّئ نفسَه وإخوانَه المؤمنين بمقدَم هذا الشهر، ويقول: الحمد لله، أمدَّ في أجلِي حتّى أدركتُ رمضان، الحمد لله، عافاني في بدَني حتّى أتمكّن من صيامِ رمضان، الحمد لله الذي أقرّ عيني بإدراك شهرِ الصّيام. ما هذا الفرحُ بالصّيام؟ فرحُه به لأنّه يؤدّي عبادةً افترضَها الله عليه، وتعبّد بها مَن قبله مِن الأمم، أيّها المسلم، والمؤمنُ حينما ينظر إلى رمضان، إلى هذا الشّهر المبارك الذي فضّله الله على سائر شهور العام، فجعله سيّدَ الشهور وأفضلَ الشّهور على الإطلاق، إذًا فالمؤمن يفرَح به، ويستبشِر به، ويعلم أنّ صومَه عبادة تُرضِي اللهَ عنه، يعلم أنّ صومَه عبادةٌ يرضى الله عنه بفعل تلك العبادة. إذًا فهو يفرَح بهذا الشهر، ثمّ يعلم حقًّا ما أودع الله في هذا الشّهر من الفضائلِ والمزايا التي لم تكن لشهرٍ غيره، فهو يشكر الله على هذه النّعمة ويفرح بها. أيّها المسلم، إنّ الله جلّ وعلا خاطب المؤمنين بالأمر بالصّيام فقال لهم: يذكّره نِعمَ الله عليه، ولا يعرف النّعمَ إلا من فقدها، ويذكّره حالَ المحتاجين، فيعود عليهم بالمواساة، ويذكّره طاعةَ ربّه قبلَ كلّ شيء والتقرّبَ إليه بما يرضيه، وإنّه لأيّام معدودَة، تسعة وعشرون يومًا أو ثلاثون يومًا. وإنّ هذا الصّومَ يُباح للمريض والمسافر الفطرُ إذا أتعبَهم الصّيام، وكان في أوّل الإسلام مخيّرًا المسلم بين أن يصومَ أو يطعِم، ثمّ إنّ الله رحِم الأمّة فأوجب الصيامَ على المسلم المقيم البالغ العاقل القادر السّالم من كلّ ما يمنَع الصّيام، وإنّ الله أراد بنا اليسرَ فيما فرضَ علينا، ولم يرد بنا العسر. أيّها المسلم، إنّ نبيّنا هذا الشّهر العظيم له خصائصه وفضائله، فمن ذلك ـ يا معشر المسلمين ـ أنّ صيامَه مع الإيمانِ والاحتسابِ والإخلاصِ لله يكفّر ما مضى من الذّنوب، ((مَن صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غفَر الله له ما تقدّم من ذنبه))[2]، ((الصّلوات الخَمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمَضان مكفّراتٌ لما بينهنّ إذا اجتنِبت الكبائر))[3]، هكذا يقول قيامُ رمضان يمحو ما مضى من الذّنوب، كان نبيّنا من خصائص هذا الشّهر أنّه عمَل أُضيفَ إلى الله واختصّ الله جلّ وعلا بالإثابة عليه، ((كلّ عمل ابن آدم له، قال الله: إلاّ الصيام، فإنّه لي وأنا أجزي به، والصوم جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يصخب ولا يغضَب، وإن سابّه أحد فليقل: إنّي امرؤ صائم، والذي نفس محمّد بيده لخلوف فمِ الصائم أطيبُ عند الله مِن ريح المِسك))[5]. الحسنات تُضاعَف بعشرِ أمثالِها إلى سبعمائة ضِعف، أمّا الصّوم فإنّ مضاعفتَه لا يعلمها إلاّ الله؛ لأنّه من الصّبر، والله يقول: نبيّكم أيّها الإخوة، رسولنا فيا أيّها المسلم، وقد اقتربتَ من رمضان فاحمَد الله على هذه النعمة، واشكره على هذا الفضل، ولا تستثقل الصّيام، ولا تسأم الصّيام، ولا تملّنّ من الصيام، بل احمد اللهَ على هذه النّعمة. سلفكم الصّالح كانوا يقولون: "اللهمّ سلِّمني لرمضان، اللهمّ سلّم لي رمضان، اللهمّ تسلَّم منّي رمضان متقبَّلاً"، يدعون الله نصفَ العام أن يبلِّغهم رمضان، فإذا صاموه دعَوا الله مثلَه أن يتقبّله منهم. إنّه ميدان التّنافس في الخير وصالحِ العمل، فجِدّ أيّها المسلم، واجتهد في هذا الشّهر، وأحدث عملاً صالحًا، وتقرّب إلى الله بطاعته وما يرضيه. أسأل الله أن يظلّه عليّ وعليكم وعلى جميع المسلمين بالأمن والإيمان والسّلامة والإسلام، وأن يرزقنا فيه الجدَّ والنّشاط، وأن يوفّقَنا فيه لصالح الأقوال والأعمال. تذكّر ـ أخي المسلم ـ أقوامًا كانوا معك في مثلِ هذا العام، أتاهم أجلهم المكتوب، وانتقلوا من هذه الدّنيا إلى القبور، وهم يتمنّون لو كانوا معَكم ينافسون في صالح العمل. فيا من طال عمره حتّى أدرك رمضان، اشكر الله على هذه النّعمة، وأحدِث لها طاعة وعبادةً، فإنّها نعمة عظيمة من الله. أسأل الله أن يوفّقني وإيّاكم لصالح القول والعمل، وأن يرزقَنا جميعًا الفرحَ بهذه العبادة وانشراحَ الصدر والقيام بالواجب، إنّه على كلّ شيء قدير. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم. [1] أخرجه البخاري في الصوم (1904)، ومسلم في الصيام (1151) عن أبي هريرة رضي الله عنه. [2] أخرجه البخاري في الصوم، باب: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ونية (1901)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في قيام رمضان (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [3] أخرجه مسلم في الطهارة (233) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [4] أخرجه البخاري في الإيمان، باب: تطوع قيام رمضان من الإيمان (37)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في قيام رمضان (759) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [5] أخرجه البخاري في الصوم (1904)، ومسلم في الصيام (1151) عن أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه. [6] أخرجه أحمد (2/292)، والبزار (1/458- كشف الأستار)، ومحمد بن نصر في قيام رمضان (ص112)، والبيهقي في الشعب (3602)، وقال البزار: "لا نعلمه عن أبي هريرة مرفوعًا إلا بهذا الإسناد، وهشام بصري يقال له: هشام بن زياد أبو المقدام، حدث عنه جماعة من أهل العلم وليس هو بالقوي في الحديث"، وقال الهيثمي في المجمع (3/140): "رواه أحمد والبزار، وفيه هشام بن زياد أبو المقدام وهو ضعيف"، وقال الألباني في ضعيف الترغيب (1/294): "ضعيف جدًا". [7] عزاه المنذري في الترغيب (2/99) إلى الطبراني من حديث عبادة رضي الله عنه وقال: "رواته ثقات إلا محمد بن قيس لا يحضرني فيه جرح ولا تعديل"، وقال الهيثمي في المجمع (3/142): "رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن أبي قيس ولم أجد من ترجمته"، وذكره الألباني في ضعيف الترغيب (592). [8] أخرجه أحمد (2/374)، وابن خزيمة (3/188)، والطبراني في الأوسط (9/21) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال الهيثمي في المجمع (3/141): "رواه أحمد والطبراني في الأوسط عن تميم مولى ابن زمانة، ولم أجد من ترجمه"، وفي إسناده أيضًا عمرو بن تميم قال الذهبي في الميزان (5/302): "عمرو بن تميم عن أبيه عن أبي هريرة في فضل رمضان وعنه كثير بن زيد، قال البخاري: في حديثه نظر"، وقال العقيلي في الضعفاء (3/260) : "لا يتابع عليه"، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (590). [9] رواه الحارث في مسنده (318 ـ بغية الباحث ـ)، وابن خزيمة (3/191-1887)، وابن أبي حاتم في العلل (1/249)، وابن عدي في الكامل (5/293)، قال أبو حاتم : "هذا حديث منكر".
| |||
![]() | |||
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التّقوى. عبادَ الله، يقول الله جل وعلا: أيّها المسلم، إنّ صومَ رمضان أداءً يجِب على المسلم البالِغ العاقل المقيمِ القادِر السّالم من موانع الصّيام، فهَذا يجب عليه الصيام، وهو ركنٌ من أركان إسلامه، ولا يمكن لمسلم أن يتخلّى عن ذلك؛ لأنه الركن الرّابع من أركان الإسلام، أيّها المسلم، غيرُ المسلم لا يُطالَب به لأنّ الأصلَ التزام التّوحيد وعبادة الله وحدَه لا شريك له والإيمان بمحمّد الصغير غيرُ البالغ لا يطالَب به، لكن إن أمكنَ ترغيبُه في الصّيام بعد التمييز وترغيبه فيه ولو أيّامًا بعدَ أيام لكي ينشأ آلفًا للبعادةِ محبًّا لها فذاك حسن. المجنونُ لا يطالَب به لأنّه فاقدُ العقلِ مرفوعٌ عنه التكليف. الذي يعجزه الصيامُ لمرض والمرض هنا على قسمين، فهناك أمراضٌ خطيرة، أمراض لا يمكن الصيامُ معها، أمراضٌ يقرّر الأطبّاء المختصّون أنّ الصومَ مع هذا المرضِ غيرُ ممكِن، وأنّ الصومَ يهدِّد حياةَ المسلم، فهؤلاء يفطِرون، وإذا كان المرَض مرضًا ملازِمًا وأمراضًا متّصلة ـ عافى الله الجميعَ من كلّ بلاء ـ فإنّه يفطر ويطعِم عن كلّ يوم مسكينًا، أي: عن الشّهر كلِّه خمسة وأربعين كيلو من الأرز أو الحبّ عن الشّهر كلّه؛ لأنّ مرضَه مرض ملازمٌ لا ينفكّ عنه، كالمصابين بداءِ الكلى والأمراضِ المتعدّدة المتنوّعة، فإنّ صاحب هذا المرض الذي إذا صام تعِب، وربما أغمِيَ عليه، وربّما هدّد حياتَه، فإذا قرّر ذلك طبيبٌ مختصّ فإنّ المسلم يفطر، ويطعِم عن كلّ يوم مسكينًا، وإن كان هذا المرض مرضًا مؤلِمًا ومتعِبًا ولا يستطيع الصومَ معه، لكن هذا المرض يُرجَى شفاؤه في الغالب بإذن الله، فهذا يفطِر ويقضي أيّامًا آخر. والمسافر إن أفطرَ في سفرِه فالله يقول: من بلغ مبلغًا من السّنّ يعجزه الصيام فصار كبيرًا لا يقدِر على الصّيام، فإنّه أيضًا يفطر ويطعِم عن كلّ يوم مسكينًا، وأمّا الذي فقد الذّاكرةَ وأصبَح لا يحسِن شيئًا ولا يعرِف مَن حوله، فاقدُ الذاكرة لكبرِ سنّه أو هرفٍ مبكِّر أفقده الذّاكرةَ، فهذا لا صومَ ولا إطعامَ عنه؛ لأنّه غير مطالب بالصّيام في تلك الحال. والحائض تفطِر إذا جاءَها دمُ الحيضِ، ولو لم يبقَ من النّهار إلاّ جزء يسير فإنّها تفطر، وإن طهرت في أثناء اليومِ أمسكت بقيّةَ يومِها وتقضِيه، وهكذا النّفساء تفطر في نفاسها، ومتى انقطع الدّم عنها أمسكت وكمّلت يومَها وتقضيه، وإن طهُرت مِن نفاسها قبل الأربعين وزال عنها النّفاس كلّه فإنّها تصوم ويلزَمها الصّيام وإن لم تكمّل أربعين. فاتّقوا الله ـ يا عباد الله ـ في صيامكم، واشكروا اللهَ على هذه النّعمة، وأحيوا سنّة التّراويح، فإنّها سنّة نبيّكم أخي المسلم، الذي أدرَك هذا الشّهرَ ولم يتمكّن من صيامه لمرضٍ ما فأذكِّره بقول النبيّ واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّد وصلوا ـ رحمكم الله ـ على محمد اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلفائه الراشدين... [1] أخرجه البخاري في الجمعة (924، 1129)، ومسلم في صلاة المسافرين (761) عن عائشة رضي الله عنها بمعناه. [2] أخرجه البخاري في صلاة التراويح (2010). [3] أخرجه أحمد (5/382)، والترمذي في المناقب (3662، 3663، 3799)، وابن ماجه في المقدمة (97) من حديث حذيفة رضي الله عنه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن"، وصححه ابن حبان (9602)، والحاكم (4451، 4452، 4453، 4455، 4456)، والحافظ في التلخيص الحبير (4/190). وله شاهد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أخرجه الترمذي في المناقب (3805)، وصححه الحاكم (4456)، قال ابن كثير في تحفة الطالب (ص165): "في سنده يحيى بن سلمة بن كهيل وهو ضعيف". وانظر: السلسلة الصحيحة (1233). [4] أخرجه أحمد (5/159)، وأبو داود في الصلاة (1375)، والترمذي في الصوم (806)، والنسائي في قيام الليل (1605)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1327) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه ابن الجارود (403)، وابن خزيمة (2206)، وابن حبان (2547)، والألباني في الإرواء (447). [5] أخرجه البخاري في الجهاد (2996) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. المصدر : الموقع الرسمى لوزارة الشئون الاسلامية و الأوقاف والدعوة و الارشاد بالمملكة العربية السعودية |