الخمر و الكولونيا

الخمر والكلونيا

إعداد : اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد :

فبناء على ما تقرر في الدورة التاسعة لهيئة كبار العلماء من إدراج موضوع الخمر والكلونيا ، فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك مشتملا على ما يأتي :

أولا : تعريف الخمر لغة وشرعا

ثانيا : عقوبة من ثبت عليه شرب الخمر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين .

ثالثا : خلاف العلماء في أن العقوبة في شرب الخمر هل هي حد أو تعزير ؟ مع بيان ما يترتب على ذلك .

رابعا : هل تجوز تجزئة عقوبة شارب الخمر ؟

خامسا : ما يثبت به شربها ، من شهادة أو رائحة أو قيء ونحو ذلك .

سادسا : حكم من تكرر منه شربها " القتل أو الجلد " .

سابعا : نجاستها .

ثامنـا : هل ينطبق على الكلونيا تعريف الخمر أو لا ؟

وما حكم شربها واستعمالها على كل من التقديرين ؟

وهل يحكـم بنجاستها على تقدير أنها خمر أو لا ؟

أولا : معنى الخمر لغة وشرعا :

1 - المعنى اللغوي : ترجع مشتقات هذه المادة إلى التغطية والستر والإدراك ، ذكره أحمد بن فارس بن زكريا وابن الأثير والفيروزآبادي وغير هؤلاء من علماء اللغة .

أ - قال أحمد بن فارس : الخاء والميم والراء أصل واحد يدل على التغطية والمخالطة في ستر ، فالخمر الشراب المعروف . قال الخليل : الخمر معروفة واختمارها إدراكها وغليانها . . . ويقولون : دخل في خمار الناس وخمرهم أي زحمتهم . . . . والتخمير التغطية . ويقال في القوم إذا تواروا في خمر الشجر : قد أخمروا . . . . ويقال : خامره الداء إذا خالط جوفه معجم مقاييس اللغة 2 \ 215 . انتهى المقصود منه .

ب - قال ابن الأثير تحت مادة " خمر " : فيه صحيح البخاري الأشربة (5300),صحيح مسلم الأشربة (2012),سنن الترمذي الأطعمة (1812),سنن أبو داود الصيد (2857),سنن ابن ماجه الأشربة (3410),مسند أحمد بن حنبل (3/386),موطأ مالك الجامع (1727). خمروا الإناء وأوكئوا السقاء التخمير التغطية ، ومنه حديث أويس القرني " أكون في خمار الناس " أي في زحمتهم حيث أخفى ولا أعرف . وفيه حديث أم سلمة قال لها وهي حائض : ناوليني الخمرة وسميت خمرة ؛ لأن خيوطها مستورة بسعفها ، وفيه : أنه كان يمسح على الخف والخمار ، أراد به العمامة ؛ لأن الرجل يغطي بها رأسه ، كما أن المرأة تغطيه بخمارها ، وذلك إذا كان قد اعتم عمة العرب ، فأدارها تحت الحنك فلا يستطيع نزعها كل وقت . . . . إلخ النهاية 1 \ 355 . .

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 17)

ج - قال الفيروزآبادي تحت مادة " الخمر " : ما أسكر من عصير العنب أو عام ، كالخمرة . وقد يذكر ، والعموم أصح ؛ لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب ، وما كان شرابهم إلا البسر والتمر . سميت خمرا ؛ لأنها تخمر العقل وتستره ، أو لأنها تركت حتى أدركت واختمرت ، أو لأنها تخامر العقل ، أي تخالطه القاموس 2 \ 23 . انتهى المقصود منه .

وجاء هذا المعنى في لسان العرب لسان العرب 5 \ 338 وما بعدها . .

2 - تعريفها اصطلاحا : نذكر فيما يلي تعريفها في المذاهب الأربعة مرتبة :

أ - تعريفها عند الحنفية : قال الزيلعي : هي التي من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد .

وقال بعضهم : كل مسكر خمر ؛ لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال : صحيح مسلم الأشربة (2003),سنن الترمذي الأشربة (1861),سنن أبو داود الأشربة (3679),سنن ابن ماجه الأشربة (3390),مسند أحمد بن حنبل (2/98). كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام رواه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم .

وفي لفظ : صحيح مسلم الأشربة (2003),سنن الترمذي الأشربة (1861),سنن أبو داود الأشربة (3679),سنن ابن ماجه الأشربة (3390),مسند أحمد بن حنبل (2/98). كل مسكر خمر وكل خمر حرام رواه مسلم .

ولقوله عليه الصلاة والسلام : صحيح مسلم الأشربة (1985),سنن الترمذي الأشربة (1875),سنن النسائي الأشربة (5572),سنن أبو داود الأشربة (3678),سنن ابن ماجه الأشربة (3378),مسند أحمد بن حنبل (2/526),سنن الدارمي الأشربة (2096). الخمر من هاتين الشجرتين : النخلة والعنبة رواه مسلم وأبو داود والترمذي وجماعة .

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 18)

وعن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سنن الترمذي الأشربة (1872),سنن أبو داود الأشربة (3676),سنن ابن ماجه الأشربة (3379). إن من الحنطة خمرا ، وإن من الشعير خمرا ، ومن الزبيب خمرا ، ومن العسل خمرا رواه أبو داود والترمذي وجماعة أخر ؛ ولأنها سميت خمرا لمخامرتها العقل ، والسكر يوجد بشرب غيرها فكان خمرا . ولنا أن الخمر حقيقة اسم للنيء من ماء العنب المسكر باتفاق أهل اللغة ، وغيره يسمى مثلثا أو باذقا إلى غير ذلك من أسمائه ، وتسمية غيرها خمرا مجازا ، وعليه يحمل الحديث ، أو على بيان الحكم إن ثبت ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام بعث له لا لبيان الحقائق .

ولا نسلـم أنها سميت خمرا لمخامرتها العقـل ، بل لتخمرها ، ولئن سلمنا أنها سميت بالخمر لمخامرتها العقل لا يلزم منه أن يسمى غيرها بالخمر قياسا عليها ؛ لأن القياس لإثبات الأسماء اللغوية باطل ، وإنما هو لتعدي الحكم الشرعي . . . . ألا ترى أن البرج سمي برجا لتبرجه وهو الظهور ، وكذا النجم سمي نجما لظهوره ، ثم لا يسمى كل ظاهر برجا ولا نجما . . .

وما ذكره في المختصر من تعريف الخمر هو قول أبي حنيفة رحمه الله ، وعندهما إذا اشتد صار خمرا ، ولا يشترط فيه القذف بالزبد ؛ لأن اللذة المطربة والقوة المسكرة تحصل به ، وهو المؤثر في إيقاع العداوة والصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وأما القذف بالزبد فهو وصف لا تأثير له في إحداث صفة السكر . وله أن الغليان بداية الشدة ، وكماله بقذف الزبدة ؛ لأنه يتميز به الصافي عن الكدر ، وأحكام الشرع المتعلقة بها قطعية كالحد وإكفار

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 19)

مستحلها ونحو ذلك ، فتناط بالنهاية به .

وقيل : يؤخذ في حرمة الشرب بمجرد الاشتداد ، وفي وجوب الحد على الشارب بقذف الزبد احتياطا انظر كتاب تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي ، وبهامشه حاشية الشبلي 6 \ 44 . .

ب - تعريفها عند المالكية :

أ - في المدونة : قلت لابن القاسم : هل كان مالك يكره المسكر من النبيذ ؟ قال : قال مالك : ما أسكر من الأشربة كلها فهو خمر المدونة 4 \ 410 . انتهى المقصود .

2 - وقال الزرقاني : وهي ما خامر العقل ، كما خطب بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحضرة الصحابة الأكابر ولم ينكره أحد ، فشمل كل مسكر . سميت بذلك ؛ لأنها تخمر العقل ، أي تغطيه وتستره ، وكل شيء غطى شيئا فقد خمره ، كخمار المرأة ؛ لأنه يغطي رأسها ، ويقال للشجر الملتف : الخمر ؛ لأنه يغطي ما تحته ، أو لأنها تركت حتى أدركت ، كما يقال : خمر الرأي واختمر ، أي ترك حتى يتبين فيه الوجه ، واختمر الخبز إذا بلغ إدراكه . أو لأنها اشتقت من المخامرة التي هي المخالطة ؛ لأنها تخالط العقل ، وهذا قريب من الأول والثلاثة موجودة في الخمر ؛ لأنها تركت حتى أدركت الغليان وحد الإسكار وهي مخالطة للعقل ، وربما غلت عليه وغطته . قاله أبو عمر الزرقاني على الموطأ 4 \ 169 . .

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 20)

ج - تعريفها عند الشافعية :

قال المزني : قال الشافعي : كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام مختصر المزني مع الأم 5 \ 174 ، والمهذب للشيرازي 2 \ 286 . . انتهى المقصود .

وقال الرملي : وحقيقة الخمر المسكر من عصر العنب وإن لم يقذف بالزبد ، وتحريم غيرها بنصوص دلت على ذلك نهاية المحتاج 8 \ 11 . .

د - تعريفها عند الحنابلة :

قال ابن قدامة : كل مسكر حرام قليله وكثيره ، وهو خمر حكمه حكـم عصير العنب في تحريمه ووجوب الحد على شاربه المغني 9 \ 139 . انتهى المقصود .

قال شيخ الإسلام : والخمرة التي حرمها الله ورسوله وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجلد شاربها : كل شراب مسكر من أي أصل كان ، سواء كان من الثمار كالعنب والرطب والتين ، أو الحبوب كالحنطة والشعير ، أو الطلول كالعسل ، أو الحيوان كلبن الخيل . بل لما أنزل الله سبحانه وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم تحريم الخمر لم يكن عندهم في المدينة من خمر العنب شيء ؛ لأنه لم يكن في المدينة شجر عنب ، وإنما كانت تجلب من الشام ، وكان عامة شرابهم من نبيذ التمر ، وقد تواترت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأصحابه رضي الله عنهم أنه حرم كل مسكر وبين أنه خمر السياسة الشرعية ص 50 . .

ثانيا : عقوبة من ثبت عليه شرب الخمر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي عهد الخلفاء الراشدين :

1 - روى البخاري في الصحيح بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح البخاري الحدود (6391),صحيح مسلم الحدود (1706),سنن الترمذي الحدود (1443),سنن أبو داود الحدود (4479),سنن ابن ماجه الحدود (2570),مسند أحمد بن حنبل (3/247),سنن الدارمي الحدود (2311). ضرب في الخمر بالجريد والنعال ، وجلد أبو بكر أربعين .

وذكر ابن حجر أن هذا الحديث أخرجه البيهقي في الخلافيات من طريق جعفر بن محمد القلانسي عن آدم شيخ البخاري فيه بلفظ : صحيح البخاري الحدود (6391),صحيح مسلم الحدود (1706),سنن الترمذي الحدود (1443),سنن أبو داود الحدود (4479),سنن ابن ماجه الحدود (2570),مسند أحمد بن حنبل (3/176),سنن الدارمي الحدود (2311). أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل شرب الخمر ، فضربه بجريدتين نحوا من أربعين ، ثم صنع أبو بكر مثل ذلك ، فلما كان عمر استشار الناس ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : أخف الحدود ثمانون ، ففعله عمر . ولفظ رواية خالد التي ذكرتها رواية خالد بن الحارث عن شعبة هي المذكورة في الفتح 12 \ 63 . إلى قوله : " نحوا من أربعين " ، وأخرجه مسلم والنسائي أيضا من طريق محمد بن جعفر عن شعبة مثل رواية آدم ، إلا أنه قال : وفعله أبو بكر ، فلما كان عمر - أي في خلافته - استشار الناس ، فقال عبد الرحمن - يعني ابن عوف - أخف الحدود ثمانون ، فأمر به عمر . وأخرج النسائي من طريق يزيد بن هارون عن شعبة : صحيح البخاري الحدود (6391),سنن أبو داود الحدود (4479),سنن ابن ماجه الحدود (2570),مسند أحمد بن حنبل (3/180). فضربه بالنعال نحوا من أربعين ، ثم أتي به أبو بكر فصنع به مثل ذلك . ورواه همام عن قتادة بلفظ : مسند أحمد بن حنبل (3/247). فأمر قريبا من عشرين رجلا فجلده كل رجل جلدتين بالجريد والنعال أخرجه أحمد والبيهقي . وهذا يجمع ما اختلف فيه على شعبة ، وأن جملة الضربات كانت نحو أربعين ، لا أنه جلده بجريدتين

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 22)

أربعين فتكون الجملة ثمانين كما أجاب به بعض الناس . ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ : صحيح البخاري الحدود (6391),صحيح مسلم الحدود (1706),سنن الترمذي الحدود (1443),سنن أبو داود الحدود (4479),سنن ابن ماجه الحدود (2570),مسند أحمد بن حنبل (3/247),سنن الدارمي الحدود (2311). جلد بالجريد والنعال أربعين علقه أبو داود بسند صحيح ، ووصله البيهقي ، وكذا أخرجه مسلم من طريق وكيع عن هشام بلفظ : كان يضرب في الخمر مثله انتهى المقصود .

2 - أخرج البخاري بسنده عن عقبة بن الحارث ، صحيح البخاري الحدود (6393),مسند أحمد بن حنبل (4/8). أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بنعيمان - أو بابن نعيمان - وهو سكران ، فشق عليه ، وأمر من في البيت أن يضربوه ، فضربوه بالجريد والنعال ، وكنت فيمن ضربه .

3 - أخرج البخاري بسنده عن عمير بن سعيد النخعي ، قال : سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : صحيح البخاري الحدود (6396),صحيح مسلم الحدود (1707),سنن أبو داود الحدود (4486),سنن ابن ماجه الحدود (2569),مسند أحمد بن حنبل (1/125). ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا شارب الخمر ، فإنه لو مات وديته ؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه .

4 - أخرج البخاري بسنده عن السائب بن يزيد قال : صحيح البخاري الحدود (6397),مسند أحمد بن حنبل (3/449). كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإمرة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر ، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا ، حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين ، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين .

وقد علق ابن حجر على قوله ؛ " حتى كان آخر خلافة عمر فجلد أربعين " : ظاهره أن التحديد بأربعين إنما وقع في آخر خلافة عمر ، وليس كذلك ؛ لما في قصة خالد بن الوليد وكتابته

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 23)

إلى عمر رضي الله عنه ، فإنه يدل على أن أمر عمر بجلد ثمانين كان في وسط إمارته ؛ لأن خالدا مات في وسط خلافة عمر الفتح 12 \ 65 - 69 . انتهى المقصود .

5 - قال ابن حجر : أخرج النسائي بسند صحيح عن أبي سعيد : مسند أحمد بن حنبل (3/34). أتي النبي صلى الله عليه وسلم بنشوان ، فأمر به فنهز بالأيدي وخفق بالنعال الحديث .

ولعبد الرزاق بسند صحيح عن عبيد بن عمير - أحد كبار التابعين - : كان الذي يشرب الخمر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وبعض إمارة عمر يضربونه بأيديهم ونعالهم ويصكونه الفتح 12 \ 67 . .

6 - قال ابن حجر : وقع في مرسل عبيد بن عمير - أحد كبار التابعين - فيما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عنه نحو حديث السائب ، وفيه أن عمر جعله أربعين سوطا ، فلما رآهم لا يتناهون جعله ستين سوطا ، فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين سوطا ، وقال : هذا أدنى الحدود الفتح 12 \ 69 . .

7 - أخرج مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد ، أن عمر استشار في الخمر ، فقال له علي بن أبي طالب : " نرى أن تجعله ثمانين ، فإذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى " فجلد عمر في الخمر ثمانين .

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 24)

قال ابن حجر الفتح 12 \ 69 وما بعدها . : وهذا معضل ، وقد وصله النسائي والطحاوي من طريق يحيى بن فليح عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس مطولا ، ولفظه أن الشراب كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي ، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم ، فقال أبو بكر : لو فرضنا عليهم حدا ، فتوخى نحو ما كانوا يضربون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فجلدهم أربعين حتى توفي ، ثم كان عمر فجلدهم كذلك حتى أتي برجل . . . فذكر قصة وأنه تأول قوله تعالى : سورة المائدة الآية 93 لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا وأن ابن عباس ناظره في ذلك واحتج ببقية الآية وهو قوله تعالى : سورة المائدة الآية 93 إِذَا مَا اتَّقَوْا والذي يرتكب ما حرمه الله ليس بمتق ، فقال عمر : ما ترون ؟ فقال علي ، فذكره وزاد بعد قوله (وإذا هذى افترى) : وعلى المفتري ثمانون جلدة ، فأمر به عمر فجلده ثمانين " . ولهذا الأثر عن علي طرق أخرى ، منها ما أخرجه الطبراني والطحاوي والبيهقي من طريق أسامة بن زيد عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن " أن رجلا من بني كلب يقال له : ابن دبرة أخبره أن أبا بكر كان يجلد في الخمر أربعين ، فكان عمر يجلد فيها أربعين ، قال : فبعثني خالد بن الوليد إلى عمر فقلت : إن الناس قد انهمكوا في الخمر واستخفوا العقوبة ، فقال عمر لمن حوله : ما ترون ؟ قال : ووجدت عنده عليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف في المسجد ، فقال

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 25)

علي . . . " فذكر مثل رواية ثور الموصولة .

ومنها ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة " أن عمر شاور الناس في الخمر ، فقال له علي : إن السكران إذا سكر هذى . . . " الحديث . ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة من رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال : " شرب نفر من أهل الشام الخمر ، وتأولوا الآية المذكورة ، فاستشار عمر فيهم ، فقلت : أرى أن تستتيبهم ، فإن تابوا ضربتهم ثمانين ثمانين ، وإلا ضربت أعناقهم ؛ لأنهم استحلوا ما حرم الله ، فاستتابهم فتابوا ، فضربهم ثمانين ثمانين " . وأخرج أبو داود والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أزهر في قصة الشارب الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم بحنين وفيه : " فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد : إن الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا العقوبة - قال - : وعنده المهاجرون والأنصار ، فسألهم واجتمعوا على أن يضربه ثمانين ، وقال علي . . . " فذكر مثله .

وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج ، ومعمر عن ابن شهاب ، قال : " فرض أبو بكر في الخمر أربعين سوطا ، وفرض فيها عمر ثمانين " قال الطحاوي : جاءت الأخبار متواترة عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسن في الخمر شيئا ، ويؤيده . . . . فذكر الأحاديث التي ليس فيها تقييد بعدد ؛ حديث أبي هريرة وحديث عقبة بن الحارث المتقدمين وحديث عبد الرحمن بن أزهر سنن أبو داود الحدود (4487). أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر ، فقال للناس : اضربوه . فمنهم من ضربه بالنعال ، ومنهم من ضربه بالعصا ، ومنهم من ضربه بالجريد ، ثم أخذ رسول الله صلى الله

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 26)

عليه وسلم ترابا فرمى به في وجهه ، وتعقب بأنه قد ورد في بعض طرقه ما يخالف قوله ، وهو ما عند أبي داود والنسائي في هذا الحديث : " ثم أتي أبو بكر بسكران فتوخى الذي كان من ضربهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه أربعين ، ثم أتي عمر بسكران فضربه أربعين " ، فإنه يدل على أنه وإن لم يكن في الخبر تنصيص على عدد معين ففيما اعتمده أبو بكر حجة على ذلك ، ويؤيده ما أخرجه مسلم من طريق حضير - بمهملة وضاد معجمة مصغر - ابن المنذر صحيح مسلم الحدود (1707),سنن أبو داود الحدود (4480),سنن ابن ماجه الحدود (2571),مسند أحمد بن حنبل (1/145),سنن الدارمي الحدود (2312). أن عثمان أمر عليا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر ، فقال لعبد الله بن جعفر : اجلده . فجلده ، فلما بلغ أربعين قال : أمسك ، جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين ، وجلد أبو بكر أربعين ، وجلد عمر ثمانين ، وكل سنة ، وهذا أحب إلي ، فإن فيه الجزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين ، وسائر الأخبار ليس فيها عدد إلا بعض الروايات الماضية عن أنس ففيها " نحو الأربعين " ، والجمع بينها أن عليا أطلق الأربعين ، فهو حجة على من ذكرها بلفظ التقريب .

وادعى الطحاوي أن رواية أبي ساسان هذه ضعيفة ؛ لمخالفتها الآثار المذكورة ، ولأن راويها عبد الله بن فيروز المعروف بالداناج - بنون وجيم - ضعيف ، وتعقبه البيهقي بأنه حديث صحيح مخرج في المسانيد والسنن ، وأن الترمذي سأل البخاري عنه فقواه ، وقد صححه مسلم وتلقاه الناس بالقبول ، وقال ابن عبد البر : إنه أثبت شيء في هذا الباب . قال البيهقي : وصحة الحديث إنما تعرف بثقة رجاله ، وقد عرفهم حفاظ الحديث وقبلوهم ، وتضعيفه

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 27)

الداناج لا يقبل ؛ لأن الجرح بعد ثبوت التعديل لا يقبل إلا مفسرا ، ومخالفة الراوي غيره في بعض ألفاظ الحديث لا تقتضي تضعيفه ولا سيما مع ظهور الجمع . قلت : وثق الداناج المذكور : أبو زرعة والنسائي ، وقد ثبت عن علي في هذه القصة من وجه آخر أنه جلد الوليد أربعين ، ثم ساقه من طريق هشام بن يوسف عن معمر وقال : أخرجه البخاري ، وهو كما قال ، وقد تقدم في مناقب عثمان ، وأن بعض الرواة قال فيه : إنه جلد ثمانين ، وذكرت ما قيل في ذلك هناك ، وطعن الطحاوي ومن تبعه في رواية أبي ساسان أيضا بأن عليا قال : " وهذا أحب إلي " أي جلد أربعين ، مع أن عليا جلد النجاشي الشاعر في خلافته ثمانين ، وبأن ابن أبي شيبة أخرج من وجه آخر عن علي أن حد النبيذ ثمانون .

والجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما : أنه لا تصح أسانيد شيء من ذلك عن علي .

والثاني : على تقدير ثبوته فإنه يجوز أن ذلك يختلف بحال الشارب ، وأن حد الخمر لا ينقص عن الأربعين ولا يزاد على الثمانين ، والحجة إنما هي في جزمه بأنه صلى الله عليه وسلم جلد أربعين . وقد جمع الطحاوي بينهما بما أخرجه هو والطبري من طريق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أن عليا جلد الوليد بسوط له طرفان ، وأخرجه الطحاوي أيضا من طريق عروة مثله ، لكن قال : " له ذنبان ، أربعين جلدة في الخمر في زمن عثمان " . قال الطحاوي : ففي هذا الحديث أن عليا جلده ثمانين ؛ لأن كل سوط سوطان . وتعقب بأن السند الأول منقطع ؛ فإن أبا جعفر ولد بعد موت علي بأكثر من عشرين

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 28)

سنة ، وبأن الثاني في سنده ابن لهيعة وهو ضعيف ، وعروة لم يكن في الوقت المذكور مميزا ، وعلى تقدير ثبوته فليس في الطريقين أن الطرفين أصاباه في كل ضربة .

وقال البيهقي : يحتمل أن يكون ضربه بالطرفين عشرين ، فأراد بالأربعين ما اجتمع من عشرين وعشرين ، ويوضح ذلك قوله في بقية الخبر : " وكل سنة وهذا أحب إلي " ؛ لأنه لا يقتضي التغاير ، والتأويل المذكور يقتضي أن يكون كل من الفريقين جلد ثمانين ، فلا يبقى هناك عدد يقع التفاضل فيه . وأما دعوى من زعم أن المراد بقوله هذا الإشارة إلى الثمانين فيلزم من ذلك أن يكون علي رجح ما فعل عمر على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، وهذا لا يظن به ، قاله البيهقي .

واستدل الطحاوي لضعف حديث أبي ساسان بما تقدم ذكره من قول علي : " إنه إذا سكر هذى . . . " إلخ ، قال : فلما اعتمد علي في ذلك على ضرب المثل واستخرج الحد بطريق الاستنباط دل على أنه لا توقيف عنده من الشارع في ذلك ، فيكون جزمه بأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين غلطا من الراوي ؛ إذ لو كان عنده الحديث المرفوع لم يعدل عنه إلى القياس ، ولو كان عند من بحضرته من الصحابة كعمر وسائر من ذكر في ذلك شيء مرفوع لأنكروا عليه . وتعقب بأنه إنما يتجه الإنكار لو كان المنزع واحدا ، فأما مع الاختلاف فلا يتجه الإنكار . وبيان ذلك أن في سياق القصة ما يقتضي أنهم كانوا يعرفون أن الحد أربعون ، وإنما تشاوروا في أمر يحصل به الارتداع يزيد على ما كان مقررا . ويشير إلى ذلك ما وقع من

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 29)

التصريح في بعض طرقه أنهم احتقروا العقوبة وانهمكوا ، فاقتضى رأيهم أن يضيفوا إلى الحد المذكور قدره ، إما اجتهادا بناء على جواز دخول القياس في الحدود ، فيكون الكل حدا ، أو استنبطوا من النص معنى يقتضي الزيادة في الحد لا النقصان منه ، أو القدر الذي زادوه كان على سبيل التعزير تحذيرا وتخويفا ؛ لأن من احتقر العقوبة إذا عرف أنها غلظت في حقه كان أقرب إلى ارتداعه ، فيحتمل أن يكونوا ارتدعوا بذلك ورجع الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك ، فرأى علي الرجوع إلى الحد المنصوص ، وأعرض عن الزيادة لانتفاء سببها ، ويحتمل أن يكون القدر الزائد كان عندهم خاصا بمن تمرد وظهرت منه أمارات الاشتهار بالفجور ، ويدل على ذلك أن بعض طرق حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عند الدارقطني وغيره : " فكان عمر إذا أتي بالرجل الضعيف تكون منه الزلة جلده أربعين " قال : وكذلك عثمان جلد أربعين وثمانين . وقال المازري : لو فهم الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم حد في الخمر حدا معينا لما قالوا فيه بالرأي ، كما لم يقولوا بالرأي في غيره ، فلعلهم فهموا أنه ضرب فيه باجتهاده في حق من ضربه . انتهى .

وقد وقع التصريح بالحد المعلوم فوجب المصير إليه ، ورجح القول بأن الذي اجتهدوا فيه زيادة على الحد إنما هو التعزير ، على القول بأنهم اجتهدوا في الحد المعين لما يلزم منه من المخالفة التي ذكرها كما سبق تقريره .

وقد أخرج عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، أنبأنا عطاء ، أنه سمع عبيد بن عمير يقول : كان الذي يشرب الخمر يضربونه بأيديهم

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 30)

ونعالهم ، فلما كان عمر فعل ذلك حتى خشي فجعله أربعين سوطا ، فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين سوطا وقال : هذا أخف الحدود .

والجمع بين حديث علي المصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين وأنه سنة وبين حديثه المذكور في هذا الباب ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه بأن يحمل النفي على أنه لم يحد الثمانين ، أي لم يسن شيئا زائدا على الأربعين ، ويؤيده قوله : " وإنما هو شيء صنعناه نحن " لما يشير إلى ما أشار به على عمر ، وعلى هذا فقوله : " لو مات لوديته " أي في الأربعين الزائدة ، وبذلك جزم البيهقي وابن حزم .

ويحتمل أن يكون قوله : " لم يسنه " أي الثمانين ؛ لقوله في الرواية الأخرى : " وإنما هو شيء صنعناه " فكأنه خاف من الذي صنعوه باجتهادهم أن لا يكون مطابقا ، واختص هو بذلك لكونه الذي كان أشار بذلك واستدل له ، ثم ظهر له أن الوقوف عند ما كان الأمر عليه أولا أولى ، فرجع إلى ترجيحه وأخبر بأنه لو أقام الحد ثمانين فمات المضروب وداه للعلة المذكورة ، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله : " لم يسنه " لصفة الضرب ، ولكونها بسوط الجلد ، أي لم يسن الجلد بالسوط وإنما كان يضرب فيه بالنعال وغيرها مما تقدم ذكره ، أشار إلى ذلك البيهقي .

وقال ابن حزم أيضا : لو جاء عن غير علي من الصحابة في حكم واحد أنه مسنون وأنه غير مسنون لوجب حمل أحدهما على غير ما حمل عليه الآخر ، فضلا عن علي مع سعة علمه وقوة فهمه ، وإذا تعارض خبر عمير بن سعيد وخبر أبي ساسان فخبر أبي ساسان أولى بالقبول ؛ لأنه مصرح فيه برفع الحديث عن علي ، وخبر عمير موقوف على علي ، وإذا تعارض المرفوع والموقوف قدم

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 31)

المرفوع ، وأما دعوى ضعف سند أبي ساسان فمردودة ، والجمع أولى مهما أمكن من توهين الأخبار الصحيحة ، وعلى تقدير أن تكون إحدى الروايتين وهما فرواية الإثبات مقدمة على رواية النفي ، وقد ساعدتها رواية أنس على اختلاف ألفاظ النقلة عن قتادة ، وعلى تقدير أن يكون بينهما تمام التعارض ، فحديث أنس سالم من ذلك

ثالثا : خلاف العلماء في أن العقوبة في شرب الخمر : هل هي حد أو تعزير ؟ مع بيان ما يترتب على ذلك :

اختلف أهل العلم في عقوبة شارب الخمر على قولين : أحدهما : أنها حد ، والثاني : أنها تعزير . والذين قالوا بأنها حد اختلفوا على قولين هما المشهوران : منهم من قال بأنه ثمانون ، ومنهم من قال بأن الحد أربعون وما زاد على ذلك يرجع فيه إلى اجتهاد الإمام ، فإن رأى الزيادة زاد وإلا فلا .

وفيما يلي بيان هذه الأقوال مع الأدلة والمناقشة :

القول الأول : أنه تعزير ، قال الحافظ ابن حجر : إن الطبري وابن المنذر حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها وإنما فيها التعزير .

واستدلوا بأحاديث الباب ، فإنها ساكتة عن تعيين عدد الضرب ، وأصرحها حديث أنس ، ولم يجزم فيه بالأربعين في أرجح الطرق عنه . وقد قال عبد الرزاق : أنبأنا ابن جريج ومعمر ، سئل ابن شهاب : كم جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر ؟ فقال : لم يكن فرض فيها حدا ، كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم حتى يقول لهم : ارفعوا . وورد أنه لم يضربه أصلا ، وذلك

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 32)

فيما أخرجه أبو داود والنسائي بسند قوي عن ابن عباس ، سنن أبو داود الحدود (4476),مسند أحمد بن حنبل (1/322). أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوقت في الخمر حدا . قال ابن عباس : وشرب رجل فسكر ، فانطلق به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك ولم يأمر فيه بشيء . وأخرج الطبري من وجه آخر عن ابن عباس : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر إلا أخيرا ، ولقد غزا تبوك فغشي حجرته من الليل سكران ، فقال : ليقم إليه رجل فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله .

والجواب : أن الإجماع انعقد بعد ذلك على وجوب الحد ؛ لأن أبا بكر تحرى ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ضرب السكران فصيره حدا واستمر عليه ، وكذلك استمر من بعده ، وإن اختلفوا في العدد .

وجمع القرطبي بين الأخبار بأنه لم يكن أولا في الشرب حد ، وعلى ذلك يحمل حديث ابن عباس في الذي استجار بالعباس ، ثم شرع فيه التعزير على ما في سائر الأحاديث التي لا تقدير فيها ، ثم شرع الحد ، ولم يطلع أكثرهم على تعيينه صريحا مع اعتقادهم أن فيه الحد المعين ، ومن ثم توخى أبو بكر ما فعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فاستقر عليه الأمر ، ثم رأى عمر ومن وافقه الزيادة على الأربعين إما حدا بطريق الاستنباط وإما تعزيرا . انتهى المقصود من كلام ابن حجر فتح الباري ، 12 \ 72 ص73 . .

القول الثاني : أنها حد ، وأنه ثمانون ، وهو مذهب الحنفية والمالكية والمقدم عند الحنابلة ، ففي بداية المبتدي : وحد الخمر

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 33)

والسكر إلى ثمانين سوطا البداية ، 2 \ 111 . . وفي قوانين الأحكام الفقهية : وهو ثمانون جلدة للحر قوانين الأحكام الفقهية ، ص 391 . . وقال ابن قدامة : إحداهما أنه ثمانون ، وبهذا قال مالك والثوري وأبو حنيفة ومن تبعهم المغني 9 \ 141 . . انتهى .

واستدل لهذا بإجماع الصحابة ، فإنه روي أن عمر استشار الناس في حد الخمر ، فقال عبد الرحمن بن عوف : اجعله كأخف الحدود ثمانين ، فضرب عمر ثمانين ، وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام . وروي عن علي في المشورة أنه إذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، فحده حد المفتري . روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما . انتهى ، من كلام ابن قدامة المغني 9 \ 141 . .

ونوقش هذا الدليل بما يلي :

أولا : أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم حجة لا يجوز تركه بفعل غيره ، ولا ينعقد الإجماع على ما خالف فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزير يجوز فعلها إذا رآه الإمام . ذكر هذا الوجه ابن قدامة المغني 9 \ 142 . .

ثانيا : أن عليا أشار على عمر بذلك ، ثم رجع علي عن ذلك واقتصر على الأربعين ؛ لأنها القدر الذي اتفقوا عليه في زمن أبي بكر ، مستندين إلى تقدير ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما الذي أشار

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 34)

به فقد تبين من سياق قصته أنه أشار بذلك ردعا للذين انهمكوا ؛ لأن في بعض طرق القصة كما تقدم : " أنهم احتقروا العقوبة " فتح الباري ، 12 \ 73 . .

القول الثالث : أنه أربعون وما زاد عن ذلك يرجع فيه إلى اجتهاد الإمام . وبهذا قال الشافعي ، وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد ، وبه قال أبو ثور وداود ومن وافقهم من أهل العلم . قال الشيرازي : وقال الشافعي وأبو ثور وداود : الحد في ذلك أربعون - ومضى إلى أن قال - فإن رأى الإمام أن يبلغ بحد الحر ثمانين وبحد العبد أربعين جاز المهذب ، 18 \ 448 . . انتهى .

وقال ابن قدامة : والرواية الثانية أن الحد أربعون ، وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي المغني ، 9 \ 142 . . انتهى ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : وهذا أوجه القولين السياسة الشرعية ، ص 50 . .

واستدل لهذا القول بما روى أبو ساسان قال : لما شهد على الوليد بن عقبة قال عثمان لعلي : دونك ابن عمك فاجلده ، قال : قم يا حسن فاجلده ، قال : فيما أنت وذاك ول هذا غيري ، قال : ولكنك ضعفت وعجزت ووهنت ، فقال : قم يا عبد الله بن جعفر فاجلده وعلي يعد ذلك فعد أربعين وقال : سنن أبو داود الحدود (4481),سنن ابن ماجه الحدود (2571),مسند أحمد بن حنبل (1/82),سنن الدارمي الحدود (2312). جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر أربعين ، وأبو بكر أربعين ، وعمر ثمانين ، وكل سنة أخرجه البيهقي .

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 35)

وأخرج مسلم عن حضين بن المنذر قال : صحيح مسلم الحدود (1707),سنن أبو داود الحدود (4480),سنن ابن ماجه الحدود (2571),مسند أحمد بن حنبل (1/145),سنن الدارمي الحدود (2312). شهدت عثمان بن عفان أتي بالوليد وقد صلى الصبح ركعتين ثم قال : أزيدكم ؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر ، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ ، فقال عثمان : إنه لم يتقيأ حتى شربها . فقال : يا علي ، قم فاجلده . فقال علي : قم يا حسن فاجلده . فقال الحسن : ول حارها من تولى قارها . فكأنه وجد عليه ، فقال : يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده . وعلي يعد حتى بلغ أربعين ، فقال : أمسك . ثم قال : جلد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أربعين ، وعمر ثمانين ، وكل سنة ، وهذا أحب إلي .

وأما كون الزيادة عن الأربعين راجعة إلى رأي الإمام فقد استدلوا لذلك بما رواه أبو وبرة الكلبي قال : أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر رضي الله عنه ، فأتيته ومعه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم ، فقلت : إن خالد بن الوليد رضي الله عنه يقرأ عليك السلام ويقول : إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه . قال عمر : هم هؤلاء عندك فسلهم . فقال علي : تراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون . فقال عمر : بلغ صاحبك ما قال ، فجلد خالد ثمانين ، وجلد عمر ثمانين . وقال : وكان عمر إذا أتي بالرجل القوي المنهمك في الشراب جلده ثمانين ، وإذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة جلده أربعين المهذب ومعه الشرح ، 18 \ 348 وما بعدها . .

وأما بيان ما يترتب على القول بأنها تعزير أو حد ، فعلى

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 36)

القول بأنها حد لا يدخله العفو والإسقاط والصلح ؛ لأنه من حقوق الله جل وعلا ، وإذا مات المضروب ثمانين عند من يقول بذلك وأربعين عند من يقول بهذا ؛ فإنه يموت هدرا لا دية له . وعلى القول بأنها تعزير يدخله العفو والإسقاط والصلح من جهة أصله عند من يقول بأنها تعزير ، وما زاد على الأربعين ففيه الدية .

وفيما يلي نقول عن أهل العلم في ذلك :

1 - قال الشيرازي : فإن جلده أربعين ومات لم يضمن ؛ لأن الحق قتله ، وإن جلده ثمانين ومات ضمن نصف الدية ، لأن نصفه حد ونصفه تعزير ، وسقط النصف بالحد ووجب النصف بالتعزير المهذب ، 2 \ 287 . . انتهى المقصود .

2 - قال الخرقي : مسألة ، فإن مات في جلده فالحق قتله ، يعني ليس على أحد ضمانه . قال ابن قدامة : وهذا قول مالك وأصحاب الرأي ، وبه قال الشافعي إن لم يزد على الأربعين ، وإن زاد على الأربعين فمات فعليه الضمان ؛ لأن ذلك تعزير إنما يفعله الإمام برأيه ، وفي قدر الضمان قولان :

أحدهما : نصف الدية ؛ لأنه تلف من فعلين : مضمون وغير مضمون ، فكان عليه نصف الضمان .

والثاني : تقسط الدية على عدد الضربات كلها ، فيجب من الدية بقدر زيادته على الأربعين . وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : صحيح البخاري الحدود (6396),صحيح مسلم الحدود (1707),سنن أبو داود الحدود (4486),سنن ابن ماجه الحدود (2569),مسند أحمد بن حنبل (1/130). ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت ، فأجد في نفسي منه شيئا إلا صاحب الخمر ، ولو مات وديته ؛ لأن النبي صلى الله

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 37)

عليه وسلم لم يسنه لنا .

ولنا : أنه حد وجب لله فلم يجب ضمان من مات به ، كسائر الحدود ، وما زاد على الأربعين قد ذكرنا أنه من الحد وإن كان تعزيرا ، فالتعزير يجب وهو بمنزلة الحد .

وأما حديث علي فقد صح عنه أنه قال : صحيح البخاري الحدود (6396),صحيح مسلم الحدود (1707),سنن أبو داود الحدود (4481),سنن ابن ماجه الحدود (2571),مسند أحمد بن حنبل (1/82),سنن الدارمي الحدود (2312). جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين وأبو بكر أربعين وثبت الحد بالإجماع فلم تبق فيه شبهة المغني ، 9 \ 145 . .

رابعا : هل تجوز تجزئة عقوبة شارب الخمر ؟

الكلام في تجزئة عقوبة شارب الخمر مبني على الكلام في أن العقوبة هل هي حد أو تعزير ، وقد سبق بيانه .

فعلى القول بأنها تعزير يقال بجواز التجزئة ؛ لأن التعزير يدخله الاجتهاد ، وكذلك القول فيما زاد عن الأربعين عند من يقول بأن الحد أربعون وما زاد عليها فهو تعزير .

وعلى القول بأنها حد وأن الحد لا يدخله الاجتهاد لا تجوز التجزئة .

ونظرا إلى أن الحكـم بتجزئة العقوبة أو عدمها ينبني على قاعدة أصولية ، وهي تمييز ما يدخله الاجتهاد وما لا يدخله ، فإننا ننقل عن بعض علماء الأصول في ذلك ، ومنها يتحدد ما فيه للاجتهاد مجال وما لا مجال فيه للاجتهاد .

قال الشاطبي : محال الاجتهاد المعتبر هي ما ترددت بين طرفين وضح في كل واحد منهما قصد الشارع في الإثبات في

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 38)

أحدهما والنفي في الآخر ، فلم تنصرف البتة إلى طرف النفي ولا إلى طرف الإثبات .

وبيانه أن نقول : لا تخلو أفعال المكلف أو تروكه إما أن يأتي فيها خطاب من الشارع أو لا . فإن لم يأت فيها خطاب فإما أن يكون على البراءة الأصلية أو يكون فرضا غير موجود ، والبراءة الأصلية في الحقيقة راجعة إلى خطاب الشارع بالعفو أو غيره .

وإن أتى فيها خطاب فإما أن يظهر فيه للشارع قصد في النفي أو في الإثبات أو لا ، فإن لم يظهر له قصد البتة فهو قسم المتشابهات ، وإن ظهر فتارة يكون قطعيا وتارة يكون غير قطعي .

فأما القطعي فلا مجال للنظر فيه بعد وضوح الحق في النفي أو في الإثبات ، وليس محلا للاجتهاد وهو قسم الواضحات ؛ لأنه واضح الحكم حقيقة ، والخارج عنه مخطئ قطعا .

وأما غير القطعي فلا يكون كذلك إلا مع دخول احتمال فيه أن يقصد الشارع معارضة أو لا ، فليس من الواضحات بإطلاق ، بل بالإضافة إلى ما هو أخفى منه ، كـما أنه يعد غير واضح بالنسبة إلى ما هو أوضح منه ؛ لأن مراتب الظنون في النفي والإثبات تختلف بالأشد والأضعف حتى تنتهي إما إلى العلم وإما إلى الشك ، إلا أن هذا الاحتمال تارة يقوى في إحدى الجهتين وتارة لا يقوى ، فإن لم يقو رجع إلى قسم المتشابهات ، والمقدم عليه حائم حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، وإن قوي في إحدى الجهتين فهو قسم المجتهدات وهو الواضح الإضافي بالنسبة إليه في نفسه وبالنسبة إلى أنظار المجتهدين . فإن كان المقدم عليه من أهل الاجتهاد

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 39)

فواضح في حقه في النفي أو في الإثبات إن قلنا : إن كل مجتهد مصيب ، وأما على قول المخطئة فالمقدم عليه إن كان مصيبا في نفس الأمر فواضح ، وإلا فمعذور .

وقد تقرر من هذا الأصل أن قسم المتشابهات مركب من تعارض النفي والإثبات ، إذ لو لم يتعارضا لكان من قسم الواضحات ، وأن الواضح بإطلاق لم يتعارض فيه نفي مع إثبات ، بل هو إما منفي قطعا وإما مثبت قطعا ، وأن الإضافي إنما صار إضافيا ؛ لأنه مذبذب بين الطرفين الواضحين ، فيقرب عند بعض من أحد الطرفين ، وعند بعض من الطرف الآخر ، وربما جعله بعض الناس من قسم المتشابهات ، فهو غير مستقر في نفسه ، فلذلك صار إضافيا ، لتفاوت مراتب الظنون في القوة والضعف .

ويجري مجرى النفي في أحد الطرفين إثبات ضد الآخر فيه ، فثبوت العلم مع نفيه نقيضان ، كوقوع التكليف وعدمه ، وكالوجوب وعدمه وما أشبه ذلك . وثبوت العلم مع ثبوت الظن أو الشك ضدان ، كالوجوب مع الندب أو الإباحة أو التحريم وما أشبه ذلك . وهذا الأصل واضح في نفسه غير محتاج إلى إثباته بدليل ، ولكن لا بد من التأنيس فيه بأمثلة يستعان بها على فهمه وتنزيله والتمرن فيه إن شاء الله .

فمن ذلك أنه نهى عن بيع الغرر ، ورأينا العلماء أجمعوا على منع بيع الأجنة ، والطير في الهواء ، والسمك في الماء ، وعلى جواز بيع الجبة التي حشوها مغيب عن الأبصار ، ولو بيع حشوها بانفراده لامتنع ، وعلى جواز كراء الدار مشاهرة مع احتمال أن يكون الشهر ثلاثين أو تسعة وعشرين ، وعلى

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 40)

دخول الحمام مع اختلاف عادة الناس في استعمال الماء وطول اللبث ، وعلى شرب الماء من السقاء مع اختلاف العادات في مقدار الري ، فهذان طرفان في اعتبار الغرر وعدم اعتباره ؛ لكثرته في الأول وقلته مع عدم الانفكاك عنه في الثاني ، فكل مسألة وقع الخلاف فيها في باب الغرر فهي متوسطة بين الطرفين آخذة بشبه من كل واحد منهما ، فمن أجاز مال إلى جانب اليسار ، ومن منع مال إلى الجانب الآخر .

- ومضى في ذكر الأمثلة إلى أن قال - : ولعلك لا تجد خلافا واقعا بين العقلاء معتدا به في العقليات أو في النقليات لا مبنيا على الظن ولا على القطع إلا دائرا بين طرفين لا يختلف فيهما أصحاب الاختلاف الموافقات ، 4 \ 157 . .

ونظرا إلى أن الحدود لا تثبت إلا بتوقيف في أصلها وكيفيتها فلا يدخل اجتهاد . أما العقوبات التي تعتبر تعزيرا لا حدودا فإنها محل اجتهاد الإمام ، فيجوز فيها التجزئة إذا رأى المصلحة في ذلك .

خامسا : ما يثبت به شربها من شهادة أو رائحة أو قيء ونحو ذلك :

يثبت شرب الخمر بشهادة الشهود والإقرار والرائحة ، والسكر ، والقيء . ونظرا إلى أن الرائحة والقيء من قرائن الأحوال التي يثبت بها الشرب عند من يقول بالاستدلال بها على ذلك - فإننا نذكر نقولا عن أهل العلم بالعمل بالقرائن ، ثم نذكر أدلة العمل

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 41)

بها من الكتاب والسنة ، وطائفة من أمثلة العمل بها ، وبعد ذلك نتكلم على هذه الأدلة الخمسة مبينين خلاف العلماء في كل دليل ومستندهم مع المناقشة :

أ - أما كلام العلماء ، فمن ذلك ما جاء في معين الحكام :

" قال بعض العلماء : على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت ، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح وهو قوة التهمة ، ولا خلاف في الحكم بها ، وقد جاء العمل بها في مسائل اتفق عليها الطوائف الأربع " معين الحكام ، ص 161 . انتهى .

وقال ابن فرحون نقلا عن ابن العربي ما يتفق مع هذا الكلام تبصرة الحكام ، 2 \ 101 على هامش فتاوى عليش . .

وقال ابن القيم : ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم :

أحدهما : فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علما .

والنوع الثاني : فهم الواجب في الواقع ، وهو فهم حكـم الله الذي حكم به في كتابه وعلى لسان رسوله في هذا الواقع ، ثم يطبق أحدهما على الآخر . فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا ، فالعالـم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله - ومضى في ذكر الأدلة والأمثلة إلى أن قال : " ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ونسبه إلى

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 42)

الشريعة التي بعث الله بها رسوله " إعلام الموقعين ، 1 \ 94 ، 95 . . انتهى .

ب - وأما ما يدل على ذلك من الكتاب فمنه قوله تعالى : سورة يوسف الآية 26 وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ سورة يوسف الآية 27 وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ سورة يوسف الآية 28 فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ .

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - على هذه الآية : يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين وكذب الآخر ؛ لأن ذكر الله لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب ؛ لأن كون القميص مشقوقا من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها وهي تنوشه من خلفه ، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها ، فإن عارضتها قرينة أقوى منها أبطلتها ، وذلك في قوله تعالى : سورة يوسف الآية 18 وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ؛ لأن أولاد يعقوب لما جـعلوا يوسف في غيابة الجب جعلوا على قميصه دم سخلة ؛ ليكون وجود الدم على قميصه قرينة على صدقهم في دعواهم أنه أكله الذئب ، ولا شك أن الدم قرينة على افتراس الذئب له ، ولكن يعقوب أبطل قرينتهم هذه بقرينة أقوى منها ،

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 43)

وهي عدم شق القميص ، فقال : سبحان الله ، متى كان الذئب حليما كيسا يقتل يوسف ولا يشق قميصه؟! ولذا صرح بتكذيبه لهم في قوله : سورة يوسف الآية 18 قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ وهذه الآيات المذكورة أصل في الحكـم بالقرائن أضواء البيان ، 3 \ 69 ، 70 ؛ ويرجع إلى تبصرة الحكام لابن فرحون ، 2 \ 101 . . انتهى .

والأظهر أن تكذيب يعقوب لبنيه في دعواهم أن الذئب أكل يوسف ليس من أجل كون الدم ليس دم إنسان ، ولا من أجل كون الثوب لم يخرق ؛ لأن هذين الأمرين منقولان عن بني إسرائيل ونحوهم ، وأخبارهم لا تصدق ولا تكذب ، ولا يعتمد عليها إلا بدليل يدل على صحتها ، وإنما كذبهم لأمر آخر ، إما لكون الرؤيا التي رآها يوسف في سجود الكواكب والشمس والقمر له لم تتحقق بعد ، وإما لوحي أوحاه الله إليه عرف منه ما يدل على كذبهم في دعواهم .

ج - وأما الأدلة من السنة فمن ذلك :

1 - أنه صلى الله عليه وسلم حكم باللوث في القسامة ، وجوز للمدعين أن يحلفوا خمسين يمينا ويستحقوا دم القتيل في حديث حويصة ومحيصة .

2 - أنه صلى الله عليه وسلم أمر الزبير أن يقرر عم حيي بن أخطب بالعذاب على إخراج المال الذي غيبه وادعى نفاده ، فقال : العهد قريب والمال أكثر من ذلك .

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 44)

3 - أنه صلى الله عليه وسلم أمر الملتقط أن يدفع اللقطة إلى واصفها ، وجعل وصفه لعفاصها ووكائها قائما مقام البينة .

4 - حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده بالقافة ، وجعلها دليلا على ثبوت النسب ، وليس فيها إلا مجرد الأمارات والعلامات .

5 - صحيح البخاري فرض الخمس (2972),صحيح مسلم الجهاد والسير (1752),مسند أحمد بن حنبل (1/193). ابنا عفراء تداعيا قتل أبي جهل يوم بدر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل مسحتما سيفيكما ؟ قالا : لا . فقال صلى الله عليه وسلم : أرياني سيفيكما . فلما نظر فيهما قال لأحدهما : هذا قتله . وحكـم له بسلبه .

د - وأما المسائل التطبيقية للعمل بها فقد ذكر صاحب معين الحكام وابن فرحون والإمام ابن القيم مسائل كثيرة ، نذكر منها ما يلي :

الأولى : أن الفقهاء كلهم يقولون بجواز وطء المرأة إذا أهديت إليه ليلة الزفاف وإن لم يشهد عنده عدلان من الرجال أن هذه فلانة بنت فلان التي عقد عليها ، وإن لم يستنطق النساء أن هذه امرأته اعتمادا على القرينة الظاهرة المنزلة منزلة الشهادة .

الثانية : أن الناس قديما وحديثا لم يزالوا يعتمدون في الصبيان والإماء المرسل معهم الهدايا وأنها مرسلة إليهم فيقبلون أموآله م ويأكلون الطعام المرسل به . ونقل القرافي أن خبر الكافر في ذلك كاف .

الثالثة : أنهم يعتبرون إذن الصبيان في الدخول إلى المنزل .

الرابعة : أن الضيف يشرب من كوز صاحب البيت ويتكئ

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 45)

على وسادته ويقضي حاجته في مرحاضه من غير استئذان ، ولا يعد متصرفا في ملكه بغير إذنه .

الخامسة : جواز أخذ ما يسقط من الإنسان إذا لم يعرف صاحبه ومما لا يتبعه الإنسان نفسه كالفلس والتمرة والعصا التافهة الثمن ونحو ذلك .

هـ - وأما الأدلة التي يستدل بها على شربها فقد سبق أنها : الشهادة ، والإقرار ، والرائحة ، والقيء ، والسكر .

فأما الشهادة فيشترط أن لا يقل عدد الشهود عن رجلين تتوفر فيهما شروط الشهادة ، ويزيد أبو حنيفة وأبو يوسف على هذا بأن تكون الرائحة قائمة وقت تحمل الشهادة ، ويخالفهما محمد فلا يشترط ذلك .

وأما الإقرار فيكفي مرة واحدة في المذاهب الأربعة ، ويرى أبو يوسف أن كل إقرار يسقط بالرجوع ، فعدد الإقرار فيه كعدد الشهود ، فلا بد من الإقرار مرتين عنده .

وأما الرائحة فالمقدم في مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه لا يجب الحد بوجود الرائحة ، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى ، ويخالفهم مالك رحمه الله فيرى وجوب الحد

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 46)

بوجود الرائحة ، وقوله هذا رواية عن أحمد رحمه الله .

وكذلك القيء لا يعتبر وجوده دليلا شرعيا عند أبي حنيفة ، وهو مذهب الشافعي رحمه الله ، ورواية عن أحمد رحمه الله ، ويخالفهم مالك رحمه الله ، وهو الرواية الثانية في مذهب أحمد رحمه الله ، وهو القول بوجوب الحد اعتمادا على القيء .

وأما السكر فالشافعي ومن وافقه يرون عدم حده ، والرواية المقدمة في مذهب أحمد ومن يقول بها من العلماء أنه يحد .

وفيما يلي نقول عن فقهاء الإسلام في ذلك مع أدلتهم ومناقشتها :

1 - جاء في البداية وشرحها الهداية : ومن شرب الخمر فأخذ وريحها موجودة أو جاءوا به سكران ، فشهد الشهود عليه بذلك ؛ فعليه الحد ، وكذلك إذا أقر وريحها موجودة ؛ لأن جناية الشرب قد ظهرت ولم يتقادم العهد ، والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام : ومن شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه .

فإن أقر بعد ذهاب رائحتها لم يحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ، وقال محمد رحمه الله : يحد . وكذلك إذا شهدوا عليه بعدما ذهب ريحها عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ، وقال محمد رحمه الله : يحد . فالتقادم يمنع قبول الشهادة بالاتفاق غير أنه مقدر بالزمان عنده اعتبارا بحد الزناة ، وهذا لأن التأخير يتحقق بمضي الزمان ، والرائحة قد تكون من غيره كما قيل :

 

يقـولون لـي إنكـه شربـت مـدامة

فقلت لهم : لا ، بل أكلت السفرجلا

 

 

 

وعندهما يقدر بزوال الرائحة ؛ لقول ابن مسعود رضي الله

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 47)

عنه فيه : فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه .

ولأن قيام الأثر من أقوى دلالة القرب ، وإنما يصار إلى التقدير بالزمان عند تعذر اعتباره ، والتمييز بين الروائح ممكن للمستدل ، وإنما تشتبه على الجهال .

وأما الإقرار فالتقادم لا يبطله عند محمد رحمه الله كما في حد الزنا على ما مر تقريره ، وعندهما لا يقام الحد إلا عند قيام الرائحة ؛ لأن حد الشرب ثبت بإجماع الصحابة رضي الله عنهم ، ولا إجمال إلا برأي ابن مسعود رضي الله عنه ، وقد شرط قيام الرائحة على ما روينا .

فإن أخذه الشهود وريحها توجد منه أو هو سكران فذهبوا به من مصر إلى مصر فيه الإمام ، فانقطع ذلك قبل أن ينتهوا به حد في قولهم جميعا ؛ لأن هذا عذر كبعد المسافة في حد الزنا ، والشاهد لا يتهم به في مثله .

" . . . ولا حد على من وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها " ، لأن الرائحة محتملة ، وكذا الشرب قد يقع عن إكراه أو اضطرار . . . ويثبت الشرب بشهادة شاهدين ، ويثبت بالإقرار مرة واحدة ، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يشترط الإقرار مرتين وهو نظير الاختلاف في السرقة . . . ولا يقبل فيه شهادة النساء مع الرجال ؛ لأن فيها شبهة البدلية وتهمة الضلال والنسيان " البداية ومعها الهداية ، 2 \ 111 ، 112 . . انتهى .

وقال ابن الهمام على قول صاحب الهداية : " والرائحة قد

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 48)

تكون من غيره . . . . " إلخ ، قال : فظهر أن رائحة الخمر مما تلتبس بغيرها فلا يناط شيء من الأحكام بوجودها ، ولا بذهابها . ولو سلمنا أنها لا تلتبس على ذوي المعرفة فلا موجب لتقييد العمل بالبينة بوجودها ؛ لأن المعقول تقييد قبولها بعدم التهمة ، والتهمة لا تتحقق في الشهادة بسبب وقوعها بعد ذهاب الرائحة ، بل بسبب تأخير الأداء تأخيرا يعد تفريطا ، وذلك منتف في تأخير يوم ونحوه ، وبه تذهب الرائحة .

أجاب المصنف وغيره بما حاصله : أن اشتراط قيام الرائحة لقبول الشهادة عرف من قول ابن مسعود ، وهو ما روى عبد الرزاق : حدثنا سفيان الثوري ، عن يحيى بن عبد الله التميمي الجابر ، عن أبي ماجد الحنفي قال : جاء رجل بابن أخ له سكران إلى عبد الله بن مسعود ، فقال عبد الله : ترتروه ومزمزوه واستنكهوه ، ففعلوا ، فرفعه إلى السجن ، ثم عاد به من الغد ودعا بسوط ثم أمر به فدقت ثمرته بين حجرين حتى صارت درة ثم قال للجلاد : اجلد وأرجع يدك وأعط كل عضو حقه .

ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني ورواه إسحاق بن راهويه ، أخبرنا جرير ، عن عبد الحميد ، عن يحيى بن عبد الله الجابر به .

ودفع بأن محل النزاع كون الشهادة لا يعمل بها إلا مع قيام الرائحة ، والحديث المذكور عن ابن مسعود ليس فيه شهادة منع من العمل بها ، لعدم الرائحة وقت أدائها بل ولا إقرار ، إنما فيه أنه حده بظهور الرائحة بالترترة والمزمزة ، والمزمزة التحريك بعنف ، والترترة والتلتلة التحريك ، وهما بتاءين مثناتين من فوق ؛

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 49)

قال ذو الرمة يصف بعيرا :

 

بعيد مساف الخطو غوج شمردل

تقطـع أنفـاس المهارى تـلاتلـه

 

 

 

أي حركاته ، والمساف : جمع مسافة ، والغوج بالغين المعجمة : الواسع الصدر ، ومعنى تقطيع تلاتله أنفاس المهارى أنه إذا باراها في السير أظهر في أنفاسها الضيق والتتابع لما يجهدها . وإنما فعله لأن بالتحريك تظهر الرائحة من المعدة التي كانت خفيت ، وكان ذلك مذهبه . ويدل عليه ما في الصحيحين عن ابن مسعود أنه قرأ سورة يوسف ، فقال رجل : ما هكذا أنزلت . فقال عبد الله : والله لقد قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحسنت . فبينما هو يكلمه إذ وجد منه رائحة الخمر ، فقال : أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب ؟ فضربه الحد .

وأخرج الدارقطني بسند صحيح ، عن السائب بن يزيد ، عن عمر بن الخطاب أنه ضرب رجلا وجد منه ريح الخمر . وفي لفظ : ريح شراب . والحاصل أن حده عند وجود الريح مع عدم البينة والإقرار لا يستلزم اشتراط الرائحة مع أحدهما . ثم هو مذهب لبعض العلماء منهم مالك ، وقول للشافعي ، ورواية عن أحمد ، والأصح عن الشافعي ، وأكثر أهل العلم نفيه . وما ذكرناه عن عمر يعارض ما ذكرنا عنه أنه عزر من وجد منه الرائحة ، ويترجح ؛ لأنه أصح ، وإن قال ابن المنذر : ثبت عن عمر أنه جلد من وجد منه رائحة الخمر حدا تاما . وقد استبعد بعض أهل العلم حديث ابن مسعود من جهة المعنى ، وهو أن الأصل في

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 50)

الحدود إذا جاء صاحبها مقرا أن يرد أو يدرأ ما أستطيع ، فكيف يأمر ابن مسعود بالمزمزة عند عدم الرائحة ليظهر الريح فيحده ؟ فإن صح فتأويله أنه كان رجلا مولعا بالشراب مدمنا عليه ، فاستجاز ذلك فيه فتح القدير 4 \ 180 . . انتهى .

ويمكن أن يقال : إنه إنما أمر بترترته ومزمزته لكونه لم يأت تائبا ، وإنما جاء به عمه ليقام عليه الحد ، فأراد ابن مسعود أن يستثبت في وقوع الشرب منه بالعمل المذكور لتظهر الرائحة .

2 - قال ابن فرحون : ويجب الحد على من وجدت منه رائحة الخمر أو قاءها ، وحكم به عمر رضي الله تعالى عنه . وفي حديث ماعز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صحيح مسلم الحدود (1695). أشربت خمرا ؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر . قال اللخمي : فيه دليل أن الرائحة يقضى بها ، ودليل آخر أن إقرار السكران غير لازم . (مسألة) قال اللخمي رحمه الله تعالى : ذهب مالك رضي الله تعالى عنه وجماعة من أصحابه إلى أن الحد يجب على من وجد منه ريح المسكر . والدليل على ذلك ما روي عن السائب بن يزيد أنه حضر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو يجلد رجلا وجد منه ريح شراب ، فجلده الحد تاما .

والدليل من جهة المعنى : أن هذا معنى يعلم به صفة ما شرب المكلف وجنسه ، فوجب أن يكون طريقا إلى إثبات الحد . وأصل ذلك الرؤية لما شربه ، بل الرائحة أقوى في معرفة حال المشروب من الرؤية ، لأن الرؤية لا يعلم بها الشراب أمسكر هو أم لا ،

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 51)

وإنما يعلم ذلك برائحته .

(فصل) والكلام في ذلك يتعلق بثلاثة أمور : الأول : فيمن يجب استنكاهه . الثاني : فيمن يثبت ذلك بشهادته . الثالث : فيما يجب بذلك إذا تيقن رائحة المسكر أو أشكلت .

(الأول) فيمن يجب استنكاهه ، وذلك فيمن يرى الحاكـم منه تخليطا في قول أو مشي يشبه السكران : ففي الموازية من رواية أصبغ عن ابن القاسم أنه إذا رأى ذلك منه أمر باستنكاهه ؛ قال : لأنه قد بلغ إلى الحاكـم فلا يسعه إلا تحققه ، فإذا ثبت الحد حد أمامه : (مسألة) وكذلك لو شم منه رائحة ينكرها أو أنكرها بحضرته من ينكرها ، قال الباجي : فعندي أنه قد تعين عليه استنكاهه وتحقق حاله ؛ لأن هذه صفة ينكر بها حاله ويستراب بها ويقوى بها الظن في وجوب الحد عليه ، فيجب بذلك اختباره وتحقق حاله ، كالتخليط في الكـلام والمشي . (مسألة) فإن لـم يظهر منه شيء من هذه الأحوال - يريد التخليط في القول والمشي - لم يستنكه ، رواه أصبغ عن ابن القاسم في العتبية والموازية ، قال : ولا يتجسس عليه . ووجه ذلك إن لم ير منه ريبة ولا خروجا عن أحوال الناس المعتادة فلا يجوز التجسس على الناس والتعرض لهم من غير ريبة .

(الثاني) فيمن يثبت ذلك بشهادته : قال القاضي أبو الوليد : فأما من يثبت ذلك عليه بشهادته فإنه يحتاج إلى معرفة صفتهم وعددهم . فأما صفتهم فقد قال القاضي أبو الحسن في كتابه : إن صفة الشاهدين على الرائحة أن يكونا ممن خبر شربها في وقت ما ، إما في حال كفرهما أو شرباها في إسلامهما فجلدا ثم تابا حتى يكونا ممن

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 52)

يعرف الخمر بريحها . قال القاضي أبو الوليد : وهذا عندي فيه نظر ؛ لأن من هذه صفته معدوم قليل ، ولو لم تثبت الرائحة إلا بشهادة من هذه صفته لبطلت الشهادة بها في الأغلب ، وقد يكون من لم يشربها قط يعرف رائحتها معرفة صحيحة بأن يخبره عنها المرة بعد المرة من قد شربها أنها هي رائحة الخمر حتى يعرف ذلك ، كما يعرفها الذي قد شربها .

(مسألة) وأما العدد فلا يخلو أن يكون الحاكـم أمر الشهود بالاستنكاه أو فعلوا هم ذلك ابتداء ، فإن كان الحاكـم أمرهم بذلك فقد روى ابن حبيب عن أصبغ أنه يستحب أن يأمر شاهدين ، فإن لـم يكن إلا واحدا وجب به الحد ، وأما إن كان الشهود فعلوا ذلك من قبل أنفسهم فلا يجزئ أقل من اثنين ، كالشهادة على الشرب . وقد روى ابن وهب عن مالك رضي الله تعالى عنه أنه إن لم يكن مع الحاكـم إلا واحد فليرفعه إلى من هو فوقه . قال القاضي أبو الوليد رحمه الله تعالى : وما رواه ابن حبيب عن أصبغ مبني على أن الحاكـم يحكـم بعلمه ؛ فلذلك جاز عنده علم من استنابه ، وإلا فقد يجب أن لا يحد في ذلك حتى يشهد عنده فيه شاهدان .

(الثالث) فيما يجب بشهادة الاستنكاه . ولا يخلو أن يكون الشهود متيقنين للرائحة أو شاكين فيها ، فإن كانوا متيقنين للرائحة فلا يخلو أن يتفقوا على أنها رائحة مسكر أو على أنها غير رائحة مسكر أو يختلفوا في ذلك ، فإن اتفقوا على أنها غير رائحة مسكر فلا نعلم في المذهب خلافا في وجوب ترك الحد ، وإن اتفقوا على أنها رائحة مسكر وجب الحد عليه ، وإن اختلفوا في ذلك ، فقال بعضهم : رائحة مسكر ،

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 53)

وقال بعضهم : ليس برائحة مسكر ، فقد قال ابن حبيب : إذا اجتمع منهم اثنان على أنها رائحة مسكر حد . ووجه ذلك أن الشهادة قد قامت وكملت ولا يؤثر في ذلك نفي من نفى مقتضاها ، كما لو شهد شاهدان ، أنهما رأياه شرب خمرا ، وقال آخران : لم يشرب خمرا . (مسألة) فإن شك الشهود في الرائحة : هل هي رائحة مسكر أو غيره نظرت حاله ، فإن كان من أهل السفه نكل ، وإن كان من أهل العدل خلي سبيله ، حكاه ابن القاسم في العتبية والموازية .

ووجه ذلك أن من عرف بالسفه والشر والتخليط خيف أن يكون ما شك فيه مما حرم عليه ، ووجب أن يزجر عن التسمية بذلك لكي لا يتطرق بذلك إلى إظهار معصية ، وأما من كان من أهل العدل فتبعد عنه الريبة . والله سبحانه وتعالى أعلم .

(مسألة) قال القاضي أبو الوليد رحمه الله تعالى : فإذا ثبت ذلك فإن الحد يتعلق بما يقع به الفطر من تجاوز الشراب من الفم إلى الحلق .

(مسألة) ولو شهد شاهدان أنه قاء خمرا وجب عليه الحد ؛ لأنه لا يقيئها حتى يشربها ، وقد روي نحو هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . وسيأتي في باب القضاء بالسياسة صفة الشهادة وصفة الضارب والضرب وما يضاف إلى الحد إن شاء الله تعالى .

- جاء في المنهاج وشرحه نهاية المحتاج :

" ويحد بإقراره وشهادة رجلين " أو علم السيد دون غيره ، كما مر نظيره في السرقة لا بريح خمر وهيئة سكر وقيء ، لاحتمال

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 54)

أنه احتقن أو أسعط بها أو أنه شربها لعذر من غلط أو إكراه ، وأما حد عثمان بالقيء فاجتهاد له ، " ويكفي في إقرار وشهادة شرب خمرا " أو شرب مما شرب منه غيره فسكر ، وسواء أقال وهو مختار عالم أو لا ، كما في نحو بيع وطلاق ؛ إذ الأصل عدم الإكراه ، والغالب من حال الشارب علمه بما يشربه .

" وقيل : يشترط " في كل من المقر والشاهد أن يقول : شربها " وهو عالم به مختار " ، لاحتمال ما مر ، كـالشهادة بالزنا ، إذ العقوبة لا تثبت إلا بيقين ، وفرق الأول بأن الزنا قد يطلق على مقدماته ، كـما في الخبر على أنهم سامحوا في الخمر لسهولة حدها ما لم يسامحوا في غيرها ، لا سيما مع أن الابتداء بكثرة شربها يقتضي التوسع في سبب الزجر عنها ، فوسع فيه ما لم يوسع في غيره .

ويعتبر على الثاني زيادة من غير ضرورة احترازا من الإساغة والشرب لنحو عطش أو تداو المنهاج وشرحه نهاية المحتاج ، 8 \ 16 . . انتهى

4 - وقال ابن قدامة : ولا يجب الحد حتى يثبت شربه بأحد شيئين : الإقرار أو البينة ، ويكفي في الإقرار مرة واحدة في قول عامة أهل العلم ، لأنه حد لا يتضمن إتلافا ، فأشبه حد القذف ، وإذا رجع عن إقراره قبل رجوعه ؛ لأنه حد لله سبحانه ، فقبل رجوعه عنه كسائر الحدود ، ولا يعتبر مع الإقرار وجود رائحة . وحكي عن أبي حنيفة : لا حد عليه ، إلا أن توجد رائحة .

ولا يصح ؛ لأنه أحد بينتي الشرب فلم يعتبر معه وجود الرائحة ،

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 55)

كالشهادة ، ولأنه قد يقر بعد زوال الرائحة عنه ، ولأنه إقرار بحد فاكتفي به ، كسائر الحدود .

(فصل) ولا يجب الحد بوجود رائحة الخمر من فيه . في قول أكثر أهل العلم ، منهم الثوري وأبو حنيفة والشافعي . وروى أبو طالب عن أحمد أنه يحد بذلك ، وهو قول مالك ؛ لأن ابن مسعود جلد رجلا وجد منه رائحة الخمر . وروي عن عمر أنه قال : إني وجدت من عبيد الله ريح شراب ، فأقر أنه شرب الطلا ، فقال عمر : إني سائل عنه فإن كان يسكر جلدته . ولأن الرائحة تدل على شربه فجرى مجرى الإقرار .

والأول أولى ؛ لأن الرائحة يحتمل أنه تمضمض بها أو حسبها ماء فلما صارت في فيه مجها ، أو ظنها لا تسكر ، أو كان مكرها ، أو أكل نبقا بالغا ، أو شرب شراب التفاح فإنه يكون منه كرائحة الخمر ، وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد الذي يدرأ بالشبهات ، وحديث عمر حجة لنا ، فإنه لـم يحده بوجود الرائحة ، ولو وجب ذلك لبادر إليه عمر .

(فصل) وإن وجد سكران أو تقيأ الخمر فعن أحمد لا حد عليه ، لاحتمال أن يكون مكرها أو لم يعلم أنها تسكر ، وهذا مذهب الشافعي .

ورواية أبي طالب عنه في الحد بالرائحة يدل على وجوب الحد هاهنا بطريق الأولى ؛ لأن ذلك لا يكون إلا بعد شربها ، فأشبه ما لو قامت البينة عليه بشربها .

وقد روى سعيد ، حدثنا هشيم ، حدثنا المغيرة عن الشعبي قال : لما كان من أمر قدامة ما كان جاء علقمة الخصي فقال :

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 56)

أشهد أني رأيته يتقيؤها . فقال عمر : من قاءها فقد شربها . فضربه الحد .

وروى حضين بن المنذر الرقاشي ، قال : شهدت عثمان وأتي بالوليد بن عقبة فشهد عليه حمران ورجل آخر ، فشهد أحدهما أنه رآه شربها ، وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها ، فقال عثمان : إنه لم يتقيأها حتى شربها ، فقال لعلي : أقم عليه الحـد - فـأمر علي عبد الله بن جعفر فضربه . رواه مسلم . وفي رواية له : فقال عثمان : لقد تنطعت في الشهادة .

وهذا بمحضر من علماء الصحابة وسادتهم ولم ينكر فكان إجماعا ، ولأنه يكفي في الشهادة عليه أنه شربها ولا يتقيؤها أو لا يسكر منها حتى يشربها .

(فصل) وأما البينة فلا تكون إلا رجلين عدلين مسلمين يشهدان أنه مسكر ولا يحتاجان إلى بيان نوعه ؛ لأنه لا ينقسم إلى ما يوجب الحد وإلى ما لا يوجبه ، بخلاف الزنا فإنه يطلق على الصريح وعلى دواعيه ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الاستئذان (5889),صحيح مسلم القدر (2657),سنن أبو داود النكاح (2152),مسند أحمد بن حنبل (2/344). العينان تزنيان ، واليدان تزنيان ، والفرج يصدق ذلك ويكذبه . فلهذا احتاج الشاهدان إلى تفسيره . وفي مسألتنا لا يسمى غير المسكر مسكرا فلم يفتقر إلى ذكر نوعه ، ولا يفتقر في الشهادة إلى ذكر عدم الإكراه ولا إلى ذكر علمه أنه مسكر ؛ لأن الظاهر الاختيار والعلم وما عداهما نادر بعيد فلم يحتج إلى بيانه ؛ ولذلك لم يعتبر ذلك في شيء من الشهادات ، ولم يعتبره عثمان في الشهادة على الوليد بن عقبة ، ولا اعتبره عمر في الشهادة على قدامة بن مظعون ، ولا في الشهادة على المغيرة بن شعبة ، ولو شهدا بعتق أو طلاق

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 57)

لم يفتقر إلى ذكر الاختيار كذا هاهنا المغني ، 9 \ 143 وما بعدها . . انتهى .

وجاء في حاشية المقنع على قوله : " وهل يجب الحد بوجود الرائحة ؟ على روايتين " إحداهما : لا يحد ، وهو قول عامة أهل العلم ، منهم الثوري وأبو حنيفة والشافعي . وعنه : يحد ، وهو قول مالك ؛ لأن ابن مسعود رضي الله عنه جلد رجلا وجد منه رائحة الخمر . وعنه : يحد إذا لم يدع شبهة . قال ابن أبي موسى : وهي أظهر عن أحمد ، واختارها ابن عبدوس في تذكرته والشيخ تقي الدين .

ووجه الأول أنه يحتمل أنه تمضمض بها أو ظنها ماء ، فلما صارت في فيه مجها ، أو ظنها لا تسكر ، أو كان مكرها المقنع ومعه الحاشية ، 3 \ 479 . . انتهى .

وجاء في الإنصاف على قول ابن قدامة : " وهل يحد بوجود الرائحة ؟ على روايتين " وأطلقهما في مسبوك الذهب ، وتجريد العناية ، ونهاية ابن رزين .

إحداهما : لا يحد ، وهو المذهب ، صححه المصنف والشارح ، وابن منجى في شرحه وصاحب الخلاصة والتصحيح وغيرهم . وجزم به في الوجيز ، والمنور .

والرواية الثانية : يحد إذا لم يدع شبهة . قال ابن أبي موسى في الإرشاد : هذه أظهر عن الإمام أحمد رحمه الله . واختارها ابن عبدوس في تذكرته ، والشيخ تقي الدين رحمه الله . وقدمها في

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 58)

المستوعب . وعنه : يحد وإن ادعى شبهة ، ذكرها في الفروع ، وذكر هذه المسألة في باب حد الزنا وأطلقهن في تجريد العناية . ونقل الجماعة عن الإمام أحمد رحمه الله : يؤدب برائحته . واختاره الخلال كالحاضر مع من شربه .

فائدتان :

إحداهما : لو وجد سكران وقد تقيأ الخمر ، فقيل : حكمه حكـم الرائحة . قدمه في الفصول ، وجزم به في الرعاية الكبرى . وقيل : يحد هنا وإن لم نحده بالرائحة . واختاره المصنف والشارح ، وهو ظاهر كلامه في الإرشاد ، وهذا المذهب على ما اصطلحناه في الخطبة ، وأطلقهما في الفروع .

والثانية : يثبت شربه للخمر بإقراره ، مرة على الصحيح من المذهب ، كحد القذف ، جزم به في الفصول والمذهب والحاوي الصغير والمغني والشرح ، وقدمه في الفروع .

وعنه : مرتين ، واختاره القاضي وأصحابه ، وصححه الناظم ، واختاره ابن عبدوس في تذكرته ، وقدمه في المحرر والنظم والرعايتين ، وجزم به في المنور وغيره ، وجعل أبو الخطاب : أن بقية الحدود لا يثبت إلا بإقراره مرتين . وقال في عيون المسائل في حد الخمر بمرتين ، وإن سلمناه فلأنه لا يتضمن إتلافا ، بخلاف حد السرقة . قال في الفروع : ولم يفرقوا بين حد القذف وغيره إلا بأنه حق آدمي كالقود فدل على رواية فيه ، قال : وهذا متجه .

ويثبت أيضا شربها : بشهادة عدلين مطلقا ، على الصحيح من المذهب . وقيل : ويعتبر قولهما عالما بتحريمه مختارا ،

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 59)

وأطلقهما في الرعاية الكبرى الإنصاف ، 10 \ 233 . . انتهى .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : والحد واجب إذا قامت البينة ، أو اعترف الشارب ، فإن وجدت منه رائحة الخمر ، أو رؤي وهو يتقيؤها ، ونحو ذلك ؛ فقد قيل : لا يقام عليه الحد ؛ لاحتمال أنه شرب ما ليس بخمر ، أو شربها جهلا بها ، أو مكرها ونحو ذلك .

وقيل : يجلد إذا عرف أن ذلك مسكر ، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة كعثمان وعلي وابن مسعود ، وعليه تدل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي اصطلح عليه الناس ، وهو مذهب مالك وأحمد في غالب نصوصه السياسة الشرعية ، 51 . . انتهى .

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى : وحكـم عمر وابن مسعود رضي الله عنهما ، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة بوجوب الحد برائحة الخمر من قيء الرجل أو قيئه خمرا اعتمادا على القرينة الظاهرة الطرق الحكمية ، 6 . . انتهى

سادسا : حكم من تكرر منه شربها القتل أو الجلد ؟

اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين :

أحدهما : أنه يقتل ، وبه قال ابن حزم ومن وافقه من أهل العلم .

والثاني : أنه لا يقتل ، وبه قال جمهور أهل العلم .

وفيما يلي بيان القولين

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 60)

مع الأدلة والمناقشة :

القول الأول : أن شارب الخمر إذا شرب ثم حد ، ثم شرب ثم حد ، ثم شرب ثم حد ، ثم شرب الرابعة قتل ، وهذا يقول به ابن حزم ومن يوافقه من أهل العلم . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : وقيل هو محكم ، وقد يقال هو تعزير يفعله الإمام عند الحاجة ، وقال أيضا : وطائفة يقولون إذا لم ينتهوا عن الشرب إلا بالقتل جاز ذلك السياسة الشرعية ، 49 ، 50 . . انتهى المقصود .

والحجة لهذا القول :

1 - قال ابن حزم : نا أحمد بن قاسم ، نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم ، نا جدي قاسم بن أصبغ ، نا الحرث - هو ابن أبي أسامة - نا عبد الوهاب بن عطاء ، نا قرة بن خالد ، عن الحسن بن عبد الله بن النصري ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال : " ائتوني برجل أقيم عليه الحد في الخمر فإن لم أقتله فأنا كاذب " المحلى لابن حزم 11 \ 366 . . انتهى .

وهذا الحديث رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سنن الترمذي الحدود (1444),سنن أبو داود الحدود (4482),سنن ابن ماجه الحدود (2573),مسند أحمد بن حنبل (4/93). من شرب الخمر فاجلدوه ، فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد فاقتلوه قال عبد الله : ائتوني برجل قد شرب الخمر في الرابعة ، فلكـم علي أن أقتله . وأجيب عن هذا الحديث بأنه منقطع فلا حجة لهم فيه . قال ابن حجر : وهذا منقطع ؛ لأن الحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو ،

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 61)

كما جزم به ابن المديني وغيره ، فلا حجة فيه ، وإذا لم يصح هذا عن عبد الله بن عمرو لم يبق لمن رد الإجماع على ترك القتل متمسك حتى ولو ثبت عن عبد الله بن عمرو لكان عذره أنه لم يبلغه النسخ وعد ذلك من نزره المخالف ، وقد جاء عن عبد الله بن عمرو أشد من الأول ، فأخرج سعيد بن منصور عنه بسند لين قال : لو رأيت أحدا يشرب الخمر واستطعت أن أقتله لقتلته الفتح ، 12 \ 80 . . انتهى .

2 - عن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سنن الترمذي الحدود (1444),سنن أبو داود الحدود (4482),سنن ابن ماجه الحدود (2573),مسند أحمد بن حنبل (4/95). إذا شربوا الخمر فاجلدوهم ، ثم إذا شربوا فاجلدوهم ، ثم إذا شربوا الرابعة فاقتلوهم ، رواه الخمسة إلا النسائي .

قال الشوكاني : قال البخاري هو أصح ما في هذا الباب ، وأخرجه أيضا الشافعي والدارمي وابن المنذر وابن حبان وصححه من حديث أبي هريرة ، وأخرجه ابن أبي شيبة من رواية أبي سعيد ، والمحفوظ أنه عن معاوية ، وأخرجه أبو داود من رواية أبان العطار ، وفيه : سنن النسائي الأشربة (5662),سنن أبو داود الحدود (4484),سنن ابن ماجه الحدود (2572),مسند أحمد بن حنبل (2/280),سنن الدارمي الأشربة (2105). فإن شربوا - يعني بعد الرابعة - فاقتلوهم ، ورواه أيضا أبو داود من حديث ابن عمر : قال: وأحسبه قال في الخامسة : سنن أبو داود الحدود (4482),مسند أحمد بن حنبل (4/95). ثم إن شربها فاقتلوه ، قال : وكذا في حديث غطيف في الخامسة نيل الأوطار ، 7 \ 325 . . انتهى .

3 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سنن النسائي الأشربة (5662),سنن أبو داود الحدود (4484),سنن ابن ماجه الحدود (2572),مسند أحمد بن حنبل (2/504),سنن الدارمي الأشربة (2105). إن سكر فاجلدوه ، ثم إن سكر فاجلدوه ، ثم إن سكر فاجلدوه ، فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه ، رواه الخمسة إلا الترمذي .

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 62)

وأجيب عن هذه الأحاديث وما في معناها أن القتل منسوخ ، وأدلة النسخ :

أ - قال الترمذي : إنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد . هكذا روى محمد بن إسحاق ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سنن الترمذي الحدود (1444),سنن أبو داود الحدود (4482),سنن ابن ماجه الحدود (2573),مسند أحمد بن حنبل (4/96). إن شرب الخمر فاجلدوه ، فإن عاد الرابعة فاقتلوه . قال : ثم أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله ، وأخرجه النسائي أيضا .

2 - عن الزهري ، عن قبيصة بن ذؤيب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سنن أبو داود الحدود (4485). من شرب الخمر فاجلدوه ، فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد في - الثالثة أو الرابعة - فاقتلوه . فأتي برجل قد شرب فجلده ، ثم أتي به فجلده ، ثم أتي به فجلده ، ثم أتي به فجلده ، ورفع القتل وكانت رخصة رواه أبو داود وذكره الترمذي بمعناه ، وأخرجه أيضا الشافعي وعبد الرزاق وعلقه الترمذي ، وأخرجه أيضا الخطيب ، عن ابن إسحاق عن الزهري ، عن قبيصة ، قال سفيان بن عيينة : حدث الزهري بهذا ، وعنده منصور بن المعتمر ومخول بن راشد فقال لهما : كونا وافدي أهل العراق بهذا الحديث . وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة ولد عام الفتح ، وقيل إنه ولد أول سنة من الهجرة ، ولم يذكر له سماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعده الأئمة من التابعين ، وذكروا أنه سمع الصحابة . قال المنذري : وإذا ثبت أن مولده أول سنة من الهجرة أمكن أن يكون سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قيل : إنه أتي به

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 63)

النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام يدعو له ، وذكر عن الزهري أنه كان إذا ذكر قبيصة بن ذؤيب قال : كان من علماء هذه الأمة . وأما أبوه ذؤيب بن حلحلة فله صحبة . انتهى . ورجال الحديث مع إرساله ثقات ، وأعله الطحاوي بما أخرجه من طريق الأوزاعي أن الزهري راويه قال : بلغني عن قبيصة ولم يذكر أنه سمع منه . وعورض بأنه رواه ابن وهب عن يونس قال : أخبرني الزهري أن قبيصة حدثه ، أنه بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ويونس أحفظ لحديث الزهري من الأوزاعي ، وأخرج عبد الرزاق عن ابن المنكدر مثله نيل الأوطار ، 7 \ 326 . . انتهى ، من كلام الشوكاني .

وقال ابن حجر : وأخرجه الخطيب في المبهمات من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري ، وقال فيه : فأتي برجل من الأنصار يقال له : نعيمان ، فضربه أربع مرات ، فرأى المسلمون أن القتل قد أخر وأن الضرب قد وجب .

وقال ابن حجر على قوله ( بلغه ) : والظاهر أن الذي بلغ قبيصة ذلك صحابي فيكون الحديث على شرط الصحيح ؛ لأن إبهام الصحابة لا يضر ، وله شاهد أخرجه عبد الرزاق عن معمر قال : حدثت به ابن المنكدر ، فقال : ترك ذلك ، فقد صحيح البخاري الحدود (6393),مسند أحمد بن حنبل (4/8). أتي النبي صلى الله عليه وسلم بابن نعيمان فجلده ثلاثا ثم أتي به في الرابعة فجلده ولم يزد ، ووقع عند النسائي من طريق محمد بن إسحاق عن ابن المنكدر عن جابر فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل منا قد شرب في الرابعة فلم يقتله .

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 64)

وأخرجه من وجه آخر عن محمد بن إسحاق بلفظ : فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه ، فضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مرات ، فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وأن القتل قد رفع . انتهى .

القول الثاني : أنه لا يقتل ، وأن القتل منسوخ ، وهذا قول جمهور العلماء . وفيما يلي بيان بعض من قال بذلك مع الأدلة والمناقشة :

قال الشوكاني : ذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل الشارب وأن القتل منسوخ ، قال الشافعي : والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره - يعني حديت قبيصة بن ذؤيب - ثم ذكر أنه لا خلاف في ذلك بين أهل العلم . وقال الخطابي : قد يرد الأمر بالوعيد ولا يراد به الفعل ، وإنما يقصد به الردع والتحذير ، وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجبا ثـم نسخ بحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يقتل . انتهى .

وحكى المنذري عن بعض أهل العلم أنه قال : أجمع المسلمون على وجوب الحد في الخمر ، وأجمعوا على أنه لا يقتل إذا تكرر منه ، إلا طائفة شاذة قالت : يقتل بعد حده أربع مرات للحديث ، وهو عند الكافة منسوخ . انتهى .

وقال الترمذي : أنه لا يعلم في ذلك اختلافا بين أهل العلم في القديم والحديث ، وذكر أيضا في آخر كتابه الجامع في العلل أن جميع ما فيه معمول به عند البعض من أهل العلم إلا حديث

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 65)

" إذا سكر فاجلدوه " المذكور في الباب ، وحديث الجمع بين الصلاتين نيل الأوطار ، 7 \ 326 - 327 . . انتهى .

وقال ابن حجر : وأما ابن المنذر فقال : كان العمل فيمن شرب الخمر أن يضرب وينكل به ، ثم نسخ بالأمر بجلده ، فإن تكرر ذلك أربعا قتل ، ثم نسخ ذلك بالأخبار الثابتة ، وبإجماع أهل العلم إلا من شذ ممن لا يعد خلافه خلافا فتح الباري ، 12 \ 80 . انتهى .

وقال شيخ الإسلام : والقتل عند أكثر العلماء منسوخ السياسة الشرعية ، 50 . انتهى .

وقال شيخ الإسلام أيضا : وقد روي من وجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مسند أحمد بن حنبل (2/214). من شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إن شربها فاجلدوه ، ثم إن شربها فاجلدوه ، ثم إن شربها - في الثالثة أو الرابعة - فاقتلوه فأمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة ، وأكثر العلماء لا يوجبون القتل ، بل يجعلون هذا الحديث منسوخا وهو المشهور من مذاهب الأئمة . وبعد ذكره للقول بالقتل ودليله قال : والحق ما تقدم - ثم ذكر حديث عبد الله الحمار الثابت في الصحيح وسيأتي ذكره مجموع الفتاوى ، 34 \ 217 . .

وقال ابن حزم : وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم : لا قتل عليه ، وذكروا ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 66)

وقاص المحلى ، 11 \ 366 . . انتهى .

الأدلة :

الدليل الأول : روى ابن حزم : بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مسند أحمد بن حنبل (2/191). إذا شرب الرجل فاجلدوه ، فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد الرابعة فاقتلوه . فأتي برجل منا فلم يقتله . ونوقش بأنه لا يصح ؛ لأنه لـم يروه عن ابن المنكدر أحد متصلا إلا شريك القاضي وزياد بن عبد الله البكائي ، عن محمد بن إسحاق عن ابن المنكدر ، وهما ضعيفان . ذكر ذلك ابن حزم المحلى ، 11 \ 369 . .

وقد يجاب عن ذلك أولا بأن زياد صدوق ، وثبت في روايته عن ابن إسحاق لا مطعن فيها عند أئمة الحديث . وقد يجاب عن ذلك ثانيا بأن الضعف الذي ادعاه بعض أئمة الحديث في شريك ، وبعضهم في زياد يزول هنا بمتابعة أحدهما للآخر في رواية هذا الحديث عن محمد بن إسحاق ، كـما تزول تهمة التدليس من ابن إسحاق برواية قبيصة بن ذؤيب الآتية ، لأن المدلس إذا تابعه غيره من المعتبرين صار حديثه حسنا لغيره .

الدليل الثاني : ما رواه ابن حزم بسنده عن ابن شهاب ، أن قبيصة بن ذؤيب حدثه ، أنه بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سنن أبو داود الحدود (4485). قال لشارب الخمر : إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاقتلوه . فأتي برجل قد شرب

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 67)

ثلاث مرات فجلده ، ثم أتي به في الرابعة فجلده ، ووضع القتل عن الناس .

وناقشه ابن حزم بأنه منقطع ولا حجة في المنقطع .

وقد مضى الجواب عن ذلك في الكلام على درجة هذا الحديث عند الاستدلال به على النسخ .

الدليل الثالث : ما رواه ابن حزم عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب ، أن صحيح البخاري الحدود (6398). رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله ، وكان يلقب حمارا ، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشرب ، فأتي به يوما فأمر به فجلد ، فقال رجل من القوم : اللهم العنه ، ما أكثر ما يؤتى به ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تلعنوه ، فوالله ما علمته إلا يحب الله ورسوله .

وناقش ابن حزم هذا الحديث قائلا : " وأما حديث زيد بن أسلم الذي من طريق معمر عنه فمنقطع ، ثم لو صح لما كانت فيه حجة ؛ لأنه ليس فيه أن ذلك كان بعد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل ، فإذ ليس ذلك فيه فاليقين الثابت لا يحل تركه للضعيف الذي لا يصح ، ولو صح لكان ظنا فسقط التعلق به جملة .

ولو أن إنسانا يجلده النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر ثلاث مرات قبل أن يأمر بقتله في الرابعة لكان مقتضى أمره صلى الله عليه وسلم استئناف جلده بعد ذلك ثلاث مرات ولا بد ، لأنه عليه الصلاة والسلام من لفظ بالحديث المذكور أمر في المستأنف بضربه إن شرب ثم بضربه إن شرب ثانية ثم بضربه ثالثة ،

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 68)

ثم بقتله رابعة هذا نص حديثه وكلامه عليه السلام ، فإنما كان يكون حجة لو بين أنه أتي به أربع مرات بعد أمره عليه السلام بقتله في الرابعة ، وهكذا القول سواء بسواء في حديث عمر الذي من طريق سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم " المحلى ، 368 ، 369 . .

وأجيب عن ذلك بما يلي :

أولا : هذا الحديث أخرجه البخاري في الصحيح فقال : حدثنا يحيى بن بكير ، حدثني الليث ، قال : حدثني خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب : صحيح البخاري الحدود (6398). أن رجلا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا ، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب ، فأتي به يوما ، فأمر به فجلد ، فقال رجل من القوم : اللهم العنـه ، ما أكثر ما يؤتى به ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تلعنوه ، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله .

قال ابن حجر على هذا الحديث : وفيه ما يدل على نسخ الأمر الوارد بقتل شارب الخمر إذا تكرر منه إلى الرابعة أو الخامسة ، فقد ذكر ابن عبد البر أنه أتي به أكثر من خمسين مرة فتح الباري ، 12 \ 78 . . انتهى . ثانيا : أن بعض الصحابة عمل بالناسخ ، فأخرج عبد الرزاق في مصنفه بسند لين عن عمر بن الخطاب ، أنه جلد أبا محجن الثقفي في الخمر ثماني مرار ، وأورد نحو ذلك عن سعد بن أبي

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 69)

وقاص ، وأخرج حماد بن سلمة في مصنفه من طريق أخرى رجالها ثقات ، أن عمر جلد أبا محجن في الخمر أربع مرار ، ثم قال له : أنت خليع ، فقال : أما إذا خلعتني فلا أشربها أبدا فتح الباري ، 80 ، 81 . . انتهى . ذكر ذلك ابن حجر .

ثالثا : سبق نقول عن أهل العلم بالقول بالنسخ ، وذكر الشافعي أنه مما لا اختلاف فيه .

رابعا : إذا كان ثابتا فقد مضى حديث جابر عند الترمذي والنسائي ، وفيه بيان أن القتل كان متقدما وأن تركه كان متأخرا .

الدليل الرابع : قوله صلى الله عليه وسلم : سنن الترمذي الفتن (2158),سنن النسائي تحريم الدم (4019),سنن أبو داود الديات (4502),سنن ابن ماجه الحدود (2533),مسند أحمد بن حنبل (1/70),سنن الدارمي الحدود (2297). لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، أو زنا بعد إحصان ، أو نفس بنفس .

وجه الدلالة : أنه لا يجوز أن يقتل أحد لـم يذكر في هذا الخمر ، ذكر ذلك ابن حزم ، وقد يجاب عن ذلك بأن هذا مسلم لو لم يرد دليل يدل على القتل وقد ورد ، ويناقش ذلك بتسليم ورود القتل ولكنه نسخ ، وقد تقدم بيان ذلك .

سابعا : نجاسة الخمر :

اختلف أهل العلم في نجاسة الخمر ، فمنهم من قال : إنها نجسة . ومنهم من قال : إنها طاهرة . وفيما يلي ذكر نقول عن أهل العلم لكل قول مع بيان أدلتهم ومناقشتها :

القول الأول : أنها نجسة ، وممن قال بهذا القول جمهور العلماء :

أ - جاء في الهداية : أنها نجسة نجاسة غليظة كالبول لثبوتها

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 70)

بالدلائل القطعية الهداية على البداية ، 4 \ 109 ، ويرجع إلى بدائع الصنائع ، 5 \ 113 . .

ب - قال القرطبي : فهم الجمهور من تحريـم الخمر واستخباث الشرع لها وإطلاق الرجس عليها والأمر باجتنابها ؛ الحكـم بنجاستها تفسير القرطبي ، 6 \ 288 . . انتهى .

ج - قال ابن العربي على قوله : رجس وهو النجس - إلى أن قال : ولا خلاف في ذلك بين الناس ، إلا ما يؤثر عن ربيعة أنه قال : إنها محرمة وهي طاهرة كالحرير عند مالك محرم مع أنه طاهر أحكام القرآن لابن العربي ، 2 \ 651 . انتهى المقصود .

د - قال ابن قدامة : والخمر نجسة في قول عامة أهل العلم المغني ، 9 \ 152 . . انتهى المقصود .

هـ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية : والحشيشة المسكرة حرام ، ومن استحل السكر منها فقد كفر ، بل في أصح قولي العلماء أنها نجسة كالخمر ، والخمر كالبول ، والحشيشة كالعذرة مختصر الفتاوى ، 499 . . انتهى .

واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والأثر والمعنى :

أما الكتاب : فقوله تعالى : سورة المائدة الآية 90 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 71)

وجه الدلالة : ما ذكره الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى قال : " يفهم من هذه الآية الكريمة أن الخمر نجسة العين ؛ لأن الله تعالى قال : إنها رجس ، والرجس في كلام العرب : كل مستقذر تعافه النفس ، وقيل : إن أصله من الركس وهو العذرة والنتن . قال بعض العلماء : ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله تعالى في شراب أهل الجنة : سورة الإنسان الآية 21 وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ؛ لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور يفهم منه أن خمر الدنيا ليست كذلك ، ومما يؤيد هذا أن كل الأوصاف التي مدح بها الله تعالى خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا ؛ كقوله تعالى : سورة الصافات الآية 47 لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ، وقوله : سورة الواقعة الآية 19 لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ بخلاف خمر الدنيا ففيها غول يغتال العقول ، وأهلها يصدعون أي يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس بسببها " أضواء البيان 2 \ 127 , 128 . انتهى المقصود .

وأما السنة : فما رواه البخاري وغيره عن أبي ثعلبة الخشني قال : صحيح البخاري الذبائح والصيد (5161),صحيح مسلم الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1930),سنن الترمذي الأطعمة (1797),سنن النسائي الصيد والذبائح (4266),سنن أبو داود الأطعمة (3839),سنن ابن ماجه الصيد (3207),مسند أحمد بن حنبل (4/193),سنن الدارمي السير (2499). قلت : يا نبي الله ، إنا بأرض قوم من أهل الكتاب أفنأكل في آنيتهم ؟ قال : أما ما ذكرت من آنية أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها ، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها .

وفي لفظ لأحمد عن أبي ثعلبة الخشني قال : صحيح البخاري الذبائح والصيد (5170),صحيح مسلم الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1930),سنن الترمذي الأطعمة (1797),سنن النسائي الصيد والذبائح (4266),سنن أبو داود الأطعمة (3839),سنن ابن ماجه الصيد (3207),مسند أحمد بن حنبل (4/194),موطأ مالك الصيد (1075),سنن الدارمي السير (2499). قلت: يا رسول الله ، إن أرضنا أرض أهل كتاب ، وأنهم يأكلون لحم الخنزير

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 72)

ويشربون الخمر ، فكيف أصنع بآنيتهم وقدورهم ؟ قال : إن لم تجدوا غيرها فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا . وعنه من طريق أخرى قال : صحيح البخاري الذبائح والصيد (5170),سنن الترمذي الصيد (1464),سنن أبو داود الأطعمة (3839),سنن ابن ماجه الصيد (3207),سنن الدارمي السير (2499). قلت : يا رسول الله ، إنا أهل سفر نمر باليهود والنصارى والمجوس ، ولا نجد غير آنيتهم قال : فإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها بالماء ، ثم كلوا فيها واشربوا .

وجه الدلالة : ما ذكره الخطابي بقوله : والأصل في هذا أنه إذا كان معلوما من حال المشركين أنهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر فإنه لا يجوز استعمالها إلا بعد الغسل والتنظيف عون المعبود ، 3 \ 728 . .

وقد يناقش ذلك بأن الأمر بغسلها من أجل أنهم يأكلون بها لحم الخنزير لا من أجل نجاسة الخمر .

ولا يجاب عن ذلك بأن نجاسة الخمر كانت متقررة عند الصحابة ، ولهذا قال أبو ثعلبة الخشني عن المخرج من ذلك وكان السؤال عن أمرين ، والجواب عنهما ولو لم تكن الخمر نجسة لما أمر بغسل الإناء الذي شرب فيه الخمر .

وأما الأثر : فروى ابن عساكر في تاريخه بسنده عن عمر رضي الله عنه كتب إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه بلغني أنك تدلك بالخمر ، والله قد حرم ظاهر الخمر وباطنها ، وقد حرم مس الخمر كما حرم شربها فلا تمسوها أجسادكـم فإنها نجس التاريخ الكبير ، 5 \ 105 . .

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 73)

وأما المعنى :

1 - أن الله تعالى حرمها لعينها فكانت نجسة كالخنزير المغني ، 9 \ 152 ، ويرجع لبدائع الصنائع ، 5 \ 113 . .

2 - أن من تمام تحريمها وكمال الردع عنها الحكم بنجاستها حتى يتقذرها العبد ، فيكف عنها قربانا بالنجاسة ، وشربا بالتحريم ، فالحكـم بنجاستها يوجب التحريم أحكام القرآن لابن العربي ، 2 \ 651 . .

القول الثاني : أنها طاهرة ، قال القرطبي بعد ذكره لقول من قال أنها نجسة ، قال: وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي ، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين ، فرأوا أنها طاهرة ، وأن المحرم إنما هو شربها ، وقد استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة . قال : ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم ، ولنهى النبي صلى الله عليه وسلم كما نهى عن التخلي في الطريق الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6 \ 288 . . انتهى .

وقد يناقش هذا الاستدلال بالوجوه الآتية :

الوجه الأول : قد يقال : المواضع التي أريق فيها الخمر ليست مواضع للصلاة بل هي مسالك استطراق ، فإما أن يقال بأنه لا يشق الاحتراز منها أو لا ، وعلى القول بأنه لا يشق الاحتراز منها ووطئها المار فإنه يطهره ما بعده ، فروى الإمام أحمد وأبو داود سنن الترمذي الطهارة (143),سنن أبو داود الطهارة (383),سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (531),مسند أحمد بن حنبل (6/316),موطأ مالك الطهارة (47),سنن الدارمي الطهارة (742). أن امرأة قالت لأم سلمة : إني أطيل ذيلي وأمشي في

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 74)

المكان القذر . فقالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يطهره ما بعده ، وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سنن أبو داود الطهارة (385). إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب لهما طهور . وفي لفظ : سنن أبو داود الطهارة (385). إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورها التراب .

وروى أبو داود أيضا عن امرأة من بني عبد الأشهل سنن أبو داود الطهارة (384),مسند أحمد بن حنبل (6/435). قالت : يا رسول الله ، إن لنا طريقا إلى المسجد منتنة ، كيف نفعل إذا تطهرنا ؟ قال : أو ليس بعدها طريق أطيب منها ؟ قالت : قلت : بلى . قال : فهذه بهذه .

وروى الترمذي مثله عن أم سلمة .

الوجه الثاني : قد يقال : إن إراقتها في الأسواق فيه زجر بليغ ليرى الناس الخمر التي تعلقت بها نفوسهم تراق ، فيبادروا إلى الامتثال ، فمن كان عنده شيء منها عرف أنه لا ينتفع به بأي وجه من وجوه الانتفاع .

الوجه الثالث : قد قال : إن الخمر لما أريقت في الطلاقات ضربتها الرياح وتعلقها التراب فزالت منها المادة المسكرة فتكون متخللة بنفسها ، وقد ذكر العلماء أن الخمر إذا تخللت بنفسها أنها طاهرة . وقد مضى الكلام مفصلا على ذلك في البحث الذي أعد في موضوع الاستحالة والذي بحثه المجلس في دورته التاسعة .

الوجه الرابع : وقد يقال أيضا : إنها قليلة بحيث يسهل التحرر منها بالنسبة لمن يمر بالطريق الذي أريقت فيه .

الوجه الخامس : أن التغوط في الأسواق لا يتناسب مع

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 75)

المروءة ، ولأنه لو ساغ لكل أحد أن يتغوط في السوق لأدى ذلك إلى ضرر على الناس واستمر الناس عليه إلى الأبد . وقد قال صلى الله عليه وسلم : من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم .

وبناء على ذلك لا يقال : لو كانت نجسة لنهى عن إراقتها في الأسواق كنهيه صلى الله عليه وسلم عن التغوط في الأسواق .

ثامنا : هل ينطبق على الكلونيا تعريف الخمر أو لا ؟ وما حكم شربها واستعمالها على كل من التقديرين ؟ وهل يحكم بنجاستها على تقدير أنها خمر أو لا ؟

كل أنواع الكلونيا تحتوي على كحول فيما نعلم ، ولكن نسبة هذا الكحول متفاوتة ، وليس كل ما فيه كـحول يسكر شاربه ، وعلى هذا إذا بلغت نسبة الكحول في نوع من أنواعها حدا يجعل كثيرها مسكرا ، فإنه ينطبق عليها تعريف الخمر عند جمهور الفقهاء فتسمى خمرا أيضا ، ويحرم شرب قليلها وكثيرها ، ويحد شاربها ، ويجري فيها الخلاف في نجاستها ، ولا ينطبق عليها تعريف الخمر عند أبي حنيفة ومن يوافقه من أهل العلم فلا تسمى خمرا ، ولكـن يحرم شرب الكثير منها دون القليل .

وإذا لـم تبلغ درجة أن يسكر شرب كثيرها ، فلا ينطبق عليها تعريف الخمر عند جميع الفقهاء ، ولا تسمى خمرا ، ولا يحرم شربها ولا استعمالها للتطهير ولا لطيب رائحتها ولا يحكـم بنجاستها .

وتقدير النسبة التي إذا بلغتها يكون كثيرها مسكرا يتوقف

(الجزء رقم : 57، الصفحة رقم: 76)

على تحليلها ، ويرجع إلى رأي أهل الخبرة في ذلك .

هذا ما تيسر ذكره ، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

نشر بمجلة البحوث الاسلامية العدد السابع و الخمسين 

 

LTB - JuzsportsShops | Latest Releases , Ietp - Women's Nike Air Jordan 1 trainers - nike lunarglide 2 boys

الأقسام الرئيسية: