من شرح لمعة الاعتقاد

 

وَمِنْ اَلسُّنَّةِ تَوَلِّي أَصْحَابِ رَسُولِ اَللَّهِ (صلى الله عليه وسلم )  وَمَحَبَّتُهُمْ, وَذِكْرُ مَحَاسِنَهُمْ, وَالتَّرَحُّمُ عَلَيْهِمْ, وَاعْتِقَادُ فَضْلِهُمْ, وَمَعْرِفَةُ سَابِقَتِهِمْ قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى : (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:10) (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )(الفتح: من الآية29 وَقَالَ اَلنَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم )  (( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي, فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا, مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ, وَلَا نَصِيفَهُ )) [1] وَمِنْ اَلسُّنَّةِ اَلتَّرَضِّي عَنْ أَزْوَاجِ اَلرَّسُولِ (صلى الله عليه وسلم )  أُمَّهَاتِ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْمُطَهَّرَاتِ اَلْمُبَرَّآتِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ, أُفَضِّلُهُنَّ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ, وَعَائِشَةُ اَلصِّدِّيقَةُ بِنْتُ اَلصِّدِّيقِ اَلَّتِي بَرَّأَهَا اَللَّهُ فِي كِتَابِهِ, زَوْجُ اَلنَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم )  فِي اَلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, فَمَنْ قَذَفَهَا بِمَا بَرَّأَهَا اَللَّهُ مِنْهُ فَقَدْ كَفَرَ بِاَللَّهِ اَلْعَظِيمِ, وَمُعَاوِيَةُ خَالُ اَلْمُؤْمِنِينَ, وَكَاتِبُ وَحْي اَللَّهِ, أَحَدُ خُلَفَاءِ اَلْمُسْلِمِينَ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمْ- 

حقوق الصحابة رضي الله عنهم

 للصحابة رضي الله عنهم فضل عظيم على هذه الأمة حيث قاموا بنصرة الله، ورسوله، والجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وحفظ دين الله بحفظ كتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، علماً، وعملاً، وتعليماً حتى بلغوه الأمة نقياً طرياً.

وقد أثنى الله عليهم في كتابه أعظم ثناء حيث يقول في سورة الفتح: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)(الفتح 29). إلى آخر السورة.

وحمى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى كرامتهم حيث يقول صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي، فالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". متفق عليه(1). فحقوقهم على الأمة من أعظم الحقوق، فلهم على الأمة:

1- محبتهم بالقلب، والثناء عليهم باللسان بما أسدوه من المعروف والإحسان.

2- الترحم عليهم، والاستغفار لهم تحقيقاً لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(الحشر 10).

3- الكف عن مساوئهم التي إن صدرت عن أحد منهم فهي قليلة بالنسبة لما لهم من المحاسن والفضائل، وربما تكون صادرة عن اجتهاد مغفور وعمل معذور لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي". الحديث.

حكم سب الصحابة

 سب الصحابة على ثلاثة أقسام:

الأول: أن يسبهم بما يقتضي كفر أكثرهم، أو أن عامتهم فسقوا، فهذا كفر؛ لأنه تكذيب لله ورسوله بالثناء عليهم والترضي عنهم، بل من شك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين؛ لأن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب أو السنة كفار، أو فساق.

الثاني: أن يسبهم باللعن والتقبيح، ففي كفره قولان لأهل العلم، وعلى القول بأنه لا يكفر يجب أن يجلد ويحبس حتى يموت أو يرجع عما قال.

الثالث: أن يسبهم بما لا يقدح في دينهم كالجبن والبخل فلا يكفر، ولكن يعزر بما يردعه عن ذلك، ذكر معنى ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه في كتاب "الصارم المسلول"، ونقل عن أحمد (ص573) قوله: "لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب أو نقص، فمن فعل ذلك أدب، فإن تاب وإلا جلد في الحبس حتى يموت أو يرجع".

 حقوق زوجات النبي صلى الله عليه وسلم

 زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، زوجاته في الدنيا والآخرة، وأمهات المؤمنين، ولهن من الحرمة والتعظيم ما يليق بهن كزوجات لخاتم النبيين فهن من آل بيته طاهرات، مطهرات، طيبات، مطيبات، بريئات، مبرآت من كل سوء يقدح في أعراضهن وفرشهن، فالطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات، فرضي الله عنهن وأرضاهن أجمعين، وصلى الله وسلم على نبيه الصادق الأمين.

 زوجاته صلى الله عليه وسلم اللاتي كان فراقهن بالوفاة وهن:

1- خديجة بنت خويلد أم أولاده – ما عدا إبراهيم – تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زوجين: الأول عتيق بن عابد. والثاني أبو هالة التميمي ولم يتزوج صلى الله عليه وسلم عليها حتى ماتت سنة 10هـ من البعثة قبل المعراج.

2- عائشة بنت أبي بكر الصديق، أريها صلى الله عليه وسلم في المنام مرتين أو ثلاثاً. وقيل: هذه امرأتك(2)، فعقد عليها ولها ست سنين بمكة ودخل عليها في المدينة ولها تسع سنين، توفيت سنة 58هـ.

3- سودة بنت زمعة العامرية، تزوجها بعد زوج مسلم هو السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو، توفيت آخر خلافة عمر وقيل سنة 54هـ.

4- حفصة بنت عمر بن الخطاب، تزوجها صلى الله عليه وسلم بعد زوج مسلم هو خنيس بن حذافة الذي قتل في أحد، وماتت سنة 41هـ.

5- زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين، تزوجها بعد استشهاد زوجها عبد الله بن جحش في أحد، وماتت سنة 4هـ بعد زواجها بيسير.

6- أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية، تزوجها بعد موت زوجها أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد من جراحة أصابته في أحد، وماتت سنة 61هـ .

7- زينب بنت جحش الأسدية بنت عمته صلى الله عليه وسلم، تزوجها بعد مولاه زيد بن حارثة سنة 5هـ، وماتت سنة 20هـ.

8- جويرية بنت الحارث الخزاعية، تزوجها بعد زوجها مسافع بن صفوان وقيل: مالك بن صفوان سنة 6هـ، وماتت سنة 56هـ.

9- أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، تزوجها بعد زوج أسلم ثم تنصر هو عبيد الله بن جحش، وماتت في المدينة في خلافة أخيها سنة 44هـ.

10- صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير من ذرية هارون بن عمران صلى الله عليه وسلم، أعتقها وجعل عتقها صداقها بعد زوجين أولهما سلام بن مشكم. والثاني كنانة بن أبي الحقيق بعد فتح خيبر سنة 6هـ، وماتت سنة 50هـ.

11- ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها سنة 7هـ في عمرة القضاء بعد زوجين: الأول ابن عب ياليل والثاني أبورهم بن عبد العزي، بنى بها في سرف، وماتت فيه سنة 51هـ.

فهذه زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، اللاتي كان فراقهن بالوفاة، اثنتان توفيتا قبله وهما: خديجة، وزينب بنت خزيمة، وتسع توفي عنهن وهن البواقي.

وبقي اثنتان لم يدخل بهما، ولا يثبت لهما من الأحكام والفضيلة ما يثبت للسابقات وهما:

1- أسماء بنت النعمان الكندية تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ثم فارقها، واختلف في سبب الفراق، فقال ابن إسحاق: إنه وجد في كشحها بياضاً ففارقها فتموجها بعده المهاجر بن أبي أمية.

2- أميمة بنت النعمان بن شراحيل الجونية وهي التي قالت: "أعوذ بالله منك" ففارقها والله أعلم.

وأفضل زوجات النبي صلى الله عليه وسلم خديجة، وعائشة رضي الله عنهما، ولكل منهما مزية على الأخرى، فلخديجة في أول الإسلام ما ليس لعائشة من السبق والمؤازرة، والنصرة، ولعائشة في آخر الأمر ما ليس لخديجة من نشر العلم، ونفع الأمة، وقد برأها الله مما رماها به أهل النفاق من الإفك في سورة النور.

قذف أمهات المؤمنين

قذف عائشة بما برأها الله منه كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن، وفي قذف غيرها من أمهات المؤمنين قولان لأهل العلم: أصحهما أنه كفر؛ لأنه قدح في النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الخبيثات للخبيثين.

معاوية بن أبي سفيان

هو أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب، ولد قبل البعثة بخمسين سنة، وأسلم عام الفتح وقيل: أسلم بعد الحديبية وكتم إسلامه، ولاه عمر الشام واستمر عليه، وتسمى بالخلافة بعد الحكمين عام 37هـ، واجتمع الناس عليه بعد تنازل الحسن بن علي سنة 41هـ، كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، ومن جملة كتاب الوحي، توفي في رجب سنة 60هـ عن 78 سنة. وإنما ذكره المؤلف وأثنى عليه للرد على الروافض الذين يسبونه ويقدحون فيه، وسماه خال المؤمنين لأنه أخو أم حبيبة إحدى أمهات المؤمنين، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيميه في منهاج السنة ص199 ج2 نزاعاً بين العلماء: هل يقال لإخوة أمهات المؤمنين أخوال المؤمنين أم لا؟

  (1)  رواه البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (3673)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة (2540، 2541).

 (2)  "صحيح البخاري"، كتاب مناقب الأنصار (3895)، و "مسلم"، كتاب فضائل الصحابة (2438).