تعالوا إلى كلمة سواء

 



لست ـ بفضل الله ـ ممن تهديه العاطفة إلى تقديم المهم على الأهم، والظن على اليقين، والفكر الموصوف ـ زوراً ـ بالإسلامي على الفقه في الدين من أهله، كما يفعل أكثر دعاة الحزبية والحركية والتصوف ومن انخدع بزخرف قولهم وعملهم. ولقد تفضل الله عليَّ بالتركيز على ما يهمله هؤلاء جميعًا: ما أرسل الله به كل رسله وأنزل به كل كتبه (من إفراد الله بالعبادة ونفيها عما سواه، والتزام السنة والدعوة إليها واجتناب المبتدعات في الدين والتحذير منها، والثبات على منهاج النبوة والنهي عن مناهج غيره من البشر).

أ‌-                   وقد وجدت أن المسلمين المنتمين إلى أهل السنة أولى من غيرهم بالدعوة إلى الدين الحق:

1)        لأنهم رأس المال (في لفظ الشيخ د. بكر أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء رحمه الله في كتابه الفريد: حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية)، وغيرهم من الفرق والطوائف والأديان الضالة يدعون من باب الربح، ورأس المال مقدم على الربح، إذا بقي رأس المال فلعل الله أن يُرْبِح. ومن الحمق والضلال الاهتمام بتنمية الربح وإهمال رأس المال.

2)        لم ترقني ولم تخدعني ادعاءات كثير من الدعاة على غير منهاج النبوة: إسلام (ثلاثة آلاف) أو أقل أو أكثر على أيديهم، بل ادعت أقرب الجمعيات إلى السنة في الرياض أنه أسلم بسبب نشاطها خمسمائة ألف أفريقي؛ فبالإضافة إلى ما يظهر من هذه الادعاءات من تزكية للنفس والله تعالى يقول: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم : 32]، وتهمة استعمالها لاجتذاب التبرعات؛ فإن الهداية بيد الله وحده لا يجوز لعبد أن يدعيها لنفسه أو لغيره، والكثرة ليست دليلاً مطلقاً على الخير، وقد لبث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا {وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود: 40]، "ويأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد" رغم صلاح نيته ونهجه وخلقه وعمله وقال الله تعالى : {إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 24]، {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]. وقد يؤيِّد الله الدين بالرجل الفاجر كما حدث في أمريكا فدخل نحو مئتي ألف أمريكي تحت اسم الإسلام بدعوة رجل يدعي أو يدعى له النبوة ويرمى بالعظائم ومنها ترك الصلاة.

3)        أكثر المسلمين المنتمين إلى أهل السنة يقترفون أسوأ ما يقترفه أهل الضلال: عبادة ودعاء وتعظيم وتقديس من سميت بأسمائهم الأضرحة والمقامات والمزارات والمشاهد في جل بلاد المسلمين عرباً وعجماً وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو أنهم دخلوا جحر ضب لدخلتموه" متفق عليه.

4)        جرّت محاولات دعاة الفكر دعوة النصارى كثيرًا من السوء على الإسلام والمسلمين، ومن أبرزهم أحمد ديدات الذي أقام دعوته على مهاجمة النصرانية والإنجيل أكثر مما أقامها على بيان أحكام الإسلام والقرآن، وخالف شرع الله في دعوته فجادلهم بالأسوأ والله تعالى يقول: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46]، وجادلهم بسبِّ الإنجيل والله تعالى يقول: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] وتحقق ما حذر الله منه (مقدمة ونتيجة) فسبوا القرآن وافتتن بذلك النصارى والمسلمون. وهب جهلة المسلمين للدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم فرية الكاريكتير الدنمركي بمثل دفاع الدب عن صاحبه برضخ رأسه (ردًّا على هجوم الذباب) فنشروا الفرية في كل مكان وبكل لغة وكانت مغمورة في بقعة واحدة وبلغة واحدة لا يعرفها إلا أهلها، وقاطعوا جميع الدنمركيين بخطأ أحدهم خلافاً للعدل والشرع والعقل، وكانت النتيجة زيادة المفترين والحاقدين.

ب‌-              ولكنِّي ساهمت في دعوة النصارى مرة عندما يسر الله لي ذلك وفق وحي الله وسنة رسوله:

1)        أحضر لي زميلي في الدعوة إلى الله على منهاج النبوة أكثر من ربع قرن الشيخ (يونس بن مفلح الدبوبي) نسخة من الإنجيل ومعها بعض المعلومات يعرضها (مركز المحبة لدراسة الكتاب المقدس) في عمَّان الأردن؛ فكتبت إلى القائمين على المركز بضع مرات (1418 ـ 1420):

2)        إلى: (مركز المحبة لدراسة الكتاب المقدس) وفقهم الله وهداهم لدينه الحق؛ مما أوحى به الله لرسله من أن الإيمان أن يحب العبدُ للناس ما يحب لنفسه، واستجابة لأمر الله ثم استجابة لطلبكم الكتابة إليكم بما يَعِنُّ لقارئ نشراتكم، إليكم بعض التساؤلات النابعة من إيماني بالله وحده لا شريك له وبجميع كتبه ورسله، ومن كتبه: التوراة والإنجيل والقرآن، ومن رسله: موسى وعيسى ومحمد صلى الله وسلم وبارك عليهم أجمعين.

جـ وهذه هي الأسئلة التقريرية جمعتها من بضع رسائل بعثتها للمركز:

1) ألا يقر اليهود والنصارى (نظرياً) بأن الله هو الواحد الأحد؟ بلى؛ فكبف يصح (المبدأ الثاني) في الملحق المضاف إلى هذه الطبعة للإنجيل الذي يؤكد أن الإنسان خلق ليكون له شركة مع الله؟

2) ألا يؤمن النصارى بكتب الله ورسله قبل المسيح؟ بلى؛ فكيف يصح (المبدأ الثالث) الذي يؤكد أن المسيح عليه السلام هو علاج الله الوحيد لخطيئة الإنسان؟ أليس كل رسول أرسله الله يحمل العلاج لخطيئة الإنسان، وأعظم خطايا الإنسان: إشراك أحد من الخلق مع الله، والعلاج الوحيد الذي أرسل الله به كل رسله: الهداية إلى صراط الله المستقيم؟ هل من الشرع أو العقل ترك أكثر المنتمين لليهودية والنصرانية والإسلام يتحولون إلى وثنية المقامات والمزارات والقبور بحجة تحمل الرسول أو القديس أو الولي خطيئة أتباعه لتقربهم به أو شفاعته لهم؟

3) أليس للنصارى المؤمنين بالله وكتبه ورسله فضل على اليهود الذين لا يؤمنون ولا ينتمون إلى نبي بعد موسى عليه السلام؟ أليس للمسلمين المؤمنين بالله وكتبه ورسله فضل على النصارى الذين لا يؤمنون بنبي ولا كتاب بعد عيسى وما آتاه الله من الإنجيل؟

4) أليست الوصية الأولى (بين الوصايا العشر التي وجدتها بين ما وصلني من منشوراتكم) تنص على ألا يعبد إله غير الله؟ فكيف يتفق مع هذه الوصية الشرعية (التي أرسل الله كل رسله لتقريرها) مع اتخاذ (الابن) و(روح القدس) مع (الأب) تعالى الله عن ذلك.

5) أليست الوصية الثانية (في منشوراتكم) تنص على ألا يصنع تمثال مما في السماء والأرض والبحر فيسجد له؟ فكيف يتفق مع هذه الوصية الشرعية (التي أرسل الله كل رسله للتحذير منها والقضاء عليها) مع صنع تمثال لعيسى أو لأمه مريم عليهما الصلاة والسلام في الكنائس (والبيوت أحياناً)؟ وكيف يتفق مع هذه الوصية الشرعية رسم صور (القديسين) بالزجاج الملون على نوافذ وأبواب الكنائس وسقوف الكاثدرائيات؟ وكيف يتفق مع هذه الوصية الشرعية مثل تمثال (القديس بطرس) في ساحة الفاتيكان (الذي ذهب جزء من قدمه من كثرة من يقبلها)؟ لقد ضل بسبب ذلك كثير من المنتمين للإسلام تصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو أنهم دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن"؟ متفق عليه، بل اتبعوا اليهود والنصارى في التعبد بما لم يشرعه الله غير ذلك ومنه: إيقاد الشموع أو المصابيح على هذه الأوثان، والتسبيح بمسبحة الخرز وأول من ابتدعها الهندوس، وهز الجسم أو الرأس عند الذكر اتباعًا لليهود وقبلهم الهندوس، ولا أشنع من وثنية اتخاذ المخلوقين أو صورهم أو أنصابهم آلهة تُدعى وتعظَّم وتعبد.

6) ألا ترون أن كلمة (ابن الله) صفة لعيسى عليه السلام فيما بين يديكم من ترجمة للإنجيل (والترجمة عرضة للخطأ مهما صح المترجم)، ألا ترون أنها تعني ما تعنيه كلمة (أبناء الله) في الترجمة العربية للإنجيل بين أيديكم: (فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أبناء الله) بمعنى أنهم عالة على الله كما ورد في أكثر من حديث منسوب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم لو صحَّ منها شيء: «الخلق عيال الله.»، وكل ما خلق الله فهو مفتقر إليه، قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188]، و قال الله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].

د ـ جاءني ردُّ المركز بعد شهر بأنه يمكن أخذ جواب كل هذه الأسئلة من الكتب والنشرات التي يصدرها المركز، فكتبت إلى من جاءني الرد باسمه (جمال يعقوب):

1) لم أستطع أخذ جواب أي سؤال واحد من الكتب والنشرات التي قدمها المركز وإلا لما سألت، والسبب أن فهمي يختلف عن فهم المركز لرسالة المسيح التي لا تختلف عن رسالة محمد ولا من سبقهما من الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59}، {اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، {لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19].

2) والله وحده الخالق المستحق للعبادة، وغيره المخلوق المفتقر إلى فضله ورحمته، وخلق الله آدم من تراب (لا أم ولا أب)، وخلق ذريته من الأب و الأم إلا عيسى عليه السلام من أم بلا أب، خلقهم جميعاً لعبادته وحده: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وخلق الله الجن وخلق الملائكة وخلق الحيوان والنبات والجماد، وخلق الله السموات والأرض وما فيهن مسخرات بأمره، ثم يفني ما يشاء بأمره حين يشاء.

3) وأكرم الله عيسى عليه السلام فلم يأذن بقتله ولا صلبه، بل رفعه الله إليه، وسيكرمه قبل يوم القيامة بإنزاله إلى الأرض، فيجدد دين الله الحق (الذي أرسل به جميع رسله وأنزل به كل كتبه) بإعادته إلى ما كان عليه قبل ابتداع أكثر المنتمين إلى دين الله ما لم يشرعه الله.

ومن أهم أسباب تحريف دين الله وتغييره وتبديله: الغلو في محبة الصالحين إلى درجة تجعلهم أبناء الله أو أنداداً له؛ عبد قوم نوح أنصاب صالحيهم، وعبد الهندوس (براهما، وفشنو، وشيفا) وعبد البوذيون بوذا. {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} [التوبة: 30] ورفع بعض المنتمين إلى الإسلام من الشيعة أئمتهم إلى درجة لا يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل رفع بعضهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى درجة الألوهية ودعا أكثرهم الحسين وعلي بن الحسين رضي الله عنهما من دون الله، ورفع بعض المنتمين إلى الإسلام والسنة من الصوفية مشايخهم إلى درجات تتجاوز حدود الشرع والعقل، وجعلوا للنبي صلى الله عليه وسلم تسعة وتسعين اسمًا مضاهاة لله، وأضافوا إليه كثيرًا مما اختص الله به نفسه، بل لمشايخهم كذلك. والإخلاص لله وحده في العبادة والالتزام باتباع سنة رسوله أعظم دلائل المحبة.

هـ ـ وبعد عام ونصف وصلتني من المركز تهنئة بعيد الأضحى فكتبت لهم:

1)        بعد شكري للمركز على تهنئته بيَّنتُ لهم أنِّي لم أعتد على تبادل التهاني (ولا التعازي) كتابة ولا زيارة في البيوت، ولا الاحتفاء بأي عيد غير ما شرعه الله: (عيد الفطر وعيد الأضحى) دون تكلف ما لم يكن عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم. أما ما ابتدعه الناس من أعياد أو احتفالات باسم الميلاد أو رأس السنة أو ذكرى الإسراء والمعراج والهجرة فأتقرب إلى الله بترك التعبد له به.

2)        اليقين: في الوحي وحده، ويلحق به الفقه فيه من أهله، والهوى والظن: في الفكر البشري، وما اختلف الناس من قبل ولا من بعد إلا من بعد ما جاءهم العلم اليقيني من مصدره الواحد الأحد خالق الخلق وإلههم، فخلطوه بالفكر ومصادره كثيرة لا يحصيها إلا الله، وتفرق الناس فرقاً عديدة بتعدد المصادر غير المعصومة من الخطأ.

3)        والنفس الأمارة بالسوء (أقرب شئ لصاحبها) والشيطان (الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم) هما أشد الدعاة إلى الباطل تأثيراً لملازمتها ابن آدم من المهد إلى اللحد، وقد أوقعا البشرية منذ قوم نوح عليه السلام في أكبر الخطايا والموبقات: خطيئة التعلق بالميت وتعظيمه واللجوء إليه في الشدائد بدلاً من الحي الذي لا يموت مدبر كل أمر وهو على كل شيء قدير، بحجة التقرب إلى الله به وطلب الشفاعة منه، وهو أقرب إلى عبده من حبل وريده، وبيده أمر الشفاعة وحده لا يملكها مخلوق إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.

وقد يغفر الله لمن يشاء كل خطيئة (دون أن يحملها عيسى عليه السلام أو غيره) ولكنه لا يغفر أن يشرك به، ولا يحمّل خطيئته عنه غيره: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286].

وبعد بيان ما تيسر في هذا الأمر لم يبق إلا إن أدعو الله تعالى لنفسي ولأهل هذا المكتب وللجميع بالهداية للحق المبين صراط الله المستقيم والثبات عليه وأن يجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين وعلى جميع أنبيائه ورسله وأوليائه. (1430 هـ)

مقال للشيخ الفاضل سعد بن عبد الرحمن الحصين - من موقعه على الشبكة

 

الأقسام الرئيسية: