مواعظ عامة فى مهمات الدين

رسالة في مواعظ عامة في مهمات الدين
-
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخليله الصادق الأمين، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
من إبراهيم، وعبد الله، وعلي أبناء الشيخ محمد إلى من يراه من المسلمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد): الموجِب لهذا التذكير النصيحة والشفقة عليكم، وعلينا من عقوبة الله، وأنتم تعرفون ما مَنّ الله به علينا، وعليكم من دين الإسلام، وهو أعظم نعمة أنعم الله بها على جميع المسلمين.
وأكثر الناس اليوم على الشرك، وعبادة غير الله.وأعطاكم الله في ضمن الإسلام من النعم، والنصر على الأعداء ما تعرفون.ولا يجيء أهل الإسلام شيء إلا بسبب ذنوبهم؛ فإذا عرفوا الذنب، وتابوا منه نصرهم الله، وأعزهم، وكسر عدوهم، وجعل العاقبة لهم في الدنيا والآخرة، قال الله –تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرّعد من الآية: 11].
وقال -تعالى- لخيار الخلق: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} الآية [آل عمران من الآية165].
وهذه الأمور يجريها الله -سبحانه- ابتلاء، وامتحانا ليميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من المنافق؛ فيجازي المؤمن بالنصر والظفر على عدوه، ويجازي المنافق والمرتاب بالعذاب، والنكال، والخزي في الدنيا والآخرة.وأنتم ترون أن أغلب البلدان

ص -28- ما صفت، وركد الإسلام فيها إلا بعد الردة، وتمييز الخبيث من الطيب.
والواجب علينا وعليكم الإقبال على الله، والتوبة والاستغفار؛ وكل يعرف ذنبه، ويتوب إلى الله منه، ولا يحط المقالة في غيره؛ قال الله -تعالى-: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النّور من الآية: 31].
وقال- تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [التّحريم من الآية: 8].
والتوبة لها شروط
(منها): الإقلاع عن الذنب، والندم، والعزيمة أن لا يعود.ونحن نخشى علينا وعليكم مما وقع من التغير والذنوب.
(ومنها): ترك المحافظة على الصلوات الخمس، وهي عمود الإسلام مَنْ حفظها، وحافظ عليها- حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.
(ومنها): الغفلة عن التفقه في دين الإسلام، حتى إن من الناس مَنْ ينشأ وهو ما يعرف دين الإسلام، ومنهم من يدخل فيه وهو ما يعرفه، ولا يتعلمه ظنا منه أن الإسلام هو العهد.ومعرفة الإسلام، والعمل به واجب على كل أحد، ولا ينفع فيه التقليد.
(ومنها): أن من الناس من يمنع الزكاة، والذي ما يقدر على المنع يبخسها.والزكاة ركن من أركان الإسلام، واجب أداؤها إلى الإمام، أو نائبه على الأمر المشروع.
(ومنها): إنكار المنكر ممن يراه، ويسكت عن إنكاره خوفا، أو هيبة من أحد من الناس؛ والمنكر إذا خفي لم يضر إلا صاحبه، وإذا فشا فلم ُينْكَرْ ضَرّ العامة؛ قال الله -تعالى-: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة الآيتان: 78-79].
(ومنها): ظهور عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم من كثير من الناس؛ وذلك من أكبر الكبائر، كما في الحديث: "ألا أخبركم بأكبر الكبائر: الإشراك


ص -29- بالله، وعقوق الوالدين"1، وفي الحديث الآخر"لا يدخل الجنة قاطع رحم"2.
(ومنها): ما يجري من بعض الأمراء والعامة من الغلول: منهم من يتحيل على الغلول بالشراء ولا ينقد الثمن، وذلك حرام، قال الله -تعالى-: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران من الآية: 161].وفي الحديث: "إن الغلول عار، ونار، وشنار"3.
(ومنها): ظلم بعض الأمراء يأخذ من أموال الناس بصورة الجهاد، ولا يصرفه في الجهاد؛ بل يأكله.وبعض الأمراء يأخذ جميع الزكاة، ولا يعطي المساكين منها، والإمام يأمره بإعطاء كل ذي حق حقه؛ ويعصي ويعمل على رأيه.
والزكاة تَوَلَّى الله قسمتها في كتابه، وجَزَّأَهَا ثمانية أجزاء، وأخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم- أنه لا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب.ومن الأمراء والنظراء من يصرف الجهاد عن الأغنياء، ويجعله على الفقراء الذين لم يجعل الله عليهم شيئا.
و الجهاد بالمال مقدم على الجهاد بالنفس، فمن كان له مال، وهو يقدر على الجهاد بنفسه، وجب عليه الجميع؛ فإن كان ما يقدر بنفسه، وجب عليه بالمال؛ فإن كان ما يقدر بالمال ولا بالنفس، فالحرج مرفوع عنه، قال الله -تعالى-: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التّوبة: 91].والإمام ينهى الأمراء عن تحميل الناس ما لا يستطيعون، ويعصونه في ذلك، وتحميل الفقير ما لم يحمله الله ذنب، ومعصية الإمام إذا نهى عن ذلك ذنب آخر.
(ومنها): اختلاط الجيد بالرديء، وراعي الدين بالمنافق، ولا يميز هذا من هذا؛ ووقع بسببه ظهور الكلام الباطل الذي لو يظهر من أحد في أول الإسلام أُدّبَ أدبا بليغا، وعرف أن قائله منافق؛ وفي وقتنا هذا يظهر ولا ينكر إلا ما شاء الله.
(ومنها): الظلم، و الوقوع فيما حرم الله من الدماء، والأموال،
---------------------------------
1 البخاري: الاستئذان (6273) , ومسلم: الإيمان (87) , والترمذي: البر والصلة (1901) والشهادات (2301) وتفسير القرآن (3019) , وأحمد (5/36 ,5/38).
2 البخاري: الأدب (5984) , ومسلم: البر والصلة والآداب (2556) , والترمذي: البر والصلة (1909) , وأبو داود: الزكاة (1696) , وأحمد (4/80 ,4/83 ,4/84).
3 مالك: الجهاد (994).

ص -30- والأعراض، والغيبة والنميمة، وقول الزور، وبهت المسلم بما ليس فيه؛ وصار هذا ما يُسْتَنْكَرُ، فإذا بان كذبه، وتزويره، ما طاح من العيون؛ والله –سبحانه- حرم هذا في كتابه، وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فيما ثبت عنه: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"1، وقال -تعالى-: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} [الأحزاب: 58].
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12].
(ومنها): الجَسْرَةُ على ذمة المسلم، فإذا صح إعطاء أحد من المسلمين- أمير أو غيره- أحدا من الكفار ذمته، ما جاز لأحد من المسلمين أن يخفره لا في ذمته، ولا ماله، كما في الحديث: "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم.فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين؛ لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا"2.
ومن العجب أن بعض الجهال يفعل هذا ديانة، ويظن أن معاداة الكفار، واستحلال المحرم أعظم من ارتكابه مع معرفته بتحريمه.
(ومنها): أن بعض الناس يغضب إذا أُنكر على رجاله أو طارقته إذا فعل المنكر، وأُنكر عليه؛ وهذا أمر ما يحل،
بل الواجب عليه أن يغضب لله أعظم مما يغضب لنفسه، والله أحق أن يُغْضَبَ له.
(ومنها): فعل الربا، والتحيّل عليه بالبيع، والتصحيح الباطل؛ مثل: رد الدّيْنِ على المعسر، وجعل الدّيْن رأس مال في السلم.
(ومنها): كونه يبيعه ويسلفه.
(ومنها): كونه يبيعه تمرا، أو عيشا إلى أجل؛ فإذا حل الأجل أخذ منه بتلك الدراهم تمرا، أو عيشا؛وهذا حرام عند أكثر العلماء، لا سيما إذا قصد ذلك في ابتداء العقد، وعرف
---------------------------------
1 البخاري: الحج (1741) , ومسلم: القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1679) , وأحمد (5/37 ,5/39 ,5/49) , والدارمي: المناسك (1916).
2 البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة (7300) , ومسلم: الحج (1370) , والترمذي: الولاء والهبة (2127) , والنسائي: القسامة (4745) , وأبو داود: المناسك (2034) والديات (4530) , وأحمد (1/81 ,1/119 ,1/122 ,1/126 ,1/151).

ص -31- أنه لا يستوفي منه إلا تمرا، أو عيشا.
(ومنها): أنه يبيعه سلعة بنسيئة، ثم يشتريها منه بأقل مما باعها به نقدا.
(ومنها): أن يشتري طعاما، ثم يبيعه قبل قبضه؛ وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وغيره.
وقد توعد الله من تثاقل عن الجهاد، ورضي بالإخلاد في الأرض بالوعيد الشديد، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلاّ تَنْفِرُوا} الآية [التّوبة من الآيتين: 38-39].
وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} الآية [الأنفال من الآية24]، قال العلماء في تفسير الآية: {لِمَا يُحْيِيكُمْ}: ِلمَا يصلحكم.
وهذا هو الحرب الذي أعزكم الله به بعد الذلة، وقواكم به على عدوكم بعد القهر منهم لكم، وقد فرضه الله على الناس كما فرض الصلاة والزكاة، قال الله -تعالى-: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].
فإذا قام المسلمون بما أمرهم الله به من جهاد عدوهم بحسب استطاعتهم، فليتوكلوا على الله، ولا ينظروا إلى قوتهم وأسبابهم، ولا يركنوا إليها؛ فإن ذلك من الشرك الخفي، ومن أسباب إدالة العدو على المسلمين، ووهنهم من لقاء العدو، لأن الله- تبارك وتعالى- أمر بفعل السبب، وأن لا يُتَوَكّلَ إلا على الله وحده، قال- تعالى-: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة من الآية: 23].
وقال –تعالى-: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ} الآية [آل عمران، من الآية: 160]، وقال- تعالى- لمحمد صلى الله عليه وسلم: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى} الآية [الأنفال من الآيتين: 9-10].
فإذا فعل المسلمون ما أمرهم الله به، وتوكلوا على الله، وحققوا توكله نصرهم الله، وأمدهم بالملائكة، كما هي عادته مع عباده المؤمنين في كل زمان ومكان، قال الله -تعالى-: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ


ص -32- جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصّافات الآيات: 171-173]،
وقال تعالى: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الفتح الآيتان: 22-23].
ونسأل الله لنا ولكم العافية، والهدى، والثبات في الدنيا والآخرة، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"1.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. 

-المصدر : مجموع الرسائل و المسائل النجدية الجزء الأول

الأقسام الرئيسية: