قصة يوسف عليه الصلاة والسلام

 

إن هذه القصة فيها كثير من العجائب والعبر والعظات والأحكام والأخلاق وألوان الابتلاء والامتحان والفضل والإحسان . والذي أقصد إليه من مباحثها أمرين لمزيد اتصالهما بما أنا بصدد الكلام عنه ،
 الأول : كيف كانت هذه القصة معجزة لرسول الله محمد صلي الله عليه وسلم.
 الثاني : كيف كانت هذه القصة دليلا على أن الله يعد رسله في حياتهم الأولى قبل الرسالة لتحمل أعبائها حين إرسالهم إلى أممهم .
 

أما الأول : فإنه تعالى ذكر قصة يوسف عليه الصلاة والسلام في القرآن مفصلة لتكون آية بل آيات على نبوة رسوله محمد rصلي الله عليه وسلموبيان ذلك أنه كان أميا لم يقرأ شيئا من كتب الأولين ولا درس شيئا من تاريخهم ولا خط من ذلك شيئا بيمينه حتى يرتاب في أمره ويتهم بأنه تكلم بما قرأ أو درس قال تعالى  (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) .
بل كان من الغافلين عن قصة يوسف وأمثالها لم تخطر له ببال ولم تقرع له سمعا قبل أن يوحي الله بها إليه ويذكرها له في محكم كتابه قال تعالى في مطلع سورة يوسف : ( تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) .
وقال بعد ذكر يوسف لرؤياه وعرضها على أبيه ووصية أبيه له :( لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ) .
 

ولم تكن قصة يوسف بالأمر الذي اشتهر في العرب وتناولوه بالحديث فيما بينهم بل كانت غيبا بالنسبة إليهم ولا كان محمد مع يوسف وأخوته ولا شهد مكرهم به ولا كيدهم له فيتهم بأنه تكلم بأمر شهده أو انتشر بين قومه قال تعالى لنبيه محمد في ختام قصة يوسف عليهما الصلاة والسلام :( ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ).            
ولا يسع أحد أن يقول إنه عرف تفاصيل القصة من اليهود . فإن السورة مكية واليهود كانوا يعيشون بالشام والمدينة وما حولها . ولم يعرف عنه أنه اتصل بهم قبل الهجرة ولا دارسهم شيئا من العلوم . ولو كان تم شيء من ذلك لانكشف أمره لطول العهد وكثرة الخصوم وحرج قومه من دعوته وسعيهم جهدهم في الكيد له والصد عنه وحرصهم على تشويه سمعته والقضاء عليه وعلى دعوته حتى رموه بالسحر والكهانة والجنون واتهموه زورا بالكذب وهو في قرارة أنفسهم الصادق الأمين . وتبادلوا الرأي فيما يوقعونه به من حبسه أو طرده من بيتهم وتشريده وانتهى أمرهم بالاتفاق على قتله فأنجاه الله من كيدهم وكتب له الهجرة إلى المدينة حيث عز الإسلام وقامت دولته . قال تعالى :(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) .
فقوم هذا شأنهم معه لا يخفي عليهم أمره وهو يعيش بين أظهرهم وهم له بالمرصاد . فلو وجدوا سبيلا إلى الطعن عليه باتصاله باليهود والأخذ عنهم لسارعوا إلى فضيحتة والتشنيع عليه بذلك ولم يضطروا إلى الإفتراء عليه ولا إلى التفكير في قتله أو تشريده ولا إلى نشوب الحرب بينه وبينهم سنين طويلة ولم يلجئوا إلى اتهامه تهمة تحمل ردها في طيها فقد اتهموه برجل أعجمي بمكة وادعوا أنه يعلمه فسفه الله أحلامهم وألقمهم الحجر قال تعالى :( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) .


وليست قصة يوسف خبرا مقتضبا عبر عنه بالجملة أو الجملتين فيقال : إن صدقة في الحديث عنها وليد الصدفة والاتفاق . بل هي قصة كثيرة العجائب متشعبة الموضوعات . وقعت بين أطراف مختلفة في أزمان متباعدة . فمن رؤيا صادقة إلى مؤامرة ثم نجاة يتبعها بيع ثم إيواء . إلى مراودة يتبعها هم ثم عصمة من الفحشاء . إلى سجن فيه دعوة إلى التوحيد مع رفق وحسن سياسة وتأويل للرؤيا أصدق تأويل ، يتبع ذلك خروجه عليه السلام من السجن بريئا من التهمة وتوليه شؤون الدولة واجتماع إخوته به مع معرفته لهم وإنكارهم إياه وما أكثر ما دار بينه وبينهم من الأحاديث وما جرى من الأحداث . إلى أن انتهى ذلك بتعريفه لهم بنفسه وعفوه عنهم وحضور أبويه إليه على خير حال إلى غير ذلك من التفاصيل التي يعرفها البصير بكتاب الله . وقد سيقت القصة مفصلة في جميع نواحيها مستوفاة في جميع فصولها في أدق عبارة وأحكم أسلوب .
أفيعقل بعد ذلك أن يقال : إن صدقه صلي الله عليه وسلم فيما سرده من قضايا ووقائعها وعجائبها على هذا النهج الواضح والطريق السوي وليد الصدفة والاتفاق !!.
 

ختم سبحانه سورة يوسف بمثل ما بدأها به من الإرشاد إجمالا إلى القصد الذي من أجله سيقت القصة وهو أن تكون آية على نبوة محمدصلي الله عليه وسلموصدقه فيما جاء به من التشريع وأ، قصة يوسف ونحوها مما نزل به الوحي مستقى من المشكاة التي أخذ منها الأنبياء فليس حديثا مفتري ولكنه تصديق لما بين يديه من كتب المرسلين وتفصيل لما يحتاج إليه المكلفون من التشريع في معاشهم ومعادهم . وجماع الهداية والرحمة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . أفيمكن أن تكون هذه القيادة الرشيدة بهذا التشريع المستقيم من لإنسان أمي عاش في أمة أمية من عند نفسه دون وحي من الله . كلا إنها العناية الربانية والرسالة ليكون رحمة للعالمين ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .                  


وأما الثاني : فإن في تفاصيل القصة كثيرا من الأسرار والعجائب التي يعد الله بها رسله ويهيء بها رسله ويهيء بها أنبياؤه لقيادة الأمم وسياسة الشعوب من أخلاق سامية وآداب عالية وحكمة بالغة وقوة عزيمة وعقائد صحيحة وبيان ذلك من وجوه كثيرة .
 

الاول – منها صفاء روح يوسف ونقاء سريرته وهذا واضح من الرؤيا الصادقة التي رآها في صغر سنه وأول نشأته فتحقق تأويلها بسجود أبويه وإخوته له في كبر سنه وختام حياته (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) .
وقال : ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ) .
 

الثانى - ومنها ما خصه الله به من الميزات التي زادت تعلق والده به وحبه له وحملت أخوته على التآمر عليه والكيد له فأشار بعضهم بقتله ليخلو لهم وجه أبيهم وتطيب لهم الحياة مع أبيهم من بعده . ورأى آخرون إن في إبعاده عن أبيه الكفاية فلما أجمعوا أأمرهم على ذلك ورموه في غيابة الجب ، أوحى الله إليه (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) .
إيناسا له وإزاحة للغمة عن نفسه وهيأ له من أخرجه من البئر لكنهم باعوه بثمن بخس دارهم معدودة . فرعاه الله وجعله عند من يكرم مثواه ومكن له في الأرض وعلمه من تأويل الأحاديث( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) .
 

الثالث – ومنها عفة فرجه ونزاهة نفسه مع توافر دواعي الشهوة وتهيء أسباب الجريمة من دوام الخلوة ومزيد الخلطة ودعوة امرأة العزيز له ومراودتها له عن نفسه وأخذها الحيطة في إغلاق الأبواب . قال تعالى :
( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ) .
لقد كان يوسف عليه السلام من المخلصين لله . فاستعاذ به ولجأ إليه وفزع إلى من بيده مقاليد الأمور والقلوب يصرفها كيف يشاء وتبرأ من حوله وقوته إلى حول الله وقوته واستقبح أن يقابل جميل من أحسن مثواه بخيانته في عرضه وذكر ما يصيب الظالمين في العواقب من الخسارة والدمار ولم يأبه بالسجن والوعيد بالأذى إن لم يكن عند رغبتها ويحقق لها ما تريد .
( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
 

ثم قص الله على رسوله صلي الله عليه وسلم خبر يوسف مع صاحبيه في السجن فقال تعالى :
( وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَان ِ) .
فانظر إلى سلامة فطرته وصحة عقيدته وتناسيه البلاء وذكره لأسلافه وأجداده الطاهرين المصلحين ، إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، ليتخذ منهم قدوة له في التوحيد والدعوة إليه والحذر من الشرك وبيان فساده بالأدلة والبرهان . وأنظر إلى كرم خلقه مع صاحبيه حتى شهدا له بالمعرفة والفضل والإحسان وإلى حسن سياسته معهم في الدعوة إلى الله حيث انتهز حاجتهم إلى تأويل ما رأياه فعرفهم بنفسه وبين لهم مكانته ليقبل منه قوله وينتفع بنصحه فدعاهما إلى التوحيد وزينه وحذرهما من الشرك وفبحه وإيثاره ذلك على ما سألاه عنه دون تضييع لما تعلقت به نفوسهما من تأويل الرؤيا ولا مجابهة بالمكروه لمن دلت رؤياه على سوء عاقبته ، بل أبهم الأمر فقال : أما أحدكما فيسقى ربه خمراً وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه . وقد حقق الله ما قال فصار كل منهما إلى ما ذكره له في تأويل رؤياه .
 

الرابع – ومنها أن يوسف مع ثقته بربه وتوكله عليه ، أراد أن يأخذ بأسباب الخلاص مما أصابه من البلاء وليس في ذلك ما يعيبه أو يغض من توكله على الله فإنه قد زج به في السجن ظلما وعدوانا بشهادة خصومه . ودفع الظلم مشروع بل قد يكون واجبا ( وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) .
ولكن الله أراد أن يزيده تمحيصا وصدقا في التوكل عليه وحده وقوة في الصبر على البلاء فأنسى الشيطان ذلك الفتى أن يذكر يوسف لربه بالخير فلبث في السجن بضع سنين . ثم اختار الله له طريقا إلى الخلاص خيرا من الطريق التي رسمها لنفسه كما سيأتي بيانه .


الخامس– ومنها إن الله سبحانه شاء أن تكون نجاته بما آتا من العلم والحكمة وبما علمه من تأويل الأحاديث ، لا بشفاعة أحد ولحاجة الأمة راعيها ورعيتها إليه دون حاجته إليهم ، ليكون ذلك أكرم لنفسه وأعز لها ولئلا يكون لأحد عليه سوى الله منة فهيأ له السبيل لذلك ورأى ملك مصر رؤيا هاله أمرها وعجز إشراف قومه عن تعبيرها ( وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعَالِمِينَ) .
ولما أنتهى أمر الرؤيا إلى يوسف أولها أصدق تأويل وبين أنها كشفت للأمة عن مستقبلها في رخائها وشدتها أربع عشرة سنة ( قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) .
فأخذ ذلك التعبير من قلب الملك مأخذه ولم يسمعه إلا أن يرسل بإحضار يوسف إليه فأبى حتى ينظر في قضيته مع النسوة . فإنه قد زج به في السجن من أجلهن ( قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) .
ففعل الملك وظهرت براءة يوسف ( قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) .
ولما طلبه الملك بعد ذلك وحضر عنده  (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) .
ثقة منه بنفسه وعلما منه بأنه ليس في الأمة من يصلح لتدبير شؤون الدولة الاقتصادية وتصريف أمورها علةى وجه يحفظ كيانها سواه فطلب ذلك لمصلحة الأمة لا لحظ نفسه فاستجاب له الملك لعلمه وصدقه وأمانته وأتم الله ليوسف ما شاء من نعمته ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) .
وبذلك يتبين أن الله محص يوسف ورعاه بتتابع البلاء والإنجاء .
ابتلاه بكيد إخوته له ورميهم إياه في الجب ثم أنجاه . وابتلاه ببيع السيارة له ثم هيأ له من أحسن مثواه . ابتلاه بتسليط امرأة العزيز عليه وبالنسوة اللاتي قطعن أيديهن ثم عصمه وحماه وابتلاه بالسجن ثم أخرجه منه بريئا من التهمة عليما بربه وبشؤون الأمة في وقت اشتدت فيه حاجة البلاد إلى حفيظ عليم يدبر أمرها ويقودها في حياتها خير قيادة فتولى أمرها واستسلم له أهلها . وفي قصة يوسف سوى ما ذكر شيء كثير يدل على أن الله سبحانه تعهد يوسف برعايته وتولاه في أطوار حياته ليتخذه رسولا يضطلع بأعباء الرسالة . وليجعل من سيرته الحميدة آيات بينات على صدقه فيما جاء به وأمانته فيما يدعيه من الرسالة.

-----------------------------------------------------------------------------

ْْْْْمن كتاب مذكرة التوحيد

الأقسام الرئيسية:

المشائخ والعلماء: