من صفات المؤمنين

الإيضاح والتبيين لبعض صفات المؤمنين

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فهذه كلمات في إيضاح بعض صفات المؤمنين التي ذكرها الله في كتابه العزيز، وأثنى على عباده المتصفين بها، كتبتها تذكرة لنفسي ولإخواني؛ ليكون ذلك حافزًا وباعثًسا على الاتصاف بها، فيحصل المسلم بذلك على ما وعد الله به المتصفين بها من الثواب الجزيل في الآخرة، والحياة الطيبة في الدنيا وسميتها: (الإيضاح والتبيين لبعض صفات المؤمنين ).

وقد رَجَعْتُ في ذلك إلى مجموعة من كتب التفسير المعروف أصحابها بسلامة المعتقد، ومجموعة من كتب السنة، ومجموعة من كتب العقائد، وكلام أهل العلم المعتبرين.

وأسأل الله أن ينفعني بها وإخواني المسلمين وأن يجعل العمل خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز لديه في جنات النعيم؛ إنه على كل شيء قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم والتابعين

الكاتب
عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

 

صفات المؤمنين

الإيمان بالغيب

من صفات المؤمنين


1- الصفة الأولى الإيمان بالغيب:
إن من صفات المؤمنين التي نوه الله عنها في كتابه العزيز: (الإيمان بالغيب)، وقد مدح الله المؤمنين وأثنى عليهم في اتصافهم بهذا الوصف، ووعدهم عليه - مع أوصاف أخرى - الفلاح؛ وهو الفوز بما يطلبون من كرامة الله ورضاه، والنعيم المقيم في الجنان في الدار الآخرة، فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال، والنجاة من المرهوب من الإهانة والعذاب السرمدي الأبدي في النار، الذي لا صبر لأحد على بعضه.

وعدهم هذا الوعد الحسن الكريم لاتصافهم بالإيمان بالغيب مع إقام الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله، والإيمان بما أنزل على الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والإيمان بما أنزل على الرسل السابقين للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وأخبر أنهم هم المهتدون؛ لأنهم على صراط مستقيم، فقال -تعالى- في أول سورة البقرة: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .

يا له من ثناء، ويا له من فوز عظيم لا يشبهه فوز، ويا له من فخر وشرف واعتزاز، ويا لها من سعادة حقة، فلا ثناء أعظم من ثناء الله -عز وجل- ولا كرامة فوق كرامة الله -عز وجل- ولا نعيم أفضل من نعيمه، ولا كرم أحسن من كرمه -عز وجل-، فالله سبحانه يثني عليك -أيها المؤمن- في إيمانك بالغيب، ويعدك على ذلك الفلاح والفوز والظفر والسعادة، ويخبرك أن المؤمن بالغيب -مع الأوصاف الأخرى- قد استقام على شرع الله، فهو على هداية من ربه.

ولكن يا أخي الكريم: ما الإيمان بالغيب الذي هذا شأنه؟ أما الإيمان وحده فهو في اللغة التصديق بالقلب، ولكنه في الشريعة الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح.

فالإيمان كلمة جامعة للإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وتصديق الإقرار بالأفعال، فالإيمان الشرعي مطلوب لا بد فيه من الاعتقاد والقول والعمل، وتدخل الخشية لله - وهي من أعمال القلوب - في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل.

وقد اختلفت عبارات العلماء في تفسير الإيمان، فمنهم من فسره بالتصديق، ومنهم من فسره بالعمل، ومنهم من فسره بالخشية، وهي خلاصة الإيمان والعلم، وكل هذه التفسيرات صحيحة؛ إذ أنها كلها داخلة في مسمى الإيمان، وهي بعض مسمى الإيمان، والإيمان يشملها كلها فهو أعم منها.

والإيمان أعم من الإسلام وأفضل؛ فكل إيمان إسلام، وقد يطلق على الرجل الإسلام، ولا يطلق عليه الإيمان إذا لم يقم بواجب الإيمان الحقيقي، كما قال الله -تعالى- في سورة الحجرات: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ .

والإيمان مأخوذ من الأمان، وسمي المؤمن مؤمنا؛ لأنه يؤمن نفسه من عذاب الله، والله -تعالى- من أسمائه: المؤمن؛ لأنه يؤمن العباد من عذابه، وقد وردت أدلة كثيرة تدل على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان لا يكون بدون العمل؛ كقوله -تعالى-: وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ .

وكقوله -تعالى-: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ .

وكقوله -تعالى-: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .

وفي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق [رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة ].

وفي الحديث الآخر: الحياء شعبة من الإيمان [ البخاري من حديث أبي هريرة ]. وفي الحديث الآخر: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا [رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة ]. إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة.

وأما الإيمان بالغيب: فقد اختلفت عبارات السلف فيه:

1- فقال بعضهم: معنى يؤمنون بالغيب: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت، وبالبعث، فهذا غيب كله.

2- وقال بعضهم: ( الغيب ما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار، وما ذكر في القرآن).

3- وعن ابن عباس رضي الله عنهما: "الغيب ما جاء من الله -تعالى-".

4- وقال سفيان "الغيب القرآن ".

5- وقال عطاء بن أبي رباح "من آمن بالله فقد آمن بالغيب".

6- وقال بعضهم: "الإيمان بالغيب أي غيب الإسلام ".

7- وقال زيد بن أسلم "الإيمان بالغيب أي بالقدر ".

وقلت: وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متقاربة المعنى، وجميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به، فالإيمان بالغيب يشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والقدر، وما ذكر في القرآن قال -تعالى-: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ .

وكما أن الله أثنى على من آمن بالغيب مع الأوصاف الأخرى، وأخبر أنه على هدى من ربه، وأنه حصل على الفلاح، فقد وردت أيضًا آثار كثيرة في فضل الإيمان بالغيب.

ومن ذلك ما ورد عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وما سبقونا به، فقال عبد الله إن أمر محمد -صلى الله عليه وسلم- كان بيّنًا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بالغيب، ثم قرأ الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .

ومن ذلك ما ورد عن صالح بن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ببيت المقدس يصلي فيه، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة -رضي الله عنه-، فلما انصرف خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقًا، أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قلنا: هات -رحمك الله-، قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول الله، هل من قوم أعظم منا أجرا، آمنا بالله واتبعناك، قال: ما يمنعكم من ذلك، ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم بعدكم يأتيهم كتاب من بين لوحين يؤمنون به، ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرا مرتين .

قال ابن كثير رحمه الله بعد سياق هذا الحديث: وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث كما قررته في أول شرح البخاري ؛ لأنه مدحهم على ذلك، وذكر أنهم أعظم أجرًا من هذه الحيثية لا مطلقًا ا.هـ.

قلت: يعني ابن كثير -رحمه الله-: أن من بعد الصحابة أعظم أجرًا من هذه الجهة، وهي جهة الإيمان بالغيب، ولا ينافي ذلك أن يكون الصحابة أعظم أجرا ممن بعدهم من جهات أخرى كجهة الصحبة وغيرها، فإن مزية صحبتهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاصة بهم، لا يلحقهم فيها من بعدهم إلى يوم القيامة.

- الصفة الثانية من صفات المؤمنين إقامة الصلاة:
من صفات المؤمنين إقامة الصلاة، وهي من الصفات الظاهرة العملية، وقد وصف الله المؤمنين بهذا الوصف في غير ما آية من كتابه، فقال -تعالى-: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ .

وقال -تعالى-: هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ .

وقال -تعالى-: هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ .

وقال -تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ .

وقد أمر الله المؤمنين بالاتصاف بهذا الوصف - إقامة الصلاة - في مواضع من كتابه، فقال -تعالى-: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وقال -تعالى-: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وقال -تعالى-: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ .

وقد اختلفت عبارات السلف في معنى هذا الوصف -إقامة الصلاة-:

1- فعن ابن عباس ( إقامة الصلاة: إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع، والإقبال على الله فيها).

2- وقال قتادة (إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها).

3- وقال مقاتل بن حيان (إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-).

قلت: وكل هذه المعاني صحيحة، وإقامة الصلاة يشمل ذلك كله، ويجمع هذه المعاني أن يقال: إقامة الصلاة: عبارة عن إدامتها، والمحافظة عليها في مواقيتها بحدودها وأركانها وهيئاتها؛ لأن إقامة الشيء عبارة عن الإتيان بحقوقه، يقال: قام بالأمر، وأقام الأمر إذا أتى به معطيًا حقوقه.

والصلاة في اللغة: الدعاء، قال الله -تعالى-: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي: ادع لهم، وفي الشريعة: اسمٌ لأفعال مخصوصة من قيام وركوع وسجود وقعود ودعاء وثناء، على هيئة مخصوصة في أوقات مخصوصة.

وبهذا يتبين لك -أيها المسلم- أن إقامة الصلاة ليس هو مجرد الإتيان بهذه الأفعال المخصوصة فقط، دون إتمام لها وخشوع وطمأنينة فيها ومحافظة عليها وإدامة لها، فإن الله -تعالى- توعد بالويل لمن صلى ولم يقم صلاته، بل سها وغفل عن مقصود الصلاة ولبّها، وروحها، فقال -تعالى-: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ .

فليس كل من صلى يعتبر مقيمًا للصلاة، وذلك أن إقامة الصلاة يتطلب إتمامًا لها، وإخلاصًا فيها، وخشوعًا وخضوعًا، ورغبة ورهبة.

ولما فُقِدَت هذه المتطلبات في صلاة المنافقين لم يزدادوا بها من الله إلا بُعدًا، وكانوا في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم لا يصلون صلاة تامة عن إخلاص ورغبة ورهبة، وإنما يصلون نفاقًا ومراءاة للناس، ولا يتمون ركوعهم وسجودهم واعتدالهم، بل ينقرونها كنقر الغراب، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلا.

فمن الأمور اللازمة لإقامة الصلاة: إتمامها والطمأنينة فيها، ومعنى ذلك أن يأتي المصلي بصلاته تامة في ركوعها وسجودها واعتدالها وقراءتها وتسبيحاتها، فمن انتقص شيئًا منها بأن كان لا يتم ركوعه ولا سجوده فقد أتى منكرًا؛ لأنه سارق من صلاته كما جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قالوا: يا رسول الله، كيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها .

فسارق الصلاة يجب الإنكار عليه ممن رآه والنصيحة له، أرأيت لو أن سارقًا سرق شيئًا من المال، ألم يكن ذلك منكرًا؟ ويجب الإنكار عليه ممن رآه؟ فسارق الصلاة كذلك، بل هو أعظم سرقة من سرقة المال، ومن رآه على هذه الحال ولم ينهه شاركه في الإثم.

وجاء في الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ( من رأى من يسيء في صلاته فلم ينهه شاركه في وزرها وعارها).

فالطمأنينة ركن من أركان الصلاة، لا تتم الصلاة إلا بها، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- المسيء في صلاته بالإعادة، حين جاء إلى المسجد وصلى ركعتين أساء فيهما، ولم يتم ركوعه ولا سجوده، فأمره -عليه الصلاة والسلام- بالإعادة، فأعاد وصلى مثل صلاته الأولى، فأمره بالإعادة، يفعل ذلك مرتين أو ثلاثًا، ثم قال الرجل: والذي بعثك بالحق نبيًّا لا أحسن غير هذا فعلمني، فأرشده النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الطمأنينة والاعتدال والإتمام للصلاة، فقال له: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تعتدل جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها [متفق عليه من حديث أبي هريرة ].

وأُثر عن بعض السلف أنه قال: الصلاة مكيال، فمن وفى وُفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين، إشارة إلى قوله -تعالى-: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ .

قال مالك كان يقال: في كل شيء وفاء وتطفيف، فإذا توعد الله -سبحانه- بالويل للمطففين في الأموال، فما الظن بالمطففين في الصلاة!!

وكان هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة الإيجاز مع الإتمام؛ كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوجز الصلاة ويكملها .

فوصف صلاته -صلى الله عليه وسلم- بالإيجاز والإتمام، والإيجاز أمر نسبي، إضافي، راجع إلى السنة لا إلى رغبة الإمام، ولا إلى رغبة من خلفه، ففعله -عليه الصلاة والسلام- هو الإيجاز، وكان يقرأ في الفجر بالستين إلى المائة من الآيات، وكان الصحابة -رضي الله عنهم- يخرّون في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده كذلك، فهذا هو الإيجاز مع التمام، وهو إيجاز بالنسبة إلى من فوقه.

وكثير من الناس لا يتم ركوعه ولا سجوده، ولا يطمئن فيها، وخصوصًا إذا كان يصلي منفردًا، أو كان يقضي شيئًا من صلاته فاته مع إمامه، أو كان مسافرًا، أو كان يصلي تطوعًا، حتى إن أحدهم ليصلي الصلاة في لحظات قليلة، لا يتمكن فيها من قراءة الفاتحة ولا الطمأنينة، ولا الذكر الواجب، وتجده لا يتم الركوع ولا السجود، ولا يقيم صلبه بعد الركوع، ولا يعتدل بين السجدتين، يظن أن ذلك يجزيه، وإن التطوع يتسامح فيه عن بعض الأركان، وأن صلاة السفر تجزي بلا طمأنينة ولا إتمام لها، ويحمله على ذلك عدم المبالاة بالصلاة والاهتمام بها، والعناية بها بسبب ضعف الإيمان، أو الجهل بهذه الفريضة العظيمة، وما تتطلبه من عناية بالطمأنينة والخشوع.

وكل هذا من مكر الشيطان وخداعه ولعبه بالمصلي؛ ليخرجه من عداد المقيمين للصلاة الذين وعدهم الله بالكرامة والرضوان إلى عداد النقّارين والسارقين من صلاتهم، الذين تُوعِّدوا بالإهانة والعقوبة، هدانا الله وإياهم صراطه المستقيم، وجنبنا مكر الشيطان وغروره وخداعه، إنه على كل شيء قدير.

3- الصفة الثالثة من صفات المؤمنين الخشوع في الصلاة:
إن من صفات المؤمنين العظيمة: الخشوع في الصلاة، وقد ذكر الله -تعالى- هذا الوصف في أول صفات المؤمنين الذين أخبر بتحقيق فلاحهم وفوزهم وسعادتهم ونجاتهم، وإرثهم لأعلى الجنة وهو الفردوس وخلودهم فيه، وذلك في أول سورة "المؤمنون"، حيث يقول الله -تعالى- في مطلع هذه السورة الكريمة: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ .

ثم ذكر -تعالى- بقية الأوصاف، ثم قال -تعالى- مخبرًا عن عظيم جزائهم وثوابهم: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .

وأصل الخشوع: السكون والطمأنينة والانخفاض، وفي الشرع خشية من الله تكون في القلب، فتظهر آثارها على الجوارح.

وقد عدّ الله من صفات الذين أعد لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا في قوله في سورة الأحزاب: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ - إلى قوله -: وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ ثم ختم الآية بقوله: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا .

وقد بَيَّن الله أن الصلاة صعبة وشاقة على غير الخاشعين، وأنها سهلة هيّنة على الخاشعين فقال -تعالى-: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ .

وقد اختلف العلماء في معنى الخشوع في الصلاة على أقوال كثيرة منها:

1- قيل: هو الإخبات والتَّذَلُّل.

2- وقيل: هو الخوف والسكون.

3- وقيل: هو التواضع.

4- وقيل: هو غضّ البصر، وخفض الصوت، كما قال -تعالى-: وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ .

5- وقيل: هو عدم الالتفات.

6- وقيل: هو أن يكون نظر المصلي إلى موضع سجوده، واستدلوا بما يأتي:

أ - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان ينظر إلى السماء في الصلاة، فأنزل الله: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينظر حيث يسجد.

ب - حديث عائشة قالت: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الالتفات في الصلاة فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد .

ج - حديث أبي ذر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لا يزال الله مقبلًا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه .

د - قول أبي هريرة كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزل: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ رموا بأبصارهم إلى مواضع السجود.

هـ- حديث أنس -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم فاشتد قوله حتى قال: لينتهين عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم .

وأكثر أهل العلم على أن المصلي ينظر إلى موضع سجوده، لما سبق من الأدلة، وخالف المالكية الجمهور فقالوا: إن المصلي ينظر أمامه، لا إلى موضع سجوده، واستدلوا لذلك بقوله -تعالى-: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قالوا: فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء، وذلك ينافي كمال القيام، وينافي ظاهر الآية المتقدمة؛ إذ أن المنحني بوجهه إلى موضع سجوده ليس بمولٍّ وجهه شطر المسجد الحرام.

7- وقيل: الخشوع السكون وحسن الهيئة.

8- وقيل: الخشوع أن لا يعبث بشيء من جسده في الصلاة، وروي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أبصر رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه .

9- وقيل: الخشوع في الصلاة: هو جمع الهمّة والإعراض عما سواها، والتدبر فيما يجري على لسانه من القراءة والذكر.

قلت: وكل هذه الأقوال صحيحة، وهي داخلة في معنى الخشوع، والخشوع أعم منها؛ إذ الخشوع خشوعان:

1- خشوع القلب بجمع الهمّة وحضور القلب، والتدبر لما يجري على اللسان من القراءة والذكر، ولما تسمعه الأذن من قراءة إمامه.

2- وخشوع الجوارح بسكونها وعدم العبث والالتفات إلى غير مقصود الصلاة.

وبعد معرفة معنى الخشوع في الصلاة. فلو نظرنا في واقعنا، وأمعنا النظر لوجدنا الكثير من المصلين لا يخشع في صلاته، بل غفل عن المعنى المقصود من الصلاة، وقد استولت الغفلة والخواطر والوساوس وحديث النفس والشكوك على الكثير منهم، فيدخل في صلاته ويخرج منها، وما يدري كم صلى، ولا كيف صلى، ولا ماذا قرأ إمامه، فلا يتدبر القراءة، ولا يستحضر عظمة الله -تعالى-، ولا يستجمع همّته عند ذكر، أو تسبيح، أو تشهّد، أو قراءة، وكثر العبث من كثير من المصلين في صلاتهم حتى كأنه ليس في الصلاة، فمنهم من يعبث بلحيته، ومنهم من يدخل أصابعه في خيشومه، ومنهم من يفرقع بأصابعه، ومنهم من يتمايل من جنب إلى جنب، ومنهم من يتثاءب ولا يكظم بل يخرج صوتًا منكرًا، ومنهم من يعبث بساعته، ومنهم من يتشاغل بتعديل عباءته ومشلحه أو ثوبه، ويتكرر ذلك منه بلا حاجة.

وكل هذه الأفعال تدل على أن هذا المصلي قد التفت قلبه عن الله -تعالى-، وأن جسمه موجود مع المصلين، ولكن قلبه يجول في كل واد، وهذا يدل على فقدان الخشوع في الغالب، وهذا مصداق ما ورد في الحديث: أن أول ما يفقد من هذه الأمة: الخشوع، حتى لا تكاد ترى خاشعا .

والخشوع -يا أخي المسلم- هو لب الصلاة وروحها، والصلاة بلا خشوع كالجسد بلا روح؛ لذلك ينبغي للرجل إذا أقبل إلى المسجد يريد الصلاة أن يقبل بخوف ووجل وخشوع وخضوع، وأن يكون عليه السكينة والوقار، فما أدرك صلى، وما فاته قضى، ولا بأس أن يسرع قليلًا إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى.

وإذا دخل في الصلاة فليحذر من الالتفات، وإذا سجد فليضع أصابعه -يديه- حذو أذنيه، ويضم أصابعه، ويوجهها نحو القبلة، ويرفع مرفقيه وساعديه ولا يلزقهما بجنبيه، فقد ورد: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا سجد، لو مرت بُهيمة من تحت ذراعيه لنفذت وذلك لشدة مبالغته في رفع مرفقيه وضبعيه .

فالمصلي إنما يقف بين يدي أحكم الحاكمين ورب العالمين، ويجب أن يكون على أحسن حال، وأحسن هيئة بأن يقف بأدب وخضوع وخشوع، واستحضار لعظمة الله، وقد قال الله -تعالى-: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي: عند كل صلاة، فأمر الله المصلي أن يكون على هيئة حسنة.

أرأيت، أخي المسلم - ولله المثل الأعلى -، لو وقف إنسان بين يدي ملك أو رئيس أو أمير أو وزير لوقف على أحسن حاله وهيئته في لباسه وأدبه وخشوعه وحركاته وسكناته، فالله سبحانه أعظم من كل مخلوق، وكل مخلوق فقير إليه، وكل الخلائق في قبضته وتحت تصرفه، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن إذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه، كما ورد بذلك الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- .

فالمصلي واقف بين يدي الله -عز وجل- يرجو رحمته، ويخشى عقابه، ويستلهم الرشد منه، ويسأله في كل ركعة من ركعات الصلاة أن يرشده ويدله، ويثبته على الصراط المستقيم؛ وذلك في قراءته لفاتحة الكتاب: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ .

كما يسأله أن يجنبه طريق المغضوب عليهم، وهو كل من علم ولم يعمل بعلمه، ويدخل في ذلك اليهود دخولًا أوليًا، كما يسأله أن يجنبه طريق الضالين، وهم كل من عبد الله على جهل وضلال، ويدخل في ذلك النصارى دخولًا أوليًا غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ .

فالخشوع في الصلاة بمنزلة الروح للجسد، فكما أن الجسد لا بقاء له بدون الروح، فكذلك الصلاة لا فائدة فيها بدون خشوع، وقد ورد في الحديث: أن المصلي لا يكتب له من صلاته إلا ما عقل منها، وأن من الناس من ينصرف من صلاته ولا يكتب له منها إلا نصفها، أو ثلثها، أو ربعها، أو خمسها، أو سدسها، أو سبعها، أو ثمنها، أو تسعها، أو عشرها، على حسب ما عقل من صلاته .

فالناس يتفاوتون في صلاتهم تفاوتًا عظيمًا، فقد يصلي الرجلان أحدهما بجانب الآخر، وبين صلاتهما كما بين السماء والأرض؛ هذا وقف بين يدي الله مخبتًا متواضعًا لربه، مخلصا، راغبا راهبا قد أقام صلاته بحدودها وهيئاتها وشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، والآخر وقف بين يدي الله بجسمه لا بقلبه، وغفل عن مقصود الصلاة، ولم يقمها كما أمره الله، قد أخل بخشوعها وسها عن صلاته فأخلّ ببعض واجباتها أو مستلزماتها، فلذلك صار هذا البون الشاسع بين صلاتهما.

فالصلاة أعظم صلة ورابطة تصل المسلم بربه وبارئه وفاطره وخالقه سبحانه، وهي تحدد العهد والميثاق بين العبد وبين ربه، وهذا أحد الموقفين بين يدي الله، وذلك أن المسلم له موقفان بين يدي الله: موقف في الدنيا وموقف في الآخرة؛ فالموقف الذي في الدنيا هو موقف العبد بين يدي الله في الصلاة، والموقف الذي في الآخرة موقفه بين يديه للحساب.

فمن أحسن في الموقف الذي بين يديه في الدنيا، بأن وقف خاشعًا، ذليلًا، مخلصًا، وجلًا، راغبًا راهبًا، متّبعًا لهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أحسن حالة وهيئة، كما أمره الله، سُهل عليه الموقف الثاني بين يدي الله للحساب، فكان عليه سهلًا يسيرًا، ومن أساء في هذا الموقف الذي في الدنيا في صلاته، ولم يقمها كما أمره الله، شُدد عليه الموقف بين يدي الله للحساب، فكان عليه شديدًا عسيرًا، وما ذاك إلا لأن الصلاة مع الخشوع تزكي صاحبها، وتهذّب نفسه، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وتأمره بالخلق الكريم، كما قال -تعالى-: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ .

وسبب ذلك الإخلاص في هذه العبادة العظيمة، والرغبة الصادقة فيما عند الله من ثواب، والرهبة لما عنده من عقاب، وحضور القلب فها حيث يتواطأ القلب واللسان على ما ينطق به اللسان، أو تسمعه الأذن من كتاب الله -تعالى- الذي هو هداية للمتقين، أو تسبيح، أو تحميد، أو ذكر في ركوعه وسجوده وقيامه وقعوده.

فهؤلاء هم الذين تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر، حيث عرفوا الله وقدروه حق قدره، فخافوا سطوته وعقابه فخضعوا له، وأخبتوا لربهم وأجَلُّوه وعظموه وخشعوا له وخضعوا، فسكنت قلوبهم وجوارحهم في صلاتهم، وهذا معنى ما ورد في الأثر: لو خشع قلب هذا لسكنت جوارحه .

أما كون كثير من المصلين لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، مع أن الله قال: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ والله أصدق القائلين: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا .

فالسر في ذلك: أن هؤلاء المصلين إنما أُتُوا من قبل أنفسهم، حيث أنهم لم يأتوا بها كما أمروا من الإقامة لها، والخشوع والطمأنينة فيها، والإتيان بشروطها وواجباتها وأركانها ومستلزماتها، بل أتوا بها صورة لا حقيقة، وشتان عند ذوي العقول والفطر السليمة بين الصورة والحقيقة، ولو كان الإتيان بالصلاة صورة يؤدي الثمرة المرجوة، ويُسقط اللوم والذم والعقوبة عن صاحبها لما توعد الله المصلي مع السهو بالويل في قوله -تعالى-: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ .

ولو كانت الصلاة صورة بلا حقيقة تنفع لنفعت المنافقين الذين يصلون مع أشرف الخلق محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لكنهم في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم لم يصلوا عن إيمان وإخلاص ورغبة ورهبة، ولم تنشرح صدورهم لها، ولذلك لا يطمئنون فيها، ولا يكثرون من ذكر الله فيها، ولا يقبلون عليها بقلوبهم، بل يأتونها بتثاقل وكسل، ومراءاة للناس، كما قال -تعالى-: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا .

وكما وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاة المنافقين في قوله: تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا كادت تطلع بين قرني شيطان قام فنقر أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا .

ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فإنه لا يزداد بها من الله إلا بُعدًا، ذلك أن الخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرَّغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، فحينئذ تكون راحة له، وقرة عين كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: حُبِّب إليّ الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لبلال يا بلال أرحنا بالصلاة .

ومن لوازم الخشوع في الصلاة: الطمأنينة فيها وعدم العجلة والسرعة، ومن أجل هذا علّق الله -سبحانه وتعالى- الفلاح بخشوع المصلي في صلاته، ويستحيل حصول الخشوع مع العجلة والنقر في الصلاة، بل لا يحصل الخشوع إلا مع الطمأنينة، وكلما زاد المصلي طمأنينة زاد خشوعًا، وكلما قلّ خشوعه اشتدت عجلته حتى تصير حركات بدنه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع، ولا إقبال على العبادة، ولا معرفة لحقيقة العبودية.

والمطلوب من المصلي إقامة الصلاة، ولهذا فإنك لا تكاد تجد ذكر الصلاة في موضع من القرآن إلا مقرونًا بإقامتها، كما قال -تعالى-: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي .

فالمصلون من الناس قليل، والمقيم للصلاة منهم أقل القليل، وهناك بون شاسع، وفرق عظيم بين من تكون الصلاة ربيعًا لقلبه وحياة له وراحة وقرة لعينة، وجلاء لحزنه وذهابًا لهمّه وغمِّه، ومفزعًا له في نوائبه ونوازله، وبين من تكون الصلاة مسرحًا لقلبه يتجوّل فيها إلى حيث شاء من أمور دنياه وملذاته وشهواته، وقيدًا لجوارحه، وتقليفًا له، وثقلًا عليه، وكأنه في صلاته طائر في قفص، فهي كبيرة وشاقة عليه.

وصدق الله العظيم حيث يقول: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ وإنما كبرت عليهم لخلو قلوبهم من محبة الله -تعالى- وتكبيره وتعظيمه، والخشوع له، وقلة رغبتهم فيما عند الله -تعالى-، فإن حضور قلب العبد في الصلاة، وخشوعه فيها، وتكميله لها، واستفراغه وسعه في إقامتها، وإتمامها على قدر رغبته في الله -تعالى-.

قال الإمام أحمد رحمه الله في رواية مهنا بن يحيى (إنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة) ا. هـ، وليس حظ القلب العامر بمحبة الله، وخشيته، والرغبة فيه، وإجلاله وتعظيمه من الصلاة كحظ القلب الخالي من ذلك.

ولقد مدح الله -سبحانه- في كتابه المخبتين له، والمنكسرين لعظمته الخاضعين والخاشعين له، فقال -تعالى-: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ .

ووصف المؤمنين بالخشوع له في أشرف عبادتهم، وهي الصلاة التي عليها يحافظون فقال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ .

ووصف الذين أوتوا العلم بالخشوع حينما يسمعون كلامه يتلى عليهم فقال: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا .

وأصل الخشوع: هو لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء؛ لأنها تابعه له، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ألا إن في الجسد مضغة؛ إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب .

فإذا خشع القلب خشع السمع والبصر والوجه وسائر الأعضاء، وما ينشأ منها حتى الكلام، ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في ركوعه في الصلاة: خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي .

ورأى بعض السلف رجلا يعبث بيده في الصلاة فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه .

وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في قوله -تعالى-: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ قال: ( هو الخشوع في القلب وأن تلين كفك للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك).

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ قال: خائفون سائلون، وقال الحسن كان الخشوع في قلوبهم، فغضوا له البصر في الصلاة، وقال مجاهد في قوله -تعالى-: وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ قال: (متواضعين).

فالقلب إذا خشع تسكن خواطره وإرادته الرديئة الناشئة عن اتباع الهوى، وينكسر وينخضع لله -تعالى-، فيزول بذلك ما كان فيه من التعاظم والترفع والتكبّر، ومتى سكن ذلك في القلب خشعت الأعضاء والجوارح والحركات كلها حتى الصوت، كما قال -تعالى-: وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا .

ومتى تكلف الإنسان تعاطي الخشوع في جوارحه وأطرافه مع فراغ قلبه من الخشوع، وخلوه منه، كان ذلك خشوع نفاق، وقد استعاذ السلف منه، كما قال بعضهم: (أستعيذ بالله من خشوع النفاق، قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع)، ونظر عمر إلى شاب قد نكّس رأسه فقال له: (يا هذا ارفع رأسك، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب) .

فمن أظهر خشوعًا غير ما في قلبه، فإنما هو نفاق على نفاق، وينشأ الخشوع في القلب من معرفة الله -تعالى-، ومعرفة عظمته وجلاله وكماله، فمن كان بالله أعرف فهو له أخشع، ويتفاوت الخشوع في القلوب بحسب تفاوت معرفتها لمن خشعت له، وهو -سبحانه- يجير القلوب المنكسرة من أجله، ويقرب ممن يناجيه في الصلاة، ويعفر وجهه في التراب بالسجود، كما يقرب من عباده الداعين له، السائلين له، المستغفرين من ذنوبهم في الأسحار، فيجيب دعائهم، ويعطيهم سؤالهم.

ومن الخشوع في الصلاة: وضع اليمين على اليسار، فوق الصدر في الصلاة تذللا لله -تعالى-، وسُئل الإمام أحمد -رحمه الله- عن ذلك، فقال: (هو ذلّ بين يدي عزيز حميد).

وعلى المصلي -حينئذ- أن يتذكر وقوفه بين يدي الله -تعالى- يوم القيامة للحساب.

ومن ذلك عدم التفات القلب إلى الشواغل والهواجس بقدر المستطاع، وعدم التفات الوجه إلى اليمين أو الشمال، وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الالتفات في الصلاة، قال: هو هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد .

وفي حديث أبي ذر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: لا يزال الله مقبلًا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف الله عنه .

وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: إذا صلى أحدكم فلا يلتفت، فإنه يناجي ربه، إن ربه أمامه، وإنه يناجيه، فلا يلتفت .

ولا تنس -أيها المسلم- ما في الركوع والسجود من تعظيم الله -تعالى- قولًا وفعلًا، كقولك في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، فليكن قلبك مع لسانك، فتذكر الله بقلبك ولسانك وجوارحك؛ إذ تنحني لله -تعالى- في الركوع، وتضع أشرف أعضاء بدنك وهو الوجه على الأرض لله -تعالى- في السجود، فكن حاضر القلب في هذه الأعمال، فالله -تعالى- لا يقبل إلا من قلب مقبل منيب، لا من ساهٍ لاهٍ غافلٍ، وفقنا الله لسلوك صراطه المستقيم، وثبتنا عليه حتى يأتينا اليقين، إنه على كل شيء قدير.

- الصفة الرابعة من صفات المؤمنين المحافظة على الصلاة:
إن من صفات المؤمنين الظاهرة: ( المحافظة على الصلاة) وقد جعل الله -سبحانه- المحافظة على الصلاة من أسباب نيل الفردوس فقال -تعالى-: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .

وقد استثنى الله في سورة المعارج المصلين من الهلعين الجزعين المانعين للخير، فقال سبحانه: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ .

ثم ختم أوصافهم بالمحافظة على الصلاة ووعدهم على ذلك الإكرام في الجنات، فقال سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ .

ومن أجل ذلك أمر الله بالمحافظة عليها في قوله: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وذم وتوعد من لم يحافظ عليها في قوله: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا .

وقال -تعالى-: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ .

وقال -تعالى- في ذم المنافقين وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ .

وقال أيضًا فيهم: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى .

فهذه الآيات كلها تتوعد من أضاع الصلاة، واتبع الشهوات، وتهدده بالغي وبالويل، وتبين أن إضاعتها، والتكاسل عنها من صفات المنافقين لا المؤمنين وصرحت الآيات أن من صفات المؤمنين المحافظة عليها وإدامتها وإقامتها والخشوع فيها، ولكن ما المراد بالمحافظة على الصلاة؟

المحافظة عليها تشمل إتمام أركانها وشروطها وسنتها، وتشمل فعلها في أوقاتها في الجماعات في المساجد.

وقد فسر بعض السلف المحافظة على الصلاة بالمحافظة على الأوقات، أي: المواظبة عليها في مواقيتها، وهذا تفسير للكل بالبعض؛ إذ أن المحافظة على الصلاة تشمل مراعات أوقاتها، وتشمل إتمام أركانها وشروطها، وتشمل مراعات الجماعات في المساجد، وقد وردت أدلة فضل المواظبة على الصلاة في مواقيتها.

من ذلك ما ورد في الصحيح عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: أنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها الحديث.

كما وردت أدلة كثيرة في الترهيب من تأخير الصلاة عن وقتها؛ من ذلك ما ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: الذي تفوته صلاة العصر، كأنما وتر أهله وماله .

ومن ذلك قوله -تعالى-: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ وقد فسر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السهو عنها بأنه تأخيرها عن وقتها، كما ثبت ذلك عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، وفيه حديث مرفوع.

وقد وردت أدلة في الترهيب من تأخيرها عن وقتها، ومن ذلك قوله -تعالى-: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا وقد فسّر بعض السلف إضاعتها بتفويت وقتها، والتحقيق أن إضاعتها يشمل تأخير وقتها ويشمل تركها بالكلية، ويشمل ترك واجباتها وأركانها.

والله -سبحانه- قد جعل لكل صلاة وقتًا محدود الأول والآخر، ولم يأذن في فعلها قبل دخول وقتها ولا بعد خروج وقتها، والصلاة في الوقت واجبة على كل حال، حتى أنه يترك جميع الواجبات والشروط لأجل الوقت، فإذا عجز عن الوضوء، أو استقبال القبلة، أو طهارة الثوب والبدن، أو ستر العورة، أو قراءة الفاتحة، أو القيام في الوقت، وأمكنه أن يصلي بعد الوقت بهذه الأمور، فصلاته في الوقت بدونها هي التي شرعها الله وأوجبها.

وليس له أن يؤخر الصلاة بعد الوقت لأجل أن توجد هذه الشروط والأركان، فعلم بهذا أن الوقت مقدم عند الله ورسوله على جميع الواجبات، وهو داخل في المحافظة على الصلاة.

ويدخل في المحافظة عليها أيضا: فعلها جماعة في المسجد، فقد وردت أدلة كثيرة على وجوب الجماعة، من ذلك ما ورد عن عبد الله بن أم مكتوم -رضي الله عنه - وكان رجل أعمى - إنه جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إني شيخ ضرير البصر، شاسع الدار، بيني وبين المسجد نخل وواد، فهل من رخصة إن صليت في منزلي؟ فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أتسمع النداء قال: نعم، قال: أجب .

فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- مع العمى والعذر الشديد، بإجابة النداء وحضور الجماعة، ولو كان لأحد عذر في التخلف، لرخص -علية الصلاة والسلام- لهذا الشيخ ضعيف البدن، ضرير البصر، شاسع الدار بينه وبين المسجد نخل وواد.

ومن ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: من يسمع النداء، ثم لم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر .

ومن أدلة وجوب الجماعة: أن الله أوجبها في صلاة الخوف في قوله -تعالى-: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فأمر الله بالصلاة في الجماعة مع الخوف، ثم أعاد هذا الأمر مرة ثانية في حق الطائفة الثانية بقوله: وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ .

وفي هذا دليل على أن الجماعة فرض على الأعيان؛ إذا لم يسقطها الله -سبحانه- عن الطائفة الثانية بفعل الأولى، ولو كانت الجماعة فرض كفاية لسقطت بفعل الطائفة الأولى، ولو كانت الجماعة سنة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف.

ومن أدلة وجوب الجماعة، الذي هو داخل في المحافظة على الصلاة قوله -تعالى-: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ إلى قوله -تعالى-: وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ .

ووجه الاستدلال بها: أن الله عاقبهم يوم القيامة بأن أحال بينهم وبين السجود لما دعاهم إلى السجود في الدنيا فأبوا أن يجيبوا الداعي.

وقد قال غير واحد من السلف في قوله -تعالى-: وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ هو قول المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح.

ومن أدلة وجوبها أيضًا قوله -تعالى-: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ .

ووجه الاستدلال بها: أن الله أمر بالركوع وهو الصلاة، عبّر عنها بالركوع؛ لأنه من أركانها، ولا بد أن يكون لقوله: مَعَ الرَّاكِعِينَ من فائدة أخرى، زيادة على الأمر بالصلاة، وليست إلا فعلها مع جماعة المصلين، كما تفيده المعيّة.

ومن الأدلة على الوجوب أيضا: ما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم أمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهما أنه يجد عرقًا سمينًا، أو مر ما بين حسنتين لشهد العشاء .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار .

وللإمام أحمد عنه -صلى الله عليه وسلم-: لولا ما في البيوت من النساء والذرية أقمت الصلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار وهذا الوعيد الشديد لا يكون إلا على ترك واجب، فدل على وجوب الجماعة.

ومن أدلة وجوبها حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرأهم فأمر -عليه الصلاة والسلام- بالجماعة، وأمره للوجوب.

ومن أدلة وجوبها أيضا أمره -صلى الله عليه وسلم- من صلى وحده خلف الصف أن يعيد الصلاة، كما في حديث وابصة بن معبد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة .

ومن أدلة وجوب الجماعة الذي هو داخل في المحافظة على الصلاة: حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما من ثلاثة في قرية لا يؤذن فيهم، ولا تقام فيهم الصلاة، إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية فأخبر -عليه الصلاة والسلام- باستحواذ الشيطان عليهم بترك الجماعة التي شعارها الأذان وإقامة الصلاة.

وقد وردت آثار عن الصحابة تدل على وجوب الجماعة؛ من ذلك: ما جاء عن عمر -رضي الله عنه- أنه فقد رجلا في الصلاة، فأتى منزله فصوّت به، فخرج الرجل قال: ما حبسك عن الصلاة؟ قال: علّة يا أمير المؤمنين، ولولا أني سمعت صوتك ما خرجت، أو قال: ما استطعت أن أخرج، فقال عمر لقد تركت دعوة مَن هو أوجب عليك إجابة مني: منادي الله إلى الصلاة، وجاء عن عمر أيضا أنه فقد أقوامًا في الصلاة فقال: ما بال أقوام يتخلفون عن الصلاة، فيتخلف لتخلفهم آخرون، ليحضرن إلى المسجد أو لأبعثن إليهم من يجافي رقابهم، ثم يقول: احضروا الصلاة، ثلاث مرات.

ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به، يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، وعن علي -رضي الله عنه- قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، قيل: ومَن جار المسجد؟ قال: من سمع المنادي.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: من سمع المنادي فلم يجب من غير عذر، لم يرد خيرًا، ولم يرد به. وجاء عن ابن عباس أنه سئل عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يشهد جمعة ولا جماعة، فقال: هو في النار.

ومن أدلة وجوب الجماعة: الأخبار المذكورة في أبواب الرخصة في التخلف عن الجماعة لأصحاب الأعذار، كالمريض، والخائف على نفسه أو ماله، فإنها تدل على فرض الجماعة على من لا عذر له، ولو كان حال العذر وغير حال العذر سواء لم يكن للترخيص للمعذور معنى.

وقد وردت أدلة كثيرة في فضل الجماعة؛ من ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة .

ومن ذلك ما في صحيح مسلم عن عثمان بن عفان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله .

فكل هذه الأدلة تدل على وجوب الجماعة، وعلى فضلها، وأن فضل الصلاة جماعة في المسجد داخل في المحافظة على الصلاة، فحافظ عليها وأدّها في وقتها جماعة في المسجد؛ لتفوز بما وعد الله به المحافظين على صلواتهم من الثواب العظيم، وهو وراثة الفردوس والإكرام في الجنات، ولتسلم من التبعة والعقوبة، فإن الصلاة عمود الدين، وهي مقياس دين المرء، فمن حفظها فهو لما سواها أحفظ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، وهي الفارقة بين الإسلام والكفر، وهي أول ما يحاسب الإنسان عنها بعد الشهادتين، رزقنا الله المحافظة عليها والاهتمام بها.

5- الصفة الخامسة من صفات المؤمنين حفظ الفروج:
إن من صفات المؤمنين المفلحين: حفظ الفروج من اللواط والزنا، ونحو ذلك، وقد أخبر الله -تعالى- في كتابه أن حفظ الفروج من صفات المؤمنين المفلحين، الذين يرثون الفردوس ويخلدون فيها، فقال -تعالى-: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ثم قال -تعالى-: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .

وأثنى -سبحانه- في سورة " سأل " على المؤمنين في اتصافهم بأوصاف منها حفظ فروجهم، وأخبر أنهم يدخلون الجنات يكرمون فيها بالنعيم، فقال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ثم قال: أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ .

وبين الله في كتابه أن حفظ الفروج لا يلزم المؤمنين عن نسائهم الذين ملكوا الاستمتاع بهن بالزواج، أو بملك اليمين وهو التمتع السراري، وبين أن من لم يحفظ فرجه عن زوجته أو سريّته لا لوم عليه، وأن من ابتغى تمتعًا بفرجه وراء ذلك غير الأزواج والمملوكات، فهو من المعتدين المتعدّين حدود الله، المجاوزين ما أحله الله إلى ما حرمه، فقال -تعالى- في سورتين من كتابه: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ .

إن الزنا ليس من صفة المؤمنين ؛ لأنه ينافي حفظ الفروج الذي أخبر الله أنه من صفة المؤمنين المفلحين، ولذلك حرمه الإسلام، ونهى الله عباده عنه وعن مقاربته، ومخالطة أسبابه ودواعيه، وبين أنه فاحشة، وأنه بئس طريقًا ومسلكًا، فقال -تعالى-: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا .

وسماه الله فاحشة أي: إثما يستفحش في الشرع والعقل والفطر، وما ذاك إلا لتضمنه التجري على الحرمات في حق الله، وفي حق المرأة، وفي حق أهلها، أو زوجها، وإفساد الفراش، واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد، ولذلك يقول سبحانه: وَسَاءَ سَبِيلًا أي: بئس السبيل سبيل من تجرأ على هذا الذنب العظيم.

ولقبح هذا الذنب وعظمه وشناعته وبشاعته قرنه الله بالشرك وقتل النفس، وأثنى على عباده في بعدهم عن هذه القبائح الثلاث: الشرك والقتل والزنا، وتوعد من فعل ذلك بالحصول على الإثم ومضاعفة العذاب، فقال في سورة الفرقان: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ الآية.

إن جريمة الزنا تنافي هذه الصفة الحميدة؛ لأن الزنا رذيلة تدنس عرض صاحبها، وعرض من قارفها ومازجها، ولذلك حرّم الله على المؤمن أن ينكح زانية، وعلى المؤمنة أن تنكح زانيًا، إلا أن يتوبوا، قال -تعالى-: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ؛ إذ الظالم يحشر مع زوجه، كما قال -تعالى-: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ أي: قرناءهم، ومقارنة الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها أشد الاقترانات والازدواجات.

فحرم الله الزنا لما فيه من الشر العظيم، وفيه من قلة الغيرة، وإلحاق الأولاد الذين ليسوا من الزوج، وكون الزاني لا يعفَّها بسبب اشتغاله بغيرها، وبعض هذا كاف في التحريم، وقد نفى الله الإيمان عن الزاني في قوله -تعالى-: وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي: حرم نكاح الزاني والزانية، فلو كان مؤمنا بالله حقا لم يقدم على ذلك، وفي هذا دليل على أن الزاني ليس مؤمنا حقًا.

ويؤيد هذا الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنه قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن .

فالزاني وإن لم يكن مشركا، لكنه لا يطلق عليه اسم المدح الذي هو الإيمان المطلق.

والزنا من أعظم الذنوب وأفحشها فهو من الكبائر العظيمة، وفي الحديث: ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له .

وقد عالج الإسلام نزعة حب الزنا، والتطلع إليه بتصور الإنسان المتطلع إليه لكراهته للزنا لو وقع على إحدى محارمه، فعن أبي أمامة -رضي الله عنه-: أن فتى شابا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: أُدنه، فدنا منه قريبا، فقال: اجلس، فجلس فقال: أتَحبّه لأمك، قال: لا والله -جعلني الله فداك-، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله -جعلني الله فداك-، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله -جعلني الله فداك-، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك، قال: لا والله -جعلني الله فداك-، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله -جعلني الله فداك-، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وأحصن فرجه، قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء .

وقد عظم الله أمر الزنا فأمر بجلد الزاني، كما جاءت السنة برجم الزاني إذا كان محصنا، فإن الزاني لا يخلو: إما أن يكون بكرًا وهو الذي لم يتزوج، أو محصنًا وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل، فإن كان الزاني بكرًا لم يتزوج، فإن حده مائة جلدة، كما قال -تعالى-: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ .

ويزاد على ذلك أن يغرّب عاما، وإن كان الزاني محصنًا فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في الأعرابيين الذين أتيا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال أحدهما يا رسول الله إن ابني هذا كان عسيفا - يعني أجيرا - على هذا، فزنا بامرأته فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام، وَاغْدُ يا أُنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها .

وفي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلد مائة إن كان بكرًا لم يتزوج، وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم .

وقد رجم النبي -صلى الله عليه وسلم- ماعزًا والغامدية وقد أمر الله بإقامة الحد على الزانيين، ونهانا أن تأخذنا بهما رأفة في دين الله تمنعنا من إقامة الحد عليهما، وبين أن الإيمان موجب لانتفاء هذه الرأفة المانعة من إقامة أمر الله، وأمر أن يحضر عذاب الزانيين جماعة من المؤمنين ليشتهر ويحصل بذلك الخزي والارتداع؛ إذ أن ذلك أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما. فإن في ذلك تقريعًا وتوبيخًا وفضيحة، إذا كان الناس حضورًا قال -تعالى-: وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .

أسأله -سبحانه- أن يوفقنا لحفظ فروجنا عما حرم الله -تعالى-، لنكون في عداد المؤمنين المفلحين المودعين بالكرامة والخلود في الفردوس، إنه على كل شيء قدير.

إن الله أثنى على المؤمنين في حفظهم لفروجهم، ومن أعظم ما يضاد هذه الصفة وينافيها الزنا، لما فيه من المفاسد والشرور والآثام والجنايات العظيمة الكثيرة منها:

1- الزنا جريمة خلقية تهدم الأخلاق الفاضلة، وتقضي عليها.

2- الزنا جريمة تذهب الغيرة الدينية.

3- الزنا جريمة تذهب بالحياء وماء الوجه.

4- الزنا جريمة مستفحشة شرعًا وعقلًا وفطرة.

5- الزنا تجرُّؤ على حرمات الله، واعتداء على حقوقه.

6- الزنا جناية على الزوج وانتهاك لحرمته.

7- الزنا جناية على الزوجة لما فيه من إلصاق العار بها، وعدم إعفاف الزاني لها.

8- الزنا فيه إفساد لفراش الزوج.

9- الزنا جناية على الإسلام لما فيه من الاستخفاف به، وإيجاد أولاد غير شرعيين.

10- الزنا جناية على المسلمين لما فيه من إيجاد البغضاء والأحقاد وزرعها فيما بينهم، ولما فيه من اختلاط الأنساب.

11- الزنا جناية على أهل الزوجة لما فيه من لحوق العار بهم.

12- الزنا جناية على أقارب الزوج لما فيه من تشويه سمعتهم وخدش كرامتهم، ومن أجل هذه الشرور والآثام والجنايات حرَّم الإسلام فاحشة الزنا، وتوعد صاحبها بوعيد شديد في الآخرة وعاقبه في الدنيا بأشد عقوبة وأعظمها، حيث أمر بقتله أشنع قتلة إن كان محصنًا، وذلك بأن يرجم بالحجارة حتى يموت ليصل الألم إلى كل جزء من أجزائه، كما وصلت اللذة المحرمة إلى جميع أجزائه، والله حكيم عليم.

ونفى الله الإيمان عن الزاني على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم- لما قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن .

فجدير بالمسلم أن يبتعد عن فاحشة الزنا، وقد علم ما يترتب عليها من الشرور والآثام، وأنها من كبائر الذنوب العظام ليسلم من العقوبة في الدنيا، والوعيد الشديد في الآخرة، وليحصل على الوعد الكريم من الله لمن اجتنب الكبائر في قوله -تعالى-: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا .

وإن مما ينافي حفظ الفرج ويضادّه أيضا، اللواط؛ تلك الجريمة الأخلاقية المستبشعة في الفطر السليمة، فضلًا عن العقول والشرائع، بل إن البهائم العجماوات تأنف منها، وتنفر بطبعها من اقترافها فضلًا عن الإنسان الذي ميّزه الله وكرمه وفضله على كثير من مخلوقات الله، فضلًا عن المسلم الذي له مبدأ وعقيدة ومُثُل وأخلاق يعتز بها، ويشرُف بتطبيقها، والعمل بها، فقد شرفه بالإسلام والإيمان.

ولقد مدح الله المؤمنين وأثنى عليهم باتصافهم بحفظ فروجهم، وإن جريمة اللواط تضاد هذه الصفة، وتناقضها تمام المناقضة، تلك الجريمة الخلقية الشنعاء التي تأنفها الطباع السليمة والفطر المستقيمة والعقول الصحيحة، وجاءت الشرائع بتحريمها وبتشنيعها، موافقة للعقول والفطر، فإن العقل الصريح موافق للنقل الصحيح.

ولم تعرف هذه الجريمة قبل قوم لوط مبتدعي اللواطة، فهم الذين ابتكروها وابتدعوها وسنّوها لمن بعدهم، وذلك شيء لم تكن بنو آدم تعهده ولا تألفه، ولا يخطر ببال أحد، حتى صنع ذلك أهل سدوم - قوم لوط - عليهم لعائن الله.

قال الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق لولا أن الله عز وجل قصَّ علينا خبر قوم لوط ما ظننت أن ذكرًا يعلو ذكرًا، ولهذا قال لهم نبيهم لوط -عليه الصلاة والسلام-: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ .

فجريمة اللواط فاحشة بلغت في العظم والشناعة إلى أن استغرقت أنواع الفحش، وسماها الله إسرافًا؛ لأن هؤلاء الخبثاء عدلوا عن النساء اللاتي خلقهن الله للرجال، وهذا إسراف وجهل، ووضع للشيء في غير موضعه؛ إذ النساء فيهن المستمتع الموافق للشهوة والفطرة.

ولهذا عاقب الله قوم لوط عقوبة شديدة، لم يعاقب بها أمة غيرهم، وما ذاك إلا لشناعتها وبشاعتها وفحشها المتناهي، فإن الله عذبهم بأنواع من العذاب، فجمع لهم بين الرفع والقلب والقذف، فرفع الله قرى اللواطة، ثم قلبها عليهم، ثم أتبعوا بالحجارة قال -تعالى-: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ .

وقد توعد الله -سبحانه- من يفعل هذه الفعلة بقوله: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ والمعنى: وما هذه النقمة - وهي الحجارة التي أمطرت على قوم لوط - ببعيد ممن تشبّه بهم في ظلمهم، وفعل مثل فعلهم.

ولهذا ذهب الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- إلى أن اللوطي يُلقى من شاهق، ويُتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط.

وذهب الإمام الشافعي وجماعة من العلماء إلى أن اللوطي يقتل سواء كان محصنا أو غير محصن، عملا بحديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به .

وذهب آخرون إلى أن اللوطي كالزاني؛ فإن كان محصنا رجم، وإلا جلد مائة جلدة وغرّب عامًا.

وجريمة اللواط فيها من المفاسد والمضار الخلقية والدينية والفطرية ما يكفي بعضها لتحريمها، وبعد العاقل عنها، فضلا عن المسلم ذي الخلق والمبدأ والعقيدة؛ فهذه الجريمة النكراء تنطوي تحتها أمور عظيمة منها:

1- أن جريمة اللواط فاحشة عظمى من أعظم أنواع الفواحش، فارتكابها وقوع في فحش عظيم.

2- أن مرتكبها متجرؤ على حرمات الله، متعرِّض لسخطه وأليم عقابه.

3- أن جريمة اللواط من أعظم كبائر الذنوب، ومرتكب الكبائر على خطر عظيم قد توعده الله بالعقوبة والعذاب والهوان.

4- أن ارتكاب هذه الجريمة هدم للأخلاق الفاضلة.

5- أن مرتكبها قد ذهب عنه الحياء وماء الوجه.

6- أن مرتكب جريمة اللواط قد دنّس عرضه، وشوّه سمعته.

7- أن مرتكب جريمة اللواط جاني على الإسلام وعلى حرماته.

8- أن مرتكب جريمة اللواط جنى على المجتمع الإسلامي بإشاعة الفاحشة، وإفساد الأخلاق.

9- أن مرتكب هذه الجريمة جانٍ على أقاربه بتشويه سمعتهم، وإلحاق العار بهم.

10- أن مرتكب هذه الجريمة جان على أقارب المفعول به أيضا، بتشويه سمعتهم وخدش كرامتهم، وإلصاق العار بهم.

11- أن جريمة اللواط شذوذ في الأخلاق، وخروج عن مألوف الإنسانية، بل الحيوانية؛ إذ أن كثيرا من الحيوانات تأنفها وتأباها.

12- أن مرتكب جريمة اللواط قد انتكست فطرته، وعميت بصيرته.

أيها المسلم: جدير بك وقد أنعم الله عليك بنعمة الإسلام، أن تحذر كل الحذر من الوقوع في هذه الفاحشة المستخبثة شرعًا وعقلًا وفطرة، وأن تبتعد عن الأسباب الموصلة إليها، فإنها شنعاء إنها جريمة نكراء، إنها فساد في الأخلاق، إنها دعارة، إنها فساد في التصوّر، إنها انحراف في الفطرة، إنها خروج عن المألوف، إنها وضع للشيء في غير موضعه، إنها قذارة، إنها قضاء على المروءة، إنها قضاء على الشهامة، إنها إذهاب للرجولة، إنها ذهاب للحياء، إنها قضاء على الاحتشام والستر، إنها تزعزع العقيدة الإسلامية، وتضعفها، وقد تقضي عليها، إنها تميت الغيرة الدينية.

فاحذرها -أيها المسلم- ابتعد عنها لا تقربها، لا تفكر فيها ابتعد عن أسبابها لتسلم من الويلات والمصائب التي تجرّها، ولتكون في عداد الحافظين لفروجهم، والحافظات الذين أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه، إنه جواد كريم.

وإن مما ينافي هذه الصفة الحميدة أيضا - حفظ الفروج - ويضادها: ما يسمى بالعادة السرية، التي بُلي بها بعض الناس، والعادة السرّية عبارة عن الاستمناء باليد، أو بمعنى أعم: هي عبارة عن استدعاء خروج المني، سواء كان باليد أم بغيرها، وتعرف عند العلماء -بجلد عميرة- وعميرة كناية عن الذكر، ويقال لها: الخضخضة، وهي حرام عند جمهور العلماء مطلقًا، وقد دل الكتاب والسنة على تحريم العادة السرّية، وذلك لما يترتب عليها من الأضرار الجسمية والعقلية والدينية.

فمن أدلة تحريمها من الكتاب: قوله -تعالى- في سورتين من كتابه: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ .

ووجه الاستدلال: أن الله أثنى على الحافظين لفروجهم، واستثنى التمتع بالزوجة وملك اليمين، فمن تجاوزهما فقد اعتدى وتجاوز الحد فهو ملوم ومذموم، والتلذذ عن طريق العادة السرية سواء كان باليد، أم بغيرها خارج عن هذين القسمين، فالمتلذذ بذلك من العادين بنصّ هاتين الآيتين الكريمتين.

من الأدلة -أيضا- قوله -تعالى-: وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ ومن الأدلة قوله -تعالى-: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فقد أمر الله العاجز عن الزواج بالاستعفاف. وفعل العادة السرية يضاد الاستعفاف.

ومن أدلة تحريم العادة السرية من السنة ما ثبت في الصحيحين من قوله -عليه الصلاة والسلام-: يا معشر الشباب من استطاع الباءة منكم فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء .

فأرشد -عليه الصلاة والسلام- العاجز عن الزواج إلى الصوم. وعدل عن الإرشاد إلى فعل العادة السرية، فدل على تحريمها، ولو كانت جائزة لبيّنها؛ إذ المقام يقتضيها، والقاعدة الأصولية تقول: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

ومن الأدلة أيضا: حديث أنس بن مالك: سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العالمين، ويدخلهم النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمني الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره .

فقد توعّد الناكح يده بوعيد شديد، مما يدل على تحريم فعل العادة السرية، وإن كان هذا الحديث في إسناده من لا يعرف لجهالة، إلا أنه يستأنس به فينضم إلى الأدلة السابقة.

قال بعض العلماء إنها كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان، وأجرها بين الناس حتى صارت قيله، ويا ليتها لم تقل، ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها، فإنها عار بالرجل الدنيء، فكيف بالرجل الكبير، هذه العادة السرّية يترتب على فعلها مضار جسيمة وعقليه ودينية، فمن المضار الجسمية:

1- أنها تضعف البصر.

2- تضعف عضو التناسل.

3- تحدث ارتخاء جزئيا أو كليا.

4- توقف نمو الأعضاء الإحليل والخصيتين.

5- تورث التهابًا منويا في الخصيتين، فيصير صاحبه سريع الإنزال.

6- تورث ألمًا في فقار الظهر في الصلب الذي يخرج منه المني.

7- تورث رعشة في بعض الأعضاء كالرجلين.

ومن المضار العقلية أنها تضعف القوة المدركة، مما يؤدي إلى البله، وقد تؤدي إلى الخبل في العقل.

ومن المضار الدينية: أنها تضعف النسل الذي حث الإسلام على الإكثار منه، ومن ذلك قوله -عليه الصلاة والسلام-: تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة .

فجدير بالمسلم وقد علم مضار هذه العادة السيئة أن يجتنبها ويبتعد عنها، وكلُّ ما فيه ضرر فالإسلام يمنعه وينفيه، ومن ذلك قوله -عليه الصلاة والسلام-: لا ضرر ولا ضرار .

فالحديث يدل على المنع من كل ما يضر وتحريمه، فتدخل العادة السرّية في عموم الحديث؛ لأنه ثبت ضرارها جسميًا وعقليًا ودينيًا.

فاحذر -أيها المسلم- من استعمالها لتكون في عداد الحافظين لفروجهم والحافظات، فتحصل على الوعد الكريم الذي وعدهم الله به، وابتعد عن كل الأسباب التي تؤدي إلى الإخلال بهذه الصفة "حفظ الفروج" فاحفظ سمعك وبصرك ويدك ورجلك عن الحرام؛ فلا تنظر إلى ما حرم الله من النساء والمصورات الخليعة، ولا تسمع اللغو والهذيان والغزل المؤدي إلى هتك حفظ الفروج، ولا تمسّ بيدك ما حرم الله عليك من النساء وغيرها، ولا تمش برجلك إلى ريبة، ولا تتمنَّ ولا تهوى ما حرمه الله عليك، فكل ذلكم وسائل تؤدي إلى هتك حفظ الفروج.

وفي الحديث: كُتب على بني آدم حظه من الزنا فمدرك ذلك لا محالة؛ فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه .

ونسأل الله أن يجعلنا في عداد الحافظين فروجهم والحافظات، إنه على كل شيء قدير.

- الصفة السادسة من صفات المؤمنين رعاية الأمانة:
إن من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين للفردوس: أنهم راعون لأمانتهم، قال الله -تعالى-: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ثم قال: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .

وقال -تعالى- في سورة سأل: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ثم قال: أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ .

وما تضمنه هاتان الآيتان الكريمتان من حفظ الأمانات والعهود جاء مبينًا في آيات كثيرة كقوله -تعالى-: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا .

وكقوله -تعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ .

وقوله -تعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .

وقوله: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ .

ولقد مدح الله الذين هم راعون لأماناتهم، والراعي هو القائم على الشيء بحفظ وإصلاح، وفي الحديث: كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته .

والأمانة تشمل كل ما استودعك الله أمره وأمرك بحفظه، فيدخل فيها حفظ جوارحك عن كل ما لا يرضي الله.

وحفظ ما ائتمنت عليه من حقوق الناس، والأمانات تعم أيضًا جميع الواجبات على الإنسان سواء كان واجبًا عليه ابتداء، وهو ما يتساوى فيه الناس من حقوق الله -تعالى- على عباده كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها، أو كان واجبًا لسبب من الأسباب من حقوق الله -تعالى- كالكفارات والنذور.

وتشمل الأمانات أيضا: حقوق العباد بعضهم لبعض، وهذا لا يتساوى فيه الناس، بل إنما يجب لسبب من الأسباب كالديون والودائع والعواري، ويدخل في ذلك الولايات كالإمامة والإمارة والوزارة والرئاسة والإدارة ورعاية الأسرة والوظائف وتأدية الودائع إلى أصحابها، وغير ذلك مما يؤتمن عليه الإنسان من غير اطلاع بيّنه على ذلك، كل ذلك داخل في الأمانة التي أمرنا الله عز وجل بأدائها في قوله -تعالى-: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا .

وفي حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك .

وفي سماع الحسن من سمرة كلام لأهل العلم، وبهذا يتبين أن الأمانة عامة تشمل جميع الفرائض التي ائتمن الله عليها العباد، وأنها ليست خاصة بالودائع كما قد يتوهمه بعض الناس، وإنما الودائع من الأمانات التي وجبت بسبب من الأسباب لا بأصل الشرع.

والفرائض التي وجبت بأصل الشرع أمانة عامة على كل شخص في الجملة. وهذه هي الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملها وأشفقن منها، كما قال -تعالى-: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ .

وهذا العرض للأمانة على السماوات والأرض والجبال عرض تخيير لا إلزام، ولو ألزمهن الله -عز وجل- لم يمتنعن من حملها؛ إذ الجمادات كلها خاضعة لله -عز وجل- مطيعة له، مسبّحة له، ساجدة له، كما قال -تعالى-: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ .

وقال: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ .

وقال في الحجارة: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ الآية.

ولا تنافي بين تفسيرنا للأمانة بالتكليف، وبين ما روي عن بعض السلف في تفسير الأمانة ببعض الواجبات كما روي عن بعضهم أنه قال: الأمانة الغسل من الجنابة.

وقال بعضهم: الأمانة ثلاثة: الصلاة والصوم، والاغتسال من الجنابة، وقال بعضهم: الأمانة هي الفرائض، وقال آخرون: هي الطاعة، وقال بعضهم: الأمانة: الدين والفرائض والحدود.

وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: الأمانة أداء الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وصدق الحديث، وقضاء الدين، والعدل في المكيال والميزان، وأشد من هذا كله الودائع.

وقال مجاهد الأمانة: الفرائض وحدود الدين.

وقال أبو العالية ما أمروا به ونهوا عنه.

وقال زيد بن أسلم هو الصوم، والغسل من الجنابة، وما يخفى من الشرائع.

وقال بعضهم: هي أمانات الناس، والوفاء بالعهود.

وهذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أُثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفقه الله.

فالأمانة تعم جميع وظائف الدين، فتتناول الصلاة والزكاة وسائر العبادات، وهي عامة في جميع الناس، فتتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال وردّ الظلامات، والعدل في الحكومات، وتتناول مَن دونهم من الناس في حفظ الودائع، والتحرز في الشهادات، والحكم في نازلة من النوازل، وغير ذلك.

ويدخل في ذلك حفظ الجوارح عن المحرمات، فالأُذن أمانة، والعين أمانة، واللسان أمانة، والبطن أمانة، والفرج أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، والعلم أمانة، والعقل أمانة، والولد أمانة، والولاة مؤتمنون ومسئولون، فولي الأمر ورئيس الدولة مؤتمن ومسئول، والأمير مؤتمن ومسئول، والوزير مؤتمن ومسئول، والموظف مؤتمن ومسئول، والمدرس مؤتمن ومسئول، والطالب مؤتمن ومسئول، والرجل في بيته مؤتمن ومسئول، والمرأة في بيت زوجها مؤتمنة ومسئولة، والخادم في مال سيده مؤتمن ومسئول، كما في الحديث الصحيح: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته .

ومن عنده وديعة فهو مأمور بحفظها وردها إلى أهلها، وكل واحد مأمور بأداء الأمانة، قال الله -تعالى-: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا .

وقال ابن عباس لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة، وفي الحديث: أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك .

ومن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لتؤدنّ الحقوق إلى أهلها حتى يقتصّ للشاة الجمّاء من القرناء .

وعن عبد الله بن مسعود قال: إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة يؤتى بالرجل يوم القيامة، وإن كان قد قتل في سبيل الله، فيقال: أدّ أمانتك، فيقول: فأنى أؤديها وقد ذهبت الدنيا؟ فتُمثّل له الأمانة في قعر جهنم فيهوي إليها فيحملها على عاتقه، قال: فتنزل عن عاتقه، فيهوي على أثرها أبد الآبدين".

وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيّب النفس بها - وكان يقول - وأيم الله، لا يفعل ذلك إلا مؤمن، وأدّى الأمانة، قالوا: يا أبا الدرداء وما أداء الأمانة؟ قال -رضي الله عنه-: الغسل من الجنابة، فإن الله -تعالى- لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره .

وقد ورد أن الأمانة ترفع حتى لا يكاد يوجد أحد يؤدي الأمانة، ففي الصحيحين، عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: حدثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثين قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة .

ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك تراه منتبرا، وليس فيه شيء، قال: ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله - قال: فيصيح الناس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن من بني فلان رجلا أمينا، حتى يقال للرجل: ما أجلده وأظرفه وأعقله، وما في قلبه حبة خردل من إيمان، ولقد أتى عليّ زمان، وما أُبالي أبكم بايعت إن كان مسلمًا ليردنّه عليّ دينه، وإن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنّه عليّ ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا .

وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها- أو قال - يكفر كل شيء إلا الأمانة: يؤتى بصاحب الأمانة، فيقال له: أدّ أمانتك، فيقول: أنّى يا رب، وقد ذهبت الدنيا، فيقال له: أدّ أمانتك، فيقول: أنّى يا رب، وقد ذهبت الدنيا، فيقول: اذهبوا به إلى أمّه الهاوية، فيذهب به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هنالك كهيئتها فيحملها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلّت قدمه فهوى في أثرها أبد الآبدين .

قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع .

وقد بيّن الله -تعالى- في كتابه أنه إنما حمَّل بني آدم الأمانة، وهي التكاليف ليعذب المنافقين منهم والمنافقات وهم الذين يظهرون الإيمان خوفًا من أهله، ويبطنون الكفر متابعة لأهله، وليعذب المشركين والمشركات وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله ومخالفة رسله، وليرحم المؤمنين يمن الخلق الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله العاملين بطاعته، فقال -تعالى-: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا .

ومن الأمانة: حفظ الجوارح عما حرم الله -تعالى- فمثلًا الأذن أمانة يجب عليك أن تسمع بها ما ينفعك، وما أمرك الله به كالقرآن الكريم والأحاديث النبوية، وما فيه صلاح للإسلام والمسلمين والمباحات الدنيوية، ولا يجوز أن تسمع بها ما يضر بدنك من اللغو والسب والغيبة والنميمة، وما فيه إفساد ذات البين.

وكذلك العين أمانة فيجب عليك -أيها المسلم- أن تبصر بها ما أباحه الله لك، وما فيه نفع لك في العاجل والآجل. ويحرم عليك أن تنظر بها إلى النساء الأجنبيات والمصورات الخليعات، وما حرم الله النظر إليه.

وكذلك اللسان أمانة، فالواجب استعماله في قراءة القرآن والأحاديث الشريفة، وقراءة الكتب النافعة والدراسة والتدريس، وما أوجبه الله من الأذكار والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد، وحمد الله وشكره، والإصلاح بين الناس، والوعظ والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستعماله في المباحات كالتحدث مع الأهل والضيف والجار والقريب والوالد، والبيع والشراء، وقد يكون ذلك واجبًا.

ويحرم استعمال اللسان في الغيبة والنميمة والسب والشتم، والسخرية بالمسلمين وإفساد ذات البين، والوقوع في أعراض المسلمين وعيبهم وتنقصّهم وازدرائهم واحتقارهم، فمن فعل ذلك فقد خان أمانة اللسان، والله -عز وجل- نهى عن الخيانة في قوله -تعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ .

وفي الحديث: إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب .

وجماع الخير في كف اللسان وصونه كما في حديث معاذ في اللسان: وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخيرهم، إلا حصائد ألسنتهم .

وفي الحديث: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان أخرجه مسلم في صحيحه .

وقال -تعالى-: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا .

وكذلك البطن أمانة فيجب أن لا يدخل فيه إلا ما أباحه الله، فمن أدخل في بطنه شيئًا مما حرم الله عليه، فقد خان أمانة البطن، وقد كان السلف الصالح يحافظون على أمانة البطن، ويتورعون من أكل المتشابه والحرام.

فهذا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- كان له غلام، فإذا أتى إليه بطعام سأله عنه قبل أن يأكله، وذات يوم أتى إليه بطعام فأكل منه لقمة أو لقمتين قبل أن يسأله، نسي من شدة حاجته إلى الطعام، ثم سأله عنه فقال: كنت تكهنت لرجل في الجاهلية، ما أحسن الكهانة، فأعطاني إلا إني خدعته، فأعطاني أجره لذلك الطعام، فأدخل أبو بكر إصبعه في حلقه فقاء ما في بطنه، وقال: كدت والله أن تهلكني، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: كل جسد نبت على السحت فالنار أولى به .

وفي الحديث: أن أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع منكم ألا يدخل في بطنه إلا طيبا فليفعل .

وخيانة الأمانة في البطن لها آثار سيئة، ومن آثارها: عدم قبول الدعاء، كما في قصة الرجل الذي يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك، لما قال سعد يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مجاب الدعوة قال: يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة .

ومن آثارها: عدم قبول الأعمال، كما في حديث: من خرج حاجًا بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في الغرز، ونادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك مأزور غير مبرور .

وكذلك اليد فهي أمانة فيجب أداء الأمانة فيها، وذلك باستعمالها في طاعة الله، والبطش بها فيما أذن الله فيه، والتناول بها لما أباحه الله، فمن استعمل يده في المحرمات، وتناول بها، وبطش بها متجاوزًا ما حده الله ورسوله، فقد خان أمانة اليد.

وكذلك الرجل أمانة، وأداء الأمانة فيها استعمالها في المأذون فيه كالمشي بها إلى الصلوات ومجالس الذكر والعلم والتعليم، وما أباحه الله كالبيع والشراء، أو حثّ الشرع عليه كصلة الأرحام والأقارب والجيران، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن استعمل رجله في المحرمات بأن مشى بها إلى مواطن الرّيب فقد خان أمانة الرجل، وسوف تشهد عليه هذه الجوارح يوم القيامة بما عمل.

قال الله -تعالى-: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .

وفي الحديث: أتدرون من المفلس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: المفلس من أمتي من يأتي بصلاة وزكاة وحج، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار .

وكذلك الفرج أمانة، وأداء الأمانة فيه استعمال هذه الجارحة فيما أباحه الشرع من الزواج والتسري، فمن تجاوز ذلك إلى الزنا، أو اللواط، أو استعمال العادة السرية، فقد خان أمانة الفرج، وهو من المعتدين كما قال -تعالى-: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ .

وكذلك العلم أمانة، وأداء الأمانة فيه العمل به، ودعوة الناس إليه، والصبر على الأذى الذي يحصل بسبب الدعوة إليه، فمن فعل ذلك فقد أدّى الأمانة في علمه، وكان من الرابحين، ومن لم يعمل بعلمه ولم يدع الناس إليه ويصبر على أذاهم فيه، فقد خان الأمانة في علمه، وكان من الخاسرين، كما بين الله ذلك في كتابه في سورة كريمة من قصار السور فقال سبحانه: بسم الله الرحمن الرحيم وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ .

بين الله -تعالى- في هذه السورة الكريمة أن كل إنسان خاسر إلا من علم وعمل ودعا وصبر، فالعلم في قوله -تعالى-: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا والعمل في قوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ والدعوة إليه في قوله: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ والصبر على الأذى في قوله: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ .

ولذلك يقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم، فالواجب على العالم أن يتقي الله ويؤدي الأمانة في علمه، وذلك بالعمل به وتعليم الناس ودعوتهم وإرشادهم والصبر على أذاهم والتحمل لذلك، ومن لم يعمل بعلمه ولم يُرشد ويُعلّم ويدع إليه ويصبر على ذلك فقد خان أمانة الله في علمه وتشبّه، باليهود -عليهم لعنة الله- حيث لم يعملوا بعلمهم، وقد أمر الله في كل ركعة من ركعات الصلاة أن نسأل الله أن يجنبنا طريقهم: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ .

ومن الأمانة التي تجب رعايتها: الولد، فإذا رزقك الله ولدًا ذكرًا، أو أنثى فيجب عليك رعاية هذه الأمانة، وذلك بشكر الله المنعم، وتربية الأولاد تربية إسلامية صحيحة، وذلك بتعليمهم القرآن الكريم، والفقه الشرعي، والعقائد الصحيحة السليمة، وغرس الأخلاق الفاضلة في نفوسهم لحديث: ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن .

وكذا تمرينهم وتدريبهم على فعل الخير، واصطحابهم إلى المساجد ومجالس الذكر، والأخذ بأيديهم عن المزالق الرديئة في معتقداتهم وأخلاقهم وعاداتهم وتصوراتهم وأفكارهم وتأديبهم، ووعظهم عند ارتكاب شيء من ذلك، وإبعادهم عن جلساء السوء كما في حديث: مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحة طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة خبيثة .

وقد أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى تأديبهم فقال: مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع .

وكذلك الأهل أمانة وأداء الأمانة في ذلك تعليم الأهل، وتربيتهم ورعايتهم، والقيام بحقوقهم، والأخذ بأيديهم عما يضرهم، وذلك بأن يعلم الرجل زوجته وابنته، أو أخته، أو من تحت يده أحكام الطهارة والحيض والنفاس، وأحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج، ويعوّدهم على الأخلاق الفاضلة، ويمنعهم من السقوط في مهاوي الرذيلة كالخروج في الشوارع والتجول فيها بدون تحجّب واحتشام للنساء، فمن فعل ذلك، فقد أدى الأمانة، وامتثل أمر الله في قوله -تعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ وقوله: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا .

ومن أرخى لزوجته أو أخته أو بنته العنان، وترك لها الحبل على الغارب فتركا تخرج متى شاءت على أي هيئة شاءت، وترتدي أيّ لبسة شاءت، وتبرز إلى الشوارع في أيّ زي شاءت سواء وافقت تعاليم الإسلام أو خالفته، من فعل ذلك فقد خان الأمانة، وسوف يوقف بين يدي الله، ويسأل عن خيانته وغدره، وينصب لكل غادر لواء يوم القيامة، ويقال: هذه غدرة فلان بن فلان.

وكذلك العقل أمانة وأداء الأمانة فيه استعماله في طاعة الله ورسوله بالتفكير في العلوم النافعة، وفيما فيه مصلحة للإسلام والمسلمين من إرشاد الجاهل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبعد عن الإضرار بالمسلمين والإساءة إليهم وتدبير الحيل، والمكائد ضد المسلمين فمن فعل ذلك فقد أدى أمانة عقله، ومن استعمل عقله في المكر والخديعة، والإضرار بالمسلمين والإساءة إليهم في الخفاء أو في الظاهر، من فعل ذلك فقد خان أمانة العقل، ويخشى عليه أن يكون في عداد المنافقين الذين ظاهرهم مع المؤمنين وباطنهم مع الكفار والمشركين ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب ذئاب.

ومن الأمانة التي تجب رعايتها: ما ائتمن الله عليه بعض عباده من ولاية، أو إمارة، أو وزارة، أو تدريس، أو دراسة، أو وديعة، أو خدمة في مال، أو رعاية من امرأة لأطفال، كل ذلك من الأمانة التي تجب رعايتها، وأداؤها لأهلها، كما أمر الله -عز وجل- بذلك.

فإمام المسلمين وولي الأمر العام يجب عليه أن ينصح لرعيته بإيصال حقوقهم إليهم، والحكم بينهم بكتاب الله وسنة رسوله، ونشر العدل والأمن والرخاء بينهم، والضرب على أيدي العابثين والمفسدين والسفهاء بيد من حديد، وحجز الظالم ومنعه من الظلم، ونصر المظلوم والانتصاف له ممن ظلمه، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ويجب على الرعية مقابل ذلك الموالاة له، والسمع والطاعة، وعدم شقِّ عصا الطاعة وعدم الخروج عليه، والنصح له، والتعاون معه على البر والتقوى، والدعاء له بالتوفيق والهداية والصلاح والنصر والتأييد، وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "وذكر منهم إمام عادل" .

وفي الحديث: ما من والٍ يلي رعيته فيموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة أخرجه مسلم

والقاضي يجب عليه أن يعدل بين الخصوم في لحظه ولفظه ومجلسه، ودخولهما عليه، وأن يحكم بما علم أنه الحق بعد معرفته أو يحكم على جهل، فإن فعل ذلك فقد خان الأمانة، وهو في النار، كما في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاضي في الجنة؛ فقاضي عرف الحق واتبعه فهو في الجنة، وقاضي عرف الحق وعدل عنه فهو في النار، وقاضي حكم على جهل فهو في النار أو كما قال -عليه الصلاة والسلام- .

وفي الحديث: لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل أتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها .

والأمير يجب عليه أن يقوم بإمارته، وينصح لمن ولاه الله ويعدل بينهم، وينتصر للمظلوم، ويأخذ على أيدي السفهاء، فإن فعل ذلك فقد أدى الأمانة.

والوزير يجب عليه أن يقوم بأعمال وزارته في حدود المسئولية الملقاة على عاتقه بأمانة، ونصح وصدق وإخلاص.

والموظف يجب عليه أن يؤدي عمله بإتقان وإخلاص، وأن يحافظ على وقت الدوام، وأن لا ينقص من أوله ولا من آخره، وأن لا يترك المراجعين على أحرّ من الجمر لتأخّره، أو لإهماله وعدم مبالاته، فإن هذا من الأمانة التي يجب رعايتها.

والمدرس يجب عليه أن يخلص في تدريسه، وأن ينصح لطلبته، وأن يوجّههم ويربيهم التربية الإسلامية، وأن لا يلقي الدروس جافة، خالية من التوجيه والإرشاد.

وأن يكون قدوة لطلبته، فإن هذا من الأمانة.

والطالب يجب عليه أن يجتهد في دروسه، وأن ينتبه لما يقلبه المعلم، وأن لا يحاول الغش في الامتحان، وأن يتأدب بآداب طالب العلم من احترامه معلمه وزملائه، فإن هذا من الأمانة، فمن لم يفعل ذلك فقد خان الأمانة.

والمرأة راعية في بيت زوجها، ومؤتمنة على نفسها وعلى أولادها، فيجب عليها أن تحفظ نفسها عن الحرام، وأن تحفظ مال زوجها، وأن ترعى أطفالها، وتربيتهم تربية حسنة، وتجنبهم ما يضرهم، فإن هذا من الأمانة.

والخادم مؤتمن في مال سيده في حفظه وعدم تبذيره، فإن هذا من الأمانة والتفريط فيه من الخيانة، ومن هنا نعلم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أوتي جوامع الكلم حينما قال: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته .

- الصفة السابعة من صفات المؤمنين حفظ العهد:
إن من صفات المؤمنين التي مدح الله أهلها وأثنى عليهم: حفظ العهود والعقود، ومراعاتها والوفاء بها، وقد جاء ذلك في آيات كثيرة في القرآن الكريم، من ذلك قوله -تعالى- في موضعين من كتابه: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وقال -تعالى- آمرًا عباده بالوفاء بالعهود والعقود: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وقال: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا وقال: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ .

وأخبر -تعالى- عن نفسه بأنه لا أحد أوفى منه -سبحانه- بالعهد فقال: وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ وتوعد -سبحانه- من ينقض العهد بوعيد شديد، وهو اللعنة وسوء الدار، فقال: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ .

والوفاء بالعقود والعهود عام يشمل عهود الإيمان والقرآن، والعقود التي يتعاقدها الناس بينهم كعقد الحِلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين، وعقد الإجازة، وغير ذلك، وقد فسر السلف قوله -تعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فقالوا: هي:

1- عهود الإيمان والقرآن.

2- وقيل: العقود: هي العهود، وهي ما أحل الله وما حرم، وما فرض، وما حدّ في القرآن كله.

3- وقيل: العقود: ما أحل الله وحرم، وما أخذ الله من الميثاق على من أقرّ بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام.

وكل هذه الأقوال متفقة المعنى، فإذا عقد الإنسان عقدا وجب عليه أن يفي به، وأن يرعاه ويلتزم به، كما أمر الله -تعالى- بذلك، فإذا عقد يمينًا، أو أوجب على نفسه نذرًا وجب عليه أن يلتزم به، وأن يتحلل منه بكفارة. وكذلك سائر العقود من البيع، أو الإجارة، أو النكاح، أو غيرها.

وهذا هو شأن المؤمنين وهذا هو وصف المؤمنين الخلّص الذين وعدهم الله وراثة الفردوس بين أن من وصفهم رعاية العهد، وقد عقد الله -سبحانه- مع عباده المؤمنين عقدًا، وعاوضهم عن أنفسهم وأموالهم إذا بذلوها في سبيله بالجنة، وتكفّل لمن خرج في سبيله لا يخرج إلا لجهاد في سبيل الله، والتصديق برسول الله إنْ توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى أهله نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة.

وأخبر الله -سبحانه- أنه لا أحد أوفى منه بعهده، فقال: وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ووعد وبشّر من قام بمقتضى هذا العقد، ووفى بهذا العهد بالفوز العظيم، والنعيم المقيم، فقال: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .

وقد بيّن الله في كتابه أن من صفات علماء المؤمنين الوفاء بالعهد، وصلة الأرحام وغيرها، وأخبر أن لهم عقبى الدار وهي العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة، فقال -تعالى-: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ - إلى قوله -: أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ .

كما بين من صفات الأشقياء نقض العهد من بعد ميثاقه، وقطع الأرحام، وأن مصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون فقال -تعالى-: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ .

والنبي -صلى الله عليه وسلم- بين أن من صفة المنافقين الغدر في العهد، ففي الحديث: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان وفي رواية: وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر .

وقد أمر الله بالوفاء بالعهد، وهو ما يعاهد الرجل عليه الناس، والعقود التي يتعامل بها، وما يلتزمه الإنسان على نفسه، وبيّن أن العهد والعقد كل منهما يسأل عنه صاحبه، فقال: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا .

وقيل: المراد بالعهد في هذه الآية: هو الإتيان بما أمر الله به، والانتهاء عما نهى الله عنه، وعلى هذا القول فما يعاهد الرجل عليه الناس، والعقود التي يتعامل بها معهم مما أمر الله بالوفاء به، قال -تعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .

وقد أمر الله -تعالى- بالوفاء بالعهود والمواثيق، والمحافظة على الأيمان المؤكدة، ونهى عن نقض العهود، واتخاذ أيمانها دخلًا وخداعًا، وهدد وتوعد من نقض الأيمان بعد توكيدها، فقال -تعالى-: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ .

ويدخل في نقض العهد نقض البيعة؛ ولهذا قيل: إن هذه الآية نزلت في بيعة النبي -صلى الله عليه وسلم-: كان من أسلم بايع النبي -صلى الله عليه وسلم- على الإسلام، فقال -تعالى-: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ أي: البيعة التي بايعتم على الإسلام، ولا يحملنكم قلة المسلمين وكثرة المشركين على نقض البيعة.

وفي الحديث: إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر - إلا أن يكون الإشراك بالله - أن يبايع رجل رجلًا على بيعة الله ورسوله، ثم ينكث بيعته، فلا يخلفن أحد منكم يدًا ولا يُسْرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون فصل بيني وبينه .

إن كلًا من العهد والعقد يسأل عنه صاحبه يوم القيامة، وقد أخبر الله أن شرّ ما يدب على وجه الأرض هم الذين كفروا، وبين أن من صفاتهم - وخصوصًا اليهود - نقض العهد - عكس ما كان عليه المؤمنون من حفظ العهد والوفاء به-، فالكفار كلما عاهدوا عهدا نقضوه، وكلما أكدّوه بالأيمان نكثوه، فقال -تعالى-: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ .

ولهذا قال بعض السلف إن هذه الآية نزلت في يهود بني قريظة نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأعانوا المشركين بالسلاح على قتال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، فعاهدهم الثانية فنقضوا العهد، ومالئوا الكفار على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الخندق، وبين الله ما يفعل بناقضي العهد، حيث أمر نبيه الكريم بالتنكيل بهم بعد الظفر بهم في الحرب وأسْرهم، وذلك بأن يفعل بهم من القتل والتنكيل ما يُفرّق به جمع كل ناقض، ويخافه من وراءهم لعلهم يحذرون أن ينكثوا، ويصنع بهم مثل ذلك.

فقال -تعالى-: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ومن خشينا خيانته نقضًا لما بيننا وبينهم من المواثيق والعهود، فالواجب علينا نبذ عهده جهرًا لا نقضه غدرًا، وذلك بأن يطرح عهدهم إليهم، فيعلمون أننا قد نقضنا عهدهم حتى يبقى علمنا وعلمهم بأننا حرب لهم وهم حرب لنا، وأنه لا عهد بيننا وبينهم على السواء، فنستوي نحن وهم في ذلك، قال الشاعر:

فاضرب وجوه الغدر للأعداء

 

حـتى يجـيبوك إلـى السواء

وذلك أن الله لا يحب الخيانة حتى ولو في حق الكفار قال -تعالى- في ذلك مخاطبًا نبيه: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ .

يا لها من صفة نبيلة وخلق رفيع، وأدب إسلامي جميل، يربي الله المؤمنين ويهذب نفوسهم، ويسمو بها إلى ذرى الكمال والرفعة، فيأمر المؤمنين بنبذ العهد إلى الكفار حتى يكون الأمر واضحًا لهم جليًّا، سُموٌّا بالمؤمنين عن الغدر والخيانة، فما أجمل الإسلام، وما أروع آدابه وتعاليمه ومثله وأخلاقه.

ولقد كان سلف هذه الأمة يمتثلون أوامر ربهم -عز وجل-، ويقفون عند حدوده، وإذا غفلوا، ثمّ ذكّروا رجعوا في الحال، ولم يتجاوزوا تعاليم الإسلام، ولذلك حصلوا على الشرف والعزة في الدنيا، والكرامة والثواب في الآخرة.

فهذا معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- كان يسير في أرض الروم وكان بينه وبينهم أمد، فأراد أن يدنوا منهم. فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدرًا، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ومن كان بينه وبين قوم عهد فلا يَحُلّن عقده، ولا يشدّها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء قال: فبلغ ذلك معاوية فرجع، فإذا بالشيخ عمرو بن عنبسة -رضي الله عنه-.

وعن سلمان الفارسي -رضي الله عنه- أنه انتهى إلى حصن أو مدينة فقال لأصحابه: دعوني أدعوهم، كما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعوهم، فقال: إنما كنت رجلًا منكم، فهداني الله -عز وجل- للإسلام، فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون، وإن أبيتم نابذناكم على سواء إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها بعون الله، وقد ضرب الله المثل للغدر، ونقض العهد، والمكر فيه بمن تنقض غزلها من بعد قوة أنكاثا، فقال -تعالى-: وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا .

قال عبد الله بن كثير والسدّي هذه امرأة خرقاء كانت بمكة كلما غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه.

وقال مجاهد هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده.

ولهذا قال بعده: تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أي: خديعة ومكرًا، وحذر الله عباده من اتخاذ الأيمان دخلًا - أي: خديعة ومكرًا - لئلا تزل قدم بعد ثبوتها مثل لمن كان على الاستقامة فحاد عنها وذلّ عن طريق الهدى، بسبب الأَيْمان الخائنة المشتملة على الصدّ عن سبيل الله؛ لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده، ثم غدر به لم يبق له وثوق بالدين، فانصدّ بسببه عن الدخول في الإسلام، فقال -تعالى-: وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا .

ولهذا قال بعده: وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ثم نهى الله عباده، وحذرهم عن الاعتياض عن الأَيْمان بالله عرض الحياة الدنيا فإنها قليلة، ولو خيرت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند الله من الجزاء والثواب خير لمن رجاه وآمن به، وحفظ عهده رجاء موعوده فقال -تعالى-: وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ .

وإن المؤمنين يرعون عهودهم ومواثيقهم ويحفظونها، ويحافظون عليها كما وصفهم ربهم بذلك في قوله -تعالى-: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ .

وليس من صفاتهم نقض العهود ونكْثها وعدم الوفاء بها، بل هذا وصف الفاسقين الكافرين، قال -تعالى- عنهم: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقون بنقضه، فقال بعضهم:

1- هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه، وعلى لسان رسله، ونقضهم ذلك هو تركهم العمل به.

2- وقال آخرون: إن هذه الآية في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وعهد الله الذي نقضوه هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها، واتباع محمد -صلى الله عليه وسلم- إذا بعث والتصديق به، وبما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك على الناس بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، فأخبر -تعالى- أنهم نبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا.

3- وقال آخرون: إن هذه الآية تعني جميع أهل الكفر والشرك والنفاق، وعهده إلى جميعهم توحيده، وأمره ونهيه بما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته، وبما احتجّ به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي مثلها، ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت لهم حجته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أنها حق.

4- وقال آخرون: هو العهد الذي أخذه على النبيين وسائر الأمم أن يؤمنون بمحمد -صلى الله عليه وسلم-.

5- وقيل: هو العهد الذي أخذه الله على آدم وذريته، حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصف في قوله -تعالى-: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ونقضهم ذلك تركهم الوفاء به.

قلت: ولا مانع من دخول ذلك كله في معنى الآية الكريمة.

وقد أمر الله بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد -صلى الله عليه وسلم- والوفاء بعهده الذي أخذه في أعناقهم من تصديق محمد -صلى الله عليه وسلم- واتباعه فيُنجز لهم ما وعدهم ويفي لهم بعهدهم من وضع آصارهم والأغلال التي كانت في أعناقهم بذنوبهم، قال -تعالى-: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ .

6- وقيل: المراد بالعهد: عهده إلى عباده دين الإسلام، وأن يتبعوه، ووفاء الله بعهده رضاه عنهم وإدخالهم الجنة.

- الصفة الثامنة من صفات المؤمنين الإعراض عن اللغو:
إن من صفات المؤمنين المفلحين: إعراضهم عن اللغو، وقد بين الله في أول سورة "المؤمنون" أن هذه الصفة "الإعراض عن اللغو" من صفات المؤمنين المفلحين الموعودين بالفردوس، فقال -تعالى-: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ .

ثم قال -تعالى- مبيّنًا لجزائهم بعد ذكر صفاتهم: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .

وأصل اللغو ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، فيدخل فيه اللعب واللهو والهزل، وما توجب المروءة تركه، قال ابن كثير -رحمه الله- على هذه الآية: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ أي: عن الباطل، وهو يشمل الشرك كما قال بعضهم، والمعاصي كما قال الآخرون، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال ا.هـ.

وما أثنى الله به على المؤمنين المفلحين في هذه الآية أشار إليه في مواضع من كتابه كقوله -تعالى-: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا أي: إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه؛ لأن من مرورهم به كرامًا إعراضهم عنه، وعدم مشاركتهم أصحابه فيه، وقد كان السلف الصالح مثالًا أعلى في تطبيق صفات المؤمنين فقد ورد في تطبيق صفات المؤمنين فقد ورد في تطبيق هذه الصفة أن ابن مسعود -رضي الله عنه- مر بلهو فلم يقف، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما ثم تلا إبراهيم بن ميسرة وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا .

وقال مقاتل على هذه الآية: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا، وقيل: اللغو: المعاصي كلها، ومعنى "مروا كرامًا" مسرعين معرضين، يقال: تكرَّم فلانًا عما يشينه إذا تنزّه وأكرم نفسه عنه، ولما كان سلفنا الكرام مثالًا يحتذى به مَن بعدهم إلى يوم القيامة في تطبيق الشريعة، والاتصاف بأوصاف المؤمنين التي نوّه الله عنها في كتابه.

وأثنى على أهلها لما كانوا كذلك حصلت لهم العزة والسيادة والكرامة في الدنيا فاستخلفهم الله في الأرض، ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ونشروا العدل والأمن والرخاء، وفازوا برضاء الرب -تعالى- وجنته وكرامته في الآخرة، وتحقق فيهم وعد الله -تعالى- بقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا .

ما أحرانا وما أجدرنا -أيها المسلم- أن نقتدي بسلفنا صالح في التحلي بصفات المؤمنين وتطبيق أحكام الدين؛ لتحصل لنا العزة والكرامة في الدنيا، والثواب والفوز في الآخرة، وفقنا الله لذلك بمنه وكرمه.

وتفسير بعض السلف للغو بأنه يشمل كل باطل ولهو، وما لا يحمل من القول والفعل لا ينافي تفسير البعض الآخر منهم للغو بالشرك، أو بالمعاصي كلها؛ لأن الشرك والمعاصي من الباطل، بل عين الباطل.

وقد أخبر الله -تعالى- عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أن من أوصافهم أنهم إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، ولا يخالطون أهله، ولا يعاشرونهم، وإذا سفه عليهم سفيه وكلمهم بما لا يليق بهم الجواب عنه أعرضوا عنه، ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح، ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب، قال الله -تعالى- إخبارًا عنهم: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ .

قيل: إن هذه الآية نزلت في نفر من النصارى قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الحبشة حين بلغهم خبره، فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مسألة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عما أرادوا دعاهم إلى الله -تعالى-، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره.

فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش فقالوا لهم: خيّبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال، ما نعلم ركبًا أحمق منكم، أو كما قالوا لهم، فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرًا".

أيها المسلم: إن هذه الحياة قصيرة، فلا مجال فيها للهو واللعب، وساعات العمر معدودة، وما تلفظ من قول إلا لديك رقيب عتيد، فذو العقل الحصيف، والرأي الصائب لا يضيع أوقاته وساعاته المحدودة المعدودة في لهو وباطل، ومخالطة ومعاشرة لأهله، بل يَرْبَأ بنفسه عن مثل ذلك، ولا يُقحمها فيما فيه هلاكها، بل العاقل يكون على الهمة، طاهر النفس، يحمل نفسه على مكارم الأخلاق، ومعالي الأمور، ويبتعد عن الرذائل وسفاسف الأخلاق، لا سيّما وديننا الحنيف يأمرنا بذلك، ويحثنا على التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن السجايا، ويُنَوّه بالمؤمنين ويثني عليهم في اجتنابهم اللغو وإعراضهم عنه، ويعدهم على ذلك الثواب الجزيل، ويخبر أنهم أهل الفلاح.

فكن يا أخي من هؤلاء، لعلك تحظى بالفلاح والفوز العظيم. رزقنا الله العلم النافع، والعمل الصالح، وجعلنا ممن يستمع القول فيتّبع أحسنه.

- الصفة التاسعة من صفات المؤمنين فعل الزكاة:
من صفات المؤمنين المفلحين الذين وعدهم الله الفردوس: "فعل الزكاة" قال -تعالى-: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ثم قال: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ .

أخي المسلم: ما المراد بفعل الزكاة الذي هو من أوصاف المؤمنين المفلحين؟ في المراد بالزكاة في هذه الآية وجهان من التفسير، معروفان عند أهل العلم

أحدهما: أن المراد بها زكاة الأموال، وإن كانت الآية مكية إلا أن أصل الزكاة فرض بمكة قبل الهجرة، وأما الزكاة التي فرضت بالمدينة فهي ذات النصب والمقادير الخاصة، وعلى هذا التفسير فيكون من أوصاف المؤمنين فعل الزكاة، ودفعها من أموالهم للمستحقين، ولا شك أن زكاة الأموال تزكي النفوس، وتطهرها من الشح والبخل، وتسمو بها إلى البذل والإنفاق، واليد العليا خير من اليد السفلى وهي الآخذة.

والثاني: أن المراد بالزكاة: زكاة النفس أيْ: تطهيرها من الشرك والمعاصي بالإيمان بالله، وطاعته وطاعة رسوله، وهذا المعنى جاء في آيات كثيرة، كقوله -تعالى-: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا - إلى قوله تعالى -: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا أي: طهّر نفسه من الشرك والمعاصي، وكقوله -تعالى-: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وكقوله -تعالى-: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا .

ويؤيد هذا التفسير أن الآية مكّية، وأنه لم يُعبّر في الآية بالإيتاء، ولم يقرنها بالصلاة، فدلّ على أن المراد بها زكاة النفس من دنس الشرك والمعاصي، ولا مانع من إرادة المعنيين من الآية فيكون من وصف المؤمنين تزكية النفوس وتزكية الأموال.

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "وقد يحتمل أن المراد بالزكاة هنا زكاة النفس من الشرك والدنس - إلى أن قال-: ويحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادًا وهو زكاة النفوس، وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا" ا.هـ.

وإذا عرفت -أخي المسلم-: أن من صفات المؤمنين الفائزين فعل الزكاة - وسواء كان المراد بها زكاة المال أو زكاة النفس، فإن ذلك يطهر النفس ويزكّيها ويُصفّيها، ويجلوها ويصقلها من أدران المعاصي والشحّ والبخل.

فزَكّ نفسك يا أخي، وزكّ مالك لتُنقّي نفسك مما علق بها من أدران المعاصي والبخل لتفوز بما وعد الله به الذين هم للزكاة فاعلون من الفلاح، ووراثة الفردوس في الآخرة. نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه.

10- الصفة العاشرة من صفات المؤمنين التصديق بيوم الدين:
من صفات الإنسان المحمودة التي تستحق الثناء: "التصديق بيوم الدين"، والتصديق بيوم الدين هو أن يوقن المسلم بالمعاد والحساب والجزاء، فيعمل عمل مَن يرجو الثواب، ويخاف العقاب.

وهذه الصفة إنما تكون لمن عصمه الله ووفقه وهداه إلى الخير، ويسّر له أسبابه، وإلا فالإنسان من حيث هو متصف بصفات الذم، ومجبول على الأخلاق الدنيئة إذا مسه الضرّ فزع وجزع، وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير، وإذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله -تعالى- فيها إلا من عصمه الله، فأدام الصلاة، وصدّق بيوم الدين، وخاف من عذاب الله، واتصف بالصفات الحميدة التي جاء بها الإسلام.

قال الله -تعالى-: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ - إلى قوله تعالى-: وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ .

هكذا -أيها المسلم- يكون التصديق بيوم الدين من أوصاف الإنسان المحمودة التي يستحق المدح والثناء عليها، كيف لا وهو حافز قوي على التحلّي بمكارم الأخلاق، وتطبيق تعاليم الإسلام السمحة، والبعد عن سفاسف الأمور ودنايا الأخلاق، كيف لا والتصديق بيوم الدين من الإيمان بالغيب الذي أثنى الله على أهله، وأخبر أنهم مهتدون، ومن أهل الفلاح، قال الله -تعالى-: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ - إلى قوله -: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .

فلا عجب بعد هذا أن يعد الله من صدق بيوم الدين مع بقية الأوصاف الأخرى بالإكرام في الجنات، قال الله -تعالى-: أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ .

وما ذاك يا أخي المسلم إلا لأن المصدق بيوم الدين يعلم أنه بعد انقضاء هذه الحياة الدنيا سيكون هناك معاد وبعث للأجساد من قبورها، ثم وقوف بين يدي الله -عز وجل-، ثم حساب على الصغير والكبير والحسن والسيئ، ثم جزاء عليها جزاء على الحسنة بالثواب وعلى السيئة بالعقاب: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ .

وهناك ميزان توزن فيه أعمال العباد صغيرها وكبيرها، حتى الخردلة: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ، وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا .

فمن عمل صالحًا ثقلت موازينه فأفلح وفاز بالجنات، ومن عمل سيئًا خفت موازينه فهلك وخسر وخاب بدخول النار وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ .

والتصديق بيوم الدين يبعث على العمل الصالح ويزجر عن السيئات، هذا التصديق بهذا اليوم العظيم، وهو يوم الدين الذي هو قائم بالقلب يبعث على العمل رغبة ورهبة، رغبة فيما عند الله من الكرامة ورهبة فيما عنده من العقوبة والعذاب الشديد.

فإذا أيقن المسلم بيوم الدين، وصدق تصديقًا جازمًا لا يعتريه شك عَمِل على نجاة نفسه، وتخليصها من أوضارها ودنسها الذي يهلكها، والنهوض بها إلى ما فيه عزها وكرامتها، كيف لا هو يقرأ قول الله -تعالى- في جزاء الكافرين والمؤمنين في الآخرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا .

تالله إن آيات القرآن لو خوطب بها جبل لتصدع: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فكيف بالإنسان ذي الإحساس والشعور، فكيف بالمسلم الذي هذّب الإسلام نفسه، وصفى سريرته، وجعله رقيبًا على نفسه، وسما به إلى الإيمان بالمغيبات، فصدق بيوم الدين، فوعده الله على ذلك الإكرام في الجنات.

إن المصدّق بيوم الدين -أخي المسلم- يتحتَّم عليه أن يراقب الله في سرّه وعلنه، وأن يحافظ على آداب الإسلام وتعاليمه فيرعاها، إن المصدق بيوم الدين يسارع إلى الخيرات ويضْرع إلى الله بالدعاء رغبة ورهبة، ليكون في عداد من قال الله فيهم: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ .

إن المصدق بيوم الدين وجل القلب من الله، يخشى عقابه فيجتنب محارمه ومساخطه ومناهيه، إن المصدق بيوم الدين يعتز بإسلامه، فقد رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -عليه الصلاة والسلام- رسولًا ونبيًا، إن المصدق بيوم الدين يقيم إسلامه بأركانه الخمسة؛ فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج البيت مع الاستطاعة.

إن المصدق بيوم الدين يتصوّر وقوفه بين يدي الله للحساب فيتمسك بما جاء به الإسلام من تصورات ومُثُل وسلوك، لاعتقاده أن الفخر والاعتزاز بما جاء به الإسلام كيف لا، وقد رضيه الله لنا دينا: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ولا يقبل الله من أحد دينًا سواه: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ .

إن كل ما سبق يا أخي الكريم نتيجة حتمية للتصديق بيوم الدين. وضعفه أو نقصه من ضعف، أو نقص التصديق بيوم الدين.

- الصفة الحادية عشرة من صفات المؤمنين الإشفاق من عذاب الله:
إن من صفات المؤمنين التي نوّه الله بها، وأثنى على عباده في اتصافهم بها: الإشفاق من عذاب الله، والخوف من عقابه وسطوته، فإن الله شديد العقاب كما أنه غفور رحيم، كما قال -تعالى-: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ .

وهذه الصفة -أيها المسلم- وهي الخوف والوجل والإشفاق من عذاب الله، إذا وجدت في القلب انبعثت الجوارح على العمل فعلًا وتركًا؛ فعلا للأوامر وتركًا للنواهي، وما أُرسلت الرسل وما أُنزلت الكتب إلا لتكليف العباد بالأوامر والنواهي، ومن أجل هذا استثنى الله -سبحانه وتعالى- من وجدت فيه صفة الإشفاق والخوف من عذاب الله استثناه من الكثير والغالب المطبوع، والمجبول على الأخلاق الدنيئة من الجزع عند الإمساس بالشر والمنع عند حصول الخير، فقال -تعالى-: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ .

ثم ذكر من أوصافهم: الخوف من عذاب الله فقال: وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ثم بين جزاءهم، وأنه الإكرام في الجنات، فقال -تعالى-: أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ وذلك أن عذاب الله لا يأمنه أحد ممن عقل عن الله أمره إلا بأمان، ولهذا قال -تعالى-: إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ .

فالخوف والوجل حاد يحدو بالإنسان إلى ما يرضى، وباعث يبعثه على العمل لما يقرب من الله من عبادته وتوحيده وطاعته، مع الإحسان والإتقان والإخلاص، واجتناب ما يسخطه من الشرك والمعاصي والفسوق والعصيان، ولهذا ذكر الله -تعالى- أن من أوصاف الأبرار المنعّمين في الجنات، يشرب الكأس الممزوج بالكافور، ذكر من أوصافهم: الخوف والوجل من أهوال يوم القيامة، فقال -تعالى-: إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا .

ثم ذكر من أوصافهم وأعمالهم التي بها فازوا بهذا النعيم قولهم: إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ثم قال -تعالى- مبينا أنه أمنهم مما يخافون وأعطاهم ما يطلبون، فقال -تعالى-: فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا .

وقد توعد الله -تعالى- مَنْ أمن مكر السيئات بالخسف أو العذاب بغتة من دون أن يشعر، فقال: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ .

وبين الله -تعالى- في آية أخرى أن من يأمن مكر الله خاسر، فقال: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ .

وبين -تعالى- أنه يسجد له ما في السماوات وما في الأرض من دابة ومن ملائكته وأنهم لا يستكبرون عن عبادة الله، بل يفعلون ما يأمرهم الله به خوفًا من ربهم العالي بذاته وقهره وقدره، فقال: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ .

وهذه الصفة من أوصاف المؤمنين العظيمة التي استحقوا بها الإكرام في الجنات، وهي الخوف والوجل من عذاب الله من أعمال القلوب العظيمة التي تبعث على إحسان أعمال الجوارح، وذلك أن من قام بقلبه الخوف أسرع في السير إلى ربه التقرب إليه بما يرضيه، والبعد والحذر مما يسخطه.

من أسرع في السير يوشك أن يصل إلى ما يريد، كما في الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة .

وقد أثنى الله -تعالى- على أهل الخشية، والخوف مع إحسان العمل وإتقانه، وبين أنهم يُعطون العطاء، وهم خائفون أن لا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط، وبيّن أنهم يبادرون إلى الأعمال الصالحة، وأنهم إليها سابقون، فقال -تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ أي: هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله، خائفون منه، وجلون من مكره بهم.

ثم قال -تعالى- في آخر أوصافهم: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ .

وفي المسند والترمذي عن عائشة -رضي الله عنه- قالت: قلت: يا رسول الله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ هو الذي يزني، ويشرب الخمر، ويسرق؟ قال: لا، يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا تقبل منه .

قال الحسن البصري -رحمه الله-: " عملوا والله بالطاعة واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا".

وقد أمر الله -تعالى- بالخوف والخشية والرهبة منه وتقواه -عز وجل-، فقال -تعالى-: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وقال فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وقال: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وقال: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ .

وبيّن أن العلماء العاملين هم أهل خشيته الكاملة، فقال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ وإن كان كل مؤمن يخشى الله، والخوف من الله هو أصل كل خير.

ومن كلام أبي سليمان الداراني " وأصل كل خير في الدنيا والآخرة: الخوف من الله -عز وجل-" ا.هـ. وذلك أن من يخاف الله -عز وجل- لا يصر على معصيته، ومن لم يخف الله لا تؤمن غوائله وغدره وخديعته ومكره، بل يتغير بتغير الأحوال والأغراض، قال الله -تعالى-: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا .

وكما قيل: من لم يخف الله خف منه، فالخوف من الله -أيها المسلم- يجعل على الإنسان من نفسه رقيبًا في جميع حركاته وسكناته، فلا يتحرك ولا يسكن، ولا يفعل شيئًا، ولا يترك شيئًا إلا وفق تعاليم الإسلام السمحة امتثالًا لما يطلبه، ويأمر به ويرغب فيه واجتنابًا لما تحظره عليه وينهاه عنه، فالخوف رافع وباعث على العمل، وحاجز ومانع ورادع عن كل ما يكون سببًا في الهلاك والشقاء والخيبة والحرمان.

رزقنا الله الخوف والخشية من الله والإشفاق من عذابه، بمنه وكرمه.

- الصفة الثانية عشرة من صفات المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
إن من صفات المؤمنين التي أثنى الله بها عليهم، وبيّن أنها من أسباب الرحمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله -تعالى-: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .

ثم ذكر الله جزاءهم الطيب وثوابهم الجزيل فقال: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوصاف الذين ينصرون الله الموعودين بنصر الله، قال الله -تعالى-: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ .

وهذه الأمة المحمدية جعلها الله خير أمة بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، مع الإيمان بالله، قال الله -تعالى-: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ .

وأوجب على هذه الأمة أن تكون منها طائفة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأخبر أنهم -بذلك- صاروا من أهل الفلاح، ونهاهم عن التفرق والاختلاف؛ لأنه من أسباب الهلاك، فقال: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ .

وأثنى الله على طائفة من أهل الكتاب وذكر أن من أوصافها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبين أنها داخلة في عداد الصالحين، فقال -تعالى-: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ .

ونعت الله المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله، وعاوضهم بها الجنة، ونعتهم بصفات جميلة وخلال جليلة، ومن هذه الصفات أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقال -تعالى-: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ .

ثم نعتهم فقال: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ .

وقد أمر الله نبيه أن يأمر عباده بالمعروف، فقال: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ والمراد بالعرف المعروف، وكل ما يعرفه الشرع، ويدخل في ذلك جميع الطاعات، فالأمر بالمعروف دعوة إلى الله وإلى شرعه، فهي سبيل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسبيل أتباعه، قال الله -تعالى-: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي .

وقد أمر الله نبيه أن يدعو إلى سبيله، وأن تكون دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي أحسن، فقال -تعالى-: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وخطاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- خطاب لأمته فتكون مقصود بالخطاب.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلق من أخلاق المؤمنين ووصف من أوصافهم الحميدة، وما ذاك إلا لأنه دعوة إلى الله وإلى دينه، وما انتشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها إلا بالدعوة إليه، وبيان محاسنه وفضائله وآدابه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن الداعية إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يصيبه أذى، فهو محتاج إلى الصبر على ما يصيبه من أذية الناس له بالقول أو بالفعل، ومن وصية لقمان الحكيم لابنه فيما حكى الله عنه إقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى، قال الله -تعالى- حكاية عنه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ .

وقد أقسم الله -تعالى- أن كل إنسان خاسر إلا من آمن وعمل، ودعا إلى الله، وصبر على ذلك، فقال -تعالى-: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ .

فشملت هذه السورة -على قصرها- جميع شرائع الإسلام، وعلى ما فيه الربح والفلاح والفوز وهو الإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، ولذلك يقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: لو لم ينزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ينبغي له أن يعرف ثلاثة أمور قررها أهل العلم:

الأول: أن يعرف ما يأمر به وما ينهى عنه.

الثاني: أن يكون رقيقًا فيما يأمر به، وفيما ينهى عنه.

الثالث: أن يكون صابرًا على ما يصيبه من الأذى في ذلك.

كما قرر أهل العلم أنه إذا كان يحصل بسبب إنكار المنكر افتراق، أو كان يترتب على إنكاره حصول منكر أعظم منه لم يجز إنكاره؛ لأن الإنكار في هاتين الحالتين مضرة على الدين والدنيا، والمسلم يسعى فيما فيه صلاح دينه ودنياه، فالواجب على من أراد إنكار المنكر أن يعرف -أولًا- أن هذا مخالف لأمر الله، فإن المعرفة أول درجات الإنكار، فلا يجوز إنكار مسألة لا يعرف حكم الله فيها، ثم يجب عليه -ثانيًا- إذا ذُكر له منكر التثبت وعدم التسرع والعجلة؛ لأن الله -تعالى- يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا .

فإذا ظهر وتبين وتحقق أنه منكر، وجب عليه -ثالثًا- الإنكار بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، فإن ذلك أدعى إلى القبول، قال الله -تعالى-: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .

وإذا كان الله -تعالى- نهى عن مجادلة من لم يظلم من أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن في قوله -تعالى-: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فغيرهم من الأمة المحمدية أولى بأن لا يجادل من لم يظلم منهم إلا بالتي هي أحسن، ثم إنه يجب على المُنْكِر -رابعًا- أن يعمل بالظاهر، وأن لا ينقّب عن السرائر، ويفتش عن ما خفي أمره.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة المؤمنين الموعودين برحمة الله -تعالى-، وما ذاك إلا لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحصل به مصالح عديدة من انتشار فضائل الإسلام ومحاسنه، وتقليل الشر والفساد.

ولذا عدّه بعض العلماء ركنًا سادسًا من أركان الإسلام، وكان يجب أن يكون الرفق والحكمة من صفات الآمر والناهي ؛ لأن الاستجابة والقبول -في الغالب- أثران من أثر الرفق والحكمة، وكثير من القضايا يستجاب فيها لمن يرفق، ولا يستجاب لمن يعنّف أو يشتد، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على الشدة، والله -تعالى- يقول لنبيه الكريم: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ .

وإنكار المنكر يجب بحسب الاستطاعة، فهو فرض باليد واللسان والقلب مع القدرة، فأما فرضه باليد واللسان فإنه من فروض الكفايات؛ إذا قام به طائفة سقط عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا، وأما القلب فلا يسقط عنه بحال، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- وفي رواية: وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل .

وإن خاف من إنكار المنكر باليد أو باللسان حصول منكر أعظم سقط الإنكار وأنكر بقلبه، فقد نصّ العلماء على أن المنكر إذا لم يحصل إنكاره إلا بحصول منكر أعظم منه أنه لا ينبغي، وذلك لأن مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من آكد الأصول الإسلامية، وأوجبها وألزمها، وقد ألحقه بعض العلماء بالأركان التي لا يقوم بناء الإسلام إلا عليها، وعند أكثرهم هو من فروض الكفاية لا يسقط عن المكلفين إلا إن قام به طائفة يحصل بها المقصود الشرعي.

وفرض الكفاية آكد من فرض العين من جهة متعلقة؛ لأن الخطاب به لجميع الأمة، والنصوص الشرعية الدالة على وجوبه لا تخفى على آحاد العامة من المسلمين فضلًا عن الطلبة والمتعلمين وإنما أُرسلت الرسل وأُنزلت الكتب للأمر بالمعروف الذي رأسه وأصله التوحيد، والنهي عن المنكر الذي رأسه وأصله الشرك، وشرع الجهاد لذلك، وهو قدر زائد على مجرد الأمر والنهي، ولولا ذلك ما قام الإسلام ولا ظهر دين الله ولا علت كلمته، ولا يرى تركه والمداهنة فيه إلا من أضاع حظه ونصيبه من العلم، وتركه على سبيل المداهنة والمعاشرة، وحسن السلوك كما يفعله بعض الناس أعظم ضررًا، وأكبر إثمًا من تركه لمجرد الجهالة.

إذ أن هذا الصنف من الناس رأوا أن السلوك وحسن الخلق، ونبل المعيشة لا يحصل إلا بذلك فخالفوا الرسل وأتباعهم، وخرجوا عن سبيلهم ومناهجهم؛ لأنهم يرون العقل إرضاء الناس على طبقاتهم مسالمة لهم، واستجلابا لمودتهم ومحبتهم، وهذا مع أنه لا سبيل إليه فيه إيثار للخطوط النفسانية والدعة والراحة، وترك المعاداة في الله، وتحمّل الأذى في ذاته، وهذا في الحقيقة هو الهلكة في الآجلة، فما ذاق طعم الإيمان من لم يوال في الله ويعاد فيه، فالعقل والرزانة والرشد في ما يوصل إلى رضى الله ورسوله، وهذا إنما يحصل بمراغمة أعداء الله، وإيثار مرضاة الله، والغضب إذا انتهكت محارم الله.

وقد دلت النصوص على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى وجوبه، وأن القائم به خير الناس وأفضلهم، وأن الخيرية لا تحصل إلا بذلك، وأن الفلاح محصور في أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الفوز بالسعادة الأبدية، وقد وردت نصوص كثيرة في الوعيد على تركه، مثل قوله -تعالى-: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ .

ففي هذه الآية لعنهم على ألسن أنبيائهم بترك النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، واللعن هو الطرد والإبعاد عن الله وعن رحمته، وجاء في معنى الآية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديث: إن من كان قبلكم كانوا إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه الناهي تعذيرًا، فإذا كان الغد جالسه وواكله وشاربه، كأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفس محمد بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه عن الحق أطرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم .

وذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله -عز وجل- إلى يوشع بن نون إني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم، وستين ألفًا من شرارهم، قال: يا رب هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار، قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يواكلونهم ويشاربونهم.

وذكر أيضا من حديث عمر لينقضنّ الإسلام عروة عروة حتى لا يقال: الله الله، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم، ولتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم ولا يوقر كبيركم .

وفي المسند مرفوعًا: يا أيها الناس، إن الله يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم .

وفي حديث ابن عباس وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم .

وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: " يوشك القرى أن تخرب وهي عامرة، قالوا: كيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها، وساد القبيلة منافقوها".

وفي بعض الآثار: أن الله أوحى إلى جبرائيل أن اخسف بقرية كذا وكذا، فقال: يا رب، إن فيهم فلانًا العابد قال: به فابدأ، إنه لم يتمعّر وجهه فيّ قط، وذكر ابن عبد البر أن الله بعث ملكين إلى قرية ليدمراها، فوجدا فيها رجلًا قائمًا يصلي، فقال الله -عز وجل-: دمّراها، ودمّراه معهم، فإنه ما تمعّر وجهه فيّ قط".

فإنكار المنكر -أيها المسلم- والغضب لله ينشأ من حياة القلب وغيرته وتعظيمه، وإذا عدم الحياة والغيرة والتعظيم، وعدم الغضب والاشمئزاز، وتساوى عنده الخبيث والطيب في معاملته وموالاته ومعاداته، فأيّ خير يبقى في قلبٍ هذا شأنه، ولو لم يكن إلا مشابهة المغضوب عليهم والضالين في الإنس بأهل المعاصي، ومواكلتهم ومشاربتهم لكفى بذلك عيبًا وذمًّا.

 

فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعرف منافقين بأعيانهم ويقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، فإذا ظهر منهم وتحقق ما يوجب جهادهم جاهدهم، وكذلك كان الصحابة -رضي الله عنهم- فإن عمر قتل منافقًا أظهر نفاقه، وأعلن أنه لم يرض بحكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوام دين الله -عز وجل- وتركه وإهماله، سبب لحلول العقوبات والمثلات، والطرد والإبعاد عن رحمة الله، كما قال -تعالى-: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثم بيّن سبب اللعن فقال: كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ .

وقد قصّ الله علينا في القرآن الكريم قصة أصحاب السبت لنأخذ العبرة لئلا يصيبنا ما أصابهم، وأن أهل هذه القرية صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت الذي نهاهم الله عن الاصطياد فيه، وفرقة أخرى نهتهم عن ذلك واعتزلتهم، وفرقة سكتت، فلم تفعل المنهي عنه ولم تنه عن فعلته، ولكنها قالت للفرقة المنكرة: لم تنهون هؤلاء، وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله، فلا فائدة في نهيكم إياهم، فقالت الفرقة المنكرة لهم: نفعل ذلك معذرة إلى ربكم فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولعل لهذا الإنكار يؤثر فيهم فيتّقون ما هم فيه ويتركونه، ويرجعون إلى الله تائبين، فلما أبى الفاعلون للمنهي عنه قبول النصيحة نجّى الله الناهين، وأهلك الظالمين.

وانظر -أخي المسلم- إلى هذه الآيات التي يقصها عليك رب العزة والجلال في شأن أصحاب السبت وفرقهم الثلاث، يقول الله -تعالى-: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ .

فنص الله على نجاة الناهين وهلاك الظالمين، وسكت عن الساكتين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحا فيمدحون ولا ارتكبوا عظيمًا فيذمون، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم: هل كانوا من الهالكين أو من الناجين؟ على قولين:

أحدهما: أن الساكتين كانوا من الناجين.

والثاني: أن الساكتين كانوا من الهالكين.

قال أبو زيد نجت الناهية، وهلكت الفرقتان، وهذه أشد آية في ترك النهي عن المنكر( ولكن الشيطان قد فتح للكثير من الناس أبوابا من الشر في إسقاط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألقاها على أناس يظنون أنهم مهتدون فاعتقدوها أعذارًا لهم، وإنما هي من زخارف الشياطين).

نسأل الله العفو والعافية، فان هؤلاء قد التمسوا رضى الناس بسخط الله، ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس.

نستجير بالله من غضبه ومن أليم عقابه، ونعوذ برضاك -اللهم- من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناء عليك.

أخي المسلم: إن من حكمة الله -تعالى- أن ابتلى عباده المؤمنين الداعين إلى الله، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، أتباع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة إلى دين الله، ابتلاهم بثلاثة أصناف من الناس، وكل صنف له أتباع، الصنف الأول: من عرف الحق فعاداه حسدًا وبغيًا كاليهود فإنهم أعداء الرسل والمؤمنين كما قال -تعالى-: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ وقال: وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .

الصنف الثاني: أهل الأموال الذين فتنتهم دنياهم وشهوتهم، فهم لا يقبلون الحق لما يعلموا من أن الحق يمنعهم من كثير مما أحبوا وألفوا من شهوات، فلم يعبئوا بداعي الحق، ولم يقبلوا منه، والناس تبع لهم في ذلك، وقد قال الله في هذا الصنف: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .

الصنف الثالث: الذين نشئوا في باطل وجدوا عليه أسلافهم، فهم يظنون أنهم على حق، وغيرهم على الباطل، فهؤلاء لا يعرفون إلا ما نشئوا عليه، وهم يحسبون إنهم يحسنون صنعًا، وقد قال الله على هذا الصنف: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ وقال: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ .

وكل هذه الأصناف الثلاثة وأتباعهم أعداء الحق من لدن زمن نوح -عليه الصلاة والسلام- إلى أن تقوم الساعة، فالواجب على المسلم أن يقوم بهذا الواجب العظيم -واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-، وليعلم أن الله مبتليه في هذه الحياة الدنيا ليظهر صدقه وصبره، ووقوفه أمام الحق ودعوته إلى الله، وإلا فالله قادر على هداية الناس في لحظة واحدة، قال الله -تعالى-: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ولا تجوز المداهنة في دين الله، وكم كان الكفار يودّون مداهنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ .

والعقوبات إذا نزلت فالمداهن داخل فيها، كما قال الله -تعالى-: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ؛ لأن الساكت المداهن عاصي لله ورسوله، ويشهد لهذا ما جاء عن بعض السلف " أن الساكت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق".

فلو علم المداهن الساكت أنه من أبغض الخلق عند الله، وإن كان يرى أنه طيب لتكلم وصدع بالحق، ولو علم طالب رضى الخلق بترك الإنكار عليهم أنه عاصي لله تارك للواجب، وإن كان يظن أنه مطيع لله من مداهنته ونزع، ولو تحقق من بخل بلسانه عن الصدع بأمر الله إنه شيطان أخرس، وإن كان صائما قائما لما اختار مشابهة الشيطان لسكوته عن الحق.

وفي الحديث، عن النعمان بن بشير مرفوعا: مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة، فصار لبعضهم أعلاها ولبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا أخرجه البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما.

فتأمل هذا الحديث، فإنه كاف لك في معرفة عظم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق الله الجميع لمرضاته

- الصفة الثالثة عشر من صفات المؤمنين المتقين الإنفاق في السراء والضراء:
وقد ذكر الله -تعالى- هذه الصفة من صفات المتقين الذين أعد لهم الجنة مع أوصاف أخرى، جزاء لهم على أعمالهم الطيبة الصالحة، مع وعدهم بالمغفرة من ربهم لذنوبهم، قال -تعالى-: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ .

ومعنى الإنفاق في السراء والضراء أي: في الشدة والرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال -تعالى- في الآية الأخرى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً .

ثم ذكر جزاءهم فقال: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وقال -تعالى-: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا فهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله، والإنفاق في محابه.

وقال -تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ومراضيه، والإحسان إلى خلقه من قرابتهم وغيرهم بأنواع البر، كما قال -تعالى-: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ .

وفي الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فذكر منهم رجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه .

وفي الحديث القدسي يقول الله -تعالى-: أنفق يا ابن آدم ينفق عليك متفق عليه، من حديث أبي هريرة وقد قال الله -تعالى- في كتابه العظيم: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وقال -تعالى-: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ وقال -تعالى-: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ .

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها أخرجه البخاري ومسلم

ومعنى الحديث: ينبغي أن لا يغبط أحد إلا على هاتين الخصلتين، وعن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: اتقوا النار، ولو بشق تمرة أخرجه البخاري ومسلم

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر رواه البخاري

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا رواه البخاري ومسلم

وقال -عليه الصلاة والسلام-: أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله -تعالى- بها الجنة رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا يعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عز وجل رواه مسلم

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رجلا سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت، ومن لم تعرف متفق عليه.

وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنها- قالت: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا توكي فيوكي الله عليك وفي رواية: أنفقي أو انفحي أو انضحي، ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك متفق عليه ومعنى: انفحي بالحاء المهملة وكذا انضحي، معناه: أنفقي.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد، من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وقرت على جلده حتى تختفي بناه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسّعها فلا تتّسع متفق عليه والجُنّة هي الدرع.

وقال -عليه الصلاة والسلام-: من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ويقبل الله إلا الطيب- فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل متفق عليه، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- والفلوّ: المهر، وقول: بعدل تمرة أي: بقيمتها.

14- الصفة الرابعة عشر من صفات المؤمنين كظم الغيظ:
وقد ذكر الله -تعالى- هذه الصفة في أوصاف المتقين الذين وعدهم بالمغفرة لذنوبهم، وأعدّ لهم الجنة جزاء لهم على أعمالهم الصالحة الطيبة، وأمر عباده بالمسارعة إلى المغفرة والجنة، وذلك يكون بالمسارعة إلى أسباب ذلك، وهي الأعمال الصالحة، فقال -تعالى-: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ .

وكظم الغيظ: رده في الجوف، يقال: كظم غيظه، أي: سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بعدوّ، وكظمت السقاء أي: ملأته وسددته عليه، والكظامة ما يسدّ به مجرى الماء، وفيه رجل كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئًا غمًّا وحزنًا، وفي القرآن الكريم: وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ وقوله ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ وقوله إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ .

والغيظ أصل الغضب، وكثيرا ما يتلازمان، لكن فرقان ما بينهما: أن الغيظ لا يظهر على الجوارح بخلاف الغضب، فإنه يظهر في الجوارح مع فعل ما، ولا بد .

فوصف الله -تعالى- المتقين بقوله: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ أي: الجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، والمعنى: أنه إذا ثار بهم الغيظ كظموه أي: كتموه، فلم يعملوه ؛ إذ الكظم حبس الشيء عند امتلائه، وكظم الغيظ أن يمتلئ غيظًا فيرده في جوفه ولا يظهره.

ومنه قوله -تعالى-: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ليس الشديد بالصُّرعَة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب أخرجه أحمد والبخاري ومسلم

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رجلا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- أوصني، قال: لا تغضب فردد مرارا قال: لا تغضب رواه البخاري

وقال -عليه الصلاة والسلام-: إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من نار، وإنما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ رواه الإمام أحمد وأبو داود

وعن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما من جُرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد الله إلا ملأ الله جوفه إيمان أخرجه الإمام أحمد

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: وإسناده حسن ليس فيه مجروح، ومتنه حسن.

- الصفة الخامسة عشرة من صفات المتقين العفو عن الناس:
وقد ذكر الله -تعالى- هذه الصفة في أوصاف المتقين الذين وعدهم بالمغفرة لذنوبهم، وأعد لهم الجنة جزاء لهم على أعمالهم الصالحة، وأمر عباده بالمسارعة إلى المغفرة والجنة، وذلك بالمسارعة إلى أسباب ذلك وهي الأعمال الصالحة، فقال -تعالى-: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ .

فقوله -تعالى- في هذه الآية: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ أي: عمن ظلمهم وأساء إليهم، وهذا عام وهو ظاهر بالآية، فهم مع كف الشرّ يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال.

والعفو عن الناس من أجلّ ضروب الخير، حيث يجوز للإنسان أن يعفو، وحيث يتّجه حقه، وكل من استحق عقوبة فتركت له، فقد عُفي عنه.

وفي الحديث: ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا يعفو إلا عزًا، ومن تواضع لله رفعه .

وروى الحاكم في مستدركه، من حديث موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن أبي طلحة القرشي عن عبادة بن الصامت عن أُبيّ بن كعب -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: من سرّه أن يشرف له البنيان، وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

وقد قال -تعالى- في سورة الشورى في وصف الذين آمنوا: وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ أي: سجيّتهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس، ليس سجيتهم الانتقام من الناس.

وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما انتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله، وقال إبراهيم النخعي كان المؤمنون يكرهون أن يُستذلّوا، وكانوا إذا قدروا عفوا، وأخرجه ابن أبي حاتم عنه.

16- الصفة السادسة عشرة من صفات المتقين الإحسان:
وقد ذكر الله -تعالى- هذه الصفة في أوصاف المتقين الذين وعده بالمغفرة لذنوبهم، وأعدّ لهم الجنة جزاء لهم على أعمالهم الطيبة، وأمر عباده بالمسارعة إلى المغفرة والجنة، وذلك بالمسارعة إلى أسباب ذلك، وهي الأعمال الصالحة، فقال -تعالى-: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ .

فوصف الله -تعالى- المتقين بالإحسان في قوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ والإحسان أعلى مقامات الطاعة، وهو يشمل الإحسان في الأقوال وفي الأعمال، وفي الاعتقاد، كما قال -تعالى-: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أي: أحسنوا في الإنفاق في الطاعة، روى ذلك عن بعض الصحابة

وفي الأقوال: يقول الله -تعالى-: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا أي: كلموهم طيبًا، ولينوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال الحسن البصري في هذه الآية: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا .

" فالحسن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم ويصفح، ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله" ا.هـ.

ويدخل في ذلك: الأمر بالتوحيد، كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: المعنى: قولوا لهم: لا إله إلا الله، ومروهم بها.

وقال ابن جريج قولوا للناس صدقًا في أمر محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولا تغيروا نعته، وقال أبو العالية قولوا لهم الطيب من القول، وجازوهم بأحسن ما يحبون أن تجازوا به، والآية أعم من ذلك كله.

وبالجملة فالإحسان يشمل الأقوال والأعمال والاعتقادات؛ إذ الإحسان مصدر أحسن العمل يحسنه إحسانا إذا جاء به حسنا، والإحسان هو الذي خلق الله الخلائق من أجل الاختبار فيه، أيحسنوا العمل أم لا، كما قال الله -تعالى- في أول سورة هود وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا .

فبين أن الحكمة في الخلق ابتلاؤه الخلق أيهم أحسن عملًا، ولم يقل أيهم أكثر عملًا، وقال في أول سورة الكهف: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا ثم بين الحكمة فقال: لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وقال في أول سورة الملك الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ثم بين الحكمة فقال: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا .

والإحسان الذي خلقنا من أجل الابتلاء فيه هو الذي أراد جبريل أن ينبه المسلمين إلى الطريق التي يصح فيها الإحسان، حينما جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان، فبين له النبي -صلى الله عليه وسلم- أن إحسان العمل لا يكون إلا بالواعظ الأكبر والزاجر الأعظم، وهو مراقبة الله، وعلم العبد أنه كأنه ينظر إلى الله -تعالى-، وأنه إن كان لم ير الله فالله -عز وجل- يراه.

فعلى العبد أن يستشعر بأنه بين يدي خالق السماوات والأرض، وأنه يراه، وأنه ليس بغائب عنه، فإذا لاحظ العبد ذلك ملاحظة صحيحة أحسن العمل.

ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في جوابه: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك وقال -تعالى-: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ وقال -تعالى-: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ .

وقد وصف الله المؤمنين بالإحسان في القول والعمل، وأثنى عليهم، ووعدهم على ذلك الأجر العظيم، وأمنهم من الخوف والحزن، فقال -تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ .

فهم أحسنوا القول فقالوا: ربنا الله، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وقد أخرج مسلم في صحيحه والنسائي من حديث هشام بن عروة عن أبيه، عن سفيان بن عبد الله الثقفي -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولًا، لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال صل الله عليه وسلم: قل آمنت بالله، ثم استقم الحديث.

فهؤلاء المحسنون المستقيمون تتنزل عليهم الملائكة عند الموت قائلين: لا تخافوا مما تقدمون عليه من أمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفتم من أمر الدنيا من ولد وأهل ومال، فإنا نخلفكم فيه، ثم يبشرون قائلين: وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ .

وقد أثنى الله -تعالى- على الدعاة المهتدين، وأخبر أنه لا أحد أحسن قولًا منه، فقال -تعالى-: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي: لا أحد أحسن قولًا ممن دعا إلى عبادة الله وطاعته، وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي: وهو في نفسه مهتد مما يقوله، فنفعه لنفسه ولغيره لازم ومتعد، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ويأتونه، بل يأتمر بالخير ويترك الشر، ويدعو الخلق إلى الخالق، وهذا عام في كل من دعا إلى خير وهو في نفسه مهتد، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- أولى الناس بذلك.

قال الحسن -رحمه الله- في هذه الآية: هو المؤمن الذي أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه، وعمل صالحًا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين ويدخل في هذه الآية المؤذنون الصلحاء، كما ثبت في صحيح مسلم -رحمه الله-: المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة .

وروى أصحاب السنن الأربعة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين .

والصحيح أن هذه الآية عامة في المؤذنين وفي غيرهم، كما قال عبد الرزاق عن معمر عن الحسن البصري -رحمه الله- أنه تلا هذه الآية: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فقال: " هذا حبيب الله، هذا وليّ الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، دعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين هذا خليفة الله".

ومن الإحسان في القول والعمل: أن تدفع من أساء إليك بالإحسان إليه، بأن تصبر عند الغضب، وتحلم عند الجهل، وتعفو عند الإساءة، فإذا فعلت ذلك خضع لك عدوّك، وصار كالصديق القريب من الشفقة إليك والإحسان إليك، ولكن ما يلقي هذه الخصلة، وهي دفع السيئة بالحسنة، ويقبل هذه الوصية، ويعمل بها إلا من صبر على كظم الغيظ، واحتمال المكروه، وذلك يشق على النفوس، وما يلقى هذه الخصلة ويصبر عليها ويقبلها إلا ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة، وذو حظ عظيم في الخير والثواب، ووجبت له الجنة، قال الله -تعالى- في ذلك: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ .

وقال -تعالى- في سورة الأعراف: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وقال -تعالى- في وصف أولي الألباب السعداء، الذين لهم عقبى الدار، وهي جنات عدن يدخلونها قال: وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أي: يدفعون القبيح بالحسن، فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبرًا واحتمالًا وعفوًا، وقال -تعالى- في سورة "المؤمنون": ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ .

وقد وعد الله -تعالى- من أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح، الحسنى في الدار الآخرة وهي الجنة، ووعدهم على ذلك أيضا: زيادة، وهي تشمل تضعيف ثواب الأعمال الحسنة بعشر أمثالها، وتشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرة أعين، وأعلاه النظر إلى وجه الله الكريم، فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه، لا يستحقونها بعملهم، بل بفضله ورحمته، قال -تعالى- في بيان هذا الوعد الكريم للمحسنين: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وقال -تعالى- في الآية الأخرى: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ وقد روى تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم، عن جماعة من السلف والخلف من الصحابة ومن بعدهم.

وجاء في تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم أحاديث كثيرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- منها حديث صهيب -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلا هذه الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا، يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا؟، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم رواه الإمام مسلم وجماعة من الأئمة، من حديث حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب -رضي الله عنه-.

كما أخبر الله -تعالى- أن هؤلاء المحسنين لا يغشى وجوههم غبار وقتام وسواد في عرصات المحشر، كما يعتري وجوه الكفرة والفجرة من القترة والغبرة، ولا يحصل لهم هوان ولا صغار، فلا يحصل لهم إهانة في الباطن ولا في الظاهر، فقال -تعالى-: وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ بل هم كما قال -تعالى- في الآية الأخرى: فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا أي: نضرة في وجوههم وسرورًا في قلوبهم، وهؤلاء هم أهل الجنة المقيمون فيها أبد الآباد، لا يرحلون عنها ولا يظعنون، ولهذا قال فيهم: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ جعلنا الله منهم بمنه وفضله ورحمته، إنه جواد كريم رءوف رحيم.

- الصفة السابعة عشر من صفات المؤمنين المتقين التوبة:
بعد الذنب وعدم الإصرار عليه، وقد ذكر الله -تعالى- هذه الصفة في أوصاف المتقين الذين وعدهم بالمغفرة لذنوبهم، وأعد لهم الجنة جزاء لهم على أعمالهم الطيبة، وأمر عباده بالمسارعة إلى المغفرة والجنة، وذلك بالمسارعة إلى أسباب ذلك، وهي الأعمال الصالحة، فقال -تعالى-: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ .

فوصف الله -تعالى- المؤمنين المتقين بأنه إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار، ولم يصرّوا على ما فعلوا من الذنب، فلم يقيموا ولم يثبتوا عليه غير مقلعين عنه، وهم يعلمون أن الإصرار ضار، وأن من تاب تاب الله عليه، وأن الله يغفر الذنوب ولا يتعاظمه العفو عنها، وإن كثرت، بل تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية.

وهذا كقوله -تعالى-: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ .

وقوله -تعالى-: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .

وقوله -تعالى-: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا .

فأخبر الله -تعالى- عن كرمه وجوده أن كل من تاب تاب الله عليه من أي ذنب كان صغيرًا أو كبيرًا، وهذا فيه بيان من الله -تعالى- لعباده بسعة رحمته ومغفرته وحلمه وكرمه.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: إن رجلا أذنب ذنبًا، فقال: يا رب، إني أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال الله -عز وجل-: عبدي عمل ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبا آخر فقال: رب إني عملت ذنبا فاغفره، فقال -تبارك وتعالى-: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنوب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبًا آخر فقال: رب إني عملت ذنبا فاغفره لي، فقال -عز وجل-: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبًا آخر فقال: رب إني عملت ذنبًا فاغفره، فقال الله -عز وجل-: عبدي علم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء أخرجه الشيخان البخاري ومسلم وأخرجه الإمام أحمد أيضا

أقول: وليس هذا الحديث إذنًا في الذنب، بل المعنى أن العبد لا يضره الذنب، مادام إذا وقع في الذنب تاب وندم وأقلع.

والتوبة من الذنوب والمعاصي عبادة يجب إخلاصها لله -عز وجل-، ولا أحد يغفر الذنوب غير الله -عز وجل-، قال الله -تعالى-: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ .

وروى الإمام أحمد -رحمه الله- عن الأسود بن سريع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أُتِي بأسير فقال: اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: عرف الحق لأهله .

ويتأكد الوضوء وصلاة ركعتين عند التوبة: لما رواه الإمام أحمد -رحمه الله- بسنده، عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: كنت إذا سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثا يقضي إليه بما شاء منه، وإذا حدثني غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر حدثني، وصدق أبو بكر أنه سمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ما من رجل يذنب ذنبا، فيتوضأ ويحسن الوضوء - قال مسعر - فيصلي - وقال سفيان: ثم يصلي - ركعتين، فيستغفر الله -عز وجل- إلا غفر له .

قال الحافظ بن كثير -رحمه الله-: روى هذا الحديث أهل السنن وابن حبان في صحيحه، والبزار والدارقطني من طريق عن عثمان بن المغيرة بسند الإمام أحمد

وقال الترمذي هو حديث حسن. وبالجملة فهو حديث حسن، وهو من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن خليفة النبي -صلى الله عليه وسلم- أبي بكر -رضي الله عنهما-، قال: ومما يشهد بصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في صحيحه، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ- الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء .

وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه توضأ لهم وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيها نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه .

ثم قال -رحمه الله-: فقد ثبت هذا الحديث من رواية الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين عن سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين، كما دلّ عليه الكتاب المبين، من أن الاستغفار من الذنب ينفع العاصين.

18- الصفة الثامنة عشرة من صفات المؤمنين المتقين طاعة الله ورسوله والاستجابة لله ولرسوله:
لقد وصف الله المؤمنين بطاعة الله ورسوله بعد أن وصفهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأنهم يتناصرون ويتعاونون.

وأخبر -سبحانه- أن الاتصاف بهذه الصفات سبب لرحمة الله، فمن اتصف بهذه الصفات فهو من أهل الرحمة، قال -تعالى-: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .

وأخبر -تعالى- بما أعده للمؤمنين والمؤمنات من الخيرات والنعيم المقيم في جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين وماكثين فيها، في مساكن حسنة البناء طيبة القرار، فقال -تعالى-: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ .

وبين -سبحانه- أن رضى الله عنهم أكبر وأجل وأعظم مما هم فيه من النعيم، وإن هذا الفوز الذي حصل لهم هو الفوز العظيم على الحقيقة فقال: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .

وقد أمر الله المؤمنين بالاستجابة لله وللرسول، وناداهم باسم الإيمان، فقال -تعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ .

فأخبر -تعالى- أن الاستجابة لله وللرسول إذا دعاهم فيه حياة لهم وصلاح لهم؛ لأنه يدعوهم إلى الحق والإيمان وإلى العمل بالقرآن الذي فيه نجاتهم وبقاؤهم وسعادتهم وحياتهم بعد موتهم، وعصمتهم في الدارين.

وفي الصحيح عن أبي سعيد المعلّى -رضي الله عنه- قال: كنت أصلي، فمر بي النبي -صلى الله عليه وسلم- فدعاني فلم آتيه حتى صليت، ثم أتيته، فقال: ما منعك أن تأتيني، ألم يقل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ الحديث.

فطاعة الله ورسوله والاستجابة لله ولرسوله سبب للحياة الحقيقية، حياة الإيمان والهدى والرشاد والعزة والسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، وقد أخبر الله -تعالى- أن ما عند الله من الثواب في الآخرة خير وأبقى للمؤمنين الذين من صفاتهم الاستجابة لربهم، وذلك باتباع رسله وطاعة أمره واجتناب نهيه، مع توكلهم على الله وبعدهم عن الكبائر والفواحش، وإقامتهم للصلاة، وإحسانهم إلى خلق الله بالمال والعفو والحلم وكظم الغيظ عند الغضب، فقال -تعالى-: فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ .

وقد أوضح الله -تعالى- عاقبة المستجيبين والمطيعين لله ولرسوله، وإن عاقبتهم حميدة، وما لهم من السعادة والمال الحسن الطيب، وإن لهم الجزاء الحسن وهو الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهم في نعمة وحبور وبهجة وسرور، قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأسكنهم فسيح جناته، وأحلهم دار كرامته ورضوانه، فقال -تعالى-: لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى أي: المال الحسن والعاقبة الحسنة وهي الجنة.

كقوله -تعالى- مخبرًا عن ذي القرنين أنه قال: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا وقال -تعالى-: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ .

أما الذين لم يستجيبوا لله ولم يطيعوا الله، فإن عاقبتهم وخيمة، ومصيرهم مؤلم، ومأواهم في الآخرة جهنم بعد سوء الحساب حين يناقشون الحساب، ومن نوقش الحساب عذب، يحاسبون على أعمالهم جليلها وحقيرها، ثم يستفزون في النار وبئس الفراش والمهاد لهم، ويؤدون لو يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملئ الأرض ذهبًا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة، ولكنه لا يتقبل منهم، قال الله -تعالى- فيهم: وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ .

- الصفة التاسعة عشر من صفات المؤمنين إقامة الشهادة والقيام بها:
إن من صفات المؤمنين التي مدح الله أهلها وأثنى عليهم: إقامة الشهادة والقيام بها، فقال -تعالى-: وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ .

وأخبر -سبحانه- أنه باتصافهم بذلك مع أوصاف أخرى يدخلون الجنة، يكرمون فيها بالنعيم، فقال -تعالى-: أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ .

ومعنى إقامة الشهادة: القيام فيها بالحق، والمحافظة عليها، وأداؤها بدون زيادة ولا نقصان، وعدم كتمانها وتغييرها، وأداؤها بالحق عند الحاكم على من كانت عليه من قريب أو بعيد، عدو أو صديق، وقد أمر الله -تعالى- في سورة الطلاق بإقامة الشهادة لله، فقال -تعالى-: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ أي: أدوها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقا، خالية من التحريف والتبديل والكتمان.

وقد أمر الله -تعالى- عباده المؤمنين أن يكونوا قوّامين بالعدل، شهداء لله لا لغيره ولو على أنفسهم أو الوالد أو القريب، فيشهد بالحق، وإن عاد ضرر الشهادة عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد، وسواء كان المشهود عليه غنيًا أو فقيرًا، فلا يراعى لغناه، أو يشفق عليه لفقره.

فالله -تعالى- يتولى الغني والفقير، وهو أولى بهم من الشهادة، وأعلم بما فيه صلاحهما، وينبغي للشاهد وغيره أن يلزم العدل في أموره وشئونه كلها، ويلزم العدل على أي حال، ولا يحمله الهوى والعصبية والبغض على ترك العدل، قال الله -تعالى- في ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا .

قال -سبحانه- في آية المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ .

فأمر الله المؤمنين أن يكونوا قوامين بالحق لله -عز وجل- لأجل الرياء والسمعة، وأن يكونوا شهداء بالعدل لا بالجور، بل يستعملون العدل في كل أحد، صديقًا كان أو عدوًا.

وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- أنه قال: نحلني أبي نحلةً، فقالت أمي -عمرة بنت رواحة-: لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجاء ليشهده على صدقتي، فقال: أكل ولدك نحلته مثله؟ قال: لا، قال: اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم -وقال-: إني لا أشهد على جور فرجع أبي فردّ تلك الصدقة.

وقد توعد الله من كتم الشهادة وتركها أو حرّفها وغيرها، وتعمّد الكذب فيها فإنه سيلقى جزاءه عند الله؛ لأن الله -تعالى- خبير بعمله وقصده ونيته، فيجازيه على ذلك بما يستحقه قال -تعالى-: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وقال -تعالى-: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ أي: لا تخفوها وتغلّوها إذا دعيتم إلى إقامتها وأدائها، ومن فعل ذلك فهو فاجر قلبه، كقوله في الآية الأخرى: وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ .

وخصّ القلب بالذكر؛ لأن الكتمان من أفعاله، وهو المضغة التي بصلاحها يصلح الجسد، وبفسادها يفسد الجسد، كما قال -صلى الله عليه وسلم- ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب أخرجه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.

وإضافته الإثم إلى القلب أبلغ في الوعيد؛ لأن إثم القلب سبب مسخه، والله -تعالى- مسخ قلبًا جعله منافقًا وطبع عليه. نعوذ بالله من ذلك .

وقد نهى الله -تعالى- الشهداء عن الامتناع من تحمل الشهادة إذا دعوا إلى ذلك، وكذا إذا دعوا إلى إقامة الشهادة وأدائها، بل عليهم الإجابة إذا تعينت عليه، قال -تعالى-: وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وتحمّل الشهادة فرض كفاية على الصحيح، وكذا أدائها فرض كفاية كما هو مذهب جمهور العلماء

وقد ثبت في صحيح مسلم ورواه أهل السنن أيضا من حديث زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنه قال: ألا أخبركم بخير الشهداء؟ هو الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها .

لكنه عارضه حديث عمران بن حصين الذي أخرجه الشيخان ومسلم - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلومونهم، ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن .

ومثله حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته أخرجه البخاري في صحيحه.

وقد اختلف العلماء في الجمع بينهم على أقوال أحسنها وأرجحها أن حديث زيد بن خالد الجهني محمول على ما إذا كان عند الشاهد شهادة بحق، لا يعلم بها صاحب الحق، أو يغلب على ظنه أنه نسيها، فيأتي إليه فيخبره بها، أو يموت صاحبها فيخلف ورثة، فيأتي إليهم فيخبرهم بأن عنده لهم شهادة.

الثاني: أن حديث زيد بن خالد الجهني محمول على شهادة الحسبة: وهي ما لا يتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم محضًا، ويدخل في الحسبة ما يتعلق بحق الله -تعالى-، أو فيه شائية منه كالصلاة والوقف والوصية العامة ونحوها، أما حديث عمران بن حصين وحديث عبد الله بن مسعود فهما محمولان على الشهادة في حقوق الآدميين المحضة.

الثالث: أن قوله في حديث زيد بن خالد الجهني الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها محمول على المبالغة في الإجابة، فيكون لقوة استعداده كالذي أتى بها قبل أن يسألها، كما يقال في حق الجواد: أنه ليعطي قبل الطلب.

وهذه الأجوبة مبنية على أن الشهادة لا تؤدى قبل أن يطلبها صاحب الحق، ومن العلماء من أجاز تأدية الشهادة قبل طلب صاحب الحق لها، عملًا بحديث زيد بن خالد الجهني وأجاب عن عمران بن حصين وحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنهما- بأجوبة:

أحدهما: أنهما محمولان على شهادة الزور، والمعنى: أنهم يؤدون شهادة لم يسبق لهم بها علم، حكى هذا القول الترمذي عن بعض أهل العلم.

الثاني: أنهما محمولان على شهادة الإنسان على ما لا يعلم مما سيكون من الأمور المستقبلة، فيشهد على قوم بأنهم من أهل النار وعلى قوم بأنهم من أهل الجنة كما يفعل ذلك أهل البدع.

الثالث: أنهما محمولان على إتيان أهل الشاهد بالشهادة بلفظ الحلف، كأن يقول: أشهد بالله ما كان إلا كذا .

قلت: وأرجح هذه الأقوال: القول الأول، وهو أن الأصل ألا يؤدي الشهادة حتى تطلب منه؛ عملًا بحديث عمران بن حصين وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهما- ونحوهما، مما فيه ذم المتسرّع بالشهادة قبل أن تطلب منه، وحديث زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- محمول على ما إذا كان صاحب الحق لا يعلم بالشهادة، أو يغلب على ظن الشاهد أنه نسيها، أو مات صاحب الحق وورثته لا يعلمون بالشهادة؟ فيأتي الشاهد، فيخبر صاحب الحق بالشهادة التي له عنده، ونسأل الله -تعالى- أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإنه -سبحانه- يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

20- الصفة العشرون من صفات المؤمنين التوكل على الله:
التوكل من صفات المؤمنين كاملي الإيمان، فهو من صفات المؤمنين حقًا، والتوكل فريضة يجب إخلاصها لله -تعالى-، وهو من أفضل العبادات، وأعلى مقامات التوحيد، ولا يقوم به على وجه الكمال إلا خواص المؤمنين

وقد أمر الله بالتوكل في آيات كثيرة من كتابه أكثر مما أمر بالوضوء والغسل من الجنابة، بل جعل الله -تعالى- التوكل شرط في الإيمان وشرط في الإسلام، قال الله -تعالى-: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .

ومفهوم الآية انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل، قال ابن القيم -رحمه الله- على هذه الآية: فجعل التوكل على الله شرطًا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه" ا.هـ.

وقال -تعالى-: وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ فجعل التوكل شرطًا في الإسلام، ومفهوم الآية: انتفاء الإسلام عند انتفاء التوكل، قال ابن القيم -رحمه الله-: فجعل دليل صحة الإسلام التوكل ا.هـ.

وقال -تعالى- آمرا بالتوكل: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وقال -تعالى-: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا وقال -تعالى-: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا وقال -تعالى-: أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا وقال -تعالى-: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ .

والتوكل لا بد فيه من أمرين: ?
أحدهما: تفويض الأمر إلى الله، واعتماد القلب على الله مع صحة الإيمان.
والثاني: فعل الأسباب التي أمر الله بها دينية أو دنيوية، فالدينية: أداء الفرائض والانتهاء عن المحارم، ومثل طلب العلم الشرعي، والدنيوية: كالحرث والزراعة والتجارة وغير ذلك.

والتوكل في اللغة: قال في القاموس: " وكل بالله يكل وتوكل على الله، وأوكل واتَّكل: استسلم إليه، ووكل إليه الأمر وكلا ووكولا سلمه وتركه" ا.هـ.

وقال ابن الأثير الجزري يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان أي: ألجأته واعتمدت عليه فيه، ووكل فلان فلانًا إذا استكفاه أمره ثقة بكفايته، أو عجز عن القيام بأمر نفسه" ا.هـ.

والتوكل على الله من صفات المؤمنين حقا الذين وعدهم الله -تعالى- بدرجات عند ربهم، ووعدهم بالمغفرة لذنوبهم، ووعدهم برزق كريم، وهو ما أعد لهم في الجنة، قال الله -تعالى-: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ .

فأخبر -تعالى- أن المتصفين بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان، ومن صفاتهم العظيمة أنهم على ربهم يتوكلون، أي: يفوضون إليه أمورهم، ويثقون به، ولا يرجون غيره، ولا يخافون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه.

والتوكل على الله من صفات السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الشيخان - البخاري ومسلم - والترمذي والنسائي في عرض الأمم على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن أمته لما عرضت عليه قيل له: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ولما خاض الناس فيهم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون .

" فذكر في أعمالهم وأوصافهم الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال وهو التوكل على الله، وصدق الالتجاء إليه، والاعتماد بالقلب عليه، الذي هو خلاصة التفريد، ونهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف من المحبة والخوف والرجاء، والرضا بالله ربًا وإلهًا، والرضا بقضائه" .

فالتوكل على الله من الصفات القلبية؛ لأنه تفويض للأمور كلها لله واعتماد بالقلب عليه، وهو يدعو ويوجب ويقتضي من المتوكل فعل الأسباب ومباشرتها، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه حتى الحيوان البهيم، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب، كما قال الله -تعالى-: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أي: كافية، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا طمع لعدوه فيه.

ومباشرة الأسباب لا ينافي التوكل كما لا ينافي دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وتعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في أمر الرب وحكمته.

قال بعض السلف في قوله -تعالى-: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ جعل الله لكل عمل جزاء من نفسه، وجعل التوكل عليه نفس كفايته فقال: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ا. هـ.

وفي هذه الآية دليل على فضل التوكل، وأنه أعظم الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار؛ لأن الله علق الجملة الأخيرة: فَهُوَ حَسْبُهُ على الجملة الأولى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ تعليق الجزاء على الشرط، ورتب الحكم على الوصف المناسب له، فعلم أن التوكل على الله هو سبب كون الله حسْبًا، له ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- .

فالتوكل على الله عبادة وفرض، وصرفه لغير الله شرك، لكن التوكل على غير الله قسمان:

أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم من النصر والحفظ والرزق والشفاعة، فهذا شرك أكبر؛ لأن هذه الأمور ونحوها لا يقدر عليها إلا الله.

الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة العادية كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما جعله الله بيده من الرزق أو دفع الأذى ونحو ذلك، فهذا شرك أصغر، لما فيه من ميل القلب إلى المخلوق، وإن كانت الأسباب ظاهرة .

وأسأل الله -تعالى- أن ينفع بهذه الكلمات في هذا البحث المتواضع، وأن يجعلني أول المنتفعين، وأن يجعل ذلك خالصًا مرادًا به وجه الله -سبحانه-، وأسأل الله -سبحانه- أن يوفقني في المستقبل لمواصلة الكتابة في هذا الموضوع، إنه -سبحانه- خير مسئول وأكرم مسئول.

وأسأله -سبحانه- أن يوفقني وإخواني المسلمين للعمل الصالح الذي يرضيه، ومجاهدة النفس للاتصاف بصفات المؤمنين وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- إنه -سبحانه- حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

-المصدر : الموقع الرسمى للشيخ على الشبكة