من أحكام الجنائز

تلخيص أحكام الجنائز

لمؤلفه محمد ناصر الدين الألباني

بسم الله الرحمن الرحيم

 ما يجب على المريض

 1 - على المريض أن يرضى بقضاء الله ويصبر على قدره ويحسن الظن بربه ذلك خير له لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) .

 ( صحيح ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى )

 2 - وينبغي عليه أن يكون بين الخوف والرجاء يخاف عقاب الله على ذنوبه ويرجو رحمة ربه لحديث أنس المعروف عند الترمذي وغيره :

 ( حسن ) أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو بالموت فقال : ( كيف تجدك ؟ ) قال : والله يا رسول الله إني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمنه مما يخاف ) .

 3 - ومهما اشتد به المرض فلا يجوز له أن يتمنى الموت .

 ( صحيح ) ( فإن كان لا بد فاعلا فليقل : اللهم أحييني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ) .

 4 - وإذا كان عليه حقوق فليؤدها إلى أصحابها إن تيسر له ذلك وإلا أوصى لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك .

 5 - ولا بد من الاستعجال بمثل هذه الوصية لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( ما حق امريء مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه ) . قال ابن عمر :

  ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي ) .

 6 - ويجب أن يوصي للأقربين الذين لا يرثون منه لقوله تبارك وتعالى : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين .

 7 - ( صحيح ) وله أن يوصي بالثث من ماله ولا يجوز الزيادة عليه بل الأفضل أن ينقص منه لحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الثابت في ( الصحيحين ) :

 ( كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فمرضت مرضا أشفيت منه على الموت فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا ابنة لي أفأوصي بثلي مالي ؟ قال : لا . قلت : بشطر مالي ؟ قال : لا . قلت : فثلث مالي ؟ قال :

 ( الثلث والثلث كثير إنك يا سعد أن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس [ وقال بيده ] إنك يا سعد لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أجرت عليها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك ) .

 [ قال : فكان بعد الثلث جائزاصحيح ) وقول ابن عباس رضي الله عنه : ( وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع في الوصية لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الثلث كثير ) .

 8 - ويشهد على ذلك رجلين عدلين مسلمين فإن لم يوجدا فرجلين من غير المسلمين على أن يستوثق منهما عند الشك بشهادتهما حسبما جاء بيانه في قول الله تبارك وتعالى : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذ حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لانشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين فإن عثر على أنهما استحقا إثما ( 1 ) فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان .

 فيقسمان بالله لشاهدتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين . ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين ) .

 9 - وأما الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون من الموصي فلا تجوز لأنها منسوخة بآية الميراث وبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم البيان في خطبته في حجة الوداع فقال :

 ( حسن ) ( إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ) .

 10 - ويحرم الإضرار في الوصية كأن يوصي بحرمان بعض الورثة من حقهم من الإرث أو يفضل بعضهم على بعض فيه لقوله تبارك وتعالى :

 ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون . . . . مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا . . ) ثم قال : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية ولما كان الغالب على كثير من الناس في هذا الزمان الابتداع في دينهم ولا سيما فيما يتعلق بالجنائز كان من الواجب أن يوصي المسلم بأن يجهز ويدفن على السنة عملا بقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .

 ولذلك كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصون بذلك والآثار عنهم بما ذكرنا كثيرة تراجع في الأصل منها :

 ( حسن ) عن حذيفة قال : ( إذا أنا مت فلا تؤذنوا بي أحدا فإني أخاف أن يكون نعيا وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي ) .

 ولهذا قال النووي رحمه الله تعالى في ( الأذكار ) :

 ( ويستحب له استحبابا مؤكدا أن يوصيهم باجتناب ما جرت العادة به من البدع في الجنائز ويؤكد العهد بذلك ) .

من الله والله عليم حليم

تلقين المحتضر .

 13 - فإذا حضره الموت فعلى من عنده أمور :

 أ - أن يلقنوه الشهادة لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله [ من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوما من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه ] ) .

 ب ج - أن يدعوا له ولا يقولوا في حضوره إلا خيرا لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( إذا حضرتم المريض أو الميت فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ) .

 14 - وليس التلقين ذكر الشهادة بحضرة الميت وتسميعها إياه بل هو أمره بأن يقولها خلافا لما يظن البعض والدليل حديث أنس رضي الله عنه :

 ( صحيح ) ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من الأنصار فقال : ( يا خال قل : لا إله إلا الله ) . فقال : أخال أم عم ؟ فقال : بل خال فقال : فخير لي أن أقول : لا إله إلا الله ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم ) .

 15 - وأما قراءة سورة ( يس ) عنده وتوجيهه نحو القبلة فلم يصح حديث بل كره سعيد بن المسيب توجيهه إليها وقال : ( أليس الميت امرأ مسلما ؟ ) .

 ( صحيح ) وعن زرعة بن عبد الرحمن أنه شهد سعيد بن المسيب في مرضه وعنده أبو سلمة بن عبد الحمن فغشي على سعيد فأمر أبو سلمة أن يحول فراشه إلى الكعبة فأفاق فقال : حولتم فراشي ؟ فقالوا : نعم فنظر إلى أبي سلمة فقال : أراه بعلمك ؟ فقال : أنا أمرتهم فأمر سعيد أن يعاد فراشهولا بأس في أن يحضر المسلم وفاة الكافر ليعرض الإسلام عليه رجاء أن يسلم لحديث أنس رضي الله عنه قال :

 ( صحيح ) ( كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له : أسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده ؟ فقال له : أطع أبا القاسم فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول :

 ( الحمد لله الذي أنقذه من النار ) . [ فلما مات قال :

 ( [ صلوا على صاحبكم ] ) .

ما على الحاضرين بعد موته

 17 - فإذا قضى وأسلم الروح فعليهم عدة أشياء :

 أ ب - أن يغمضوا عينيه ويدعوا له أيضا

 ( صحيح ) لحديث أم سلمة قالت : ( دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال : ( إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال : لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ) . ثم قال :

 ( اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له في قبره ونور له فيه ) .

 ج - أن يغطوه بثوب يستر جميع بدنه

 ( صحيح ) لحديث عائشة رضي الله عنها : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي سجي ببردة حبرة ) .

 د - وهذا في غير من مات محرما فإن المحرم لا يغطى رأسه ووجه لحديث ابن عباس قال :

 بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته أو قال : فأقعصته ( صحيح ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ( وفي رواية : في ثوبيه [ اللذين أحرم فيهما ] . . . ) ولا تحنطوه ( وفي رواية : لا تطيبوه ) ولا تخمروا رأسه [ ولا وجهه ] فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ) .

 ه - أن يعجلوا بتجهيزه وإخراجه إذا بان موته لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا :

 ( صحيح ) ( أسرعوا بالجنازة . . ) الحديث وسيأتي بتمامه في المسألة ( 50 ) .

 و- أن يدفنوه في البلد الذي مات فيه ولا ينقلوه إلى غيره لأنه ينافي الإسراع المأمور به في حديث أبي هريرة المتقدم . ولذلك قالت عائشة لما مات أخ لها بوادي الحبشة فحمل من مكانه : ( صحيح ) ( ما أجد في نفسي أو يحزنني في نفسي إلا أني وددت أنه كان دفن في مكانه ) .

 قال النووي في ( الأذكار ) :

 ( وإذا أوصى بأن ينقل إلى بلد آخر لا تنفذ وصيته فإن النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون وصرح به المحققون ) .

 ز - أن يبادر بعضهم لقضاء دينه من ماله ولو أتى عليه كله فإن لم يكن له مال فعلى الدولة أن تؤدي عنه إن كان ما يجوز للحاضرين وغيرهم

 18 - ويجوز لهم كشف وجه الميت وتقبيله بين عينيه لتقبيل أبي بكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته والبكاء عليه ثلاثة أيام لحديث ( صحيح ) عائشة رضي الله عنها قالت : ( أقبل أبو بكر رضي الله عنه على فرسه من مسكنه ب ( السنح ) حتى نزل فدخل على المسجد [ وعمر يكلم الناس ] فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة رضي الله عنها فتيمم النبي صلى الله عليه وسلم وهو مسجى ببردة حبرة فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله [ بين عينيه ] ثم بكى فقال : بأبي أنت وأمي يا نبي الله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي عليك فقد متها وفي رواية : لقد مت الموتة التي لا تموت بعدها ) .

 ( صحيح ) وحديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ثم أتاهم فقال : ( لا تبكوا على أخي بعد اليوم . . ) . الحديث .

 وسيأتي لفظه في ( التعزية ) إن شاء الله تعالى .

 ( صحيح ) وحديث أنس رضي الله عنه قال : دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف - وكان ظئرا ( 1 ) لإبراهيم عليه السلام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه .

 ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف : وأنت يا رسول الله ؟ فقال : ( يا ابن عوف ؟ إنها رحمة ) .

 ثم أتبعها بأخرى فقال : ( إن العين لتدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما نرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) .

 ما يجب على أقارب الميت جهد في قضائه فإن لم تفعل وتطوع بذلك بعضهم جاز وفي ذلك أحاديث تراها في الأصل .

ويجب على أقارب الميت حين يبلغهم خبر وفاته أمران :

 الأول : الصبر والرضا بالقدر لقوله تعالى : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأمور والأنفس والثمرات وبشر الصابرين . الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون . أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون .

 ( صحيح ) ولحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ( مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة عند قبر وهي تبكي فقال لها :

 ( اتقي الله واصبري ) .

 فقالت : إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي قال : ولم تعرفه فقيل لها : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها مثل الموت فأتت باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تجد عنده بوابين فقالت : يا رسول الله إني لم أعرفك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الصبر عند أول الصدمة ) .

 والصبر على وفاة الأولاد له أجر عظيم وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة أذكر بعضها :

 أولا : ( صحيح ) ( ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله وأبويهم الجنة بفضل رحمته قال : ويكونون على باب من أبواب الجنة فيقال لهم : ادخلوا الجنة فيقولون : حتى يجيء أبوانا فيقال لهم : ادخلوا الجنة أنتم وأبواكم بفضل رحمة الله ) .

 ثانيا : ( صحيح ) ( أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا حجابا من النار ) . قالت : امرأة : واثنان ؟ قال : ( واثنان ) .

الثاني : الاسترجاع وهو أن يقولك ( إنا لله وإنا راجعون ) للآية المتقدمة ويزيد عليه قوله :

 ( صحيح ) ( اللهم اجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها ) لحديث أم سلمة في صحيح مسلم وغيره .

 20 - ولا ينافي الصبر أن تمتنع المرأة من الزينة كلها حدادا على وفاة ولدها أو غيره إذا لم تزد على ثلاثة أيام إلا على زوجها فتحد أربعة أشهر وعشرا

 ( صحيح ) لحديث زينب بنت أبي سلمة قالت : دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر [ أن ] تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ) .

 ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست ثم قالت : ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : . . . ) . فذكرت الحديث .

 21 - ولكنها إذا لم تحد على غير زوجها إرضاء للزوج وقضاء لوطره منها فهو أفضل لها ويرجى لهما من وراء ذلك خير كثير كما وقع لأم سليم وزوجها أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنهما وقصتهما في ذلك طويلة ولولا ذلك لسقتها هنا فلتراجع في الأصل .

ما يحرم على أقارب الميت

 22 - لقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمورا كان ولا يزال بعض الناس يرتكبونها إذا مات لهم ميت فيجب معرفتها لاجتنابها فلا بد من بيانها :

 أ - النياحة ( 1 ) وفيها أحاديث كثيرة تراها في الأصل

 ( صحيح ) منها قوله صلى الله عليه وسلم : ( اثنتان في الناس هما بهم كفر : الطعن في النسب والنياحة على الميت ) .

 ب - ج - ضرب الخدود وشق الجيوب لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعى بدعوى الجاهلية ) .

 د - حلق الشعر لحديث أبي بردة بن أبي موسى قال :

 ( صحيح ) ( وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال : أنا بريء ممن بريء منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من الصالقة والحالق والشاقة ) .

 ه - نشر الشعر لحديث امرأة من المبايعات قالت :

 ( صحيح ) ( كان فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه وأن لا نخمش وجها ولا ندعو ويلا ولا نشق جيبا وأن لا ننشر شعرا ) .

 و- إعفاء بعض الرجال لحاهم أياما قليلة حزنا على ميتهم فإذا مضت عادوا إلى حلقها فهذا الإعفاء في معنى نشر الشعر كما هو ظاهر يضاف إلى ذلك أنه بدعة وقد قال صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ) .

 

علما بأن التزين بحلقها كما يفعل الأكثرون معصية ظاهرة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم لمخالفتها لأنواع من الأدلة الشرعية كما تراها مبينة في ( آداب الزفاف ) ( ص 118 - 123 ) .

 ز - الإعلان عن موته على رؤوس المنائر ونحوها لأنه من النعي وقد ثبت عن حذيفة بن اليمان أنه :

 ( حسن ) ( كان إذا مات له الميت قال : لا تؤذنوا به أحدا إني أخاف أن يكون نعيا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي

النعي الجائز

 23 - ويجوز إعلان الوفاة إذا لم يقترن به ما يشبه نعي الجاهلية وقد يجب ذلك إذا لم يكن عنده من يقوم بحقه من الغسل والتكفين والصلاة عليه ونحو ذلك لحديث أبي هريرة :

 ( صحيح ) ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه خرج إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعا . . ) الحديث .

 24 - ويستحب للمخبر أن يطلب من الناس أن يستغفروا للميت لقوله صلى الله عليه وسلم في قصة صلاته على النجاشي :

 ( استغفروا لأخيكم ) . وسيأتي في المسالة ( 60/السابع ) .

 قلت : فقول الناس في بعض البلاد : ( الفاتحة على روح فلان ) مخالف للسنة المذكورة فهو بدعة بلا شك لا علامات حسن الخاتمة

 25 - ثم إن الشارع الحكيم قد جعل علامات بينات يستدل بها على حسن الخاتمة - كتبها الله تعالى لنا بفضله ومنه - فأيما امرئ مات بإحداها كانت بشارة له ويا لها من بشارة .

 الأول : نطقه بالشهادة عند الموت وفيه أحاديث مذكورة في الأصل منها قوله صلى الله عليه وسلم :

 ( حسن ) ( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) .

 الثانية : الموت برشح الجبين لحديث بريدة بن الخصيب رضي الله عنه :

 ( صحيح ) ( أنه كان بخراسان فعاد أخا له وهو مريض فوجده بالموت وإذا هو بعرق جبينه فقال : الله أكبر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( موت المؤمن بعرق الجبين ) .

 الثالثة : ( الحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح ) الموت ليلة الجمعة أو نهارها لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( ما من مسلم يموت الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر ) .

 الرابعة : الاستشهاد في ساحة القتال قال الله تعالى : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون . فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) .

 ( صحيح ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( للشهيد عند الله ست خصال : يغفر له في أول دفعة من دمه ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن الفزع الأكبر ويحلى حلية الإيمان ويزوج من الحور العين ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه ) . سيما وأن القراءة لا تصل إلى الموتى على القول الصحيح كما سيأتي إن شاء الله تعالى

الخامسة : ( صحيح ) الموت غازيا في سبيل الله لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ما تعدون الشهيد فيكم ؟ ) قالوا : يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد قال : ( إن شهداء أمتي إذا لقليل ) . قالو : فمن هم يا رسول الله قال : ( من قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في الطاعون فهو شهيد ومن مات في البطن ( 1 ) فهو شهيد والغريق شهيد ) .

 السادسة : ( صحيح ) الموت بالطاعون وفيه أحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم : ( الطاعون شهادة لكل مسلم ) .

 السابعة : الموت بداء البطن لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم : ( ومن مات في البطن فهو شهيد ) .

 الثامنة والتاسعة : الموت بالغرق والهدم

 ( صحيح ) لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الشهداء خمسة : المطعون والمبطون والغرق ( 1 ) وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله ) .

 العاشرة : موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها

 ( صحيح ) لحديث عبادة بن الصامت : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد عبد الله بن رواحة قال : فما تحوز ( 2 ) له عن فراشه فقال : أتدري من شهداء أمتي ؟ قالوا : قتل المسلم شهادة قال : ( إن شهداء أمتي إذا لقليل قتل المسلم شهادة والطاعون شهادة والمرأة يقتلها ولدها جمعاء ( 3 ) شهادة [ يجرها ولدها بسرره ( 4 ) إلى الجنة ] ) . الحادية عشرة والثانية عشرة : الموت باالحرق وذات الجنب ( 5 ) وفيه أحاديث أشهرها عن جابر بن عتيك مرفوعا :

 ( صحيح ) ( الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله : المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد والحرق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع ( 1 ) شهيدة ) .

 الثالثة عشرة : الموت بداء السل

 ( حسن ) لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( القتل في سبيل الله شهادة والنفساء شهادة والحرق شهادة ( 2 ) والغرق شهادة والسل شهادة والبطن شهادة ) .

 الرابعة عشرة : الموت في سبيل الدفاع عن المال المراد غصبه وفيه أحاديث منها :

السابعة عشرة : الموت مرابطا في سبيل الله فيه حديثان أحدهما :

 ( صحيح ) ( رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان ) .

 الثامنة عشرة : الموت على عمل صالح لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( من قال : لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة ومن صام يوما ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة ) . ( 1 )

 التاسعة عشرة : من قتله الإمام الجائر لأنه قام إليه فنصحه لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ) .

 أخرجه الحاكم وصححه والخطيب . ( 2 )  ( صحيح ) ( من قتل دون ماله ( وفي رواية : من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل ) فهو شهيد ) .

 الخامسة عشرة والسادسة عشر : الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس

 ( صحيح ) لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ) .

 

ثناء الناس على الميت

 26 - والثناء بالخير على الميت من جمع من المسلمين الصادقين أقلهم اثنان من جيرانه العارفين به من ذوي الصلاح والعلم موجب له الجنة وفيه أحاديث :

 الأول : ( صحيح ) عن أنس رضي الله عنه قال : ( مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة فأثني عليها خيرا [ وتتابعت الألسن بالخير ] [ فقالوا : كان - ما علمنا - يحب الله ورسوله ] فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم :

 ( وجبت وجبت وجبت ) .

 ومر بجنازة فأثني عليها شرا وتتابعت الألسن بالشر ] [ فقالوا : بئس المرء كان في دين الله ] فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم :

 ( وجبت وجبت وجبت ) . فقال عمر : فدى لك أبي وأمي مر بجنازة فأثني عليها خيرا فقلت : وجبت وجبت وجبت ومر بجنازة فأثني عليها شرا فقلت : وجبت وجبت وجبت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار [ الملائكة شهداء في الله في السماء و] أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض ( وفي رواية : والمؤمنون شهداء الله في الأرض ) [ إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر ] ) .

 الثاني : ( صحيح ) عن أبي الأسود الديلي قال : ( أتيت المدينة وقد وقع بها مرض وهم يموتون موتا ذريعا فجلست إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمرت جنازة فأثني خيرا فقال عمر : وجبت فقلت : ما وجبت يا أمير المؤمنين ؟ قال : قلت : كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :

 ( أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة ) . قلنا : وثلاثة . قال : ( وثلاثة ) . قلنا : واثنان ؟ قال : ( واثنان ) . ثم لم نسأله في الواحد ) .

 الثالث : ( صحيح ) ( ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأدنيين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرا إلا قال الله تبارك وتعالى : قد قبلت قولكم أو قال : بشهادتكم وغفرت له ما لا تعلمون ) .

 واعلم أن مجموع هذه الأحاديث الثلاثة يدل على أن هذه الشهادة لا تختص بالصحابة بل هي أيضا لمن بعدهم من المؤمنين الذين هم على طريقتهم في الإيمان والعلم والصدق وبهذا جزم الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) فليراجع كلامه من شاء المزيد من البيان .

 ثم إن تقييد الشهادة بأربع في الحديث الثالث الظاهر أنه كان قبل حديث عمر الذي قبله ففيه الاكتفاء بشهادة اثنين وهو العمدة .

 هذا وأما قول بعض الناس عقب صلاة الجنازة : ( ما تشهدون فيه ؟ اشهدوا له بالخير ) فيجيبونه بقولهم صالح . أو من أهل الخير ونحو ذلك فليس هو المراد بالحديث قطعا بل هو بدعة قبيحة لأنه لم يكن من عمل السلف ولأن الذين يشهدون بذلك لا يعرفون الميت في الغالب بل قد يشهدون بخلاف ما يعرفون استجابة لرغبة طالب الشهادة بالخير ظنا منهم أن ذلك ينفع الميت وجهلا منهم بأن الشهادة النافعة إنما هي التي توافق الواقع في نفس المشهود له كما يدل على ذلك قوله في الحديث : ( إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر ) .

الوفاة عند الكسوف ؟

 27 - وإذا اتفق وفاة أحد مع انكساف الشمس أو القمر فلا يدل ذلك على شيء واعتقاد أنه يدل على عظمة المتوفى إنما هو من خرافات الجاهلية التي أبطلها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم عليه السلام وانكسفت الشمس فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

 ( صحيح ) ( أما بعد أيها الناس إن أهل الجاهلية كانوا يقولون : إن الشمس والقمر لا يخسفان إلا لموت عظيم وإنهما آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن يخوف الله به عباده فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره وإلى الصدقة والعتاقة والصلاة في المساجد حتى تنكشف ) .

غسل الميت

 28 - فإذا مات الميت وجب على طائفة من الناس أن يبادروا إلى غسله أما المبادرة فقد سبق دليلها في الفصل الثالث ( المسألة 17 الفقرة ه ) وأما وجوب الغسل فلأمره صلى الله عليه وسلم به في غير ما حديث :

 الأول : قوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته ناقته :

 ( اغسلوه بماء وسدر . . . ) الحديث . وقد مضى بتمامه في المسألة المشار إليها ( فقرة د ) .

 الثاني : قوله صلى الله عليه وسلم في ابنته زينب رضي الله عنها :

 ( اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا . . . أو أكثر من ذلك . . ) . الحديث .

 ويأتي بتمامه في المسألة التالية .

 29 - ويراعى في غسله الأمور الآتية :

 أولا : غسله ثلاثا فأكثر على ما يرى القائمون على غسله .

 ثانيا : أن تكون الغسلات وترا .

 ثالثا : أن يقرن مع بعضها سدر أو ما يقوم مقامه في التنظيف كالأشنان والصابون.

 رابعا : أن يخلط مع آخر غسلة منها شيء من الطيب والكافور أولى .

 خامسا : نقض الضفائر وغسلها جيدا .

 سادسا : تسريح شعره .

 سابعا : جعله ثلاث ضفائر للمرأة وإلقاؤها خلفها .

 ثامنا : البدء بميامنه ومواضع الوضوء منه .

 تاسعا : أن يتولى غسل الذكر الرجال والأنثى النساء إلا ما استثنى كما يأتي

والدليل على هذه الأمور حديث أم عطية رضي الله عنها قالت :

 ( صحيح ) دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته [ زينب ] فقال :

 ( اغسلنها ثلاثا أو خمسا [ أو سبعا ] أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك ) . [ قالت : قلت : وترا ؟ قال : ( نعم ] واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور فإذا فرغتن فآذنني ) . فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حقوه ( 1 ) فقال : ( أشعرنها ( 2 ) إياه ) [ تعني إزاره [ قالت : ومشطناها ثلاثة قرون ] ( وفي رواية نقضنه ثم غسلنه ) [ فضفرنا شعرها ثلاثة أثلاث : قرنيها وناصيتها ] وألقيناها خلفها ] [ قالت : وقال لنا : ( ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها ] ) .

 عاشرا : أن يغسل بخرقة أو نحوها تحت ساتر لجسمه بعد تجريده من ثيابه كلها فإنه كذلك كان العمل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما يفيد حديث عائشة رضي الله عنها :

 ( صحيح ) ( لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : والله ما ندري أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه ؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو : أن اغسلوا النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم .

 وكانت عائشة تقول : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه ) .

حادي عشر : ( حسن ) والغرض من ستر جسمه واستعمال الخرقة أن لا يطلع على عورته ولا تمس وعورة الرجل من السرة إلى الركبة على الصحيح : لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( حسن ) ( ما بين السرة والركبة عورة ) .

 ( صحيح ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( القخد عورة ) ( 1 ) .

 وأما المرأة مع المرأة المسلمة - طبعا - فهي عورة إلا مواطن الزينة منها هي الرأس والأذن والنحر وأعلى الصدر : موضع القلادة والذراع مع شيء من العضد : موضع الدملج والقدم وأسفل الساق : موضع الخلخال وما سوى ذلك فعورة لا يجوز للمرأة - كالمحارم - أن تنظر إلى شيء منها ولا أن تبديه لصريح قوله تعالى :

 ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو أبناء بعولتهن إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن . . . ) الآية ( 2 ) .

 ثاني عشر : ويستثنى مما ذكر في ( رابعا ) المحرم فإنه لا يجوز تطييبه لقوله في الحديث الذي سبقت الإشارة إليه قريبا :

 ( لا تحنطوه وفي رواية : ولا تطيبوه . . فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ) .

 ثالث عشر : ويستثنى أيضا مما ورد في ( تاسعا ) الزوجان فغنه يجوزك لكل منهما ان يتولى غسل الآخر إذ لا دليل يمنع منه والأصل الجواز ولا سيما انه مؤيد بحديثين :

 الأول : ( صحيح ) قول عائشة رضي الله عنها في حديثها المتقدم : ( لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي صلى الله عليه وسلم غير نسائه )

الثاني : ( حسن ) عنها أيضا : رجع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعا في رأسي وأقول : وارأساه فقال :

 ( بل أنا وارأساه ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك ) .

 رابع عشر : أن يتولى غسله من كان أعرف بسنة الغسل لا سيما إذا كان من أهله وأقاربه لأن الذين تولوا غسله صلى الله عليه وسلم كانوا كما ذكرنا فقد قال علي رضي الله عنه :

 ( صحيح ) ( غسلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا وكان طيبا حيا وميتا صلى الله عليه وسلم ) .

 30 - ولمن تولى غسله أجر عظيم بشرطين اثنين :

 الأول : أن يستر عليه ولا يحدث بما قد يرى من المكروه لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( من غسل مسلما فكتم عليه غفر له الله أربعين مرة ومن حفر له فأجنه أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس واستبرق الجنة ) .

 الثاني : أن يبتغي بذلك وجه الله لا يريد به جزاء ولا شكورا ولا شيئا من أمور الدنيا لما تقرر في الشرع أن الله تبارك وتعالى لا يقبل من العبادات إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة جدا اجتزئ هنا بذكر اثنين منها :

 الأول : قوله تبارك وتعالى :

 قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا . أي : لا يقصد بها غير وجه الله تعالى

الثاني : ( صحيح ) قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) .

 31 - ويستحب لمن غسله أن يغتسل لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ ) .

 وظاهر الأمر يفيد الوجوب وإنما لم نقل به لحديثين :

 الأول : ( حسن ) قوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم ) .

 الثاني : ( صحيح ) قول ابن عمر رضي الله عنه : ( كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل ) .

 32 - ولا يشرع غسل الشهيد قتيل المعركة ولو اتفق أنه كان جنبا وفي ذلك أحاديث :

 الأول : ( صحيح ) عن جابر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :

 ( ادفنوهم في دمائهم ) - يعني يوم أحد - ولم يغسلهم . ( وفي رواية ) فقال : ( أنا شهيد على هؤلاء لفوهم في دمائهم فإنه ليس جريح يجرح [ في الله ] إلا جاء وجرحه يوم القيامة يدمى لونه لون الدم وريحه ريح المسك ) .

 وفي رواية : ( صحيح ) ( لا تغسلوهم فإن كل جرح يفوح مسكا يوم القيامة ولم يصل عليهم ) .

 الثاني : ( صحيح ) عن أبي برزه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مغزى له فأفاء الله عليه فقال لأصحابه : ( هل تفقدون من أحد ؟ ) . قالوا : نعم فلانا وفلانا وفلانا . ثم قال : ( هل تفقدون من أحد ؟ ) قالوا : لا . قال : ( لكني أفقد جليبيبا

فاطلبوه ) . فطلب في القتلى فوجدوه إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فوقف عليه فقال :

 ( قتل سبعة ثم قتلوه هذه مني وأنا منه هذا مني وأنا منه ) [ قالها مرتين أو ثلاثا ] [ ثم قال بذراعيه هكذا فبسطهما ] قال : فوضعه على ساعديه ليس له سرير إلا ساعدي النبي صلى الله عليه وسلم قال : فحفر له ووضع في قبره . ولم يذكر غسلا ) .

 الثالث : ( صحيح ) عن عبد الله بن الزبير في قصة أحد واستشهاد حنظلة بن أبي عامر قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 ( إن صاحبكم تغسله الملائكة فاسألوا صاحبته ) فقالت : خرج وهو جنب لما سمع الهائعة ( 1 ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 ( لذلك غسلته الملائكة ) .

تكفين الميت

 33 - وبعد الفراغ من غسل الميت يجب تكفينه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حديث المحرم الذي وقصته الناقة :

 ( صحيح ) ( . . . . وكفنوه . . . . ) .

 وقد تقدم بتمامه في الفصل ( 3 ) فقرة ( د ) .

 34 - والكفن أو ثمنه من مال الميت ولو لم يخلف غيره لحديث خباب بن الأرت قال :

 ( صحيح ) ( هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء ( وفي رواية : ولم يترك ) طر إنسان إلى ذلك وقال النبي صلى الله عليه وسلم :

 ( إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه [ إن استطاع ] ) .

 قال العلماء :

 35 - وينبغي أن يكون الكفن طائلا سابغا يستر جميع بدنه لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه :

 ( صحيح ) ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقبر ليلا فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه إلا أن

  ( والمراد بإحسان الكفن نظافته وكثافته وستره وتوسطه وليس المراد به السرف فيه والمغالاة ونفاسته ) .

 36 - فإن ضاق الكفن عن ذلك ولم يتيسر السابغ ستر به رأسه وما طال من جسده وما بقي منه مكشوفا جعل عليه شيء من الإذخر أو غيره من الحشيش لحديث خباب بن الأرت في قصة مصعب وقوله صلى الله عليه وسلم في نمرته :

 ( صحيح ) ( ضعوها مما يلي رأسه ( وفي رواية : غطوا بها رأسه ) واجعلوا على رجليه الإذخر ) .

 وتقدم بتمامه في المسألة ( 34 ) .

 37 - وإذا قلت الأكفان وكثرت الموتى جاز تكفين الجماعة منهم في الكفن الواحد بأن يقسم بينهم ويقدم أكثرهم قرآنا إلى القبلة لحديث أنس رضي الله عنه قال :

 ( حسن ) لما كان يوم أحد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة بن عبد المطلب وقد جدع ومثل به فقال :

 ( لولا أن تجد صفية [ في نفسها ل ] تركته [ حتى تأكله العافية ] حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع ) . فكفنه في نمرة [ وكانت ] إذا خمرت رأسه بدت رجلاه وإذا خمرت رجلاه بدا رأسه فخمر رأسه ولم يصل على أحد من الشهداء غيره وقال : أنا شاهد عليكم اليوم .

 [ قال : وكثرت القتلى وقلت الثياب قال : ] وكان يجمع الثلاثة والاثنين

في قبر واحد ويسأل أيهم أكثر قرآنا فيقدم في اللحد وكفن الرجلين والثلاثة في الثوب الواحد ) .

 38 - ولا يجوز نزع ثياب الشهيد التي قتل فيها بل يدفن وهي عليه لقوله صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد :

 ( صحيح ) ( زملوهم في ثيابهم )

 39 - ويستحب تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمصعب بن عمير . وتقدم حديثه في المسألة ( 34 ) .

 40 - والمحرم يكفن في ثوبيه اللذين مات فيهما لقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته الناقة :

 ( . . . . وكفنوه في ثوبيه [ اللذين أحرم فيهما ] . . . .

 وتقدم بتمامه في الفصل ( 3 ) فقرة ( د ) .

 41 - ويستحب في الكفن أمور :

 الأول : ( صحيح ) البياض لقوله صلى الله عليه وسلم : ( البسوا من ثيابكم البياض فإنها خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم ) .

 الثاني : ( صحيح ) كونه ثلاثة أثواب لحديث عائشة رضي الله عنه قالت :

 ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية من كرسف ليس فيهن قميص ولا عمامة [ أدرج فيها أدراجا ] )

. الثالث : ( صحيح ) أن يكون أحدها ثوب حبرة إذا تيسر لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( إذا توفي أحدكم فوجد شيئا فليكفن في ثوب حبرة ) .

 الرابع : ( صحيح ) تبخيره ثلاثا لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا ) .

 ( صحيح ) وهذا الحكم لا يشمل المحرم لقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته الناقة ( . . . . ولا تطيبوه . . . ) .

 42 - ولا يجوز المغالاة في الكفن ولا الزيادة فيه على الثلاثة لأنه خلاف ما كفن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في المسألة السابقة وفيه إضاعة للمال وهو منهي عنه ولا سيما والحي أولى به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( إن الله كره لكم ثلاثا : قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال ) .

 ويعجبني بهذه المناسبة ما قاله العلامة أو الطيب في ( الروضة الندية ) ( 1/165 ) .

 ( وليس تكثير الأكفان والمغالاة في أثمانها بمحمود فإنه لولا ورود الشرع به لكان من إضاعة المال لأنه لا ينتفع به الميت ولا يعود نفعه على الحي ورحم الله أبا بكر الصديق حيث قال : ( إن الحي أحق بالجديد ) لما قيل له عند تعيينه لثوب من أثوابه في كفنه : ( إن هذا خلق ) .

 43 - والمرأة في ذلك كالرجل إذ لا دليل على التفريق

ل الجناة واتباعها

 44 - ويجب حمل الجنازة واتباعها وذلك من حق الميت المسلم على المسلمين وفي ذلك أحاديث أذكر اثنين منها :

 الأول : ( صحيح ) قوله صلى الله عليه وسلم :

 ( حق المسلم على المسلم ( وفي رواية : يجب للمسلم على أخيه ) خمس : رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس ) .

 الثاني : ( حسن ) قوله أيضا :

 ( عودوا المريض واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة ) .

 45 - واتباعها على مرتبتين :

 الأولى : اتباعها من عند أهلها حتى الصلاة عليها .

 والأخرى : اتباعها من عند أهلها حتى يفرغ من دفنها .

 وكل منهما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ( صحيح ) ( كنا مقدم النبي صلى الله عليه وسلم ( يعني المدينة ) إذا حضر منا الميت آذنا النبي صلى الله عليه وسلم فحضره واستغفر له حتى إذا قبض انصرف النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه حتى يدفن وربما طال حبس ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فلما خشينا مشقة ذلك عليه قال بعض القوم لبعض : لو كنا لا نؤذن النبي صلى الله عليه وسلم بأحد حتى يقبض فإذا قبض آذناه فلم يكن عليه في ذلك مشقة ولا حبس ففعلنا ذلك وكنا نؤذنه بالميت بعد أن يموت فيأتيه فيصلي عليه فربما انصرف وربما مكث حتى يدفن الميت فكنا على ذلك حينا ثم قلنا لو لم يشخص النبي صلى الله عليه وسلم وحملنا جنازتنا إليه حتى يصلي عليه عند بيته لكان ذلك أرفق به فكان ذلك الأمر إلى اليوم ) .

 46 - ولا شك في أن المرتبة الأخرى أفضل من الأولى لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( من شهد الجنازة [ من بيتها ] ( وفي رواية : من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا ) حتى يصلي عليه فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن ( وفي الرواية الأخرى : يفرغ منها ) فله قيراطان [ من الأجر ] . قيل : [ يا رسول الله ] وما القيراطان ؟ قال : مثل الجبلين العظيمين . ( وفي الرواية الأخرى : كل قيراط مثل أحد ) .

 47 - وهذا الفضل في اتباع الجنائز إنما هو للرجال دون النساء لنهي النبي صلى الله عليه وسلم النساء عن اتباعها وهو نهي تنزيه فقد قالت أم عصية رضي الله عنها :

 ( صحيح ) ( كنا ننهى ( وفي رواية : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا ) .

 48 - ولا يجوز أن تتبع الجنائز بما يخالف الشريعة وقد جاء النص فيها على أمرين : رفع الصوت بالبكاء واتباعها بالبخور وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم :

 ( ضعيف يتقوى بشواهده وبآثار مرفوعة ) ( لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار ) .

 49 - ويلحق بذلك رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة لأنه بدعة ولقول قيس بن عباد :

 ( كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند الجنائز ) .

 ولأن فيه تشبها بالنصارى فإنهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين .

 وأقبح من ذلك تشييعها بالعزف على الآلات الموسيقية أمامها عزفا حزينا كما يفعل في بعض البلاد الإسلامية تقليدا للكفار . والله المستعان .

 قال النووي رحمه الله تعالى في ( الأذكار ) ( ص 203 ) :

 ( واعلم أن الصواب والمختار وما كان عليه السلف رضي الله عنهم السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك . والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال فهذا هو الحق ولا تغتر بكثرة من يخالفه فقد قال أبو علي الفضيلبن عياض رضي الله عنه ما معناه : ( الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ) . وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته ( يشير إلى قول قيس بن عباد ) . وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن مواضعه فحرام بإجماع العلماء وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب ( آداب القراءة ) والله المستعان ) .

 50 - ويجب الإسراع في السير بها سيرا دون الرمل لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( أسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخير تقدمونها عليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ) .

 قلت : ظاهر الأمر الوجوب وبه قال ابن حزم ( 5/154 - 155 ) ولم نجد دليلا يصرفه إلى الاستحباب فوقفنا عنده . وقال ابن القيم في زاد المعاد :

 ( وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مكروهة مخالفة للسنة ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب : اليهود ) .

 51 - ويجوز المشي أمامها وخلفها وعن يمينها ويسارها على أن يكون قريبا منها إلا الراكب فيسير خلفها لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( الراكب [ يسير ] خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها [ خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها ] الطفل يصلى عليه [ ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة ] ) .

 52 - وكل من المشي أمامها وخلفها ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا كما قال أنس بن مالك رضي الله عنه :

 ( صحيح ) ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها ) .

 53 - ولكن الأفضل المشي خلفها لأنه مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم : ( واتبعوا الجنائز ) . وما في معناه . ويؤيده قول علي رضي الله عنه : المشي خفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذا ) .

 54 - ويجوز الركوب بشرط أن يسير وراءها لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم : ( الراكب يسير خلف الجنازة . . . ) .

 لكن الأفضل المشي لأنه المعهود عنه صلى الله عليه وسلم ولم يرد أنه ركب معها بل قال ثوبان رضي الله عنه :

 ( صحيح ) ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها فلما أنصرف أتي بدابة فركب فقيل له ؟ فقال :

 ( إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت ) .

 55 - وأما الركوب بعد الانصراف عنها فجائز بدون كراهة لحديث ثوبان المذكور آنفا ومثله حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال :

 ( صحيح ) صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن الدحداح [ ونحن شهود ] ( وفي رواية : خرج على جنازة ابن الدحداح [ ماشيا ] ) ثم أتي بفرس عري فعقله رجل فركبه [ حين انصرف ] فجعل يتوقص به ونحن نتبعه نسعى خلفه ( وفي رواية : حوله ) قال : فقال رجل من القوم : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

 ( كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح ) .

 56 - وأما حمل الجنازة على عربة أو سيارة مخصصة للجنائز وتشييع المشيعين لها وهم في السيارات فهذه الصورة لا تشرع البتة وذلك لأمور :

 الأول : أنها من عادات الكفار وقد تقرر في الشريعة أنه لا يجوز تقليدهم فيها . وفي ذلك أحاديث كثيرة جدا كنت استوعبتها وخرجتها في كتابي ( حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة ) . بعضها في الأمر والحض على مخالفتهم في عباداتهم وأزيائهم وعاداتهم وبعضها من فعله صلى الله عليه وسلم في مخالفتهم في ذلك فمن شاء الاطلاع عليها فليرجع إليالثاني : أنها بدعة في عبادة مع معارضتها للسنة العملية في حمل الجنازة وكل ما كان كذلك من المحدثات فهو ضلالة اتفاقا .

 الثالث : أنها تفوت الغاية من حملها وتشييعها وهي تذكر الآخرة كما نص على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم في أول هذا الفصل بلفظ :

 ( حسن ) ( . . . واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة ) .

 أقول : إن تشييعها على تلك الصورة مما يفوت على الناس هذه الغاية الشريفة تفويتا كاملا أو دون ذلك فإنه مما لا يخفى على البصير أن حمل الميت على الأعناق ورؤية المشيعين لها وهي على رؤوسهم أبلغ في تحقيق التذكر والاتعاظ من تشييعها على الصورة المذكورة ولا أكون مبالغا إذا قلت : إن الذي حمل الأوربيين عليها إنما هو خوفهم من الموت وكل ما يذكر به بسبب تغلب المادة عليهم وكفرهم بالآخرة

 الرابع : أنها سبب قوي لتقليل المشيعين لها والراغبين في الحصول على الأجر الذي سبق ذكره في المسألة ( 46 ) من هذا الفصل ذلك لأنه لا يستطيع كل أحد أن يستأجر سيارة ليشيعها .

 الخامس : أن هذه الصورة لا تتفق من قريب ولا من بعيد مع ما عرف الشريعة المطهرة السمحة من البعد عن الشكليات والرسميات لا سيما في مثل هذا الأمر الخطير : الموت والحق أقول : إنه لو لم يكن في هذه البدعة إلا هذه المخالفة لكفى ذلك في ردها فكيف إذا انضم إليها ما سبق بيانه من المخالفات والمفاسد وغير ذلك مما لا أذكره

 57 - والقيام لها منسوخ . وهو على نوعين :

 أ - قيام الجالس إذا مرت به .

ب - وقيام المشيع لها عند انتهائها إلى القبر حتى توضع على الأرض والدليل على ذلك حديث علي رضي الله عنه :

 ( صحيح ) ( قام رسول الله صلى الله عليه وسلم للجنازة فقمنا ثم جلس فجلسنا ) . وفي لفظ : ( كان يقوم في الجنائز ثم جلس بعد ) . وفي آخر : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس ) .

 ويستحب لمن حملها أن يتوضأ لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ ) .

 

الصلاة على الجنازة

 58 - والصلاة على الميت المسلم فرض كفاية لأمره صلى الله عليه وسلم بها في أحاديث أذكر منها حديث زيد بن خالد الجهني :

 ( صحيح ) ( أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر فذكروا ذلك لرسول الله فقال :

 ( صلوا على صاحبكم ) فتغيرت وجوه الناس لذلك قال :

 ( إن صاحبكم غل في سبيل الله ) .

 ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين ) .

 59 - ويستثنى من ذلك شخصان فلا تجب الصلاة عليهما :

 الأول : الطفل الذي لم يبلغ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على ابنه إبراهيم عليه السلام قالت عائشة رضي الله عنها :

 ( حسن ) ( مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .

 الثاني : الشهيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على شهداء أحد وغيرهم كما سبق .

 ولكن ذلك لا ينفي مشروعية الصلاة عليهما بدون وجوب كما يأتي في المسألة التالية :

 60 - وتشرع الصلاة على من يأتي ذكرهم :

 الأول : الطفل : ولو كان سقطا ( وهو الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه ) لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم ( المسألة 51 ) :

 ( صحيح ) ( . . . والطفل ( وفي رواية : السقط ) يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة ) . والظاهر أن السقط إنما يصلى عليه إذا كان قد نفخت فيه الروح . وذلك إذا استكمل أربعة أشهر ثم مات فأما إذا سقط قبل ذلك فلالأنه ليس بميت كما لا يخفى . وأصل ذلك حديث عبد اله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا :

 ( صحيح ) ( إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا . . . ينفخ فيه الروح ) .

 الثاني : الشهيد وفيه أحاديث كثيرة أكتفي بذكر بعضها :

 1 ( حسن ) عن عبد الله بن الزبير :

 ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم أحد بحمزة فسجي ببردة ثم صلى عليه فكبر تسع تكبيرات ثم أتي بالقتلى يصفون ويصلي عليهم وعليه معهم ) .

 2 ( صحيح ) عن عقبة بن عامر الجهني :

 ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت [ بعد ثمان سنين ] [ كالمودع للأحياء والأموات ] ثم انصرف إلى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ] فقال :

 ( إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم [ وإن موعدكم الحوض ] وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن [ وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة ] وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم [ الدنيا ] أن تتنافسوا فيها [ وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم ] ) .

 قال : فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ] ) .

 الثالث : من قتل في حد من حدود الله لحديث عامر بن حصين :

 ( صحيح ) ( أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا فقالت : يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال :

 ( أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها ) . ففعل فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر : تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت ؟ فقال :

 ( لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى ؟ ) .

  الرابع : الفاجر المنبعث في المعاصي والمحارم مثل تارك الصلاة والزكاة مع اعترافه بوجوبهما والزاني ومدمن الخمر ونحوهم من الفساق فإنه يصلى عليهم إلا أنه ينبغي لأهل العلم والدين أن يدعوا الصلاة عليهم عقوبة وتأديبا لأمثالهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم . وفي ذلك أحاديث أذكر أحدها :

 ( صحيح ) عن أبي قتادة قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعي لجنازة سأل عنها فإن أثني عليها خير قام فصلى عليها وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها : ( شأنكم بها ) ولم يصلي عليها ) .

 الخامس : المدين الذي لم يترك من المال ما يقضي به دينه فإنه يصلى عليه وإنما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه في أول الأمر وفيه أحاديث :

 1 ( صحيح ) عن سلمة بن الأكوع قال :

 ( كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتي بجنازة فقالوا : صل عليها فقال : ( هل عليه دين ؟ ) قالوا : لا . قال : ( فهل ترك شيئا ؟ ) قالوا : لا فصلى عليه .

 ثم أتي بجنازة أخرى فقالوا : يا رسول الله صل عليها قال : هل عليه دين ؟ ) قيل : نعم قال : ( فهل ترك شيئا ؟ ) قالوا : ثلاثة دنانير [ قال : فقال بأصابعه : ثلاث كيات ] فصلى عليها .

 ثم أتي بالثالثة فقالوا : صل عليه قال : ( هل ترك شيئا ؟ ) قالوا : لا قال : ( هل عليه دين ؟ ) قالوا : ثلاثة دنانير قال : ( صلوا على صاحبكم ) . قال [ رجل من الأنصار يقال له ] أبو قتادة : صل عليه يا رسول الله وعلي دينه .

 2 ( صحيح ) عن أبي هريرة :

 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين فيسأل : هل ترك من قضاء ؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه وإلا فلا : قال : ( صلوا على صاحبكم ) . فلما فتح الله عليه الفتوح قال : ( أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم [ في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) ] فمن توفي وعليه دين [ ولم يترك وفاء ] فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فهو لورثته ) .

السادس : من دفن قبل أن يصلى عليه أو صلى عليه بعضهم دون بعض فيصلون عليه وهو في قبره على أن يكون الإمام في الصورة الثانية ممن لم يكن صلى عليه . وفي ذلك أحاديث أجتزئ هنا بواحد منها :

 عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال :

 ( صحيح ) ( مات رجل - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده - فدفنوه بالليل فلما أصبح أعلموه فقال : ما منعكم أن تعلموني ؟ قالوا : كان الليل وكانت الظلمة فكرهنا أن نشق عليك . فأتى قبره فصلى عليه [ قال : فأمنا وصفنا خلفه ] [ وأنا فيهم ] [ وكبر أربعا ] ) .

 السابع : من مات في بلد ليس فيها من يصلي عليه صلاة الحاضر فهذا يصلي عليه طائفة من المسلمين صلاة الغائب لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي .

 وقد رواها جماعة من أصحابه صلى الله عليه وسلم يزيد بعضهم على بعض وقد جمعت أحاديثهم فيها ثم سقتها في سياق واحد تقريبا للفائدة والسياق لحديث أبي هريرة :

 ( صحيح ) ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى للناس [ وهو بالمدينة ] النجاشي [ أصحمة ] [ صاحب الحبشة ] في اليوم الذي مات فيه [ قال : إن أخا لكم قد مات ( وفي رواية : مات اليوم عبد لله صالح ) [ بغير أرضكم ] [ فقوموا فصلوا عليه ] . [ قالوا : من هو ؟ قال : النجاشي ] [ وقال : استغفروا لأخيكم ] .

 قال : فخرج بهم إلى المصلى ( وفي رواية : البقيع ) [ ثم تقدم فصفوا خلفه ] [ صفين ] [ قال : فصففنا خلفه كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلى على الميت ] [ وما نحسب الجنازة إلا موضوعة بين يديه ] [ قال : فأمنا وصلى عليه ] وكبر ( عليه ) أربع تكبيرات [ فقيل : يا رسول الله تصلي على عبد حبشي ؟ فأنزل الله عز وجل : وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله . . . الآية ] ) .

قال ابن القيم رحمه الله في ( زاد المعاد ) 1/205/206 ) :

 ( ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم وسنته الصلاة على كل ميت غائب فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيب فلم يصل عليهم وصح أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت ) .

 ومما يؤيد عدم مشروعية الصلاة على كل غائب أنه لما مات الخلفاء الراشدون وغيرهم لم يصل أحد من المسلمين عليهم صلاة الغائب ولو فعلوا لتواتر النقل بذلك عنهم .

 فقابل هذا بما عليه كثير من المسلمين اليوم من الصلاة على كل غائب لا سيما إذا كان له ذكر أو صيت ولو من الناحية السياسية فقط ولا يعرف بصلاح أو خدمة للإسلام ولو كان مات في الحرم المكي وصلى عليه الآلاف المؤلفة في موسم الحج صلاة الحاضر قابل ما ذكرنا بمثل هذه الصلاة تعلم يقينا أن ذلك من البدع التي لا يمتري فيها عالم بسنته صلى الله عليه وسلم ومذهب السلف رضي الله عنهم .

 61 - وتحرم الصلاة والاستغفار والترحم على الكفار والمنافقين لقول الله تبارك وتعالى : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون .

 ولحديث علي رضي الله عنه قال :

 ( حسن ) ( سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهم مشركان فقلت : تستغفر لأبويك وهما مشركان ؟ فقال : أليس قد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك ؟ قال : فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم .

قال النووي رحمه الله تعالى في ( المجموع ) ( 5/144 258 ) :

 ( الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة حرام بنص القرآن والإجماع ) .

 قلت : ومن ذلك تعلم خطأ بعض المسلمين اليوم في الترحم والترضي على بعض الكفار ويكثر ذلك من بعض أصحاب الجرائد والمجلات ولقد سمعت أحد رؤساء العرب المعروفين بالتدين يترحم على ( ستالين ) الشيوعي الذي هو ومذهبه من أشد وألد الأعداء على الدين وذلك في كلمة ألقاها لرئيس المشار إليه بمناسبة وفاة المذكور أذيعت بالراديو ولا عجب من هذا فقد يخفى عليه مثل هذا الحكم ولكن العجب من بعض الدعاة المسلمين أن يقع في مثل ذلك حيث قال في رسالة له : ( رحم الله برناردشو . . ) وأخبرني بعض الثقات عن أحد المشايخ أنه كان يصلي على من مات من الإسماعيلية مع اعتقاده أنهم غير مسلمين . لأنهم لا يرون الصلاة ولا الحج ويعبدون البشر ومع ذلك كان يصلي عليهم نفاقا ومداهنة لهم . فإلى الله المشتكى وهو المستعان .

 62 - وتجب الجماعة في صلاة الجنازة كما تجب في الصلوات المكتوبة بدليلين :

 الأول : مداومة النبي صلى الله عليه وسلم عليها :

 الآخر : ( صحيح ) قوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) .

 ولا يعكر على ما ذكرنا صلاة الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم فرادى لم يؤمهم أحد لأنها قضية خاصة لا يدرى وجهها فلا يجوز من أجلها أن نترك ما واظب عليه

  صلى الله عليه وسلم طيلة حياته المباركة لا سيما والقضية المذكورة لم ترد بإسناد صحيح تقوم به الحجة وإن كانت رويت من طرق يقوي بعضها بعضا فإن أمكن الجمع بينها وبين ما ذكرنا من هديه صلى الله عليه وسلم في التجميع في الجنازة فبها وإلا فهديه هو المقدم لأنه أثبت وأهدى . فإن صلوا عليها فرادى سقط الفرض وأثموا بترك الجماعة والله أعلم .

 قال النووي في ( المجموع ) ( 5/314 ) :

 ( تجوز صلاة الجنازة فرادى بلا خلاف والسنة أن تصلى جماعة للأحاديث المشهورة في الصحيح في ذلك مع إجماع المسلمين ) .

 63 - وأقل ما ورد في انعقاد الجماعة فيها ثلاثة ففي حديث عبد الله بن أبي طلحة :

 ( صحيح ) ( أن طلحة دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمير بن أبي طلحة حين توفي فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى عليه في منزلهم فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو طلحة وراءه وأم سليم وراء أبي طلحة ولم يكن معهم غيرهم ) .

 64 - وكلما كثر الجمع كان أفضل للميت وأنفع لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه ) . وفي حديث آخر : ( غفر له ) .

 وقد يغفر للميت ولو كان العدد أقل من مائة إذا كانوا مسلمين لم يخالط توحيدهم شيء من الشرك لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه ) .

 65 - ويستحب أن يصفوا وراء الإمام ثلاثة صفوف فصاعدا لحديثين رويا في ذلك تتقوى المسألة بمجموعهما فراجعهما في الأصل .

وإذا لم يوجد مع الإمام غير رجل واحد فإنه لا يقف حذاءه كما هو السنة في سائر الصلوات بل يقف خلف الإمام للحديث المتقدم في المسألة ( 63 ) .

 67 - والوالي أو نائبه أحق بالإمامة فيها من الولي لحديث أبي حازم قال :

 ( إني لشاهد يوم مات الحسن بن علي فرأيت الحسين بن علي يقول لسعيد ابن العاص - ويطعن في عنقه ويقول : - تقدم فلولا أنها سنة ما قدمتك ( وسعيد أمير على المدينة يومئذ ) وكان بينهم شيء ) .

 68 - فإن لم يحضر الوالي أو نائبه فالأحق بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله ثم على الترتيب الذي ورد ذكره في قوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدهم سلما ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلى إلا بإذنه ) .

 ويؤمهم الأقرأ ولو كان غلاما لم يبلغ الحلم لحديث عمرو بن سلمة :

 ( صحيح ) ( أنهم ( يعني قومه ) وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم فلما أرادوا أن ينصرفوا قالوا : يا رسول الله من يؤمنا ؟ قال : أكثركم جمعا للقرآن أو أخذا للقرآن فلم يكن أحد من القوم جمع ما جمعت فقدموني وأنا غلام وعلي شملة لي . قال : فما شهدت مجمعا من جرم إلا كنت إمامهم وكنت أصلي على جنائزهم إلى يومنا هذا ) .

 69 - وإذا اجتمعت جنائز عديدة من الرجال والنساء صلي عليها صلاة واحدة وجعلت الذكور - ولو كانوا صغارا - مما يلي الإمام وجنائز الإناث مما يلي القبلة فإنه السنة كما قال نافع عن ابن عمر :

أنه صلى على تسع جنائز جميعا فجعل الرجال يلون الإمام والنساء يلين القبلة فصفهن صفا واحدا ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن الخطاب وابن لها يقال له : زيد وضعا جميعا والإمام يومئذ سعيد بن العاص وفي الناس ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة فوضع الغلام مما يلي الإمام فقال رجل : فأنكرت ذلك فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة فقلت : ما هذا ؟ قالوا : هي السنة ويجوز أن يصلي على كل واحدة من الجنائز صلاة لأنه الأصل ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في شهداء أحد كما تقدم في المسألة ( 60/1 ) .

 71 - وتجوز الصلاة على الجنازة في المسجد لحديث عائشة رضي الله عنها قالت :

 ( صحيح ) ( لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ففعلوا فوقف به على حجرهن يصلين عليه أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد . فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا [ هذه بدعة ] ما كانت الجنائز يدخل بها إلى المسجد فبلغ ذلك عائشة فقالت : ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد [ والله ] ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء [ وأخيه ] إلا في جوف المسجد ) .

 72 - لكن الأفضل الصلاة عليها خارج المسجد في مكان معد للصلاة على الجنائز كما كان الأمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو الغالب على هديه فيها وفي ذلك أحاديث مذكورة في الأصل منها صلاته صلى الله عليه وسلم على النجاشي في المصلى قرب البقيع كما تقدم في المسألة ( 60/7 ) .

 ومنها حديث :

 ( صحيح ) ( أن اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة زنيا فأمر بهما فرجما قريبا من موضع الجنائز عند المسجد ) .

قال الحافظ في ( الفتح ) :

 ( إن مصلى الجنائز كان لاصقا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية جهة المشرق ) .

 وقال في موضع آخر ( 12 - 108 ) :

 ( والمصلى الذي كان يصلى عنده العيد والجنائز هو من ناحية بقيع الغرقد ) .

 73 - ولا تجوز الصلاة عليها بين القبور لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه :

 ( حسن ) ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور ) .

 وعنه أيضا :

 ( رجاله ثقات رجال الشيخين ؟ ) ( كان يكره أن يبنى مسجد بين القبور ) .

 ويشهد للحديث ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن اتخاذ القبور مساجد وقد ذكرت ما ورد ي ذلك في أول كتابي ( تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ) وسأذكر بعضها في المسألة ( 126 فقرة 9 ) .

 74 - ويقف الإمام وراء رأس الرجل ووسط المرأة وفيه حديثان أجمعهما حديث أبي غالب الخياط قال :

 ( صحيح ) ( شهدت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه ( وفي رواية رأس السرير ) فلما رفع أتي بجنازة امرأة من قريش أو من الأنصار فقيل له : يا أبا حمزة هذه جنازة فلانة ابنة فلان فصل عليها فصلى عليها فقام وسطها ( وفي رواية عند عجيزتها وعليها نعش أخضر ) وفينا العلاء بن زياد العدوي فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة قال : يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم حيث قمت ومن المرأة حيث قمت ؟ قال : نعم قال : فالتفت إلينا العلاء فقال : احفظوا ) .

  صفة صلاة الجنازة

 75 - ويكبر عليها أربعا أو خمسا إلى تسع تكبيرات كل ذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فأيها فعل أجزأه والأولى التنويع فيفعل هذا تارة وهذا تارة كما هو الشأن في أمثاله كأدعية الاستفتاح وصيغ التشهد والصلوات الإبراهيمية ونحوهما وإن كان لا بد من التزام نوع واحد منها فهو الأربع لأن الأحاديث فيها أقوى وأكثر والمقتدي يكبر ما كبر الإمام . وبيان ذلك في الأصل .

 76 - ويشرع له أن يرفع يديه في التكبيرة الأولى وفيه حديثان يقوي أحدهما الآخر مع اتفاق العلماء عليه .

 77 - ثم يضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد ثم يشتد بهما على صدره وفي ذلك أحاديث معروفة ترى بعضهما في الأصل .

 وأما الوضع تحت السرة فضعيف اتفاقا كما قال النووي والزيلعي وغيرهما .

 78 - ثم يقرأ عقب التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وسورة لحديث طلحة بن عبد الله بن عوف قال :

 ( صحيح ) ( صليت خلف ابن عباس رضي الله عنه على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب [ وسورة وجهر حتى أسمعنا فلما فرغ أخذت بيده فسألته ؟ ف ] قال : [ إنما جهرت ] لتعلموا أنها سنة [ وحق ] .

 79 - ويقرأ سرا لحديث أبي أمامة بن سهل قال :

 ( صحيح ) ( السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم يكبر ثلاثا والتسليم عند الآخرة ) .

 80 - ثم يكبر التكبيرة الثانية ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لحديث أبي أمامة المذكور أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :

. أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات ( الثلاث ) لا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سرا في نفسه [ حين ينصرف [ عن يمينه ] والسنة أن يفعل من ورائه مثلما فعل إمامه ] ) .

 وأما صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الجنازة فلم أقف عليها في شيء من الأحاديث الصحيحة فالظاهر أن الجنازة ليس لها صيغة خاصة بل يؤتى فيها بصيغة من الصيغ الثابتة في التشهد في المكتوبة

 ثم يأتي ببقية التكبيرات ويخلص الدعاء فيها للميت لحديث أبي أمامة المتقدمة آنفا وقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( حسن ) ( إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء ) .

 82 - ويدعو فيها بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من الأدعية وقد وقفت منها على أربعة :

 الأول : ( صحيح ) ( اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء الثلج والبرد ونقه من خطاياه كما نقيت ( وفي رواية كما ينقى ) الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا ( وفي رواية : زوجة ) خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار

. الثاني : ( صحيح ) ( اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا . اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده ).

 الثالث : ( صحيح ) ( اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك فقه فتنة القبر وعذاب النار وأنت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم ) .

 الرابع : ( صحيح ) ( اللهم عبدك وابن أمتك احتاج إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه إن كان محسنا فزد في حسناته وإن كان مسيئا فتجاوز عنه ) .

 [ ثم يدعوا ما شاء الله أن يدعو

والدعاء بين التكبيرة الأخيرة والتسليم مشروع لحديث أبي يعفور عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال :

 ( صحيح ) ( شهدته وكبر على جنازة أربعا ثم قام ساعة - يعني - يدعو ثم قال : أتروني كنت أكبر خمسا ؟ قالوا : لا . قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر أربعا ) .

 84 - ثم يسلم تسليمتين مثل تسليمه في الصلاة المكتوبة إحداها عن يمينه والأخرى عن يساره لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :

 ( حسن ) ( ثلاث خلال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن تركهن الناس إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة ) . وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسلمتين في الصلاة . فهذا يبين أن المراد بقوله في الحديث الأول ( مثل التسليم في الصلاة ) أي التسليمتين المعهودتين .

85 - . ويجوز الاقتصار على التلسيمة الأولى فقط لحديث أبي هريرة رضي الله عنه :

 ( حسن ) ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فكبر عليها أربعا وسلم تسليمة واحدة ) .

 86 - والسنة أن يسلم في الجنازة سرا الإمام ومن وراءه في ذلك سواء لحديث أبي أمامة المتقدم في المسألة ( 80 ) بلفظ :

 ( صحيح ) ( ثم يسلم سرا في نفسه حين ينصرف والسنة أن يفعل من وراءه مثلما فعل إمامه ) .

 87 - ولا تجوز الصلاة على الجنازة في الأوقات الثلاثة التي تحرم الصلاة فيها إلا لضرورة لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال :

 ( صحيح ) ( ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا : حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب ) .

 وهو بعمومه يشمل الصلاة على الجنازة وهو الذي فهمه الصحابة كما شرحته في الأصل .

لدفن وتوابعه

 88 - ويجب دفن الميت ولو كان كافرا وفي ذلك حديثان :

 الأول : عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو طلحة الأنصاري والسياق له :

 ( صحيح ) ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش [ فجروا بأرجلهم ] فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث [ بعضهم على بعض ] [ إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا يحركووه فتزايل فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة ] . . . ) .

 الحديث .

 الثاني : عن علي رضي الله عنه قال :

 ( صحيح ) ( لما توفي أبو طالب أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : إن عمك الشيخ [ الضال ] قد مات [ فمن يواريه ؟ ] قال : اذهب فواره ثم لا تحدث شيئا حتى تأتيني [ فقال : إنه مات مشركا فقال : اذهب فواره ] قال : فواريته ثم أتيته قال : اذهب فاغتسل ثم لا تحدث شيئا حتى تأتيني قال : فاغتسلت ثم أتيته قال : فدعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بها حمر النعم وسودها . قال : وكان علي إذا غسل الميت اغتسل ) .

 89 - ولا يدفن مسلم مع كافر ولا كافر مع مسلم بل يدفن المسلم في مقابر المسلمين والكافر مقابر المشركين . كذلك كان الأمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم واستمر إلى عصرنا هذا ومن الأدلة على ذلك حديث بشير بن الخصاصية قال : حسن ) ( بينما أماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم [ آخذا بيده ] فقال : يا ابن الخصاصية ما [ أصبحت ] تنقم على الله ؟ أصبحت تماشي رسول الله [ قال : أحسبه قال : آخذا بيده ] فقلت : [ يا رسول الله بأبي أنت وأمي ] ما [ أصبحت ] أنقم على الله شيئا كل خير فعل بي الله فأتى على قبور المشركين فقال : لقد سبق هؤلاء بخير كثير [ وفي رواية : خيرا كثيرا ] ثلاث مرات ثم أتى على قبور المسلمين فقال : لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا ثلاث مرات .

 فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان فقال : يا صاحب السبتيتين ويحك ألقي سبتيتيك فنظر فلما عرف الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم خلع نعليه فرما بهما ) .

 وإن مما يؤكد ذلك تفريق الشارع الحكيم بين ما يقوله المؤمن إذا زار قبور المسلمين وما يقوله إذا مر بمقابر الكافرين كما يأتي بيانه قريبا في ( زيارة القبور ) .

 90 - والسنة الدفن في المقبرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع كما تواترت الأخبار بذلك وتقدم بعضها في مناسبات شتى أقربها حديث ابن الخصاصية الذي سقته في المسألة السابقة . ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة إلا ما تواتر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في حجرته وذلك من خصوصياته عليه الصلاة والسلام كما دل عليه حديث عائشة رضي الله عنها : قالت :

 ( صحيح ) ( لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر : سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما نسيته قال :

 ( ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه فدفنوه في موضع فراشه ) .

 91 - ويستثنى مما سبق من مات من الشهداء في المعركة فإنهم يدفنون في مواطن استشهادهم ولا ينقلون إلى المقابر لحديث جابر رضي الله عنه قال :

 ( صحيح ) ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم وقال أبي عبد الله : يا جابر بن عبد الله لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي قال : فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا - إذ لحق رجل ينادي : ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا ) .

 92 - ولا يجوز الدفن في الأحوال الآتية إلا لضرورة :

 أ - الدفن في الأوقات الثلاثة لحديث عقبة بن عامر المتقدم في المسألة ( 87 ) بلفظ :

 ( حسن ) ( ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا . . . ) . الحديث .

 ب - في الليل لحديث جابر رضي الله عنه :

 ( صحيح ) ( . . . فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك ) . وقد سبق بتمامه في المسألة ( 35 ) .

 93 - فإن اضطروا لدفنه ليلا جاز ولو مع استعمال المصباح والنزول به في القبر لتسهيل عملية الدفن والدليل حديث ابن عباس :

 ( ضعيف لكن موضع الشاهد منه حسن ) ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل رجلا قبره ليلا وأسرج في قبره ) .

ويجب إعماق القبر وتوسيعه وتحسينه وفيه حديثان :

 الأول : عن هشام بن عامر قال :

 ( صحيح ) ( لما كان يوم أحد أصيب من أصيب من المسلمين وأصاب الناس جراحات [ فقلنا : يا رسول الله الحفر علينا لكل إنسان شديد ] [ فكيف تأمرنا ] فقال :

 ( احفروا وأوسعوا [ وأعمقوا ] [ وأحسنوا ] وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر وقدموا أكثرهم قرآنا ) .

 قال : فكان أبي ثالث ثلاثة وكان أكثرهم قرآنا فقدم ] ) .

 الثاني : عن رجل من الأنصار قال :

 ( صحيح ) خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار وأنا غلام مع أبي فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفيرة القبر فجعل يوصي [ وفي رواية يومئ إلى ] الحافر ويقول :

 ( أوسع من قبل الرأس وأوسع من قبل الرجلين لرب عذق له في الجنة

ويجوز في القبر اللحد والشق لجريان العمل عليهما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الأول أفضل وفي ذلك أحاديث أذكر اثنين منها :

 الأول : عن أنس بن مالك قال :

 ( حسن ) ( لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان بالمدينة رجل يلحد وآخر يضرح فقالوا : نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم ) .

الثاني : عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

 ( ارتقى بطرقه إلى الحسن بل الصحيح ) ( اللحد لنا والشق لغيرنا ) .

 96 - ولا بأس من أن يدفن فيه اثنان أو أكثر عند الضرورة ويقدم أفضلهم وفيه أحاديث تقدم منها حديث أنس في ( المسألة 37 ) وحديث هشام بن عامر في ( المسألة 100 ) .

 97 - ويتولى إنزال الميت - ولو كان أنثى - الرجال دون النساء لأمور :

 الأول : أنه المعهود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وجرى عليه عمل المسلمين حتى اليوم ويأتي فيه حديث أنس في المسألة ( 99 )

 الثاني : أن الرجال أقوى على ذلك .

 الثالث : لو تولته النساء أفضى ذلك إلى انكشاف شيء من أبدانهن أمام الأجانب وهو غير جائز .

 98 - وأولياء الميت أحق بإنزاله لعموم قوله تعالى : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) . ولحديث علي رضي الله عنه قال :

 ( صحيح ) ( غسلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا وكان طيبا حيا وميتا وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة : علي والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحد لرسول الله لحدا ونصب عليه اللبن نصبا ) .

 وعن عبد الرحمن بن أبزى قال :

 ( صحيح ) ( صليت مع عمر بن الخطاب على زينب بنت جحش في المدينة فكبر أربعا ثم أرسل إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم : من يأمرن أن يدخلها القبر ؟ قال : وكان يعجبه أن يكون هو الذي يلي ذلك فأرسلن إليه : انظر من كان يراها في حال حياتها فليكن هو الذي يدخلها القبر . فقال عمر : صدقتن ) .

ويجوز للزوج أن يتولى بنفسه دفن زوجته لحديث عائشة رضي الله عنها قالت :

 ( صحيح ) ( دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم التالي الذي بدئ فيه فقلت : وارأساه فقال : وددت أن ذلك كان وأنا حي فهيأتك ودفنتك . قالت : فقلت : غيرى : كأني بك في ذلك اليوم عروسا ببعض نسائك قال : وأنا وارأساه ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا فإني أخاف أن يقول قائل ويتمنى متمن : أنا أولى ويأبى الله عز وجل والمؤمنون إلا أبا بكر ) .

 100 - لكن ذلك مشروط بما إذا كان لم يطأ تلك الليلة وإلا م يشرع له دفنها وكان غيره هو الأولى بدفنها ولو أجنبيا بالشرط المذكور لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال :

 ( صحيح ) ( شهدنا ابنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان . ثم قال : هل منكم من رجل لم يقارف الليلة [ أهله ] ؟ فقال أبو طلحة : [ نعم ] : أنا يا رسول الله قال : فانزل . قال : فنزل في قبرها [ فقبرها ] .

 101 - والسنة إدخال الميت مؤخر القبر لحديث أبي إسحاق قال :

 ( صحيح ) أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد فصلى عليه ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر وقال : هذا من السنة .

 وعن ابن سيرين قال :

 ( صحيح ) ( كنت مع أنس في جنازة فأمر بالميت فسل من قبل رجل القبر ) .

ويجعل الميت في قبره على جنبه اليمين ووجه قبالة القبلة ورأسه ورجلاه إلى يمين القبلة ويسارها على هذا جرى عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وهكذا كل مقبرة على ظهر الأرض .

 كذا في ( المحلى ) ( 5/173 ) وغيره .

 103 - ويقول الذي يضعه في لحده :

 ( صحيح ) ( بسم الله وعلى سنة رسول الله أو : ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .

 أو يقول :

 ( حسن ) ( بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . أمر بذلك كله صلى الله عليه وسلم .

 104 - ويستحب لمن عند القبر أن يحثو من التراب ثلاث حثوات بيديه جميعا بعد الفراغ من سد اللحد لحديث أبي هريرة :

 ( صحيح ) ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة ثم أتي بالميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثا ) .

 105 - ويسن بعد الفراغ من دفنه أمور :

 الأول : أن يرفع القبر عن الأرض قليلا نحو شبر ولا يسوى بالأرض ليتميز فيصان ولا يهان لحديث جابر رضي الله عنه :

 ( حسن ) ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحد له لحد ونصب عليه اللبن نصبا ورفع قبره من الأرض نحوا من شبر ) .

 الثاني : أن يجعل مسنما لحديث سفيان التمار قال :

 ( صحيح ) ( رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم [ وقبر أبي بكر وعمر ] مسنما ) .

 الثالث : أن يعلمه بحجر أو نحوه ليدفن إليه من يموت من أهله لحديث المطلب بن أبي وداعة رضي الله عنه قال

حسن ) ( لما مات عثمان بن مظعن أخرج بجنازته فدفن أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله فقام إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسر عن ذراعيه قال المطلب : قال الذي يخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حسر عنهما ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال : أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي ) .

 الرابع : أن لا يلقن الميت التلقين المعروف اليوم لأن الحديث الوارد فيه لا يصح بل يقف على القبر يدعو له بالتثبيت ويستغفر له ويأمر الحاضرين بذلك لحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال :

 ( صحيح ) كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال : ( استغفروا لأخيكم وسلو له التثبيت فإنه الآن يسأل ) .

 106 - ويجوز الجلوس عنده أثناء الدفن بقصد تذكير الحاضرين بالموت وما بعده لحديث البراء بن عازب لا بأس من ذكره على طوله لما فيه من الرغبة والرهبة والموعظة قال :

 ( صحيح ) خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مستقبل القبلة ) وجلسنا حوله وكأن على رءوسنا الطير وفي يده عود ينكت في الأرض ( فجعل ينظر إلى الأرض وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثا ) فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا ثم قال ( اللهم إني أعوذ من عذاب القبر ) ( ثلاثا ) ثم قال :

 إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة ( وفي رواية المطمئنة ) اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها ( وفي رواية حتى إذا خرج روحه صلى عليه

كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وفتحت له أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم ) فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ( فذلك قوله تعالى : توفته رسلنا وهم لا يفرطون ) ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون يعني بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى به إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في عليين [ ( وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون ) فيكتب كتابه في علييين ثم قال ] : أعيدوه إلى الأرض فإني [ وعتهم إني ] منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال ف [ يرد إلى الأرض ] وتعاد روحه في جسده [ قال فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولا عنه ] [ مدبرين ] فيأتيه ملكان [ شديدا الانتهار ] ف [ ينتهرانه و] يجلسانه .

 فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : ربي الله .

 فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام .

 فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 فيقولان له : وما علمك ؟ فيقول : قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت [ فينتهره فيقول : من ربك ؟ ما دينك ؟ ما نبيك ؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فذلك حين يقول الله عز وجل : يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ] فيقول : ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم ] فينادي مناد في السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره .

 قال [ وفي رواية يمثل له ] رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك [ أبشر برضوان من الله وجنات فيها نعيم مقيم ] هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له : [ وأنت فبشرك الله بخير ] من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح [ فوالله ما علمتك إلا كنت سريعا في طاعة الله بطيئا في معصية الله فجزاك الله خيرا ] ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار فيقال هذا منزلك لو عصيت الله أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة فيقول : رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي [ فيقال له : اسكن ]

 قال :

 وإن العبد الكافر ( وفي رواية : الفاجر ) إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة [ غلاظ شداد ] سود الوجوه معهم المسوح [ من النار فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود [ الكثير الشعب ] من الصوف المبلول [ فتقطع معها العروق والعصب ] [ فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وتغلق أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم ] فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الخبيث ؟ فيقولون : فلان بن فلان - بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله

  صلى الله عليه وسلم : ( لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) فيقول الله عز وجل : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى [ ثم يقال : أعيدوا عبدي إلى الأرض فغني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتطرح روحه [ من السماء ] طرحا [ حتى تقع في جسده ] ثم قرأ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق فتعاد روحه في جسده [ قال : فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولو عنه ] .

 ويأتيه ملكان [ شديدا الانتهار فينتهرانه وي ] يجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري ] فيقولان له : فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فلا يهتدي لاسمه فيقال : محمد فيقول : هاه هاه لا أدري [ سمعت الناس يقولون ذاك قال : فيقال : لا دريت ] [ ولا تلوت ] فينادي مناد من السماء أن كذب فافرشوا له من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه ( وفي رواية : ويمثل له ) رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول : أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول : [ وأنت فبشرك لله بالشر ] من أنت ؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر فيقول : أنا عملك الخبيث [ فوالله ما علمت إلا كنت بطيئا عن طاعة الله سريعا إلى معصية الله ] [ فجزاك الله شرا ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابا فيضربه ضربة حتى يصير ترابا ثم يعيده الله كما كان فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعه كل شيء

  إلا الثقلين ثم يفتح له باب من النار ويمهد من فرش النار ] فيقول : رب لا تقم الساعة ) .

 107 - ويجوز إخراج الميت من القبر لغرض صحيح كما لو دفن قبل غسله وتكفينه ونحو ذلك لحديث جابر بن عبد الله قال :

 ( صحيح ) ( أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه . [ قال جابر : وصلى عليه ] فالله أعلم [ وكان كسا عباسا قميصا ] ) .

 108 - ولا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك وهو ولا أصحابه والعبد لا يدري أين يموت وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت فهذا يكون من العمل الصالح .

 كذا في ( الاختيارات العلمية ) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى .

  التعزية

 109 - وتشرع تعزية أهل الميت وفيه حديثان :

 الأول : عن قرة المزني رضي الله عنه قال :

 ( صحيح ) كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه [ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : تحبه ؟ فقال : يا رسول الله أحبك كما أحبه ] فهلك فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه فحزن عليه ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما لي لا أرى فلانا ؟ فقالوا : يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن بنيه ؟ فأخبره بأنه هلك فعزاه عليه ثم قال :

 ( يا فلان أيما كان أحب إليك : أن تمتع به عمرك أولا تأتي غدا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك ؟ ) .

 قال : يا نبي الله بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها إلي لهو أحب إلي قال : ( فذاك لك ) .

 فقال رجل [ من الأنصار ] : يا رسول الله [ جعلني الله فداءك ] أله خاصة أو لكلنا ؟ قال :

 ( بل لكلكم ] ) .

 الثاني : ( حسن ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

 ( من عزى أخاه المؤمن في مصيبته كساه الله حلة خضراء يحبر بها يوم القيامة ) .

 قيل : يا رسول الله ما يحبر ؟ قال : ( يغبط ) .

ويعزيهم بما يظن أنه يسليهم ويكف من حزنهم ويحملهم على الرضا والصبر مما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم إن كان يعلمه ويستحضره وإلا فبما تيسر له من الكلام الحسن الذي يحقق الغرض ولا يخاف الشرع كقولهم أعطاك عمره وفي ذلك أحاديث :

 الأول : عن أسامة بن زيد قال :

 ( صحيح ) ( أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض بناته : أن صبيا لها ابنا أو ابنة ( وفي رواية أميمة بنت زينب ) قد احتضرت فاشهدنا قال : فأرسل إليها يقرؤها السلام ويقول :

 ( إن لله ما أخذ و[ لله ] ما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل مسمى فلتصبر ولتحتسب ) . . الحديث

لت : وهذه الصغية من التعزية وإن وردت فيمن شارف الموت فالتعزية بها فيمن قد مات أولى بدلالة النص ولهذا قال النووي في ( الأذكار ) وغيره : ( وهذا الحديث أحسن ما يعزى به ) .

 الثاني :

 ( حسن ) قوله صلى الله عليه وسلم للمرأة الأنصارية يعزيها بولدها : أما إنه بلغني أنك جزعت على ابنك فأمرها بتقوى الله وبالصبر فقالت : يا رسول الله [ ما لي لا أجزع و] وإني امرأة رقوب لا ألد ولم يكن لي غيره ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الرقوب : الذي يبقى ولدها ثم قال :

 ( ما من امرئ أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد [ يحتسبهم ] إلا أدخله الله بهم الجنة ) .

 فقال عمر [ وهو عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم ] : بأبي أنت وأمي واثنين ؟ قال : ( واثنين

الثالث :

 ( صحيح ) قوله صلى الله عليه وسلم حينما دخل على أم سلمة رضي الله عنها عقب موت أبي سلمة:

 ( اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه ) .

 وقد مضى بتمامه في المسألة ( 17 ) .

 الرابع : قوله صلى الله عليه وسلم في تعزيته عبد الله بن جعفر في أبيه :

 ( اللهم اخلف جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه ) ( قالها ثلاث مرات ) .

 يأتي بتمامه في المسألة التالية .

 111 - ولا تحد التعزية بثلاثة أيام لا يتجاوزها بل متى رأى الفائدة في التعزية أتى بها فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه عزى بعد الثلاثة في حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال :

 ( صحيح ) ( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا استعمل عليهم زيد بن حارثة وقال :

 ( فإن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة ) .

 فلقوا العدو فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل ثم أخذها عبد الله فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه وأتى خبرهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال : ( إن إخوانكم لقوا العدو وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل واستشهد ثم . . . ثم . . . ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه ) .

  فأمهل ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ثم أتاهم فقال :

 ( لا تبكوا على أخي بعد اليوم ادعوا لي ابني أخي قال : فجيء بنا كأنا أفرخ فقال : ادعوا لي الحلاق فجيء بالحلاق فحلق رؤوسنا ثم قال :

 ( أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي ) .

 ثم أخذ بيدي فأشالها فقال :

 ( اللهم اخلف جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه ) . قالها ثلاث مرات .

 قال : فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تفرح له . فقال :

 ( العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة ؟ ) .

 112 - وينبغي اجتناب أمرين وإن تتابع الناس عليهما :

 أ - الاجتماع للتعزية في مكان خاص كالدار أو المقبرة أو المسجد .

 ب - اتخاذ أهل الميت الطعام لضيافة الواردين للعزاء .

 وذلك لحديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال :

 ( صحيح ) ( كنا نعد ( وفي رواية : نرى ) الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة ) .

 قال النووي في ( المجموع ) ( 5/306 ) :

 ( وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته قالوا : يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من اراد التعزية قالوا : بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها ) .

 ونص الإمام الشافعي الذي أشار إليه النووي في كتاب ( الأم ) ( 1/248 ) :

وأكره المآتم وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر ) .

 كأنه يشير إلى حديث جرير هذا قال النووي :

 ( واستدل له المصنف وغيره بدليل آخر وهو أنه محدث ) .

 وكذا نص ابن الهمام في شرح الهداية  على كراهة اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت وقال : ( وهي بدعة قبيحة ) وهو مذهب الحنابلة كما في ( الإنصاف

وإنما السنة أن يصنع أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعاما يشبعهم لحديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال :

 ( حسن ) لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي صلى الله عليه وسلم :

 ( اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم أمر يشغلهم أو أتاهم ما يشغلهم ) .

 قال الإمام الشافعي في ( الأم ) ( 1/247 ) :

 ( وأحب لجيران الميت أو ذي القرابة أن يعملوا لأهل الميت في يوم يموت وليلته طعاما يشبعهم فإن ذلك سنة وذكر كريم وهو من فعل أهل الخير قبلنا وبعدنا ) .

 ثم ساق الحديث المذكور عن عبد الله بن جعفر .

 114 - ويستحب مسح رأس اليتيم وإكرامه لحديث عبد الله بن جعفر قال :

 ( حسن ) ( لو رأيتني وقثم وعبيد الله بن عباس ونحن صبيان نلعب إذ مر النبي صلى الله عليه وسلم على دابة فقال : ارفعوا هذا إلي قال : فحملني أمامه وقال : لقثم : ارفعوا هذا إلي فحمله وراءه وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم فما استحى من عمه أن حمل قثما وتركه قال :

 ثم مسح على رأسي ثلاثا وقال كلما مسح :

 ( اللهم اخلف جعفرا في ولده ) .

 قال : قلت لعبد الله : ما فعل قثم ؟ قال : استشهد قال : قلت : والله أعلم ورسوله بالخير . قال : أجل ).

ما ينتفع به الميت

 115 - وينتفع الميت من عمل غيره بأمور :

 أولا : دعاء المسلم له إذا توفرت فيه شروط القبول لقول الله تبارك وتعالى :

 والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ) .

 وأما الأحاديث فهي كثيرة جدا وقد سبق بعضها ويأتي بعضها في زيارة القبور ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم وأمره بذلك . ومنها قوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به : آمين ولك بمثل ) .

 بل إن صلاة الجنازة جلها شاهد لذلك لأن غالبها دعاء للميت واستغفار له كما تقدم بيانه .

 ثانيا : قضاء ولي الميت صوم النذر عنه وفيه أحاديث :

 الأول : ( صحيح ) عن عائشة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) .

 وهو محمول على صيام النذر دون صيام رمضان وبيانه في الأصل .

 الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنه :

صحيح ) ( أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله تبارك وتعالى أنجاها أن تصوم شهرا فأنجاها الله عز وجل فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها [ إما أختها أو ابنتها ] إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال :

 [ أرأيتك لو كان عليها دين كنت تقضيه ؟ قالت : نعم . قال : فدين الله أحق أن يقضى ] . [ ف ] اقضي [عن أمك ] ) .

 ثالثا : قضاء الدين عنه من أي شخص وليا كان أو غيره كما تقدم .

 رابعا : ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة فإن لوالديه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء لأن الولد من سعيهما وكسبهما والله عز وجل يقول : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه ) .

 ويؤيد ما دلت عليه الآية والحديث أحاديث خاصة وردت في انتفاع الوالد بعمل ولده الصالح كالصدقة والصيام والعتق ونحوه وهذه بعضها :

 الأول : ( صحيح ) عن عائشة رضي الله عنها : ( أن رجلا قال : إن أمي افتلتت نفسها [ ولم توص ] وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها [ ولي أجر ] ؟ قال : نعم [ فتصدق عنها ] ) .

 الثاني : ( حسن ) عن عبد الله بن عمر : ( أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة وأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية قال : حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة وإن هشاما أعتق عنه خمسين وبقيت عليه خمسون أفأعتق عنه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 ( إنه لو كان مسلما فأعتقتم أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك ( وفي رواية ) : فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك ) .

خامسا : ما خلفه من بعده من آثار صالحة وصدقات جارية لقوله تبارك وتعالى : ونكتب ما قدموا وآثارهم وقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة [ أشياء ] إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ) .

 ( صحيح ) وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال : ( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار فجاءه أقوام حفاة عراة مجتابي النمارأو العباء متقليدي السيوف [ وليس عليهم أزر ولا شيء غيرها ] عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر ( وفي رواية : فتغير - ومعناهما واحد ) وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وصلى الظهر ثم صعد منبرا صغيرا ] ثم خطب [ فحمد الله وأثنى عليه ] فقال :

 أما بعد فإن الله أنزل في كتابه ] : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) والآية التي في ( الحشر ) : ( [ يا أيها الذين آمنوا ] اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون . [ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون . لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ) . تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة ] تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره [ من شعيره ] من صاع تمره حتى قال : [ ولا يحقرن أحدكم شيئا من الصدقة ] ولو بشق تمرة [ فأبطؤوا حتى بان في وجهه الغضب ] قال : فجاء رجل من الأنصار بصرة [ من ورق ( وفي رواية : من ذهب ) ]

كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت [ فناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على منبره ] [ فقال : يا رسول الله هذه في سبيل الله ] [ فبضها رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ثم قام أبو بكر فأعطى ثم قام عمر فأعطى ثم قام المهاجرون والأنصار فأعطوا ] ثم تتابع الناس [ في الصدقات ] [ فمن ذي دينار ومن ذي درهم ومن ذي ومن ذي ] حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها و[ مثل ] أجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن سنة في الإسلام سيئة كان عليه وزرها و[ مثل ] وزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) . [ ثم تلى هذه الآية : ( ونكتب ما قدموا وآثارهم ) ] [ قال : فقسمه بينهم ] ) .

 زيارة القبور :

 116 - وتشرع زيارة القبور للاتعاظ بها وتذكرة الآخرة شريطة أن لا يقول عندها ما يغضب الرب سبحانه وتعالى كدعاء المقبور والاستغاثة به من دون الله تعالى أو تزكيته والقطع له بالجنة ونحو ذلك وفيه أحاديث معروفة لا ضرورة لذكرها هنا فمن شاء راجعها في الأصل .

 117 - والنساء كالرجال في استحباب زيارة القبور لوجوه :

 الأول : عموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( . . فزوروا القبور ) فيدخل فيه النساء وبيانه : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى عن زيارة القبر في أول الأمر فإن مما لا شك فيه أن  النهي كان شاملا للرجال والنساء معا فلما قال : ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ) كان مفهوما أنه كان يعني الجنسين ضرورة أنه يخبرهم عما كان في أول الأمر من نهي الجنسين فإذا كان الأمر كذلك كان لزاما أن الخطاب في الجملة الثانية من الحديث وهو قوله : ( فزوروها ) إنما أراد به الجنسين أيضا .

 ويؤيده أن الخطاب في بقية الأفعال المذكورة في روايته : ( ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا ) .

 أقول : فالخطاب في جميع هذه الأفعال موجه إلى الجنسين قطعا كما هو الشأن في الخطاب الأول : ( كنت نهيتكم ) فإذا قيل بأن الخطاب في قوله : ( فزوروها ) خاص بالرجال اختل نظام الكلام وذهبت طلاوته الأمر الذي لا يليق إلصاقه بمن أوتي جوامع الكلم ومن هو أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم ويزيده تأييدا الوجوه الآتية :

 الثاني : مشاركتهن الرجال في العلة التي من أجلها شرعت زيارة القبور : ( فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة ) .

 الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رخص لهن في زيارة القبور في حديثين حفظتهما لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها :

 1 ( صحيح ) عن عبد الله بن أبي مليكة :

 ( أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت : لها : يا أم المؤمنين من أين أقبلت ؟ قالت : من قبر عبد الرحمن بن أبي بكر فقلت لها : أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ؟ قالت : نعم : ثم أمرنا بزيارتها ) . وفي رواية عنها : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في زيارة القبور ) .

 2 ( صحيح ) عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما : ألا أحدثكم عني وعن أمي ؟ فظننا أنه يريد أمه التي ولدت قال : قالت عائشة : ألا أحدثكم عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلنا : بلى قالت :

 ( لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظهر أنه قد رقدت فأخذ رداءه رويدا وانتعل رويدا وفتح الباب [ رويدا ] فخرج ثم أجافه رويدا فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفت وأسرع فأسرعت فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلته فليس إلا أن أضجعت فدخل فقال : مالك يا عائش حشيا رابية ؟ قالت : قلت : لا شيء [ يا رسول الله ] قال : لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير قالت : قلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته [ الخبر ] قال : فأنت السواد الذي رأيته أمامي ؟ قلت : نعم فلهزني في صدري لهزة أوجعتني ثم قال : أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله ؟ قالت : مهما يكتم الناس يعلمه الله [ قال ] : نعم .

 قال : فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني - فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك ولم يكن ليدخل عليك وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي - فقال : إن ربك يأمرك أن تاتي أهل البقيع فتستغفر لهم .

 قالت : قلت : كيف أقول لهم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال قولي : ( السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ) .

لكن لا يجوز لهن الإكثار من زيارة القبور والتردد عليها لأن ذلك قد يفضي بهن إلى مخالفة الشريعة من مثل الصياح والتبرج واتخاذ القبور مجالس للنزهة وتضييع الوقت في الكلام الفارغ كما هو مشاهد اليوم في بعض البلاد الإسلامية وهذا هو المراد - إن شاء الله - بالحديث المشهور :

 ( حسن ) ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وفي لفظ : لعن الله ) زوارات القبور ) .

 قال القرطبي :

 ( اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك وقد يقال : إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الأذن لهن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء ) .

 قال الشوكاني في ( نيل الأوطار ) ( 4/95 ) :

 ( وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر ) .

 119 - ويجوز زيارة قبر من مات على غير الإسلام للعبرة فقط لحديث أبي هريرة وغيره :

 ( صحيح ) ( زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال :

 ( استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت ) .

 والمقصود من زيارة القبور شيئان :

 1 - انتفاع الزائر بذكر الموت والموتى وأن مآلهم إما إلى جنة وإما إلى نار وهو الغرض الأول من الزيارة كما يدل عليه ما سبق من الأحاديث .

 2 - نفع الميت والإحسان إليه بالسلام عليه والدعاء والاستغفار له وهذا خاص بالمسلم وفيه أحاديث أذكر بعض صيغها

الأول :

 ( صحيح ) ( السلام عليكم [ أهل ] دار قوم مؤمنين وإنا وإياكم وما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ) .

 الثاني :

 ( صحيح ) ( السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ) .

 الثالث : ( صحيح ) ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله [ بكم ] للاحقون [ أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع ] أسأل الله لنا ولكم العافية ) .

 120 - وأما قراءة القرآن عند زيارتها فمما لا أصل له في السنة بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تشعر بعدم مشروعيتها إذ لو كانت مشروعة لفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمها أصحابه لا سيما وقد سألته عائشة رضي الله عنها - وهي من أحب الناس إليه صلى الله عليه وسلم - عما تقول إذا زارت القبور ؟ فعلمها السلام والدعاء ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في علم الأصول فكيف بالكتمان ؟ ولو أنه صلى الله عليه وسلم علمهم شيئا من ذلك لنقل إلينا فإذا لم ينقل بالسند الثابت دل على أنه لم يقع .

 ومما يقوي عدم المشروعية قوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة ) فقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى أن القبور ليست موضعا للقراءة شرعا فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها كما أشار في الحديث الآخر إلى أنها ليست موضعا للصلاة أيضا .

  وهو قوله :

 ( صحيح ) ( صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا ) .

 وترجم له البخاري بقوله : ( باب كراهية الصلاة في المقابر ) فأشار به إلى أنه يفيد كراهة الصلاة في المقابر فكذلك الحديث الذي قبله يفيد كراهة قراءة القرآن في المقابر ولا فرق ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وغيرهم كراهة القراءة عند القبور وهو قول الإمام أحمد فقال أبو داود في ( مسائله ) ( ص 158 ) :

 ( سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر ؟ فقال : لا ) .

 121 - ويجوز رفع اليدين في الدعاء لها لحديث عائشة رضي الله عنه قالت :

 ( حسن ) ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأرسلت بريرة في أثره لتنظر أين ذهب قالت : فسلك نحو بقيع الغرقد فوقف في أدنى البقيع ثم رفع يديه ثم انصرف فرجعت إلي بريرة فأخبرتني فلما أصبحت سألته فقلت : يا رسول الله أين خرجت الليلة ؟ قال :

 ( بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم ) .

 122 - ولكنه لا يستقبل القبور حين الدعاء لها بل الكعبة لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور كما سيأتي والدعاء مخ الصلاة ولبها كما هو معروف فله حكمها وقد قال صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( الدعاء هو العبادة ) . ثم قرأ : وقال ربكم ادعوني استجب لكم .

 123 - وإذا زار قبر الكافر فلا يسلم عليه ولا يدعوه له بل يبشره بالنار كذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص قال :

  صحيح ) ( جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان فأين هو ؟ قال : ( في النار ) . فكأن الأعرابي وجد من ذلك فقال : يا رسول الله فأين أبوك ؟ قال :

 ( حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار ) .

 قال : فأسلم الأعرابي بعد فقال :

 لقد كلفني رسول الله تعبا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار .

 124 - ولا يمشي بين قبور المسلمين في نعليه لحديث بشير بن الحنظلية المتقدم . قال :

 ( حسن ) ( بينا أماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . أتى على قبور المسلمين . . . فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان فقال :

 ( يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتك ) .

 فنظر فلما عرف الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم خلع نعليه فرمى بهما ) .

 125 - ولا يشرع وضع الأس ونحوها من الرياحين والورود على القبور لأنه لم يكن من فعل السلف ولو كان خيرا لسبقونا إليه وقد قال ابن عمر رضي الله عنهما :

 ( صحيح موقوفا ) ( كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة ) .

 ما يحرم عند القبور

 126 - ويحرم عند القبور ما يأتي :

 1 - الذبح لوجه الله لقوله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( لا عقر في الإسلام )

 قال عبد الرزاق بن همام : ( كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة ) .

 2 - رفعها زيادة على التراب الخارج منها .

 3 - طليها بالكلس ونحوه .

 4 - الكتابة عليها .

5 -  البناء عليها .

6-  القعود عليها

وفي ذلك أحاديث

الأول  عن جابر رضي الله عنه قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه [ أو يزاد عليه ] [ أو يكتب عليه ] ) .

 الثاني :

 ( صحيح ) عن أبي سعيد وهو الخدري : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبر ) .

 الثالث :

 ( صحيح ) عن أبي الهياج الأسدي قال : ( قال لي علي بن أبي طالب : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالا [ وفي رواية : صورة ] [ في بيت ] إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته ) .

 الرابع :

 ( حسن ) عن ثمامة بن شفي قال : ( خرجنا مع فضالة بن عبيد إلى أرض الروم وكان عاملا لمعاوية على الدرب ( وفي رواية : غزونا أرض الروم وعلى ذلك الجيش فضالة بن عبيد الأنصاري ) فأصيب ابن عم لنا [ ب ] ( رودس ) فصلى عليه فضالة وقام على حفرته حتى واراه فلما سوينا عليه حفرته قال : أخفوا عنه ( وفي الرواية الأخرى : خففوا عنه ) فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا بتسوية القبور ) .

 وظاهره تسويتها بالأرض بحيث لا ترفع إطلاقا وهذا غير مراد قطعا بدليل أن السنة الرفع قدر شبر كما مرت الإشارة إليه سابقا ويؤيد هذا من الحديث نفسه قول فضالة ( خففوا ) أي التراب فلم يأمر بإزالة التراب عنه بالكلية وبهذا فسره العلماء . انظر ( المرقاة ) ( 2/372

الخامس

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس ( وفي رواية : يطأ ) على قبر

 

  السادس :

 ( صحيح ) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق ) .

 السابع :

 ( صحيح ) عن أبي مرثد الغنوي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها

الصلاة إلى القبور للحديث المتقدم آنف

وفيه دليل على تحريم الصلاة إلى القبر لظاهر النهي وهو اختيار النووي فقال المناوي في ( فيض القدير ) شارحا للحديث أي مستقبلين إليها لما فيه من التعظيم البالغ لأنه من مرتبة المعبود فجمع - يعني الحديث بتمامه - بين النهي عن الاستخفاف

بالتعظيم والتعظيم البليغ ) .

 ثم قال في موضع آخر :

 ( فإن ذلك مكروه فإن قصد إنسان التبرك في الصلاة في تلك البقعة فقد ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله والمراد كراهة التنزيه قال النووي : كذا قال أصحابنا ولو قيل بتحريمه لظاهر الحديث لم يبعد . ويؤخذ من الحديث النهي عن الصلاة في المقبرة فهو مكروه كراهة تحريم ) .

 وينبغي أن يعلم أن التحريم المذكور إنما هو إذا لم يقصد بالاستقبال تعظيم

القبور وإلا فهو شرك قال الشيخ علي القاري في ( المرقاة ) ( 2/372 ) في شرحه لهذا الحديث :

 ( ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر ولصاحبه لكفر المعظم فالتشبه به مكروه وينبغي أن يكون كراهة تحريم وفي معناه بل أولى منه : الجنازة الموضوعة وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها ) .

 8 - الصلاة عندها ولو بدون استقبال وفيه أحاديث :

 الأول :

 ( صحيح ) عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ) .

 الثاني :

 ( رجاله رجال لصحيح وله طرق ) عن أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بين القبور ) .

 الثالث :

 ( صحيح ) عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا ) .

 الرابع :

 ( صحيح ) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ) .

 9 - بناء المساجد عليها .

 وفيه أحاديث أذكر بعضها :

 الأول :

 ( صحيح ) عن عائشة وعبد الله بن عباس معا قالا : ( لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك :

 ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر [ مثل ] ما صنعوا ) .

  القبور وإلا فهو شرك قال الشيخ علي القاري في ( المرقاة ) ( 2/372 ) في شرحه لهذا الحديث :

 ( ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر ولصاحبه لكفر المعظم فالتشبه به مكروه وينبغي أن يكون كراهة تحريم وفي معناه بل أولى منه : الجنازة الموضوعة وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها ) .

 8 - الصلاة عندها ولو بدون استقبال وفيه أحاديث :

 الأول :

 ( صحيح ) عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ) .

 الثاني :

 ( رجاله رجال لصحيح وله طرق ) عن أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بين القبور ) .

 الثالث :

 ( صحيح ) عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا ) .

 الرابع :

 ( صحيح ) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ) .

 9 - بناء المساجد عليها .

 وفيه أحاديث أذكر بعضها :

 الأول :

 ( صحيح ) عن عائشة وعبد الله بن عباس معا قالا : ( لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك :

 ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر [ مثل ] ما صنعوا ) .

  والمعنى الثاني ظاهر من الاتخاذ والآخران مع دخولهما فيه فقد جاء النص عليهما في بعض الأحاديث المتقدمة وفصلت القول في ذلك وأوردت أقوال العملاء مستشهدا بها في كتابنا الخاص ( تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ) . وذكرت في تاريخ إدخال القبر النبوي في المسجد الشريف وما فيه من المخالفة للأحاديث المتقدمة وأن الصلاة مع ذلك لا تكره فيه خاصة فمن شاء بسط القول في ذلك كله فليرجع إليه .

 10 - اتخاذها عيدا تقصد في أوقات معينة ومواسم معروفة للتعبد عندها أو لغيرها لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وحيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني ) .

 11 - السفر إليها :

 وفيه أحاديث :

 الأول :

 ( صحيح ) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تشد الرحال إلا ( وفي رواية : إنما يسافر ) إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومسجد الأقصى ).

 الثاني :

 ( صحيح ) عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تشد ( وفي لفظ : لا تشدوا ) الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ) .

 الثالث :

 ( صحيح ) عن أبي بصرة الغفاري أنه لقي أبا هريرة وهو جاء فقال : من أين أقبلت ؟ قال : أقبلت من الطور صليت فيه قال : أما إني لو أدركتك لم تذهب إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ) .

الرابع :

 ( صحيح ) عن قزعة قال : ( أردت الخروج إلى الطور فسألت ابن عمر فقال : أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

 ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى ) ودع عنك الطور فلا تأته ) .

 12 - إيقاد السرج عندها .

 والدليل على ذلك عدة أمور :

 أولا : كونه بدعة محدثة لا يعرفها السلف الصالح وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ) . رواه النسائي وابن خزيمة في ( صحيحه ) بسند صحيح .

 ثنيا : أن فيه إضاعة للمال وهو منهي عنه بالنص كما تقدم في المسألة ( 42 ) .

 ثالثا : أن فيه تشبها بالمجوس عباد النار قال ابن حجر الفقيه في ( الزواجر ) ( 1/134 ) :

 ( صرح أصحابنا بحرمة السراج على القبر وإن قل حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر وعللوه بالإسراف وإضاعة المال والتشبه بالمجوس فلا يبعد في هذا أن يكون كبيرة ) .

 قلت : ولم يورد بالإضافة إلى ما ذكر من التعليل دليلنا الأول مع أنه دليل وارد بل لعله أقوى الأدلة لأن الذين يوقدون السرج على القبور إنما يقصدون بذلك التقرب إلى الله تعالى - زعموا - ولا يقصدون الإنارة على المقيم أو الزائر بدليل إيقادهم إياها والشمس طالعة في رابعة النهار فكان من أجل ذلك بدعة ضلالة .

 13 - كسر عظامها .

والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن كسر عظم المؤمن ميتا مثل كسره حي)

والحديث دليل على تحريم كسر عظم الميت المؤمن ولهذا جاء في كتب الحنابلة

ويحرم قطع شيء من أطراف الميت وإتلاف ذاته وإحراقه ولو أوصى به )

كذا في ( كشاف القناع ) ( 2/127 ) ونحو ذلك في سائر المذاهب بل جزم ابن حجر الفقيه في ( الزواجر ) ( 1/134 ) بأنه من الكبائر قال :  لما علمت من الحديث أنه ككسر عظم الحي )

وقال النووي في ( المجموع ) ( 5/303 ) ما مختصره  ولا يجوز نبش القبر لغير سبب شرعي باتفاق الأصحاب ويجوز بالأسباب الشرعية كنحو ما سبق ( في المسألة 107 ) ومختصره :

 أنه يجوز نبش القبر إذا بلي الميت وصار ترابا وحينئذ يجوز دفن غيره فيه ويجوز زرع تلك الأرض وبناؤها وسائر وجوه الانتفاع والتصرف فيها باتفاق الأصحاب وهذا كله إذا لم يبق للميت أثر من عظم وغيره ويخلف ذلك باختلاف البلاد والأرض ويعتمد فيه قول أهل الخبرة بها ) .

 

 قلت : ومنه تعلم تحريم ما ترتكبه بعض الحكومات الإسلامية من درس بعض المقابر الإسلامية ونبشها من أجل التنظيم العمراني دون أي مبالاة بحرمتها أو اهتمام بالنهي عن وطئها وكسر عظامها ونحو ذلك . ولا يتوهمن أحد أن التنظيم المشار إليه يبرر مثل هذه المخالفات كلا فإنه ليس من الضروريات وإنما هي من الكماليات التي لا يجوز بمثلها الاعتداء على الأموات فعلى الأحياء أن ينظموا أمورهم دون أن يؤذوا موتاهم .

 ومن العجائب التي تلفت النظر أن ترى هذه الحكومات تحترم الأحجار

والأبنية القائمة على بعض الموتى أكثر من احترامه للأموات أنفسهم فإنه لو وقف في طيق التنظيم المزعوم بعض هذه الأبنية من القباب أو الكنائس أو نحوها تركتها على حالها وعدلت من أجلها خارطة التنظيم إبقاء عليها لأنهم يعتبرونها من الآثار القديمة وأما قبور الموتى أنفسهم فلا تستحق عندهم ذلك التعديل بل إن بعض تلك الحكومات لتسعى - فيما علمنا - إلى جعل القبور خارج البلدة والمنع من الدفن في القبور القديمة وهذه مخالفة أخرى في نظري لأنها تفوت على المسلمين سنة زيارة القبور لأنه ليس من السهل على عامة الناس أن يقطع المسافات الطويلة حتى يتمكن من الوصول إليها ويقوم بزيارتها والدعاء لها

 والحامل على هذه المخالفات - فيما أعتقد - إنما هو التقليد الأعمى لأوروبا المادية الكافرة التي تريد أن تقضي على كل مظهر من مظاهر الإيمان بالآخرة وكل ما يذكر بها وليس هو مراعاة القواعد الصحية كما يزعمون ولو كان ذلك صحيحا لبادروا إلى محاربة الأسباب التي لا يشك عاقل في ضررها مثل بيع الخمور وشربها والفسق والفجور على اختلاف أشكاله وأسمائه فعدم اهتمامهم بالقضاء على هذه المفاسد الظاهرة وسعيهم إلى إزالة كل ما يذكر بالآخرة وإبعادها عن أعينهم أكبر دليل على أن القصد خلاف ما يزعمون ويعلنون وما تكنه صدورهم أكبر .

 2 - أنه لا حرمة لعظام غير المؤمنين لإضافة العظم إلى المؤمن في قوله :

 ( عظم المؤمن ) . فأفاد أن عظم الكافر ليس كذلك وقد أشار إلى هذا المعنى الحافظ في ( الفتح ) بقوله :

 ( يستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته ) .

 ومن ذلك يعرف الجواب عن السؤال الذي يتردد على ألسنة كثير من الطلاب في كليات الطب وهو : هل يجوز كسر العظام لفحصها وإجراء التحريات الطبية فيها ؟

والجواب : لا يجوز ذلك في عظام المؤمن ويجوز في غيرها ويؤديه ما يأتي في المسألة التالية :

 127 - ويجوز نبش قبور الكفار لأنه لا حرمة لها كما دل عليه مفهوم الحديث السابق ويشهد له حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال :

 ( صحيح ) ( قدم النبي صلى الله عليه وسلم فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم : بنو عمرو بن عوف فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى بني النجار فجاؤوا متقلدي السيوف كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ من بني النجار حوله حتى أتى بفناء أبي أيوب وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم وكان أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ من بني النجار فقال :

 ( يا بني النجار ثامنوني بحائطم هذا ) .

 قالوا : لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله .

 قال : فكان فيه قبور المشركين وخرب ونخل فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع فصفوا النخل قبلة المسجد وجعل عضادتيه الحجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي صلى الله عليه وسلم معهم وهو يقول : [ وهو ينق اللبن ] :

 هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر

 اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة

 وفي رواية من حديث عائشة رضي الله عنها :

 اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة ) .

الحافظ في ( الفتح ) :

 ( وفي الحديث جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع وجواز نبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها وجواز بناء المساجد في أماكنها ) .

 وهذا آخر ما يسر الله تبارك وتعالى من تلخيص ( أحكام الجنائز ) سائلا المولى عز وجل أن يحيينا حياة طيبة وأن يميتنا مؤمنين وأن يلحقنا بالصالحين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

  أي فإن اتفق الاطلاع على أن الشاهدين المقسمين استحقا إثما بالكذب والكتمان في الشهادة أو بالخيانة وكتمان شيء من التركة في حالة ائتمانهما عليها فالواجب أو فالذي يعمل لإحقاق الحق هو أن ترد اليمين إلى الوراثة بأن يقوم رجلان آخران مقامهما من أولياء الميت الوارثين له الذين استحقا ذلك الإثم بالإجرام عليهم . والخيانة لهم . كذا في ( تفسير المنار ) ) . وراجع البحث فيه ( 7/222 ) .

 ( 1 ) أي زوج مرضعة إبراهيم عليه السلام .

 ( 1 ) هو أمر زائد على البكاء . قال ابن العربي : ( النوح ما كانت الجاهلية تفعل كان النساء يقفن متقابلات يصحن ويحثين التراب على رؤوسهن ويضربن وجوههن ) ) نقله الأبي على ( مسلم ) ) .

 ( 1 ) أي بداء البطن وهو الاستسقاء وانتفاخ البنطن وقيل : هو الإسهال وقيل : الذي يشتكي بطنه .

 ( 1 ) ولو بركوب البحر للتجارة إذا لم يكن عاصيا وغلب على الظن السلامة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ( مجموع الفتاوى ) ) ( 24/293 ) .

 ( 2 ) بالحاء المهملة والواء المشددة أي : تنحى .

 ( 3 ) هي التي تموت وفي بطنها ولد . انظر كلام ( النهاية ) ) في التعليق الآتي قريبا .

 ( 4 ) اسرة ما يبقى بعد القطع مما تقطعه القابلة والسرر ما تقطعه وهو السر بالضم أيضا .

 ( 5 ) هي ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأضلاع .

 ( 1 ) في النهاية : ( أي تموت وفي بطنها ولد وقيل هي التي تموت بكرا والجمع بالضم بمعنى المجموع كذخر بمعنى المذخور وكسر الكسائي الجيم والمنى أنها مات مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة ) ) .

 قلت : واملراد هنا الحمل قطعا بدليل حديث المتقدم ي ( العاشرة ) ) بلفظ ( يقتلها ولدها جمعاء ) ) .

 ( 2 ) بتفحتين وكذا ( الغرق ) كما في ( حاشية المسند ) ) للسندي ( ق 301/1 ) مكتبة شيخ الإسلام في المدينة المنورة .

 ( 1 ) أقول بهذه المناسبة : لقد توفي شقيقي الكبير محمد ناجي أبو أحمد في موسم السنة الماضية ( 1401 ) على عمل صالح إن شاء الله في الجمرات آخر أيام التشريق وهو جالس مع بعض رفاقه الحجاج وقد ذكر لي بعضهم أن أحد الجالسين معه قدم إليه بيده اليسرى كأسا من الشاي فقال له : يا أخي أعطي بيدك اليمنى ولا تخالف السنة أو كما قال ومات من ساعته رحمه الله وحشرنا وإياه ( مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) .

 ( 2 ) انظر تحقيق الكلام عليه وبيان صحته في ( الصحيحة ) ) ( 374 ) بما لا تراه في كتاب . والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

 ( 1 ) أي إزاره . قال ابن الاثير : ( والاصل في الحقو معقد الإزر وجمع أحق وأحقاء ثم سمي بها الإزار للمجاوزة ) ) .

 ( 2 ) أي : اجعلنه شعارها والشعار الثوب الذي يلي الجسد لأنه يلي شعره .

 ( 1 ) ( انظر تخريجه في ( إرواء الغليل ) ) ( 269 و271 ) .

 ( 2 ) والقول بأن عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل مما لا أعرف له اصلا . بل هو خلاف الآية المذكورة .

 ( 1 ) هي الصوت الذي تفزع عنه وتخاف منه . ( نهاية ) )

الأقسام الرئيسية:

المشائخ والعلماء: