على طريق العلم

على طـريق العـلم

لفضيلة نائب رئيس الجامعة

الشيخ عبد العزيز بن باز

 

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده وبعد:

فمما لاشك فيه أن العلم هو الدعامة الأساسية التي ترتكز عليها مقومات الحياة البشرية.

وأولى العلوم بالاهتمام والعناية هو معرفة علم الشريعة الإسلامية إذا به تعرف الحكمة التي خلقنا الله سبحانه وتعالى لأجلها وأرسلت الرسل لتحقيقها وبه عرف الله, وبه عبد كما قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}, وقال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت}, وبهاتين الآيتين علمت الحكمة في خلق الجن والإنس, والحكمة في إرسال الرسل, وأية الأمة لا عقيدة لها صحيحة, ولا دين عندها صحيح فهي أمة جاهلة مهما بلغت من الرقي والتقدم في نواحي الحياة كما قال سبحانه: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}. والحياة الطيبة هي الحياة أهل العلم والإيمان كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ }, وقال سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. والعلم النافع لا يمكن الحصول عليه إلا بواسطة المعلم, ولا يمكن لأي إنسان أن يكون معلما إلاّ إذا كان عالما بالمادة التي يعلمها غيره... إذ فاقد الشيء لا يعطيه, والعلماء هم ورثة الأنبياء, ولذلك كانت مهمة المعلم من أصعب المهام ولما تتطلبه من الاتصاف بأكمل الصفات حسب الإمكان من علم نافع, وخلق كريم وعمل صالح متواصل وصبر ومصابرة, وتحمل للمشاق في سبيل إصلاح الطالب, وتربيته تربية إسلامية نقية, وبقدر ما تتوفر صفات الكمال في المدرس يكون نجاحه في مهمته.

وقدوة الجميع وإمامهم هو سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله الهاشمي العربي المكي ثم المدني عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم, فلقد كان أكمل الناس في كل الصفات الكريمة, وقد لاقى في توجيه الناس وتعليمهم الصعوبات الكثيرة, والمشاق العظيمة, فصبر على ذلك, وتحمل كل مشقة وصعوبة في سبيل نشر دينه, وإخراج أمته من الظلمات إلى النور, فجزاه الله عن ذلك أفضل الجزاء الحسن وأكمله, وقد تربى على يديه الكريمين جيل صالح يعتبر أفضل الأجيال التي عرفتها البشرية في تاريخها الطويل, ومعلوم أن ذلك ناشئ عن حسن تربيته وتوجيهه لأصحابه, وصبره على ذلك مع توفيق الله لهم وأخذه بأيديهم إلى الحق سبحانه وتعالى.

إذ علم ذلك فإن من أهم المهمات في حق المعلم في كل مكان وزمان, أن يسير على منهج المعلم الأول محمد صلى الله عليه وسلم, وأن يجتهد في معرفة ذلك حتى يطبقه في نفسه, وفي طلابه حسب الإمكان, وما أشد حاجة الأمة في هذا العصر الذي كثر فيه دعاة الهدم وقلّ فيه دعاة البناء والإصلاح إلى المعلم الصالح الذي يتلقى علومه, وما يربي به طلابه من كتاب الله, وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, وينشر بينهم أخلاق السلف الصالح من الصدق, والأمانة, والإخلاص في العمل, وتعظيم الأوامر والنواهي, والمسابقة إلى كل فضيلة والحذر من كل رذيلة.

ومما تقدم يعلم أن مهمة المعلم مع كونها من أصعب المهام فهي مع ذلك من أشرف الوظائف , وأعظمها نفعا, وأجلها قدرا, إذا وفق صاحبها للإخلاص, وحسنت نيته, وبذل جهده. كما أن له من الأجر مثل أجر من انتفع بعلمه وفي الحديث الشريف يقول عليه الصلاة والسلام: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه", ويقول عليه والصلاة والسلام: "لأن يهدي الله بك رجلا واحداً خير لك من حمر النعم", ويقول أيضا صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله", ولا ريب أن المعلم هو المربي الروحي للطالب, فينبغي أن يكون ذا أخلاق فاضلة, وسمت حسن حتى يتأسى به تلامذته, كما ينبغي أن يكون حافظاً على المأمورات الشرعية بعيدا عن المنهيات, حافظاً لوقته, قليل المزاح, واسع البال, طلق الوجه, حسن البشر, رحب الصدر, جميل المظهر, ذا كفاية ومقدرة وسعة الاطلاع, كثير العلم بالأساليب العربية ليتمكن من تأدية واجبه على أكمل وجه. ولا شك أن من يعنى بدراسة النفس البشرية من كافة النواحي, ويبحث عن الأسباب المواصلة إلى معرفة الطريقة التي يمكن بواسطتها غرس العلوم في هذه النفس بسهولة ويسر, سوف يحصل على نتائج طيبة في كشف بعض خفاياها, وما انطوت عليه من مشاعر وأحاسيس, ومدى تقبلها للمعلومات المراد غرسها فيها.

وسيخرج من تلك الدراسة والبحث بمعلومات هي في الحقيقة من القواعد العامة التي يقوم عليها صرح التعليم, وهذه القواعد يمكن إجمالها في أنه إذا أراد أي معلم أن يغرس معلوماته في أذهان تلامذته فلا بد له قبل كل شيء أن يكون ذا إلمام تام بالدرس الذي وكل إليه القيام به, وذا معرفة بالغة بطرق التدريس, وكيفية حسن الإلقاء, ولفت نظر طلابه بطريقة جلية واضحة إلى موضوع الأساسي للدرس, وحصره البحث في موضوع الدرس دون الخروج إلى الهوامش قد تبلبل أفكار التلاميذ, وتفوّت عليهم الفائدة, وأن يسلك في تفهيمهم للعلوم التي يلقيها عليهم طرق الإقناع مستخدما وسائل العرض, والتشبيه, والتمثيل, وأن يركز اهتمامه على الأمور الجوهرية التي هي القواعد الأساسية لكل درس من الدروس, وأن يغرس في نفوسهم كليات الأشياء ثم يتطرق إلى الجزئيات شيئا فشيئا؛ إذ المهم في كل أمر أصله, وأما الفروع فهي تبع للأصول, وأن يركز المواد ويقربها إلى أذهان التلاميذ, وأن يحبب إليهم الدرس ويرغبهم في الإصغاء إليه, ويعلمهم بفائدته وغايته, آخذا في الحسبان تفهيم كل طالب ما يلائمه, وباللغة التي يفهمها, فليس كل الطلبة على حد سواء وأن يفسح المجال للمناقشة معهم, وتحمل الأخطاء التي تأتي في مناقشاتهم لكونها ناتجة عن البحث عن الحقائق, وأن يشجعهم على كل بحث يقضي إلى وقوفهم على الحقيقة, آخذاً الحسبان عوامل البيئة والطباع والعادات والنماذج؛ لأن لتلك الأمور تأثيراً بالغاً في نفسيات التلاميذ ينعكس على أفهامهم وسيرتهم وأعمالهم, ولهذا فإن من المسلّم به أن المعلم النابه الذكي الآخذ بهذه الأمور يكون تأثيره على تلامذته أبلغ من تأثير من دونه من المعلمين, ومهمة المعلم أشبه ما تكون بمهمة الطبيب, ومن واجبه أن يعرف ميول طلابه, ومدى حظ كل منهم من الذكاء, وعلى أساس هذه المعرفة يقدر المقاييس الأساسية التي يسير على نهجها في مخاطبة عقولهم وأفهامهم, وتلك من أهم أسباب نجاح المعلم في مهمته.

وأهم العلوم الواجب تعليمها على الإطلاق هو العناية بإصلاح العقيدة على ضوء الكتاب والسنة, وهدى السلف الصالح, ثم العناية ببقية العلوم الشرعية, ثم العلوم الأخرى التي لاغني للبشر عنها, شريطة أن لا يكون من نتائج تلك العلوم الأعراض عن العلم الأساسي الذي خلق الخلق لأجله, وأن تسخر هذه العلوم للمصلحة العامة دون أن تقف حجرا في طريق العلم النافع, ولقد هدى الله من هدى لتعلم العلم النافع وتعليمه بتوفيق منه وفضل وحكمة بالغة, فنفع الله بهم العباد والبلاد, وفازوا بالذكر الجميل, والسمعة الحسنة, ومضاعفة الأجر, وحسن العاقبة, وحرم التوفيق آخرين بسبب تنكبهم الطريق السوي, فكانت علومهم وبالاً عليهم وعلى تلاميذهم, فضلوا في متاهات الكفر والإلحاد والزندقة, وأضلوا غيرهم فباؤوا بمثل إثمهم, وذلك من عدله سبحانه وحكمته وجزائه لمن حاد عن الحق, وتنكّب الصراط السوي, وتابع الهوى أن يبوء بالخذلان والزيغ عن الهدى كما قال سبحانه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}. وقال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. والآيات في هذا المعنى كثيرة, ونسأل الله أن يرزقنا وسائر المسلمين العلم النافع والعمل الصالح, وأن يلطف بنا جميعاً ويمنّ علينا بالفقه في الدين, والثبات عليه,  وأن يصلح ولاة أمر المسلمين وقادتهم, إنه على كل شيء قدير, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد, وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم دين.

نائب رئيس الجامعة الإسلامية.

بالمدينة المنورة

عبد العزيز بن عبد الله بن باز

 نشر بمجلة الجامعة الاسلامية العدد الثانى رجب 1388

 

المشائخ والعلماء: