حكم صوم يوم السبت

<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /> 

<?xml:namespace prefix = v ns = "urn:schemas-microsoft-com:vml" /><?xml:namespace prefix = w ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:word" />   

 

 

 

 

 

 القول القويم فى استحباب صوم يوم السبت فى غير الفرض من غير تخصيص و لا قصد التعظيم

لأبى عمر أسامة بن عطايا العتيبى حفظه الله

 

 

 

 

 

 



المقدمة

الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ أما بعد:

فلم يكن من مقصدي كتابة بحث حول صيام السبت في النوافل دون تخصيص أو قصد تعظيم ، وإنما كان مرادي بيان حسن حديث أم سلمة -رضيَ اللهُ عنهُا- : أن النبي  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- كان يصوم السبت والأحد، وهذا ما قمت به ، غير أني وجدت نفسي مضطراً لبيان بعض الأمور المتعلقة بفقه الحديث.

فبينت أن صيام يوم السبت مستحب إلا في حالتي التخصيص وقصد التعظيم فإنه منهي عنه .

وذكرت في هذا البحث المختصر الجواب عن قضية : "الاستثناء دليل التناول"، وكذلك ذكرت الفروق بين النهي عن صيام يومي العيدين والنهي عن صيام يوم السبت ..

ولم أُطِل في هذا البحث، بل هو مختصر، ولم أتقصد ذكر حجج الذين يمنعون من صيام السبت في غير الفرض مطلقاً ، لأن هذا يطول ، ولكني ذكرت جملاً هي رد على جميع تلك الحجج ..

وهذا الذي ذهبت إليه هو قول أكثر أهل العلم بل عامة السلف، ولا يؤثر عنهم خلاف في ذلك ، ومن كان عنده نقل عن عالم من القرون الثلاثة حرَّم صيام السبت في غير الفرض أو موافقة عادة أو يوم استحب صومه أو بصيام يوم معه –قبله أو بعده- فليأت به مشكوراً.

وقد ذكرت كلام الطحاوي والجواب عنه .

والله أسأل أن ينفع بهذا البحث، وأن يوفقنا جميعاً ويسددنا، وأن يجعل طلب الحق غايتنا، وأن يرحم علماءنا، ويتجاوز عنا وعنهم ، وأن يجزي شيخنا الألباني -رحمهُ اللهُ- عنا وعن الإسلام خيراً.

وأنبه أن ذكرت في هذا البحث شيخنا الألباني -رحمهُ اللهُ- ورددت على كلامه، وهذا ليس تنقصاً من قدره، ولا تقصداً لنقده -رحمهُ اللهُ- ، فهو في قلبي ذو منزلة عالية، ولكن الحق أحق أن يتبع، ونحن تعبدنا الله بالكتاب والسنة ، ولا نقلد أحداً من العلماء إذا وجدنا في الأدلة ما يخالفهم ، فالتقليد إنما يصار له وقت الضرورة.

وقد كنت سابقاً أتبع شيخنا الألباني -رحمهُ اللهُ- ، حتى أني لم أصم عاشوراء في بعض السنوات بسبب ما كنت أعتقده صواباً من حرمة صيام السبت في غير الفرض، ولكن بعد البحث والتتبع، وبعد أن اطلعت على كلام كثير من العلماء في الباب ، تبين لي بجلاء ، وبما لا يدع مجالاً للشك ، أن صيام السبت من غير تخصيص ولا قصد تعظيم مستحب فيما ورد الشرع باستحبابه ، وواجب فيما أوجبه الشرع.

والله الموفق لا رب سواه

تنبيه: أطلت قليلاً في ذكر أقوال العلماء في المراد بالنهي عن صيام يوم السبت فمعذرة.

 

 


الفصل الأول

تخريج حديث أم سلمة -رضيَ اللهُ عنهُا- وبيان ثبوته

 

لفظ الحديث

عن كريب مولى بن عباس -رحمهُ اللهُ-: أنَّ ابن عباس -رضيَ اللهُ عنهُما- وناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثوني إلى أم سلمة أسألها عن الأيام التي كان رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أكثر لها صياماً؟

قالت: "يوم السبت والأحد"، فرجعت إليهم فأخبرتهم؛ وكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها، فقالوا: إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا وذكر أنك قلت كذا وكذا.

فقالت: صدق، إنَّ رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد ، كان يقول: ((إنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم)).

وله ألفاظ أخرى تأتي -إنْ شاءَ اللهُ تعالَى- .

 

تخريجه:

رواه الإمام أحمد في مسنده(6/324)، والنسائي في السنن الكبرى(2/146رقم2775-2776)، والطبراني في المعجم الكبير(23/، 283، 402)، وفي الأوسط(4/156)، وابن خزيمة في صحيحه(3/318)، وابن حبان في صحيحه(3646)، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ(ص/332رقم399)، والحاكم(1/436)، والبيهقي في السنن الكبرى(4/303)، وفي فضائل الأوقات(ص/534)وغيرهم من طريق عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن كريب مولى بن ابن عباس به ..

ورواه عن عبد الله بن المبارك:

1- سلمة بن سليمان عند ابن خزيمة وابن حبان.

ولفظه: عن كريب: أن بن عباس وناسا من أصحاب رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-  بعثوني إلى أم سلمة أسألها عن أي الأيام كان رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-  أكثر لها صياما فقالت يوم السبت والأحد فرجعت إليهم فأخبرتهم فكأنهم أنكروا ذلك فقاموا بأجمعهم إليها فقالوا إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا فذكر أنك قلت كذا وكذا فقالت: صدق. إن رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد وكان يقول: ((إنهما يوما عيد للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم)).

2- عبد الله بن عثمان عبدان عند الحاكم والبيهقي

ولفظه: مثل لفظ سلمة بن سليمان.

3 -حبان بن موسى عن النسائي.

ولفظه: مثل لفظ سلمة تقريباً.

4- بقية بن الوليد عند النسائي، والطبراني في الأوسط.

واختلف على بقية في لفظه :

فرواه النسائي عن كثير بن عبيد الحمصي عن بقية ولفظه: عن كريب: أن ابن عباس بعث إلى أم سلمة وإلى عائشة يسألهما ما كان رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يحب أن يصوم من الأيام؟ فقالتا: ما مات رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- حتى كان أكثر صومه يوم السبت والأحد ويقول: ((هما عيدان لأهل الكتاب فنحن نحب أن نخالفهم)).

ورواه الطبراني عن علي بن سعيد الرازي عن محمد بن عمرو بن حنان عن بقية ولفظه:  : عن كريب مولى بن عباس عن ام سلمة قالت كان رسول الله e يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: ((إنهما يوما عيد للمشركين فأحب أن أخالفهم)) قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد تفرد به بقية.

ورواه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ(ص/332رقم399) حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال: حدثنا أبو تقي هشام بن عبد الملك البري قال حدثنا بقية قال: حدثنا ابن المبارك عن عبد الله بن محمد بن عمر عن أبيه عن كريب : أن ابن عباس بعث إلي أم سلمة وإلي عائشه رضي الله عنهما يسألهما ما كان رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يحب أن يصوم من الأيام؟ قالتا: ما مات رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- حتى كان أكثر ما يصوم يوم السبت والأحد ويقول: ((هما عيد اليهود والنصارى)) .

5-عتاب بن زياد عند أحمد.

ولفظه:  عن كريب انه سمع أم سلمة تقول كان رسول الله e يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام ويقول: ((إنهما عيدا المشركين فأنا أحب أن أخالفهم)).

6- معاذ بن أسد عند الطبراني في الكبير.

ولفظه : عن كريب قال أرسلني بن عباس وأناس إلى أم سلمة أسألها أي الأيام كان رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-  أكثر صياما قالت: يوم السبت والأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: ((إنهما يوما عيد للمشركين فإني أحب أن أخالفهم)).

7- نعيم بن حماد عند الطبراني في الكبير.

ولفظه: عن كريب قال: أرسلني ناس إلى أم سلمة أسألها أي الأيام كان رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أكثرها صوماً؟ فقالت: "السبت والأحد" ، ويقول: ((هما يوما عيد المشركين فأحب أن أخالفهم)).

فكلها ألفاظ متقاربة ، إلا أن بقية بن الوليد شذ، فرواه بلفظ : ما مات رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- حتى كان أكثر صومه يوم السبت والأحد..

وذكر عائشة -رضيَ اللهُ عنهُا- ، وذكرها في هذا الحديث غير محفوظ ، وإنما لها حديث آخر من طريق خيثمة عنها ، وخيثمة لم يسمع منها ، واختلف في رفع ووقفه على عائشة -رضيَ اللهُ عنهُا- .

وقد كان الشيخ الألباني -رحمهُ اللهُ- يصحح حديث عائشة ، ثم تراجع عن تصحيحه، وبين أنه ضعيف وهو كما قال -رحمهُ اللهُ- .

 

الحكم عليه:

الحديث إسناده حسن، وصححه جمع من الأئمة.

وهذه ترجمة لرواته:

عبد الله بن المبارك : إمام من أئمة المسلمين، ثقة ، ثبت، فقيه، عالم، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، روى له الجماعة، وحديثه في جميع دواوين الإسلام.

 عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب -رضيَ اللهُ عنه- :

وثقة الدارقطني وابن خلفون.

وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويخالف!

وقال علي بن المديني: هو وسط

وقال الذهبي والصفدي: وقال بعض الحفاظ: صالح الحديث.

وقد روى عنه الأئمة الكبار، وذكره البخاري في التاريخ الكبير، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلاً.

ولم يذكره أحد من المتقدمين ممن ألف في الضعفاء.

بل قال الذهبي في الكاشف: ثقة.

فقول الحافظ عنه في التقريب : مقبول ، غير مقبول لتوثيق الأئمة له.

فأقل ما يقال فيه : صدوق ، فهو حسن الحديث.

انظر: سؤالات البرقاني(ص/22) ، وترجمة الراوي في تهذيب الكمال ، وإكمال تهذيب الكمال لمغلطاي، والوافي بالوفيات للصفدي، وتاريخ الإسلام، والميزان كلاهما للذهبي..

أبوه: محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب -رضيَ اللهُ عنهُ- :

وثقه الدارقطني كما في سؤالات البرقاني(ص/22)، وروى عنه جماعة من الثقات منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، وسفيان الثوري، محمد بن موسى الفطري، ويحيى بن أيوب المصري، وابن جريج،  وابن إسحاق، وثلاثة من أبنائه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الترمذي في حديث له(رقم171) : "غريب حسن".

 وقال الذهبي في الميزان: أحد الأشراف بالمدينة.. وكان يشبه بجده الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ما علمت به بأساً، ولا رأيت لهم فيه كلاماً، وقد روى له أصحاب السنن الأربعة فمما استنكر له حديث ابن جريج عنه عن عباس بن عبيد الله بن عباس عن عمه الفضل قال زار النبي e عباسا في بادية لنا ولنا كليبة وحماره الحديث أخرجه النسائي وأورده عبدالحق في أحكامه الوسطى وقال إسناده ضعيف وقال ابن القطان هو كما ذكر ضعيف فلا يعرف حال محمد بن عمر".

وفي كلام الذهبي -رحمهُ اللهُ- : " فمما استنكر له حديث.." نظر ، فإن ابن القطان أعله في بيان الوهم والإيهام رقم(1100) بعلتين هما: عباس بن عبيد الله بن العباس وهو لا تعرف حاله ، وأعله بمحمد بن عمر..

ولكن علة الحديث هي الانقطاع بين عباس بن عبيد الله والفضل بن العباس فإن روايته عنه منقطعة كما بين ذلك ابن حزم في المحلى.

والعباس فيه جهالة ، فلا يحمل محمد بن عمر -وهو ثقة- تبعة الحديث.

والله أعلم

وقال في الكاشف: ثقة، وقال الحافظ في التقريب: صدوق.

فالصحيح أن محمد بن عمر ثقة .

 كريب مولى بن عباس -رضيَ اللهُ عنهُما-:  ثقة ، من رجال الجماعة.

فيظهر مما سبق أن السند حسن على أقل أحواله، وقد صححه جماعة من الأئمة كما سيأتي ذكره.

فإعلال شيخنا العلامة الألباني -رحمهُ اللهُ- لهذا الحديث بجهالة عبد الله بن محمد وأبيه خطأ يتبين بما سبق نقله عن الأئمة في ترجمتهما.

وقد كان الشيخ الألباني -رحمهُ اللهُ- متردداً في تضعيف هذا الحديث.

فحسنه قديماً في صحيح الجامع، وفي تعليقه على صحيح ابن خزيمة ..

ثم ضعفه في الضعيفة(رقم1099) ، ثم كتب في الإرواء : "وضعف هذا الإسناد عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى، وهو الراجح عندي، لأن فيه من لا يعرف حاله كما بينته في الأحاديث الضعيفة بعد الألف"

ثم كتب في الحاشية : وقد حسنته في تعليقي على صحيح ابن خزيمة(2168) ولعله أقرب فيعاد النظر.

ثم جرى عمل الشيخ -رحمهُ اللهُ- على تضعيف الحديث.

والصحيح هو ما ذهب إليه الشيخ -رحمهُ اللهُ- في تعليقه على ابن خزيمة ، وفي صحيح الجامع ، وأن الحديث حسن لذاته بل من صححه فله وجه قوي جداً ..

فممن صححه من الأئمة:

الحاكم ، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان، وابن خزيمة .

وقال ابن مفلح في الفروع(3/92) : " وصححه جماعة وإسناده جيد".

وصححه ابن حجر الهيتمي في الفتاوى .

وحسنه ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام(4/269) ، والشيخ الألباني في قولٍ له تراجع عنه.

وقد استقر عمل الشيخ الألباني على تضعيفه ، وقال ابن القيم -رحمهُ اللهُ- : "وفي صحة هذا الحديث نظر؛ فإنه من رواية محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: وقد استنكر بعض حديثه".

أقول: وقد بينت ذلك عند نقل كلام الذهبي، وأنه لا وجه لإلصاق النكارة بمحمد بن عمر .

وأعجب منه ما نقله المناوي في فيض القدير، والحسيني في كتابه البيان والتعريف(2/154) عن الذهبي أنه قال عن حديث أم سلمة -رضيَ اللهُ عنهُا- : "منكر ورواته ثقات" .

فلا وجه لنكارة الحديث . والله أعلم

هذا ما يتعلق بحديث أم سلمة -رضيَ اللهُ عنهُ- من حيث الصناعة الحديثية ..


الفصل الثاني

فقه الحديث ، والرد على منع من صيام السبت في غير الفرض مطلقاً

 

أما من الناحية الفقهية فقد استدل به بعض العلماء على أنه ناسخ لحديث الصماء وفيه: ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم))..

وذهب أكثر السلف بل لم ينقل عن أحد من السلف خلافه : الجمع بين الحديثين، بحمل النهي عن صوم السبت عن قصد تعظيمه أو تخصيصه بالصيام .

روى ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق(16/306) بسند صحيح عن ابن شهاب الزهري : أن خالد بن يزيد بن معاوية كان يصوم الأعياد كلها السبت والأحد والجمعة".

وخالد بن يزيد من أجلاء التابعين -رحمهُم اللهُ- قال الحافظ في التقريب: وهو صدوق مذكور بالعلم.

قال الليث: سئل الزهري عن صوم يوم السبت؟ فقال: لا بأس به..

والطحاوي -رحمهُ اللهُ- لما ذكر الخلاف في ذلك أبهم من نقل عنه ولم يسمه ، إضافة إلى أنه نسب إلى ذلك المبهم القول بالكراهة لا بالتحريم..

قال أبو جعفر الطحاوي -رحمهُ اللهُ- في شرح معاني الآثار(2/80) : "فذهب قوم إلى هذا الحديث، فكرهوا صوم يوم السبت تطوعاً، وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بصومه بأساً.

وكان من الحجة عليهم في ذلك أنه قد جاء الحديث عن رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-  أنه نهى عن صوم يوم الجمعة إلا أن يصام قبله يوم أو بعده يوم، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم من كتابنا هذا ، فاليوم الذي بعده هو يوم السبت.

ففي هذه الآثار المروية في هذا إباحة صوم يوم السبت تطوعاً، وهي أشهر وأظهر في أيدي العلماء من هذا الحديث الشاذ الذي قد خالفها.

وقد أذن رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- في صوم عاشوراء وحض عليه ولم يقل إن كان يوم السبت فلا تصوموه، ففي ذلك دليل على دخول كل الأيام فيه.

وقد قال رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- : (( أحب الصيام إلى الله عز وجل صيام داود عليه السلام؛ كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً))،  وسنذكر ذلك بإسناده في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.

ففي ذلك أيضا التسوية بين يوم السبت وبين سائر الأيام، وقد أمر رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أيضاً بصيام أيام البيض" .

وقال -رحمهُ اللهُ- : "ولقد أنكر الزهرى حديث الصماء في كراهة صوم يوم السبت ولم يعده من حديث أهل العلم بعد معرفته به" ثم روى بسنده إلى الليث، "قال الليث: سئل الزهري عن صوم يوم السبت؟ فقال: لا بأس به. فقيل له: فقد روي عن النبي  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- في كراهته؟ فقال: ذلك حديث حمصي. فلم يعده الزهرى حديثاً يقال به وضعفه.

وقد يجوز عندنا -والله أعلم- أن يكون ثابتاً، أن يكون إنما نهى عن صومه لئلا يعظم بذلك فيمسك عن الطعام والشراب والجماع فيه كما يفعل اليهود، فأما من صامه لا لإرادته تعظيمه، ولا لما تريد اليهود بتركها السعي فيه فان ذلك غير مكروه".

نعم نقلت الكراهة عن كثير من أهل العلم لكن إذا أفرد أو قصد تعظيمه أما كراهة صومه مطلقاًً فلم أقف عليه في كتب المتقدمين إلا في نقل الإمام الطحاوي -رحمهُ اللهُ- ، أما التحريم فلا أعلم من قال به .

وقول شيخنا العلامة محمد بن صالح بن عثيمين -رحمهُ اللهُ- في الشرح الممتع (6/465) : "وأما السبت؛ فقيل: إنه كالأربعاء والثلاثاء يباح، وقيل: إنه لا يجوز إلا في الفريضة، وقيل: إنه يجوز لكن بدون إفراد".

فهذا القول من شيخنا لعله يريد به المعاصرين أما من السابقين من أهل العلم فلم أقف على أحد نص على عدم جواز صيام يوم السبت إذا قرن بغيره أو وافق عادة صيام.

ومعظم كتب السنن والجوامع لما تورد حديث الصماء يبوب عليه المصنف أو يتبعه بما يبين أن النهي إنما هو عن إفراده أو بيان أنه منسوخ.

قال أبو بكر الأثرم : "سمعت أبا عبد الله يُسأل عن صيام يوم السبت يفرد به؟ فقال: أما صيام يوم السبت يفرد به فقد جاء فيه ذلك الحديث حديث الصماء يعني حديث ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء عن النبي  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم))

قال أبو عبد الله: "يحيى بن سعيد ينفيه أبى أن يحدثني به، وقد كان سمعه من ثور" قال: " فسمعته من أبي عاصم"

قال الأثرم: حجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر

منها: حديث أم سلمة حين سئلت أي الأيام كان رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أكثر صياماً لها؟ فقالت: السبت والأحد.

ومنها: حديث جويرية أن النبي  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال لها يوم الجمعة: ((أصمت أمس)) قالت: لا .قال: (( أتريدين أن تصومي غداً؟)).

 فالغد هو يوم السبت .

وحديث أبى هريرة: نهى النبي  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- عن صوم يوم الجمعة إلا مقروناً بيوم قبله أو يوم بعده.

فاليوم الذي بعده هو يوم السبت .

وقال: ((من صام رمضان وأتبعه بست من شوال)) وقد يكون فيها السبت .

وأمر بصيام الأيام البيض، وقد يكون فيها السبت. ومثل هذا كثير". انظر: اقتضاء الصراط المستقيم(ص/262-263) ونقله ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود(748-49)، وفي زاد المعاد.

 

 

قال أبو داود -رحمهُ اللهُ- في سننه (2/320) : "51 باب النهي أن يخص يوم السبت بصوم" ثم قال بعده : "52 باب الرخصة في ذلك".

وقال الترمذي عقب روايته حديث عبد الله بن بسر : "وَمَعْنَى النَّهْيِ أَنْ يَخْتَصَّهُ الرَّجُلُ بِالصِّيَامِ ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ يُعَظِّمُونَهُ ".

وقال النسائي في سننه(2/145) بعد إيراده حديث النهي عن يوم السبت: "93 الرخصة في صيام يوم السبت".

وقال ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه(ص/333) بعد روايته حديث أم سلمة: "وليس هذا الحديث بخلاف الأول-يعني حديث ابن بسر- لأن ذلك الحديث نهى عن صوم يوم السبت منفرداً وهذا مقرون بالأحد".

وقال إمام أئمة زمانه ابن خزيمة في صحيحه(3/316) : "( 204 باب النهي عن صوم يوم السبت تطوعا إذا أفرد بالصوم بذكر خبر مجمل غير مفسر بلفظ عام مراده خاص واحسب أن النهي عن صيامه إذ اليهود تعظمه وقد اتخذته عيدا بدل الجمعة".

ثم قال في (3/318) : " 206 باب الرخصة في يوم السبت إذا صام يوم الأحد بعده"

وقال ابن حبان في صحيحه(8/381) : "ذكر العلة التي من اجلها نهى عن صيام يوم السبت مع البيان بأنه إذا قرن بيوم آخر جاز صومه".

وقال -رحمهُ اللهُ- (8/407) : "ذكر ما يستحب للمرء ان يصوم يوم السبت والأحد إذ هما عيدان لأهل الكتاب".

قال البيهقي -رحمهُ اللهُ- في السنن الكبرى(4/302) : "122 باب ما ورد من النهي عن تخصيص يوم السبت بالصوم".

ثم روى أحاديث إلى أن روى "عن الأوزاعي قال: ما زلت له كاتما ثم رأيته انتشر.

يعني: حديث ابن بسر هذا، في صوم يوم السبت، وقد مضى في حديث جويرية بنت الحارث رضي الله عنها في الباب قبله ما دل على جواز صوم يوم السبت، وكأنه أراد بالنهي تخصيصه بالصوم على طريق التعظيم له. والله أعلم".

وقال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب(2/82) : "وهذا النهي إنما هو عن إفراده بالصوم لما تقدم من حديث أبي هريرة لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده فجاز إذا صومه" ثم أورد بعده حديث أم سلمة".

وقال النووي في المجموع(6/452) : "يُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ السَّبْتِ بِالصَّوْمِ ، فَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ مَعَهُ لَمْ يُكْرَهُ صَرَّحَ بِكَرَاهَةِ إفْرَادِهِ أَصْحَابُنَا ، مِنْهُمْ الدَّارِمِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ" إلى أن قال: " قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : "هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، قَالَ : وَلَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ وَهُوَ حَدِيثُ جُوَيْرِيَةَ السَّابِقُ فِي صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَالَ : وَلَهُ مُعَارِضٌ آخَرُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ . ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثُوهُ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا أَيُّ الْأَيَّامِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ صِيَامًا لَهَا ؟ قَالَتْ : يَوْمُ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ ، فَرَجَعْتُ إلَيْهِمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ ، فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ ، فَقَامُوا بِأَجْمَعِهِمْ إلَيْهَا فَقَالُوا : إنَّا بَعَثْنَا إلَيْكِ هَذَا فِي كَذَا وَكَذَا فَذَكَرَ أَنَّكِ قُلْتِ كَذَا وَكَذَا ، فَقَالَتْ : صَدَقَ ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُ مَا كَانَ يَصُومُ مِنْ الْأَيَّامِ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ ، وَكَانَ يَقُولُ إنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ" هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْحَاكِمِ . وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ هَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنْ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالِاثْنَيْنَ ، وَمِنْ الشَّهْرِ الْآخَرِ الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَالصَّوَابُ عَلَى الْجُمْلَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ إفْرَادُ السَّبْتِ بِالصِّيَامِ إذَا لَمْ يُوَافِقْ عَادَةً لَهُ ؛ لِحَدِيثِ الصَّمَّاءِ . وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي دَاوُد : إنَّهُ مَنْسُوخٌ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ ، وَأَيُّ دَلِيلٍ عَلَى نَسْخِهِ ؟ وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْبَاقِيَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي صِيَامِ السَّبْتِ فَكُلُّهَا وَارِدَةٌ فِي صَوْمِهِ مَعَ الْجُمُعَةِ وَالْأَحَدِ فَلَا مُخَالَفَةَ فِيهَا لِمَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ كَرَاهَةِ إفْرَادِ السَّبْتِ" .

وقال الإمام ابن القيم -رحمهُ اللهُ- في زاد المعاد(2/79-80) : "وقال جماعة من أهل العلم: لا تعارض بينة وبين حديث أم سلمة، فإن النهي عن صومه إنما هو إفراده، وعلى ذلك ترجم أبو داود فقال: باب النهي أن يخص يوم السبت بالصوم، وحديث صيامه إنما هو مع يوم الأحد قالوا: ونظير هذا أنه نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده، وبهذا يزول الإشكال الذي ظنه من قال: إن صومه نوع تعظيم له، فهو موافقة لأهل الكتاب في تعظيمه، وإن تضمن مخالفتهم في صومه فإن التعظيم إنما يكون إذا أفرد بالصوم، ولا ريب أن الحديث لم يجئ بإفراده، وأما إذا صامه مع غيره لم يكن فيه تعظيم والله أعلم" .

وقال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى: "وَيُكْرَهُ أَيْضًا إفْرَادُ يَوْمِ السَّبْتِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ )) رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَأَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ أَعْنِي التِّرْمِذِيَّ . وَمَعْنَى النَّهْيِ أَنْ يَخْتَصَّهُ الرَّجُلُ بِالصِّيَامِ ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ يُعَظِّمُونَهُ ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي دَاوُد إنَّ الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ وَمَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّهُ كِذْبٌ فَمَرْدُودٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ لَيْسَ كَمَا قَالَا وَقَدْ صَحَّحَهُ الْأَئِمَّةُ قَالَ الْحَاكِمُ هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَالصَّوَابُ عَلَى الْجُمْلَةِ كَرَاهَةُ إفْرَادِهِ إذَا لَمْ يُوَافِق عَادَةً لَهُ ا هـ وَاعْتَرَضَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ بَلْ مَا صَوَّبَهُ ظَاهِرٌ ، وَإِنْ جَلَّتْ مَرْتَبَةُ مَالِكٍ فَضْلًا عَنْ أَبِي دَاوُد وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ (( أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَكْثَرُ مَا يَصُومُ مِنْ الْأَيَّامِ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ وَكَانَ يَقُولُ إنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ فَأُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ )) ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُمَا لَا إفْرَادَ فِيهِ فَلَا مُشَابَهَةَ فِيهِ لِفِعْلِ الْكُفَّارِ إذْ تَعْظِيمهمَا مَعًا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَانْدَفَعَ اسْتِدْلَالُ الْأَذْرَعِيِّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَه إفْرَادُ أَحَدِهِمَا بِالصَّوْمِ قَالَ الْحَلِيمِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ وَكَانَ الْمَعْنَى فِي كَرَاهَةِ يَوْمِ السَّبْتِ أَنَّ الصَّوْمَ إمْسَاكٌ وَتَخْصِيصَهُ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ الْأَشْغَالِ مَنْ عَوَائِد الْيَهُودِ . وَتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ كَانَ هَذَا النَّهْيُ إنْ صَحَّ أَيْ وَقَدْ صَحَّ كَمَا مَرَّ إنَّمَا هُوَ لِإِفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ تَعْظِيمًا لَهُ فَيَكُونُ فِيهِ تَشْبِيهٌ بِالْيَهُودِ وَقَضِيَّةُ هَذَا الْمَعْنَى كَمَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ كَرَاهَةُ إفْرَادِ الْأَحَدِ أَيْضًا لِأَنَّ النَّصَارَى تُعَظِّمُهُ فَفِي إفْرَادِهِ تَشَبُّهٌ بِهِمْ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ يُونُسَ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ الصَّغِيرِ وَجَزَمَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَرَّ أَنَّهُمَا لَا يُكْرَهُ صَوْمُهُمَا مَعًا لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ لَمْ يُعَظِّمهُ أَحَدٌ مِنْ بَقِيَّةِ الْمِلَلِ وَحَمَلَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ خَبَرَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنْ الْأَيَّامِ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ وَكَانَ يَقُولُ إنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ وَأُحِبُّ أَنْ أُخَالِفهُمْ"

وقال المناوي في  فيض القدير(5/168) : "وفيه أنه لا يكره إفراد السبت مع الأحد بالصوم والمكروه إنما هو إفراد السبت لأن اليهود تعظمه والأحد لأن النصارى تعظمه ففيه تشبه بهم بخلاف ما لو جمعهما إذ لم يقل أحد منهم بتعظيم المجموع".

وقال الصنعاني -رحمهُ اللهُ- في سبل السلام(2/171) : "فالنهي عن صومه كان أول الأمر حيث كان  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-  يحب موافقة أهل الكتاب ثم كان آخر آمره  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-  مخالفتهم كما صرح به الحديث نفسه .

وقيل بل النهي كان عن إفراده بالصوم إلا إذا صام ما قبله أو ما بعده".

وقال المباركفوري -رحمهُ اللهُ- في تحفة الأحوذي(3/373) :  "قلت قد جمع بين هذه الأحاديث بأن النهي متوجه إلى الافراد والصوم باعتبار انضمام ما قبله أو ما بعده ويؤيده أنه  صلى الله عليه وسلم  قد أذن لمن صام الجمعة أن يصوم يوم السبت بعدها والجمع مهما أمكن أولى من النسخ".

وفي الموسوعة الفقهية : " ب - صَوْمُ يَوْمِ السَّبْتِ وَحْدَهُ خُصُوصًا : 15 - وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، عَنْ أُخْتِهِ ، وَاسْمُهَا الصَّمَّاءُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ)) . وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ ، فَفِي إفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ تَشَبُّهٌ بِهِمْ ، إلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمُهُ بِخُصُوصِهِ يَوْمًا اعْتَادَ صَوْمَهُ ، كَيَوْمِ عَرَفَةَ أَوْ عَاشُورَاءَ ."

وهذا قول عامة أصحاب المذاهب الفقهية أن النهي إنما إذا أفرد أو قصد تعظيمه.

 

 

والقول بالنسخ فيه صعوبة..

ولكن الأظهر في ذلك والله أعلم أن المراد بقوله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- : ((لا تصوموا يوم السبت ..)) أي : لا تصوموا يوم السبت وحده ((إلا فيما افترض عليكم)) فيجوز أن يفرد وحده ، كمن كان عليه قضاء يوم فقضاه يوم السبت ، أو كمن كانت نفساء فطهرت آخر ليلة من ليالي رمضان وكانت تلك ليلة السبت ، فيجب عليها حينئذ أن تصوم السبت لكونه فريضة ولا يكون بذلك أي حرج في إفراده.

 


الجمع مقدَّم على التَّرجيح

أما ما ذهب إليه شيخنا الألباني -رحمهُ اللهُ- من تقديم حديث الصماء وترجيحه على الأحاديث المتكاثرة في جواز صيام يوم السبت إما بالخصوص أو العموم فهذا يسمى عند العلماء : الترجيح ..

فقد رجح حديث الصماء على ما خالفه –ظاهراً- من الأحاديث المتواترة المستفيضة ..

ومن القواعد المرعية عند أهل العلم : أن إعمال الدليل أولى من إهماله ..

فالقول بأن النهي عن صيام السبت يراد به الإفراد ليس إهمالاً للنص بل إعمال له، ونكون في الوقت نفسه أعملنا بقية الأدلة القاضية بجواز صيام يوم السبت إذا وافق عادة كصيام يوم وإفطار يوم أو كان بانضمام يوم آخر إليه كالجمعة أو الأحد..

ومن القواعد كذلك : أن الجمع مقدم على الترجيح ..

فنجمع بين الأدلة بما سبق ولا نرجح حديث الصماء على غيره ..

ولكن الذي دعا الشيخ الألباني -رحمهُ اللهُ- إلى أن يذهب إلى الترجيح دون الأخذ بالجمع بين النصوص هو أنه رأى أن الجمع غير ممكن لأن الاستثناء في الحديث صريح لا يجوز الزيادة عليه ...

ولكن يقال له -رحمهُ اللهُ- : إن السلف -رحمهُم اللهُ-من أهل الفقه والاجتهاد كالترمذي وأبي داود والنسائي والطحاوي والبيهقي وغيرهم بالمئات رأوا أنه يمكن الجمع بين النصوص ..

ففهمهم مقدم على فهمنا ، واجتهادهم مقدم على اجتهادنا ..

وهذا ليس مصيراً إلى التقليد بل هو ظاهر ولله الحمد ..

فلا أتكلم على الاستثناء وكونه دليلاً للتناول أو لا ؟ وكون النهي عنه يتناول كل صور صومه إلا صورة الفرض كما ذكر ذلك شيخ الإسلام وابن القيم والشيخ الألباني؟

إنما النظر في معنى قوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- : ((لا تصوموا يوم السبت)) ما المراد بالنهي عن الصيام ؟ وبعد ذلك يتكلم عن الاستثناء ..

لأن حديث الصماء لم يرد أن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قاله على فراش الموت حتى لا نستطيع تأوله أو الجمع بينه وبين غيره من النصوص.

وسيأتي مزيد بيان لذلك -إنْ شاءَ اللهُ تعالَى-

فأكثر السلف والخلف ذهبوا إلى أن المراد بقوله ذلك : لا تصوموا يوم السبت وحده أو لا تتقصدوا صومه ..

وهذا التأويل أو هذا التقييد في اللفظ أوجبه الجمع بين النصوص حتى لا تختلف ولا تتعارض ..


نظائر لحديث النهي عن صيام السبت

ونظائر هذا في الكتاب والسنة كثيرة يرجع إليها في كتب مختلف الحديث ومشكل الآثار..

بل إذا كان النهي عاماً لم يخصص باستثناء ولا غيره إذا وجد دليل آخر يعارضه فإنه يصار إلى الجمع –إن أمكن- دون الوقوف عند عموم النهي..

مثال: ذلك نهي النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- عن الصلاة بعد العصر ، وهو نهي عام لم يستثن منه النص شيئاً ، ومع ذلك ذهب جماعة من العلماء إلى استحباب ركعتين بعد العصر مع علمهم بالنهي لأنهم رأوا النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يفعل ذلك ، ومع تعارض القول والفعل ، والحاظر والمبيح رجحوا –ومنهم شيخنا الألباني -رحمهُ اللهُ- استحباب الركعتين بعد العصر..

وسبب ذلك أخذهم بالجمع بين النصوص ، وتقديم ذلك على الترجيح.

والنص إذا استثني بعض أفراده كما هو الحال في حديث الصماء : ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم)) ، لم يكن ثمة مانع من استثناء أفراد أخرى من العام بمخصص منفصل أو بدليل آخر ..

فمخصصات العام كثيرة وليس هذا من الأخبار حتى لا ينسخ ، وليس هذا مما قاله النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- عند وفاته حتى نجعله ناسخاً لما يعارضه..

مثال للمخصص المنفصل:

وسأورد هذا المثال مع وجود الاستثناء فيه كحديث الصماء ..

عن أبي هريرة -رضيَ اللهُ عنهُ- قال: قال رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- : ((لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد..)) الحديث متواتر ..

فظاهر النص أن شد الرحال مطلقاً وعلى العموم لا يجوز إلا إلى ثلاثة مساجد  ..

وهذا النهي من أبلغ النهي وأشده...

قال الطيبي : "هو أبلغ من صريح النهي كأنه قال لا يستقيم أن يقصد بالزياره إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به".

قال الحافظ ابن حجر -رحمهُ اللهُ- في فتح الباري(3/64) : "والتقدير لا تشد الرحال إلى موضع ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص وهو المسجد".

ومع ذلك وجد في الأدلة جواز سفر عبادةٍ كالرحلة في طلب العلم كسفر موسى إلى الخضر عليهما السلام ، وسفر الصحابة لذلك ، والسفر لزيارة الأصدقاء وصلة الأرحام كحديث الرجل الذي زار أخاً له في الله وسافر لذلك فأرصد الله على مدرجته ملكاً ، وكمن سافر عن بلده السيء إلى بلد صالح كحديث الذي قتل مائة نفس

وغير ذلك من الأدلة التي تبين أن المراد بشد الرحال لا يقصد به عموم السفر بل إذا قصد به التعبد في بقعة معينة أو لفضل مكان معين غير المواضع المستثناة..

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمهُ اللهُ- : "يتناول المنع من السفر إلى كل بقعة مقصودة، بخلاف السفر للتجارة، وطلب العلم، ونحو ذلك‏.‏ فإن السفر لطلب تلك الحاجة حيث كانت، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود حيث كان‏" .

وهذا التفسير أوجبه تلك الأحاديث التي تعارضه ، ولا يقال هنا : إن الحاظر مقدم على المبيح أو القول مقدم على الفعل أو أن الاستثناء دليل التناول فلا يستثنى غيرها ..

فمن قارن بين هذا الحديث ، وبين حديث النهي عن صيام السبت في غير الفرض عرف أن الذي أوجب تفسير الحديث بخلاف ما يظهر منه هو النصوص المعارضة ..

والجمع مقدم على الترجيح..

 

مثال ثانٍ:

ثبت عن النبي  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أنه قال: ((لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة))

ومع أن الاستثناء دليل التناول ، وعليه يكون معنى الحديث أن دم المسلم لا يحل إلا في هذه الحالات الثلاث ولا يجوز استثناء حالة رابعة حتى لا يكون استدراك على الشرع!!

وهذا غلط ..

بل قد جاء في الشرع استثناءات أخرى كقتل اللوطي ، وفاعل الفاحشة بالبهيمة.

وعمل مَن عمِل بتلك الأحاديث جمعاً بين النصوص..

 

مثال ثالث :

يقول الله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} ، فظاهر الآية أن قرب المرأة الحائض حرام حتى تطهر .

وهذا حاظر ، وهو لفظي .

وقد خصص أكثر العلماء ذلك بقوله وفعله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-

فأما قوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- : فقال رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- : ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح)).

وأما فعله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فكما في حديث ميمونة -رضيَ اللهُ عنهُا- : كان رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيَّض. متفق عليه واللفظ لمسلم.

فيكون معنى الآية : ولا تجامعوهن ..

مع أن الجماع فرد من أفراد القرب ، ولكن الذي أوجب تفسير القرب في الآية بالجماع هذا الحديثان القولي والفعلي (وهما مبيحان).

لأن القاعدة عند العلماء : الجمع مقدم على الترجيح.

والحديث العام أبلغ مما ورد فيه الاستثناء..

فوجود الاستثناء فيه النص دليل على قابليته للتخصيص ..

وهذا هو الأصل في العام كذلك ..

فكوننا نخصص العام الذي لم يستثن منه شيء بسبب مخصص منفصل ، كذلك يجوز لنا أن نخصص عموم لفظ آخر قد خصص بمخصص متصل ..

والمستنكر في هذا الباب أن يأتي شخص ويخصص العام الذي استثني: بعقله، وبدون دليل موجب لذلك..

فلو جاء شخص وقال : إن معنى قوله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- : ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم)) إنه أراد : لا تخصوا صيام السبت ولا تفردوه ، ولم يكن عنده دليل يحمله على هذا التوجيه والتفسير لأنكرنا عليه وقلنا إن اللفظ يأبى هذا التفسير العقلي ..

ولكن لَمَّا وُجدت الأدلة الكثيرة الدالة على استحباب صيام السبت في بعض الأحوال فعارضت هذا الحديث وجب حمل هذا النهي عن التخصيص أو قصد التعظيم ..

 


الرد على تعليق لبعض الباحثين

 

فقول بعض الإخوة الباحثين : " قلنا: أنَّ من شروط الجمع أن يكون بوجه مقبول؛ قال الشوكاني في إرشاده: ((ومن شروط الترجيح التي لا بد من اعتبارها: أن لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه مقبول، فإن أمكن ذلك: تعين المصير إليه ولم يجز المصير إلى الترجيح))؛ وهذا الوجه من الجمع غير مقبول؛ لأنه يعود على حديث النهي عن صيام يوم السبت في غير الفرض بالنقض؛ وقد تقدم ما يؤكِّد ذلك من كلام شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم؛ فارجع إليه وتأمَّل فيه.
نوضح ذلك فنقول: أنَّ حديث:((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم)) يدلّ على النهي عن صيام السبت في جميع صوره إلا صورة الفرض؛ فإذا قلت: يجوز صومه تطوعاً إذا ضمّ له يوم آخر، فأنت بهذا التجويز قد نقضت صورة الإستثناء؛ وهي الفرض، ولا ينفعك آنذاك أن تضمّ إليه يوماً آخر.
وقولك ذاك يُحتَمل لو كان النهي بلا إستثناء؛ أي: ((لا تصوموا يوم السبت)) أو بغير ذلك الإستثناء؛ مثل: ((لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوماً قبله أو بعده)) أو مثل: ((إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم)) كما جاء في صيام يوم الجمعة؛ أما وقد ورد بهذا الإستثناء ((إلا فيما افترض عليكم))؛ فالمتعين أن يُحمل التجويز على صورة الفرض لا غير."

فيه نظر من وجوه:

الوجه الأول: أن قوله: " وهذا الوجه من الجمع غير مقبول؛ لأنه يعود على حديث النهي عن صيام يوم السبت في غير الفرض بالنقض"

ليس بصحيح ، فإنه إنما يعود على الاستثناء بالنقض لا على عموم النهي ، وإنما يخصص هذا النهي ويزيد في الاستثناء.

فهذا الجمع يؤدي إلى إعمال الأدلة وعدم إهمال شيء منها ، وتخصيص العام الذي قد خصص من قبل لا ينقض العام بل يخصصه.

الوجه الثاني: قال ذلك الأخ الباحث : "فإذا قلت: يجوز صومه تطوعاً إذا ضمّ له يوم آخر، فأنت بهذا التجويز قد نقضت صورة الإستثناء؛ وهي الفرض، ولا ينفعك آنذاك أن تضمّ إليه يوماً آخر".

نعم يعود على الاستثناء بالنقض، لكنه لا يعود على النهي عن صيام السبت بالنقض، بل يزيد في التخصيص .

فضم إليه يوم آخر ينفع، لأن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- كان يفعله، وأمر به من صام الجمعة ولم يصم الخميس.

الوجه الثالث: قال ذلك الأخ الباحث : "أما وقد ورد بهذا الإستثناء ((إلا فيما افترض عليكم))؛ فالمتعين أن يُحمل التجويز على صورة الفرض لا غير".

نعم هذا يصح لو لم ترد أدلة معارضة تدل على تخصيص ذلك العام .

أما وقد وردت فالمتعين هو الجمع بين النصوص، وهو أن المراد بالنهي عن صيام السبت في غير الفرض إذا خص بإفراد أو قصد تعظيم.

فالذي يصوم يوم السبت والأحد مثلاً لا يدخل تحت قوله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- : ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم)) ، لأن هذا صام السبت والأحد وليس السبت وحده.

أما من صام السبت وحده فيدخل تحت النهي .


الفصل الثالث

الجواب عن قياس النهي عن صيام يوم السبت بالنهي عن صيام يومي العيد

ولا يعترض هنا بيومي العيد، فالفرق بين النهي عن صيام يومي العيد ويوم السبت من أوجه منها:

أولاً: أن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- ثبت عنه أنه كان يصوم يوم السبت والأحد ويعزو ذلك إلى حبه مخالفة أهل الكتاب ، وهذه العلة لم توجد في يومي العيدين.

ثانياً: لم يرد أن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أو أحد من أصحابه صاموا يومي العيدين، بخلاف يوم السبت فثبت أن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- ، بل أمر بصيامه لمن صام الجمعة ولم يصم الخميس.

ثالثاً:  لأن النهي عن صيامهما قد شاع وذاع في الأخبار ، كذلك صيام أيام التشريق لغير من لم يجد الهدي قد أمر النبي  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- بالإعلان به في حجة الوداع .

رابعاً: كذلك فإن يومي العيدين لا يتكرران في الأسبوع كما هو حال يوم السبت.

فهذه الفروق وأهمها الأول والثاني تَرُدُّ على من أراد التسوية بين النهي عن صيام يومي العيدين وبين النهي عن صيام السبت ..


الخاتمة

فتبين بما سبق أن صيام يوم السبت إذا وافق عادة صيام أو صام يوماً قبله أو بعده، أو وافق يوماً فضيلاً جاز صيامه بل استحب ذلك ..

وعلى ذلك قول أكثر السلف والخلف ، وهو ما يعضده الدليل .

والله أعلم. وصلَّى اللهُ وسلَّم على نبينا محمد

كتبه: أبو عمر أسامة العتيبي