محمد بن عبد الوهاب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك عبده ورسوله وخيرته من خلقة سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه .

أما بعد : أيها الإخوان الفضلاء ، أيها الأبناء الأعزاء . هذه المحاضرة الموجزة أتقدم بها بين أيديكم تنويراً للأفكار ، وإيضاحاً لله ولعباده وأداء المحاضرة عنوانها :

الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوته وسيرته .

لما كان الحديث عن المصلحين ، والدعاة والمجددين والتذكير بأحوالهم وخصالهم الحميدة ، وأعمالهم المجيدة ، وشرح سيرتها التى دلت على إخلاصهم ، وعلى صدقهم فى دعوتهم وإصلاحهم . وأعمالهم وسيرتهم مما تشتاق إلية النفوس الطيبة ، وترتاح له القلوب ، ويود سماعه كل غيور على الدين ، وكل راغب فى الإصلاح ، والدعوة إلى سبيل الحق رأيت أن أتحدث إليكم عن رجل عظيم ومصلح كبير وداعية غيور ، ألا وهو الشيخ الإمام المجدد للإسلام فى الجزيرة العربية فى القرن الثاني عشر من الهجرة النبوية .

هو : الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن على الترميمي الحنبلي النجدي  لقد عرف الناس هذا الإمام ولا سيما علماؤهم ورؤساؤهم وكبراؤهم وأعيانهم فى الجزيرة العربية وفي خارجها ، ولقد كتب الناس عنه كتابات كثيرة ما بين موجز وما بين مطول ، ولقد أفرده كثير من الناس بكتابات حتى المستشرفون كتبوا عنه كتابات كثيرة ، وكتب عنه آخرون فى أثناء كتاباتهم عن المصلحين وفى أثناء كتاباتهم فى التاريخ ، وصفه المنصفون منهم بأنه مصلح عظيم ، وبأنه مجدد للإسلام ، وبأنه على هدى ونور من ربه ، وتعدادهم يشق كثيراً . جملتهم المؤلف الكبير أبو بكر الشيخ حسين بن غنام الأحسائي . فقد كتب عن هذا الشيخ . فأجاد وأفاد وذكر دعوته ، وذكر سيرته وذكر غزواته ، وأطنب فى ذلك وكتب كثيراً من رسائله واستنباطاته من كتاب الله عز وجل ، ومنهم الشيخ الإمام عثمان بن بشر فى كتابه عنوان المجد ، فقد كتب عن هذا الشيخ ، وعن دعوته ، وعن سيرته ، وعن تاريخ حياته ، وعن غزواته وجهاده . ومنهم خارج الجزيرة الدكتور أحمد أمين فى كتابه زعماء الإصلاح ، فقد كتب عنه وأنصفه ، ومنهم الشيخ الكبير مسعود عالم الندوى ، فقد كتب عنه وسماه المصلح المظلوم وكتب عن سيرته وأجاد فى ذلك . وكتب عنه أيضا آخرون ، منهم الشيخ الكبير الأمير محمد بن إسماعيل الصنعانى . فقد كان فى زمانه وقد كان على دعوته ، فلما بلغة دعوة الشيخ سر بها وحمد الله عليها وكذلك كتب عنه العلاقة الكبير الشيخ محمد بن على الشوكانى صاحب نيل الأوطار ورثاه بمرثية عظيمة ، وكتب عنه جميع غفير غير هؤلاء يعرفهم القراء والعلماء * ولأجل كون كثير من الناس قد يخفى عليه حال هذا الإمام وسيرته ودعوته رأيت أن أساهم فى بيان حاله وما كان عليه سيرة حسنه ، ودعوة صالحة ، وجهاد صادق وأن أشرح قليلاً مما أعرفه عن هذا الامام حتى يتبصر في أمره من كان عنده شئ من لبس أو شئ من شك في حاله ودعوته ، وما كان عليه .

ولد هذا الإمام فى عام (1115) هجرية هذا هو المشهور فى مولده رحمه الله عليه ، وقيل فى عام (1111) هجرية والمعروف الأول أنه ولد فى عام 1115 هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأكمل التحية وتعلم على أبيه فى بلدة العيينة وهذه البلده هى مسقط رأسه رحمة الله عليه وهى قرية معلومة فى اليمامة فى نجد شمال غرب مدينة الرياش مسيرة سبعين كيلو مترا تقريباً ، أو ما يقارب ذلك من جهة الغرب . ولد فيها رحمة الله عليه ونشأ نشأة صالحة . وقرأ القرآن مبكراً .

وأجتهد في الدراسة ، والتفقه على أبيه الشيخ عبد الوهاب بن سليمان – وكان فقيها كبيراً * وعالما قديراً ، وكان قاضياً فى بلدة العيينة – ثم بعد بلوغ الحلم حج وقصد بيت الله الحرام وأخذ عن بعض علماء الحرم الشريف . ثم توجه إلى المدينة على سامنها أفضل الصلاة والسلام ، فاجتمع بعلمائها ، وأقام فيها مدة ، وأخذ من عالمين كبيرين مشهورين فى المدينة ذلك الوقت ، وهما : الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي ، أصله من المجمعة ، وهو والد الشيخ إبراهيم بن عبد الله صاحب العذب الفائض فى علم الفرائض ، وأخذ أيضا عن الشيخ الكبير محمد حياة السندي بالمدينة . هذان العالمان ممن أشتهر أخذ الشيخ عنهما بالمدينة . ولعله أخذ عن غيرهما ممن لا نعرف .

ورحل الشيخ لطلب العلماء إلى العراق فقصد البصرة واجتمع بعلمائها وأخذ عنهم ما شاء الله من العلم ، وأظهر الدعوة هناك إلى توحيد الله ودعا الناس إلى السنة وأظهر للناس أن الواجب على جميع لمسلمين أن يأخذوا دينهم عن كتاب الله وسنة رسوله الله عليه الصلاة والسلام وناقش من مشايخه ، هناك شخص يقال له الشيخ محمد المجموعى ، وقد ثار عليه بعض علماء السوء بالبصرة وحصل عليه وعلى شيخه المذكور بعض الأذى ، فخرج من أجل ذلك وكان من نيته أن يقصد الشام فلم يقدر على الزبير وتوجه من الزبير إلى الأحساء وأجتمع بعلمائها وذاكرهم فى أشياء من أصول الدين ثم توجه إلى بلاد حريملاء وذلك ( والله أعلم ) فى العقد الخامس من القرن الثانى عشر لأن أباه كان قاضياً فى العيينه وصار بينه وبين أميرها نزاع فأنتقل عنها إلى حريملاء سنة 1139 هجرية فقدم الشيخ محمد على أبيه فى حريملاء بعد انتقال إليها سنة 1139 هجرية فيكون قدومه حريملاء في عام 1140 أو ما بعدها ، واستقر هناك ولم يزل مشتغلاً بالعلم والتعليم والدعوة فى حريملاء حتى مات والده فى عام 1153 هجرية فحصل من بعض أهل حريملاء شر عليه ، وهم بعض السفلة بها أن يفتك به ، وقيل إن بعضهم تسور عليه الجدار فعلم بهم بعض الناس فهربوا ، وبعد ذلك ارتحل الشيخ إلى العيينة رحمة الله عليه ، وأسباب غضب هؤلاء السفلة عليه أنه كان آمر بالمعروف ناهياً عن المنكر ، وكان يحث الأمراء على تعزير المجرمين الذين يعتدون على الناس بالسلب والنهب والإيذاء ، ومن جملتهم هؤلاء السفلة الذين يقال لهم العبيد هناك ، ولما عرفوا من الشيخ أنه ضدهم وأنه لا يرضى بأفعالهم ، أنه يحرض الأمراء على عقوباتهم ، والحد من شرهم غضبوا وهموا أن يفتكوا به ، فصانه الله وحماه ثم أنتقل إلى بلدة العيينة وأميرها إذ ذاك عثمان بن محمد بن محمد معمر ، فنزل عليه ورحب به الأمير ، وقال قم بالدعوة إلى الله ونحن معك وناصروك وأظهر له الخير ، والمحبه والموافقة على ما هو عليه . فاشتغل الشيخ بالتعليم والإرشاد والدعوة إلى الله عز وجل ، وتوجيه الناس إلى الخير ، والمحبة في الله ، رجالهم ونسائهم ، وأشتهر أمره فى الهيينه وعظم حيته إليه الناس من القرى المجاورة ، وفى يوم من الأيام قال الشيخ للأمير عثمان دعنا نهدم قبه زيد بن الخطاب رضى الله عنه فأنها أسست على غير هدى ، وأن الله جل وعلا لا يرضى بهذا العمل ، والرسول r نهى عن البناء على القبور ، واتخاذ المساجد عليها ، وهذه القبة فتنت الناس وغيرت العقائد  وحصل بها الشرك فيجب هدمها ، فقال الأمير عثمان لا مانع مع ذلك ، فقال الشيخ إنى أخشى إنى أخشى أن يثور لها أهل الجبيلة ، والجبيلة قرية هناك قريبة من أن القبر . فخرج عثمان ومعه جيش يبلغون 600 مقاتل لهدم القبة ، ومعهم الشيخ رحمة الله عليه فلما قربوا من القبة خرج أهل الجيلة لما سمعوا بذلك لينصروها ويحموها . فلما رأوا الأمير عثمان ومن معه كفوا ورجعوا عن ذلك ، فباشر الشيخ هدمها وإزالتها فأزالها الله عز وجل على يديه رحمة الله عليه .

ولنذكر نبذة عن حال نجد قبل قيام الشيخ رحمه الله عليه ، وعن أسباب قيامه ، ودعوته :

كان أهل نجد قبل دعوة الشيخ على حالة لا يرضاها مؤمن ، وكان الشرك الأكبر قد نشأ فى نجد وأنتشر حتى عبدت القباب وعبدت الأشجار ، والاحجار ، وعبدت الغيران ، وعبد من يدعي بالولاية . وهو من المعتوهين ، وعبد من دون الله أناس يدعون بالولاية وهم مجانين مجاذيب لا عقول عندهم ، وأشتهر في نجد السحرة والكهنة ، وسؤالهم وتصديقهم وليس هناك منكر إلا من شاء الله وغلب على الناس الإقبال على الدنيا وشهواتها ، وقل القائم لله والناصر لدينه وهكذا فى الحرمين الشريفين وفى اليمن اشتهر فى ذلك الشرك وبناء القباب على القبور ، ودعاء الأولياء والاستغاثة بهم ، وفى اليمن من ذلك الشئ الكثير ، وفى بلدان نجد من ذلك ما لا يحصى ، ما بين قبر ما بين غار ، وبين شجرة وبين مجذوب ، ومجنون يدعى من دون الله ويستغاث به مع الله ، وكذلك مما عرف فى نجد وأشتهر دعاء الجن والاستغاثة بهم وذبح الذبائح لهم وجعلها فى الزوايا من البيوت رجاء نجدتهم  وخوف شرهم ، فلما رأى الشيخ الإمام هذا الشريك وظهوره فى الناس وعدم وجود منكر لذلك وقائم بالدعوة إلى الله فى ذلك شمر عن ساعد الجد وصبر على الدعوة وعرف أنه لابد من جهاد ، وصبر ، وتحمل للأذى . فجد في التعليم والتوجيه والإرشاد وهو فى العيينة ، وفى مكاتبة العلماء في ذلك والمذاكرة معهم رجاء أن يقوموا معه في نصرة دينا لله ، والمجاهدة في هذا الشرك وهذه الخرافات  فأجاب دعوته كثيرون من علماء نجد وعلماء الحرمين ، وعلماء ليمن ، وغيرهم وكتبوا إليه بالموافقة ، وخالف آخرون وعابوا ما دعا إليه وذموه ونفروا عنه وهم بين أمرين ، ما بين جاهل خرافى لا يعرف دين الله ولا يعرف توحيد الله ، وإنما يعرف ما هو عليه وآباؤه وأجداده من الجهل والضلال والشرك ، والبدع ، والخرافات ، كما قال الله جل وعلا عن أمثال أولئك :

} إنا وجدناء اباءنا على أمة وإنا على اثرهم مقتدون [

وائفة أخرى ممن ينسبون إلى العلم ردوا عليه عناداً وحسداً لئلا يقول العامة : ما بالكم لم تنكروا علينا هذا الشيء ؟! لماذا جاء أبن عبد الوهاب وصار على الحق وأنتهم علماء ولم تنكروا هذا الباطل ؟! فحسدوه وخجلوا من العامة ، وأظهروا العناد للحق إيثاراً للعاجل على الآجل ، وأقتنداء باليهود فى إيثارهم الدنيا على الآخرة نسأل الله العافية والسلامة .

أما الشيخ فقد صبر وجد فى الدعوة وشجعه من شجعه من العلماء والأعبان فى داخل الجزيرة ، وفى خارجها ، وعزم على ذلك ، واستعان بربه عز وجل ، وعكف على الكتب النافعة ودرسها وعكف قبل ذلك على كتاب الله ، وكانت له اليد الطولى فى تفسير كتاب الله ، والا ستنباط منه ، وعكف على سيرة الرسول r وسيرة أصحابه ، وجد فى دلك وتبصر فيه حتى أدرك من ذلك من ذلك ما أعانه الله به وثبته على الحق فشمر عن ساعد الجد وصمم على الدعوة وعلى أن ينشرها بين الناس ويكاتب الأمراء والعلماء فى ذلك وليكن فى ذلك مايكون فحقق الله له الأمال الطيبة ، ونشر به الدعوة ، وأيد به الحقف ، هيا الله له أنصاراً ومساعدين وأعوانا حتى ظهر دين الله وعلت كلمة الله ، فأستمر الشيخ فى الدعوة فى العيينة بالتعليم والإرشاد ، ثم شمر عن ساعد الجد إلى العمل وإزالة الشرك بالفعل لما رأى الدعوة لم تؤثر فى بعض الناس فباشر الدعوة عملياً ليزيل بيده ماتيسر وما أمكن من آثار الشرك . فقال الشيخ للأمير عثمان بن معمر لابد من هدم هذه القبة التى على قبر زيد – وزيد بن الخطاب رضى الله عنه هو أخو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضى الله تعالى عن الجميع ، وكان من جملة الشهداء فى قتال مسيلة الكذاب فى عام 12 فى الجهرة النبوية ، فكان ممن قتل هناك هناك وبنى على قبرة قبة فيما يذكرون ، وقد يكون قبر غيره ، لكنه فيما يذكرون أنه قبره – فوافقه عثمان كما تقدم ، وهدمت القبه بحمد الله وزال أثرها إلى اليوم ولله الحمد والمنة ، أماتها جل وعلا لما هدمت عن نيه صالحة ، وقصد مستقيم ونصر للحق ، وهناك قبور أخرى منها قبر يقال إنه قبر ضرار بن الأوزر كانت عليه قبه هدمت هناك غيران * وأجار تعبد من دون الله جل وعلا فأزيلت وقضى عليها وحذر الناس عنها . والمقصود أن الشيخ استمر رحمة الله عليه على الدعوة قولا وعملا كما تقدم ، ثم إن الشيخ أتته امرأة وأعترفت عنده بالزنا عدة مرات ، وسأل عن عقلها فقيل إنهاء عاقلة ولا باس بها ، فلما صممت على الاعتراف ، ولم ترجع عن الشيخ رحمه الله عليه بأن ترجم فرجمت بأمره حالة كونه قاضيا بالعيينة ، فاشتهر أمره بعد ذلك بهدم القبة وبرجم المرأة وبالدعوة العظيمة إلى الله وهجرة المهاجرين إلى العيينه ، وبلغ أمير الأحساء وتوابعها من بنى خالد سليمان بن عريعر الخالدي أمر الشيخ وأنه يدعو إلى الله وأنه يهدم القباب ، وأنه يقيم الحدود فعظيم على هذا البدوي أمر الشيخ ، لأن من عادة البادية إلا من هدى الله ، الإقدام على الظلم ، وسفك الدماء ، نهب الأموال ، وأنتهاك الحرمات ، فخاف إن هذا الشيخ يعظم أمره ويزيل سلطان الأمير البدوى ، فكتب إلى عثمان يتوعده ويأمره أن يقتل هذا المطوع الذى عنده فى العيينة ، وقال : إن المطوع الذى عندكم بلغنا عنه كذا ، وكذا !! فإما أن تقتله ، وإما أن تقتله ، وإما أن نقطع عنك خراجك الذى عندنا !! وكان عنده للأمير عثمان خراج من الذهب ، فعظم على عثمان أمر هذا الأمير ، وخاف إن هذا الأمير كتب إلينا كذا وكذا وأنه لا يحسن منا أن نقتلك وإنا نخاف هذا الأمير ولا نستطيع محاربته ، فإذا رايت أن تخرج عنا فعلت ، فقال له الشيخ إن الذى أدعو إليه هو دين الله وتحقيق كلمة لا إله إلا الله ، وتحقيق شهادة أن محمداً رسول الله ، فمن تمسك بهذا الدين ونصره وصدق فى ذلك نصره الله وأيده وولاه على بلاد أعدائه ، فإن صبرت واستقمت وقبلت هذا البدوى وغيره ، وسوف يوليك الله بلاده وعشيرته فقال : أيها الشيخ إنا لا نستطيع محاربته ، ولا صبر لنا على مخالفته ، فخرج الشيخ عند ذلك وتحول من العيينة إلى بلاد الدرعية ، جاء إليها وقد خرج من العيينة فى أول النهار ماشياً على الاقدام لم يرحله عثمان ، فدخل على شخص من خيارها في أعلى البلد يقال له محمد بن سويلم العرينى فنزل عليه ، ويقال إن هذا الرجل خاف من نزوله عليه وضاقت به الأرض بما رحبت ، وخاف من أمير الدرعية محمد بن سعود فطمأنه الشيخ وقال له ابشر يخبر ، وهذا الذى أدعو الناس إليه دين الله ، وسوف يظهره الله ، فبلغ محمد بن سعود هبر الشيخ محمد ، ويقال إن الذى أخبره به زوجته جاء إليها بعض الصالحين وقال لها أخبرى محمداً بهذا الرجل ، وشجعته على قبول دعوته وحرضيه على مؤازرته ومساعدته وكانت امراة صالحة طيبة ، فلما دخل عليها محمد بن مسعود أمير الدرعية وملقاتها قالت له أبشر بهذه الغنيمة العظيمة ! هذه غنيمة ساقها الله إليك رجل داعية يدعو إلى دين الله ، ويدعو إلى كتاب الله يدعو إلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام يالها من غنيمة ! بادر بقبول وبادر بنصرته ، ولا تقف فى ذلك أبداً فقبل الأمير مشورتها ، ثم تردد هل يذهل إليه أو يدعو إليه  ؟ ! فأشير عليه ، يقال إن المراة أيضا هى التى أشارت عليه مع جماعة من الصالحين وقالوا له : لا ينبغى أن تدعوه إليك ، بل ينبغى أن تقصده في منزله ، وأن تقصده أنت وأن تعظم العلم والداعى إلى الخير  فأجاب إلى ذلك لما كتب الله له من السعادة والخير رحمة الله عليه وأكرم الله مثواه فذهب إلى الشيخ فى بيت محمد بن سويلم ، وقصده وسلم عليه وتحدث معه ، وقال له ياشيخ محمد أبشر بالنصرة وأبشر بالامن وأبشر بالمساعدة فقال له الشيخ وأنت بالنصرة أيضا والتمكين والعاقبة الحميدة ، هذا دين الله من نصره نصره الله ، ومن أيده أيده الله وسوف تجد آثار ذلك سريعا ، فقال شيخ سأبايعك على دين الله ورسوله وعلى الجهاد فى سبيل الله ، ولكننى أخشى إذا أيدناك ونصرناك وأظهرك الله على أعداء الإسلام ، وأن تبتغى غير أرضنا ، وأن تنتقل عنا إلى أرض أخرى فقال : لا أبايعك على هذا .. أبايعك على أن الدم بالدم والهدم بالهدم لا أخرج عن بلادك أبداً ، فبايعه على ويجاهد معه فى سبيل الله حتى يظهر دين الله ، وتمت البيعة على ذلك .

وتوافد الناس إلى الدرعية من كل مكان ، من العيينة ، وعرقة ، ومنفوحة ، والرياض وغير ذلك من البلدان المجاورة ، ولم تزل الدرعية موضع هجرة يهاجر إليها الناس من كل مكان ، وتسامع الناس بأخبار الشيخ ، ودروسه فى الدرعية ودعوته إلى الله وإرشاده إليه ، فاتوا زرافات ووجدانا .

فأقام الشيخ بالدرعية معظماً مؤيداً محبوباً منصوراً ورتب الدروس فى الدرعية فى العقائد وفى القرآن الكريم ، وفى التفسير ، وفى الفقة ، وأصوله ، والحديث . ومصطلحه ، والعلوم العربية ، والتاريخية ، وغير ذلك من العلوم النافعة ، وتوافد الناس عليه من كل مكان ، وتعلم الناس عليه فى الدرعية الشباب وغيرهم ، ورتب للناس دروساً كثيرة للعامة والخاصة ، ونشر العلم فى الدرعية واستمر على الدعوة

ثم بدأ بالجهاد وكاتب الناس إلى الدخول فى هذه الميدان وإزالة الشرك الذى فى بلادهم ، وبدأ بأهل نجد ، وكاتب أمرءها وعلماؤها . كاتب علماء الرياض وأميرها دهان بن دواس ، كاتب علماء الخرج وأمراءها ، وعلماء بلاد الجنوب والقصيم وحائل والوشم ، سدير وغير ذلك . ولم يزل يكاتبهم ويكاتب علماءهم وأمراءهم . وهكذا علماء الأحساء وعلماء الحرمين الشريفين ، وهكذا علماء الخارج فى مصر  والشام والعراق ، والهند واليمن وغير ذلك ، ولم يزل يكاتب الناس ويقيم الحجيج ويذكر الناس ما وقع فيه أمثر الخلق من الشرك والبدع ، وليس معنى هذا أنه ليس هناك أنصار للدين بل هناك أنصار والله جل وعلا قد ضمن لهذا الدين أن لابد له من ناصر ولا تزال طائفة فى هذه الامة على الحق منصورة كما قال النبى عليه الصلاة والسلام ، فهناك أنصار للحق فى أقطار كثيرة .

ولكن الحديث الآن عن نجد ، فكان فيها من الشر والفساد والشرك والخرافات ما لا يحصيه إلا الله عز وجل .

مع أن فيها علماء فيهم خير ، ولكن لم يقدر لهم أن ينشطوا فى الدعوة وأن يقوموا بها كما ينبغى ، وهناك أيضا فى اليمن وغير اليمن دعاة إلي الحق وأنصار قد عرفوا هذا الشرك وهذه الخرافات ، ولكن لم يقدر الله لدعوتهم من النجاح ما قدر لدعوة الشيخ محمد لأسباب كثيرة ، منها : عدم تيسر الناصر المساعد لهم . ومنها : عدم الصبر لكثير من الدعاة وتحمل الأذي في سبيل الله ، ومنها : قلة علوم بعض الدعاة التي يستطيع بها أن يوجه الناس بالاساليب المناسبة ، والعبارات اللائقة ، والحكمة والموعظة الحسنة . ومنها : أسباب أخري غير هذه الأسباب ، وبسبب هذه المكاتبات الكثيرة والرسائل والجهاد اشتهر أمر الشيخ ، وظهر أمر الدعوة ، واتصلت رسائلة بالعلماء في داخل الجزيرة ، وفي خارجها .

وتأثر بدعوته جمع غفير من الناس في الهند وفي أندونيسيا ، وفي أفغانستان ، وفي أفريقيا وفي المغرب ، وهكذا في مصر ، والشام ، والعراق ، وكان هناك دعاة كثيرون عندهم معرفة بالحق والدعوة إليه فلما بلغتهم دعوة الشيخ زاد نشاطهم ، وزادت قوتهم واشتهروا بالدعوة .

ولم تزل دعوة الشيخ تشتهر وتظهر بين العالم الإسلامي وغيره ، ثم في هذا العصر الأخير طبعت كتبه ، ورسائله ، وكتب أبنائه ، وأحفاده ، وأنصاره ، وأعوانه من علماء المسلمين في الجزيرة وخارجها . وكذلك طبعت الكتب المؤلفة في دعوته ، وترجمته ، وأحواله ، واحوال أنصاره ، حتي اشتهرت بين الناس في غالب الأقطار والأمصار ، ومن المعلوم أن لكل نعمة حاسداً وأن لكل داعي أعداء كثيرين

كما قال الله تعالي :

]وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلي بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون [

فلما اشتهر الشيخ بالدعوة وكتب الكتابات الكثيرة ، وألف المؤلفات القيمة ، ونشرها في الناس ، وكاتبه العلماء ، ظهر جماعة كثيرون من حساده ، ومن مخالفيه ، وظهر أيضاً أعداء آخرون . وصار أعداؤه وخصومه قسمين : قسم عادوه باسم العلم والدين  قسم : عادوه بأسم السياسية ولكن تستروا بالعلم ، وتستروا باسم الدين ، واستغلوا عداوة من عاداه من العلماء الذين أظهروا عدواته وقالوا إنه علي غير الحق ، وإنه كيت وكيت . والشيخ رحمه الله عليه مستمر في الدعوة يزيل الشبه ، ويوضح الدليل  ويرشد الناس إلي الحقائق علي ما هي عليه من كتاب الله وسنه رسوله عليه الصلاة والسلام ، وطوراً يقولون إنه من الخوارج ، وتاره يقولون : يخرق الإجماع ، ويدعي الاجتهاد المطلق ولا يبالي بمن قبله من العلماء والفقهاء وتارة يرمونه بأشياء أخري وما ذاك إلا من قلة العلم من طائفة منهم وطائفة أخري قلدت غيرها واعتمدت علي غيرها ، وطائفة أخري خافت علي مراكزها فعادته سياسة وتستر باسم الإسلام والدين واعتمدت علي أقوال المخرفين والمضللين .

والخصوم في الحقيقة ثلاثة أقسام

علماء مخرفون يرون الحق باطلاً والباطل حقاً ، ويعتقدون أن البناء علي القبور ، وأتخاذ المساجد عليها ، ودعاءها من دون الله والاستعاثة بها وما أشبه ذلك دين وهدي ، ويعتقدون أن من أنكر ذلك فقد أبغض الصالحين ، وأبغض الولياء ، وهو عدو يجب جهاده .

وقسم أخر : من المنسوبين للعلم جهلوا حقيقة هذا الرجل ، ولم يعرفوا عنه الحق الذي دعا إليه بل قلدوا غيرهم وصدقوا ما قيل من الخرافيين المضللين ، وظنوا أنهم علي هدي فيما نسبوه إليه من بغض الأولياء والأنبياء ، ومن معاداتهم ، وإنكار كراماتهم ، فذموا الشيخ ، وعابوا دعوته ونفروا عنه .

وقسم آخر : خافوا علي المناصب والمراتب فعادوه لئلا تمتد أيدي أنصار الدعوة الإسلامية إليهم فتنزلهم عن مراكزهم ، وتستولي علي بلادهم ، واستمرت الحرب الكلامية . والمجادلات والمساجلات بين الشيخ وخصومة ، يكاتبهم ويكاتبونه ، ويجادلهم ويرد عليهم ، ويردون عليه ، وهكذا جري بين أبنائه وأحفاده وأنصاره وبين خصوم الدعوة . حتى اجتمع من ذلك رسائل كثيرة ، وردود جمة ، وقد جمعت هذه الرسائل والفتاوى والردود فبلغت مجلدات ، وقد طبع أكثرها والحمد لله ، واستمر الشيخ في الدعوة والجهاد وساعده الأمير محمد بن سعود أمير الدرعية ، وجد الأسرة السعودية علي ذلك ، ورفعت راية الجهاد وبدأ الجهاد من عام 1158 هـ .

بدأ الجهاد بالسيف ، وبالكلام والبيان ، والحجة ، والبرهان ، ثم استمرت الدعوة مع الجهاد بالسيف ، ومعلوم أن الداعي إلي الله عز وجل إذا لم يكن لديه قوة تنصر الحق وتنفذه فسرعان ما تخبو دعوته وتنطفي شهرته ، ثم يقل أنصاره . ومعلوم ما للسلاح والقوة من الأثر العظيم في نشر الدعوة ، وقمع المعارضين ونصر الحق ، وقمع الباطل ، ولقد صدق الله العظيم في قوله عز وجل وهو الصادق

سبحانه في كل ما يقول :

]لقد أرسلنا رسلنا بالبينت وأنزلنا معهم الكتب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنفع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز [

فبين سبحانه وتعالي أنه أرسل الرسل بالبينات ، وهي الحجج والبراهين الساطعة التي يوضح الله بها الحق ، ويدفع بها الباطل ، وأنزل مع الرسل الكتاب الذي فيه البيان ، والهدي والإيضاح ، وأنزل معهم الميزان ، وهو العدل الذي ينصف به المظلوم من الظالم ، ويقام به الحق وينشر به الهدي ويعامل الناس علي ضوئه بالحق والقسط ، وأنزل الحديد فيه بأس شديد ، فيه قوة وردع وزجر لمن خالف الحق ، فالحديد لمن لم تنفع فيه الحجة وتؤثر فيه البينه ، فهو الملزم بالحق ، وهو القامع للباطل ، ولقد أحسن من قال في مثل هذا :

وما هو إلا الوحي أوحد مرهف      *            تزيل ظباه اخدعي كل مائل

فهذا دواء الداء من كل جاهل        *            وهذا دواء الداء من كل عادل

فالعاقل ذو الفطرة السلمية ، ينتفع بالبينة ، ويقبل الحق بدلية ، أما الظالم التابع لهواه فلا يردعه لا السيف ، فجد الشيخ رحمه الله في الدعوة والجهاد ، وساعده أنصاره من آل سعود ، طيب الله ثراهم علي ذلك ، واستمروا في الجهاد والدعوة من عام 1158 هـ إلي أن توفي الشيخ في عام 1206 هـ فاستمر الجهاد والدعوة قريباً من خمسين عاماً . جهاد ، ودعوة ، ونضال ، وجدال في الحق ، وايضاح لما قاله الله ورسوله ، ودعوة إلي دين الله ، وإرشاد إلي ما شرعه رسول الله عليه الصلاة والسلام .

حتى التزم الناس بالطاعة ، ودخلوا في دين الله ، وهدموا ما عندهم من القباب ، وأزالوا ما لديهم من المساجد المبينة علي القبور ، وحكموا الشريعة ، ودانوا بها ، وتركوا ما كانوا عليه من تحكيم سوالف الآباء والأجداد ، وقوانينهم ، ورجعوا إلي الحق .

وعمرت المساجد بالصلوات ، وحلقات العلم ، وأديت الزكوات ، وصام الناس رمضان ، كما شرع الله عز وجل ، وأمر بالمعروف ، ونهي عن المنكر ، وساد الأمن في المصار ، والقري ، والطرق ، والبوادي ، ووقف البادية عند حدهم ، ودخلوا في دين الله وقبلوا الحق ، ونشر الشيخ فيهم الدعوة .

وأرسل الشيخ إليهم المرشدين ، والدعاة في الصحراء والبوادي ، كما أرسل المعلمين  والمرشدين ، والقضاة إلي البلدان والقري ، وعم هذا الخير العظيم والهدي المستبين نجداً كلها وانتشر فيها الحق ، وظهر فيها دين الله عز وجل .

ثم بعد وفاة الشيخ رحمه الله عليه استمر أبناؤه ، وأحفاده ، وتلاميذه ، وأنصاره في الدعوة والجهاد ، وعلي رأس أبنائه الشيخ الإمام عبد الله بن محمد ، والشيخ حسين بن محمد ، والشيخ إبراهيم بن محمد ، ومن أحفاده الشيخ عبد الحمن بن حسن ، والشيخ علي بن حسين ، والشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد وجماعة آخرون ومن تلاميذه أيضاً الشيخ حمد بن ناصر بن معمر ، وجمع غفير من علماء الدرعية ، وغيرهم استمروا في الدعوة والجهاد ونشروا دين الله تعالي وكتابه الرسائل وتأليفات المؤلفات ، وجهاد أعداء الدين ، وليس بين هؤلاء الدعاة وخصومهم شي إلا أن هؤلاء دعوا إلي توحيد الله وإخلاص العبادة لله عز وجل ، والاستقامة علي ذلك ، وهدم المساجد والقباب التي علي القبور ، ودعوا إلي تحكيم الشريعة والاستقامة عليها ودعوا إلي المر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وإقامة الحدود الشرعية . هذه أسباب النزاع بينهم وبين الناس .

والخلاصة : أنهم أرشدوا الناس إلي توحيد الله ، وأمروهم بذلك وحذروا الناس من الشرك بالله ومن وسائلة وذرائعه ، وألزموا الناس بالشريعة الإسلامية ، ومن أبي وأستمر علي الشرك بعد الدعوة والبيان ، والإيضاح والحجة ، جاهدوه في الله عز وجل وقصدوه في بلاده حتى يخضع هو وأهل بلده إلي ذلك . وكذلك حذروا الناس من البدع والخرافات ، التي ما أنزل الله بها من سلطان ، كالبناء علي القبور ، واتخاذ القباب عليها والتحاكم إلي الطواغيت ، وسؤال السحرة والكهنة ، وتصديقهم وغير ذلك . فأزال الله ذلك علي يدي الشيخ وأنصاره رحمة الله  عليهم جميعاً .

وعمرت المساجد بتدريس الكتاب العظيم والسنة المطهرة ، والتاريخ الإسلامي ، والعلوم العربية النافعة ، وصار الناس في مذاكرة ، وعلم ، وهدى ، ودعوة ، وإرشاد وآخرون منهم فيما يتعلق بدنياهم من الزراعة والصناعة وغير ذلك ، علم وعمل ، ودعوة وإرشاد ، ودنيا ودين فهو يتعلم ويذاكر ، ومع ذلك يعمل في حقله الزراعي ، أو في صناعته أو تجارته وغير ذلك . فتارة لدينه ، وتارة لدنياه دعاة إلي الله وموجهون إلي سبيله ومع ذلك يشتغلون بأنواع الصناعة الرائجة في بلادهم  ويحصلون من ذلك علي ما يغنيهم عم خارج بلادهم ، وبعد فراغ الدعاة وآل سعود من نجد امتدت دعوتهم إلي الحرمين ، وجنوب الجزيرة ، وكاتبوا علماء الحرمين سابقاً ولا حقاً فلما لم تجد الدعوة واستمر أهل الحرمين علي ما هو عليه من تعظيم القباب ، واتخاذها علي القبور ، ووجود الشرك عندها ، والسؤال لأربابها ، سار الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بعد وفاة الشيخ بأحدي عشرة سنة توجه إلي الحجاز ، ونازل أهل الطائف ثم قصد أهل مكة وكان أهل الطائف قد توجه إليهم قبل سعود بن عبد العزيز بن محمد بعد وفاة الشيخ بأحدي عشرة سنة توجه إلي الحجاز  ونازل أهل الطائف ثم قصد أهل مكة وكان أهل الطائف قد توجه إليهم قبل سعود المير عثمان بن عبد الرحمن المضايفي ، ونازلهم بقوة أرسلها إليها الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد أمير الدرعية بقوة عظيمة من أهل نجد وغيرهم ، ساعدوه حتي استولي علي الطائف ، وأخرج منها أمراء الشريف ، وأظهر فيه الدعوة إلي الله ، وأرشد إلي الحق ، ونهي فيها عن الشرك ، وعبادة أبن    عباس ، وغيره مما كان يعبده هناك الجهال ، والسفهاء من أهل الطائف ، ثم توجه الأمير سعود عن أمر أبيه عبد العزيز إلي جهة الحجاز ، وجمعت الجيوش حول مكة .

فلما عرف شريفها أنه لابد من التسليم أو الفرار فر إلي جدة . ودخل سعود ومن معه من المسلمين البلاد من غير قتال واستولوا علي مكة في فجر 1 من شهر محرم من عام 1218 هـ وأظهروا فيها الدعوة إلي دين الله ، وهدموا ما فيها من القباب التي بنيت علي قبر خديجة وغيره ، فأزالوا القباب كلها ، وأظهروا فيها الدعوة إلي توحيد الله عز وجل ، وعينوا فيها العلماء والمدرسين ، والموجهين والمرشدين ، والقضاه الحاكمين بالشريعة .

ثم بعد مدة وجيزة فتحت المدينة ، واستولي آل سعود علي المدينة في عام 1220 هـ بعد مكة بنحو سنتين ، واستمر الحرمان في ولاية آل سعود ، وعينوا فيها الموجهين والمرشدين ، وأظهروا في البلاد العدل وتحكيم الشريعة ، والإحسان إلي أهلها ولا سيما فقرائهم ومحاويجهم فأحسنوا إليهم بالأموال ، وواسواهم ، وعلموهم كتاب الله ، وأرشدوهم إلي الخير ، وعظموا العلماء ، وشجعوهم علي التعليم ، والإرشاد ولم يزل الحرمان الشريفان تحت ولاية آل سعود إلي عام 1226 هـ ثم بدأت الجيوش المصرية والتركية تتوجه إلي الحجاز لقتال آل سعود وإخراجهم من الحرمين ، لأسباب كثيرة تقدم بعضها ، وهذه الأسباب كما تقدم هي أن أعداءهم ، وحسادهم ، والمخرفين الذين ليس لهم بصيرة ، وبعض السياسيين الذين أرادوا إخماد هذه الدعوة وخافوا منها أن تزيل مراكزهم ، وأن تقضي علي أطماعهم ، كذبوا علي الشيخ ، وأتباعه ، وأنصاره ، وقالوا إنهم يبغضون الرسول علية الصلاة والسلام ، وإنهم أيضاً يقولون كيت وكيت مما يزعمون أنهم ينتقصون به الرسل عليهم الصلاة والسلام  وصدق هذا بعض الجهال ، وبعض المغرضين ، وجعلوه سلماً للنيل منهم والقتال لهم  وتشجيع التراك والمصريين علي حربهم ، فجري ما جري من الفتن والقتال .

وصار القتال بين الجنود المصرية والتركية ومن معهم وبين آل سعود في نجد  والحجاز ، سجالاً مدة طويلة من عام 1226 هـ إلي عام 1233 هـ سبع سنين كلها قتال ونضال بين قوى الحق وقوى الباطل .

والخلاصة : أن هذا الإمام الذي هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه إنما قام لإظهار دين الله ، وإرشاد الناس إلي توحيد الله ، وإنكار ما أدخل الناس بالحق ، وزجرهم  عن الباطل ، وأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر .

هذه خلاصة دعوته رحمة الله تعالي عليه ، وهو في العقيدة علي طريقة السلف الصالح يؤمن بالله وبأسمائه ، وصفاته ، ويؤمن بملائكته ، ورسله وكتبه ، وباليوم الآخر ، ولاقدر خيره وشره ، وهو علي طريقة أئمة الإسلام في توحيد الله ، وإخلاص العبادة له جل وعلا . وفي الإيمان بأسماء الله وصفاته علي الوجه اللائق بالله سبحانه ، لا يعطل صفات الله ، ولا يشبه الله بخلقه . وفي الأيمان بالبعث ، والنشور ، والجزاء والحساب ، والجنة والنار ، وغير ذلك . ويقول في الأيمان ما قاله السلف إنه قول وعمل يزيد وينقص . يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية ، كل هذا من عقيدته رحمة الله ، فهو علي طريقتهم وعلي عقيدتهم قولاً وعملاً ، لم يخرج عن طريقتهم البتة ، وليس له هو علي طريق السلف الصالح من الصحابة وأتباعهم بإحسان . رضي الله عن الجميع .

وإنما أظهر ذلك في نجد ، وما حولها ودعا إلي ذلك ثم جاهد عليه من أباه ، وعانده ، وقاتلهم ، حتى ظهر دين الله وانتصر الحق ، وكذلك هو علي ما عليه المسلمون من الدعوة إلي الله ، وإنكار الباطل ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ولكن الشيخ وأنصاره يدعون الناس إلي الحق ، ويلزمونهم به ، وينهونهم عن الباطل ،وينكرونه عليهم ، ويزجرونهم عنه حتى يتركوه . وكذلك جد في إنكار البدع والخرافات حتى يتركوه . وكذلك جد في إنكار البدع والخرافات حتى أزالها الله سبحانه بسبب دعوته .

فالأسباب الثلاثة المتقدمة آنفاً هي أسباب العداوة والنزاع بينة وبين الناس . وهي :

أولا ً : إنكار الشرك والدعوة إلي التوحيد الخالص .

ثانياً : إنكار البدع ، والخرافات ، كالبناء علي القبور واتخاذها مساجد ونحو ذلك كالموالد والطرق التي أحدثتها طوائف المتصوفة .

ثالثاً : أنه يأمر الناس بالمعروف الذي أوجبة الله عليه ، ألزم به وعزر عليه إذا تركه وينهي الناس عن المنكرات ، ويزجرهم عنها ، ويقيم حدودها ، ويلزم الناس بالحق ، ويزجرهم عن الباطل ، وأنقمع ، وصار الناس في سيرة حسنة ، ومنهج قويم في أسواقهم ، وفي مساجدهم ، في سائر أحوالهم . لا تعرف البدع بينهم ولا يوجد في بلادهم الشرك ، ولا تظهر المنكرات بينهم . بل من شاهد بلادهم وشاهد أحوالهم وما هم عليه ذكر حال السلف الصالح وما كانوا عليه زمن النبي عليه الصلاة والسلام ، وزمن أصحابه ، وزمن أتباعه بإحسان في القرون المفضلة رحمة الله عليهم .

فالقوم ساروا سيرتهم ، ونهجوا منهجهم ، وصبروا علي ذلك ، وجدوا فيه ، وجاهدوا عليه ، فلما حصل بعض التغيير في آخر الزمان بعد وفاة الشيخ محمد بمدة طويلة ووفاة كثير من أبنائه رحمة الله عليهم وكثير من أنصاره حصل بعض التغيير جاء الابتلاء وجاء الإمتحان بالدولة التركية ، والدولة المصرية ، مصداق

قوله عز وجل :

] إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم [

نسأل الله عز وجل أن يجعل ما أصابهم تكفيرا وتمحيصاً من الذنوب ، رفعة وشهادة لمن قتل منهم رضي الله عنهم ورحمهم .

ولم تزل دعوتهم بحمد الله قائمة منتشرة إلي يومنا هذا فإن الجنود المصرية لما عثت في نجد ، وقتلت من قتلت ، وخرجت ما خربت ، لم يمض علي ذلك إلا سنوات قليلة ثم قامت الدعوة بعد ذلك وانتشرت ، ونهض بالدعوة بعد ذلك بنحو خمس سنين الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود رحمة الله عليه فنشر الدعوة في نجد وما حولها ، وأنتشر العلماء في نجد وأخرج من كان هناك من الأتراك والمصريين أخرجهم من نجد وقراها ، وبلدانها وانتشرت الدعوة بعد ذلك في نجد في عام 1240 هـ وكان تخريب الدرعية والقضاء علي دولة آل سعود في عام 1233 هـ . فمكث الناس في نجد في فوضي ، وقتال وفتن  بنحو خمس سنين من أربع وثلاثين إلي عام 1239 هـ ثم في عام أربعين بعد المائتين وألف اجتمع شمل المسلمين في نجد في فوضي ، وقتال وفتن بنحو خمس سنين من أربع بعد المائتين وألف اجتمع شمل المسلمين في نجد علي الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود ، وظهر الحق وكتب العلماء الرسائل إلي القرى والبلدان ، وشجعوا الناس ودعوهم إلي دين الله وانطفأت الفتن التي بينهم بعد الحروب الطويلة التي حصلت علي أيدي المصريين ، وأعوانهم ، وهكذا انطفأت الحروب والفتن التي وقعت بينهم علي أثر تلك الحروب ، وخمدت نارها ، وظهر دين الله  واشتغل الناس بعد ذلك بالتعليم ، والإرشاد ، والدعوة ، والتوجيه ، حتى عادت المياه إلي مجاريها . وعاد الناس إلي أحوالهم ، وما كانوا عليه في عهد الشيخ ، وعهد تلامذته ، وأبنائه ، وأنصاره ، رضي الله عن الجميع ورحمهم ، واستمرت الدعوة من عام 1240 هـ إلي يومنا هذا بحمد الله ، ولم يزل يخلف آل سعود بعضهم بعضا ، وآل الشيخ وعلماء نجد بعضهم بعضا فآل سعود يخلف بعضهم بعضا في الإمامة والدعوة إلي الله والجهاد في سبيل الله .

وهكذا العلماء يخلف بعضهم بعضا في الدعوة إلي الله والإرشاد إليه ، والتوجيه إلي الحق .

إلا أن الحرمين بقيا مفصولين عن الدولة السعودية دهراً طويلاً ثم عادا إليهم في عام 1343 هـ واستولي علي الحرمين الشريفين الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود رحمه الله عليه ولم يزالا بحمد الله تحت ولاية هذه الدولة إلي يومنا هذا . فلله الحمد ونسأل الله عز وجل أن يصلح البقية الباقية من آل سعود ، ومن آل الشيخ ، ومن علماء المسلمين جميعاً في هذه البلاد ، وغيرها وأن يوفقهم جميعاً لما يرضيه وأن يصلح علماء المسلمين أينما كانوا وأن ينصر بالجميع الحق ، ويخذل بهم الباطل  وأن يوفق دعاة الهدي أينما كانوا للقيام بما أوجب الله عليهم ، وأن يهدينا وإياهم صراطه المستقيم ، وأن يعمر الحرمين الشريفين ، وملحقاتهما ، وسائر بلاد المسلمين بالهدي ، ودين الحق ، وبتعظيم كتاب الله ، وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ، وأن يمن علي الجميع بالفقة فيهما ، والتمسك بهما ، والصبر علي ذلك ، والثبات عليه  والتحاكم إليهما ، حتي يلقوا ربهم عز وجل . إنه علي كل شئ قدير وبالإجابة جدير .

وهذا آخر ما تيسر ببيانه ، والتعريف به ، من حال الشيخ ، ودعوته وأنصاره ، وخصومه والله المستعان ، وعليه الاتكال ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم  وصلي الله وسلم وبارك علي عبده ورسوله ، نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله ، وعل آله ، وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدي بهداه ، والحمد لله رب العالمين .

 

 

أسئلة كتابية وجهت لي من أحد المشايخ من خارج المملكة فأجبت عليها قائلا :

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ \ المكرم وفقه الله للعلم النافع والعمل به آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

أما بعد فقد وصلني كتابكم المؤرخ 2 \ 3 \ 1394 وصلكم الله بحبل الهدى والتوفيق، وما تضمنه من الأسئلة الثلاثة عن الوهابية فهمته، وإليكم جوابها:

 

س1: قولكم ما هي الوهابية وهل هي مذهب خامس أم تتبع بعض المذاهب الأربعة (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 375)


والجواب: هذه الكلمة يطلقها الكثير من الناس على دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي الحنبلي رحمه الله، ويسمونه وأتباعه الوهابيين، وقد علم كل من له أدنى بصيرة بحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ودعوته أنه قام بنشر دعوة التوحيد الخالص، والتحذير من الشرك بسائر أنواعه كالتعلق بالأموات وغيرهم كالأشجار والأحجار ونحو ذلك، وهو رحمه الله في العقيدة على مذهب السلف الصالح، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله كما تدل على ذلك كتبه وفتاواه وكتب أتباعه من أبنائه وأحفاده وغيرهم، وقد طبعت كلها وانتشرت بين الناس، وقد قام الإمام محمد رحمه الله في وقت استحكمت فيه غربة الإسلام، وخيم على الجزيرة العربية وغيرها إلا ما شاء الله سحب الجهالة، وانتشرت بها عبادة الأنداد والأوثان فما كان من أمر الشيخ رحمه الله إلا أن شمر عن ساعد الجد، وناضل وكافح، وكرس جهوده في القضاء على طرق الغواية مستعملا في ذلك شتى الوسائل الموصلة إلى  
نشر التوحيد النقي من الخرافات بين الناس، وكان من نعم الله سبحانه أن وفق الله الإمام محمد بن سعود أمير الدرعية في ذلك الوقت لقبول هذه الدعوة فقام معه في هذا السبيل هو وأولاده ومن تحت إمرته ومن تابعه في هذا الخير جزاهم الله كل خير وغفر لهم ووفق ذريتهم جميعا لكل ما فيه رضاه وصلاح عباده، وما زالت أصقاع الجزيرة العربية تعيش في ظل هذه الدعوة الخيرة إلى يومنا هذا، وكانت دعوته رحمه الله وفق كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وليست الوهابية مذهبا خامسا كما يزعمه الجاهلون والمغرضون، وإنما هي دعوة إلى العقيدة السلفية وتجديد لما درس من معالم الإسلام والتوحيد في الجزيرة العربية كما سلف.


س 2: هل الوهابيون ينكرون شفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ (الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 376)

والجواب: لا يخفى على كل عاقل درس سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه أنهم براء من هذا القول ؛ لأن الإمام رحمه الله قد أثبت في مؤلفاته لا سيما في كتاب التوحيد وكشف الشبهات شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته يوم القيامة، ومن هنا يعلم أن الشيخ رحمة الله عليه وأتباعه لا ينكرون شفاعته عليه الصلاة والسلام وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين والأفراط بل يثبتونها كما أثبتها الله ورسوله، ودرج على ذلك سلفنا الصالح عملا بالأدلة من الكتاب والسنة.

وبهذا يتضح لكم أن ما نقل عن الشيخ وأتباعه من إنكار شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم من أبطل الباطل، ومن الصد عن سبيل الله والكذب على الدعاة إليه، وإنما أنكر الشيخ رحمه الله وأتباعه طلبها من الأموات ونحوهم ولكنها لا تكون إلا بعد إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع فيه كما قال عز وجل:  مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ  وقال سبحانه:  وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى  وقال سبحانه في شأن الملائكة:  وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد، أما المشركون فلا نصيب لهم في الشفاعة كما قال سبحانه:  فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ  وقال عز وجل:  مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ  فنسأل الله لنا ولكم التوفيق لما يرضيه، والعافية والسلامة من كل ما يغضبه.. والله الموفق.

 

 

الأقسام الرئيسية:

المشائخ والعلماء: