صلاة الكسوف ... متى تُشرع ؟ وما أحكامها ؟

 
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفاسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاد له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين.

صلاة الكسوف وأحكامها

سئل شيخ الاسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:

 عن قول أهل التقاويم في أن الرابع عشر من هذا الشهر يخسف القمر وفى التاسع والعشرين تكسف الشمس فهل يصدقون فى ذلك وإذا خسفا هل يصلي لهما أم يسبح واذا صلى كيف صفة الصلاة ويذكر لنا أقوال العلماء فى ذلك ؟؟

 فأجاب الحمد لله الخسوف والكسوف لهما أوقات مقدرة كما لطلوع الهلال وقت مقدر وذلك ما أجرى الله عادته بالليل والنهار والشتاء والصيف وسائر ما يتبع جريان الشمس والقمر وذلك من آيات الله تعالى كما قال تعالى وهو الذى خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل فى فلك يسبحون وقال تعالى هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك الا بالحق ......

وكما أن العادة التي أجراها الله تعالى أن الهلال لا يستهل إلا ليلة ثلاثين من الشهر أو ليلة إحدى وثلاثين وأن الشهر لا يكون إلا ثلاثين أو تسعة وعشرين؛ فمن ظن أن الشهر يكون أكثر من ذلك أو أقل فهو غالط.

 فكذلك أجرى الله العادة أن الشمس لا تكسف إلا وقت اللإستسرار وأن القمر لا يخسف إلا وقت الإبدار ووقت، إبداره هي الليالي البيض التي يستحب صيام أيامها ليلة الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، فالقمر لا يخسف إلا فى هذه الليالي، والهلال يستسر أخر الشهر إما ليلة وإما ليلتين، كما يستسر ليلة تسع وعشرين وثلاثين، والشمس لا تكسف إلا وقت استسراره، وللشمس والقمر ليالي معتادة من عرفها عرف الكسوف والخسوف كما أن من علم كم مضى من الشهر؛ يعلم أن الهلال يطلع في الليلة الفلانية أو التي قبلها، لكن العِلْم بالعادة في الهلال عِلمٌ عام يشترك فيه جميع الناس، وأما العلم بالعادة في الكسوف والخسوف فإنما يعرفه من يعرف حساب جريانهما، وليس خبر الحاسب بذلك؛ من باب علم الغيب، ولا من باب ما يخبر به من الأحكام التي يكون كذبه فيها أعظم من صدقه فإن ذلك قول بلا علم ثابت، وبناء على غير أصل صحيح، وفى سنن أبى داود عن النبي أنه قال: (من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد). وأما تصديق المخبر بذلك وتكذيبه؛ فلا يجوز أن يُصدق إلا أن يُعلم صِدقه، ولا يُكذب إلا أن يُعلم كذبه، كما قال النبى: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما إن يحدثوكم بحق فتكذبوهم وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوهم).

 والعلم بوقت الكسوف والخسوف وإن كان ممكنا؛ لكن هذا المخبر المعين قد يكون عالما بذلك وقد لا يكون، وقد يكون ثقة في خبره وقد لا يكون، وخبر المجهول الذي لا يوثق بعلمه وصدقه ولا يعرف كذبه؛ موقوف.

وإذا جوز الإنسان صدق المخبر بذلك أو غلب على ظنه فنوى أن يصلي الكسوف والخسوف عند ذلك واستعد ذلك الوقت لرؤية ذلك؛ كان هذا حثاً من باب المسارعة إلى طاعة الله تعالى وعبادته؛ فان الصلاة عند الكسوف متفق عليها بين المسلمين وقد تواترت بها السنن عن النبي ورواها أهل الصحيح والسنن والمسانيد من وجوه كثيرة واستفاض عنه أنه صلى بالمسلمين صلاة الكسوف يوم مات ابنه إبراهيم ....". اهـ باحتصار. "مجموع الفتاوى" (24/254ـ260).

 

نشرع الآن في البحث عن صلاة الكسوف وأحكامها

معنى الكسوف والخسوف:

الكسوف: هو ذهاب ضوء الشمس أو بعضه في النهار لحيلولة ظلمة القمر بين الشمس والأرض.

والخسوف: هو ذهاب ضوء القمر أو بعضه ليلاً لحيلولة ظل الأرض بين الشمس والقمر.

أولاً: يقال كسفت وخسفت للشمس وللقمر.

قال البخاري في "صحيحه": (بَاب هل يقول كَسَفَتْ الشَّمْسُ أو خَسَفَتْ، وقال الله تَعَالَى: ]وَخَسَفَ الْقَمَرُ[).

عن عُرْوَةُ عَائِشَةَ زَوْجَ النبي e رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَم أَخْبَرَتْهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e صلى يوم خَسَفَتْ الشَّمْسُ ..). خ. (1000، 3031)، م. (901).

وحديث أَبِي مُوسَى t قَالَ: (خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبيّ r فَزِعًا) . خ. (1010)، م. (912).

وحديث أبي بَكْرَةَ t قال: (خَسَفَتْ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسول اللَّهِ e ...). خ. (1014). وعشرات الأحاديث جاءت بلفظ خسفت الشمس.

وجاء الجمع بين الشمس والقمر في لفظ واحد: "لا يخسفان" في عدة أحاديث في الصحيحين وغيرهما.

عن النبي e قال: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ).

انظر: خ. (995، 999، 1000، 1004، 1009، 1014، 3028، 3030، 4901)، م. (901، 904، 914).

كما جاء اللفظ بـ "انكسفت الشمس" أيضاً في عدة أحاديث.

منها: عن عَطَاءً يقول سمعت عُبَيْدَ بن عُمَيْرٍ يقول حدثني من أُصَدِّقُ حَسِبْتُهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ: (أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ على عَهْدِ رسول اللَّهِ e). م. (901).

وحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: (لَمَّا كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r ...). خ. (997)، م. (910).

وحديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ t قَالَ : (بَيْنَمَا أَنَا أَرْمِي بِأَسْهُمِي فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ r إِذْ انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ ...). م. (913).

وحديث جَابِرٍ t قَالَ: (انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ r ...). م. (904).

وانظر حديث أبي بكرة الآتي عند [خ. 993، 1013].

وجاء الجمع بين الشمس والقمر في لفظ واحد: "لا ينكسفان" في عدة أحاديث في الصحيحين وغيرهما.

قال رسول اللَّهِ e: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ من آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ).

انظر: خ. (993، 994، 996، 1001، 1008، 1011)، م. (904، 907، 911، 915).

ثانياً: مشروعية الصلاة لها.

عن بن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ كان يُخْبِرُ عن النبي e (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ ... فإذا رأيتموهما فَصَلُّوا). خ. (995)، م. (914).

وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ t قَالَ : (كنا عِنْدَ رسول اللَّهِ e فَانْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النبي e يَجُرُّ رِدَاءَهُ حتى دخل الْمَسْجِدَ فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا ... ). خ. (993، 1013).

ثالثاً: العبر في صلاة الكسوف بـ "الرؤية .. لا بالحساب".

عن بن عُمَرَ رضي الله عنهما عن النبي e أَنَّهُ قال: (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ). خ. (1814)، م. (1080).

وعن بن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ كان يُخْبِرُ عن النبي e (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ ... فإذا رأيتموهما فَصَلُّوا). خ. (995)، م. (914).

فعلق النبي الصلاة للكسوف أو الخسوف بالرؤية بقوله: (فإذا رأيتموهما فَصَلُّوا) أي: إذا رأيتم أحدهما كسف؛ ففزعوا إلى الصلاة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (24/258): " ولو أخبر مخبر بوقت الصلاة وهو مجهول لم يقبل خبره، لكن إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك؛ فلا يكادون يخطئون، ومع هذا فلا يترتب على خبرهم علم شرعي فإن صلاة الكسوف والخسوف لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك". اهـ.

وقال إمام أهل السّنة في عصره الشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ: ".. لا يشرع لأهل بلد لم يقع عندهم الكسوف أن يصلوا، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم علق الأمر بالصلاة وما ذكر معها برؤية الكسوف لا بالخبر من أهل الحساب بأنه سيقع، ولا بوقوعه في بلد آخر، وقد قال الله تعالى (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا )...ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم هو أعلم الناس وأنصح الناس ، وأنه هو المبلغ عن الله أحكامه . فلو كانت صلاة الكسوف تشرع بأخبار الحسابين ، أو بوقوع الكسوف في مناطق أو أقاليم لا يشاهدها إلا أهلها ، لبين ذلك وأرشد الأمة إليه . فلما لم يبين ذلك ، بل بين خلافه ، وأرشد الأمة إلى أن يعتمدوا على الرؤية للكسوف ، علم بذلك أن الصلاة لا تشرع إلا لمن شاهد الكسوف أو وقع في بلده والله ولي التوفيق ". " مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (13/31ـ32).

رابعاً: عدد ركعاتها.

عَنْ أَبِي بَكْرَةَ t قَالَ : (كنا عِنْدَ رسول اللَّهِ e فَانْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النبي e يَجُرُّ رِدَاءَهُ حتى دخل الْمَسْجِدَ فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ). خ. (993، 1013).

وحديث أَبِي بَكْرَةَ t يفسره حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: (... وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) . م. (901).

خامساًً: القراءة فيها جهرية وسواء كانت الصلاة في الليل أو في النهار.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: (جَهَرَ النَّبيُّ r فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ). خ. (1016)، م. (901).

سادساً: كيفيتها.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: (... فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ). خ. (1016)، م. (901).

وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: (أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .... فَاجْتَمَعُوا وَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) . م. (901).

سابعاً: إطالة الصلاة فيها.

عَنْ أَبِي مُوسَى t قَالَ: (خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبيّ r فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ) . خ. (1010)، م. (912).

"والكسوف يطول زمانه تارة ويقصر أخرى بحسب ما يكسف منها فقد تكسف كلها وقد يكسف نصفها أو ثلثها، فإذا عظم الكسوف طَوّل الصلاة حتى يقرأ بالبقرة ونحوها في أول ركعة وبعد الركوع الثاني يقرأ بدون ذلك". "مجموع الفتاوى" لابن تيمية. (24/260).

ثامناً: الركعة الأولى أطول مِن الثانية.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: (عَائِشَةَ زَوْجِ النبي e قالت: (... رَكِبَ رسول اللَّهِ e ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَخَسَفَتْ الشَّمْسُ فَرَجَعَ ضُحًى فَمَرَّ رسول اللَّهِ e بين ظَهْرَانَيْ الْحُجَرِ ثُمَّ قام يُصَلِّي وَقَامَ الناس وَرَاءَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وهو دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وهو دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ قام فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وهو دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وهو دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قام قِيَامًا طَوِيلًا وهو دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وهو دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ وَانْصَرَفَ " . خ. (1002، 1007)، م. (903).

تاسعاً: النداء لها "الصلاة جامعة" بلا أذان ولا إقامة.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: (لَمَّا كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r نُودِيَ "إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ"). خ. (997)، م. (910).

وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: (أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ مُنَادِيًا "الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ" فَاجْتَمَعُوا ...) . م. (901).

عاشراً: صلاة الكسوف جماعة في المسجد.

عَنْ أَبِي بَكْرَةَ t قَالَ : ( ... انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النبي e يَجُرُّ رِدَاءَهُ حتى دخل الْمَسْجِدَ فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا ...). خ. (993، 1013).

وعن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ r قَالَتْ: (خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ r فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ ...). خ. (999).

وقال الإمام البخاري في "صحيحه": (بَاب صَلَاةِ الْكُسُوفِ جَمَاعَةً وَصَلَّى بن عَبَّاسٍ لهم في صُفَّةِ زَمْزَمَ وَجَمَعَ عَلِيُّ بن عبد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ وَصَلَّى بن عُمَرَ).

ولا مانع مِن أن يصلِّيها الناس في بيوتهم فرادى، وإن كان الأولى أن تكون في المسجد وجماعة، وهذا لا يتعارض مع الندب لأداء النوافل في البيت، فإن هذه الصلاة مما تشرع فيه الجماعة، فصار أداؤها في المسجد خير من أدائها في البيت.

قال شيخ الإسلام – رحمه الله: "وأما قوله r –: (أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ في بَيْتِهِ إلا الْمَكْتُوبَةَ) فالمراد بذلك ما لم تشرع له الجماعة، وأمَّا ما شُرعت له الجماعة كصلاة الكسوف فَفِعْلُها في المسجد أفضل بسنَّة رسول الله r المتواترة واتفاق العلماء" . "منهاج السنَّة النَّبوية" (8/309).

حادي عشر: رفع اليدين في الدعاء.

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ t قَالَ : (بَيْنَمَا أَنَا أَرْمِي بِأَسْهُمِي فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ r إِذْ انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فَنَبَذْتُهُنَّ وَقُلْتُ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا يَحْدُثُ لِرَسُولِ اللَّهِ r فِي انْكِسَافِ الشَّمْسِ الْيَوْمَ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو وَيُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ حَتَّى جُلِّيَ عَنْ الشَّمْسِ ...). م. (913).

ثاني عشر: مشروعية الخطبة بعد الصلاة.

يُشرع للإمام بعد الصلاة أن يخطب بالنَّاس خطبة واحدة، وهو مذهب الشافعي، يذكِّرهم باليوم الآخر، ويرهِّبهم مِن الحشر والقيامة، ويُعلِّمهم بحالهم في القبور وسؤال الملكين، وكلُّ هذا مِن هديه r، وهذه نماذج مِن خُطَبِه r :

عن فَاطِمَةَ بنت المنذر عَنْ أَسْمَاءَ رضي الله عنها قَالَتْ أَتَيْتُ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ [حين خَسَفَتْ الشَّمْسُ فإذا الناس قِيَامٌ يُصَلُّونَ وإذا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي] وَهِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ. فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ ! قُلْتُ آيَةٌ ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا؛ أَيْ نَعَمْ. فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيُّ r وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: (مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ [قال الراوي عن أسماء وهي فاطمة بنت المنذر]:– لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ – مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوْ الْمُوقِنُ [قال الراوي عن أسماء]:– لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ – فَيَقُولُ هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثًا، فَيُقَالُ نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوْ الْمُرْتَابُ [قال الراوي عن أسماء]:– لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاء –ُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ). خ. (86، 182)، م. (905).

وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ r صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ …. ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ : (قَدْ دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ حَتَّى لَوْ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ ! وَأَنَا مَعَهُمْ ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ، قُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذِهِ ؟ قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا لَا أَطْعَمَتْهَا وَلَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِن خَشَاشِ الْأَرْضِ) . خ (712).

وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: (خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ r بِالنَّاسِ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ... ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" . خ.  (997)، م. (901).

وعَنْ جَابِرٍ t قَالَ: انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ r، فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ. فَقَامَ النَّبِيُّ r فَصَلَّى بِالنَّاسِ .... ثُمَّ تَأَخَّرَ وَتَأَخَّرَتْ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ t حَتَّى انْتَهَى إِلَى النِّسَاءِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ فَانْصَرَفَ حِينَ انْصَرَفَ وَقَدْ آضَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِمَوْتِ بَشَرٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ) . م. (904).

هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين،،،،،،

جمعه: أبو فريحان جمال بن فريحان الحارثي

13/2/1429هـ.

 

 

 

 

 

الأقسام الرئيسية:

المشائخ والعلماء: