فتاوى حول البدع للعلامة ابن عثيمين

فتاوى حول البدع للعلامة ابن عثيمين من مجموع فتاواه من موقعه على الشبكة 

www.binothaimeen.com 

 

(345) سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: عن البدعة؟ . . . . . . . . . .

فأجاب قائلاً : البدعة قال فيها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". وإذا كان كذلك فإن البدع سواء كانت ابتدائية أم استمرارية يأثم من تلبس بها لأنها كما قال الرسول، عليه الصلاة والسلام : "في النار"؛ أعني أن الضلالة هذه تكون سبباً للتعذيب في النار ، وإذا كان الرسول ، عيه الصلاة والسلام حذر أمته من البدع فمقتضى ذلك أنها مفسدة محضة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ، عمم ولم يخص قال: "كل بدعة ضلالة" . ثم إن البدع في الحقيقة هي انتقاد غير مباشر للشريعة الإسلامية ؛ لأن معناها أو مقتضاها أن الشريعة لم تتم،وأن هذا المبتدع أتمها بما أحدث من العبادة التي يتقرب بها إلى الله كما زعم. فعليه نقول: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، والواجب الحذر من البدع كلها وألا يتعبد الإنسان إلا بما شرعه الله ورسوله ، صلى الله عليه وسلم ، ليكون إمامه حقيقة لأن من سلك سبيل بدعة فقد جعل المبتدع إماماً له في هذه البدعة دون رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، . (346) وسئل : عن معنى البدعة وعن ضابطها؟ وهل هناك بدعة حسنة ؟ وما معنى قول النبي ، صلى الله عليه وسلم : "من سن في الإسلام سنة حسنة؟ فأجاب بقوله : البدعة شرعاً ضابطها" التعبد لله بما لم يشرعه الله" ، وإن شئت فقل : "التعبد لله – تعالى بما ليس عليه النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ولا خلفاؤه الراشدون" فالتعريف الأول مأخوذ من قوله- تعالى-: ]أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله[ (1) . والتعريف الثاني مأخوذ من قول النبي ، صلى الله عليه وسلم ، : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور" فكل من تعبد لله بشيء لم يشرعه الله، أو بشيء لم يكن عليه النبي ، صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤه الراشدون فهو مبتدع سواء كان ذلك التعبد فيما يتعلق بأسماء الله صفاته أو فيما يتعلق بأحكامه وشرعه. أما الأمور العادية التي تتبع العادة والعرف فهذه لا تسمى بدعة في الدين وإن كانت تسمى بدعة في اللغة ، ولكن ليست بدعة في الدين وليست هي التي حذر منها رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، . وليس في الدين بدعة حسنة أبداً ، والسنة الحسنة هي التي توافق الشرع ، وهذه تشمل أن يبدأ الإنسان بالسنة أي يبدأ العمل بها، أو يبعثها بعد تركها ، أو يفعل شيئاً يسنه يكون وسيلة لأمر متعبد به فهذه ثلاثة أشياء: الأول : إطلاق السنة على من ابتدأ العمل ويدل له سبب الحديث فإن النبي، صلى الله عليه وسلم ، حث على التصدق على القوم الذين قدموا عليه ، صلى الله عليه وسلم ، وهم في حاجة وفاقة ، فحث على التصدق فجاء رجل من الأنصار بصرة من فضة قد أثقلت يده فوضعها في حجر النبي ، عليه الصلاة والسلام ، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم ، : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" فهذا الرجل سن سنة ابتداء عمل لا ابتداء شرع. الثاني : السنة التي تركت ثم فعلها الإنسان فأحياها فهذا يقال عنه: سنها بمعنى أحياها وإن كان لم يشرعها من عنده . الثالث: أن يفعل شيئاً وسيلة لأمر مشروع مثل بناء المدارس وطبع الكتب فهذا لا يتعبد بذاته ولكن لأنه وسيلة لغيره فكل هذا داخل في قول النبي ، صلى الله عليه وسلم : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" . والله أعلم . (347) وسئل فضيلة الشيخ : كيف يتعامل الإنسان الملتزم بالسنة مع صاحب البدعة؟ وهل يجوز هجره؟ . فأجاب بقوله : البدع تنقسم إلى قسمين : بدع مكفرة ، وبدع دون ذلك وفي كلا القسمين يجب علينا نحن أن ندعو هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام ومعهم البدع المكفرة وما دونها إلى الحق؛ ببيان الحق دون أن نهاجم ما هم عليه إلا بعد أن نعرف منهم الاستكبار عن قبول الحق لأن الله – تعالى – قال للنبي ، صلى الله عليه وسلم : ]ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم[ (1) فندعو أولاً هؤلاء إلى الحق ببيان الحق وإيضاحه بأدلته ، والحق مقبول لدى كل ذي فطرة سليمة ، فإذا وجد العناد والاستكبار فإننا نبين باطلهم ، على أن بيان باطلهم في غير مجادلتهم أمر واجب. أما هجرهم فهذا يترتب على البدعة ، فإذا كانت البدعة مكفرة وجب هجره ، وإذا كانت دون ذلك فإننا نتوقف في هجره ؛ إن كان في هجره مصلحة فعلناه ، وإن لم يكن فيه مصلحة اجتنبناه ، وذلك أن الأصل في المؤمن تحريم هجره لقول النبي ، صلى الله عليه وسلم ، : "لا يحل لرجل مؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث" فكل مؤمن وإن كان فاسقاً فإنه يحرم هجره مالم يكن في الهجر مصلحة ، فإذا كان في الهجر مصلحة هجرناه ، لأن الهجر حينئذ دواء ، أما إذا لم يكن فيه مصلحة أو كان فيه زيادة في المعصية والعتو، فإن ما لا مصلحة فيه تركه هو المصلحة. فإن قال قائل : يرد على ذلك أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، هجر كعب بن مالك وصاحبيه الذين تخلفوا عن غزوة تبوك؟ فالجواب : أن هذا حصل من النبي، صلى الله عليه وسلم ، وأمر الصحابة بهجرهم لأن في هجرهم فائدة عظيمة ، فقد ازدادوا تمسكاً بما هم عليه حتى إن كعب بن مالك – رضي الله عنه- جاءه كتاب من ملك غسان يقول : فيه بأنه سمع أن صاحبك – يعني الرسول، صلى الله عليه وسلم - قد جفاك وأنك لست بدار هوان ولا مذلة فالحق بنا نواسك . فقام كعب مع ما هو عليه من الضيق والشدة وأخذ الكتاب وذهب به وأحرقه في التنور . فهؤلاء حصل في هجرهم مصلحة عظيمة ، ثم النتيجة التي لا يعادلها نتيجة أن الله أنزل فيهم قرآناً يتلى إلى يوم القيامة قال- تعالى - : ] لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم . وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم[(1) الآيتان. (348) وسئل فضيلة الشيخ : كيف نرد على أهل البدع الذين يستدلون على بدعهم بحديث "من سن في الإسلام سنة حسنة . . . . " إلخ؟ . فأجاب بقوله : نرد على هؤلاء فنقول : إن الذي قال : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" . هو الذي قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". وعلى هذا يكون قوله: "من سن في الإسلام سنة حسنة" . منزلاً على سبب هذا الحديث، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة للقوم الذين جاؤوا من مضر في حاجة وفاقة فجاء رجل بصرة من فضة فوضعها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم ، : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" . وإذا عرفنا سبب الحديث وتنزل المعنى عليه تبين أن المراد بسن السنة سن العمل بها ، وليس سن التشريع لأن التشريع لا يكون إلا لله ورسوله ، وأن معنى الحديث من سن سنة أي ابتدأ العمل بها واقتدى الناس به فيها، كان له أجرها وأجر من عمل بها ، هذا هو معنى الحديث المتعين، أو يحمل على أن المراد "من سن سنة حسنة" من فعل وسيلة يتوصل بها إلى العبادة واقتدى الناس به فيها، كتأليف الكتب، وتبويب العلم ، وبناء المدارس ، وما أشبه هذا مما يكون وسيلة لأمر مطلوب شرعاً. فإذا ابتدأ الإنسان هذه الوسيلة المؤدية للمطلوب الشرعي وهي لم ينه عنها بعينها ، كان داخلاً في هذا الحديث. ولو كان معنى الحديث أن الإنسان له أن يشرع ما شاء ، لكان الدين الإسلامي لم يكمل في حياة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ولكان لكل أمة شرعة ومنهاج ، وإذا ظن هذا الذي فعل هذه البدعة أنها حسنة فظنه خاطئ لأن هذا الظن يكذبه قول الرسول ، عليه الصلاة والسلام : "كل بدعة ضلالة" . (349) وسئل – حفظه الله- : عن حكم إظهار الفرح والسرور بعيد الفطر وعيد الأضحى؟ وبليلة السابعة والعشرين من رجب؟ وليلة النصف من شعبان؟ ويوم عاشوراء؟. فأجاب فضيلته بقوله: أما إظهار الفرح والسرور في أيام العيد عيد الفطر أو عيد الأضحى فإنه لا بأس به إذا كان في الحدود الشرعية ومن ذلك أن يأتي الناس بالأكل والشرب وما أشبه هذا وقد ثبت عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله – عز وجل-" يعني بذلك الثلاثة الأيام التي بعد عيد الأضحى المبارك وكذلك في العيد فالناس يضحون ويأكلون من ضحاياهم ويتمتعون بنعم الله عليهم ، وكذلك في عيد الفطر لا بأس بإظهار الفرح والسرور مالم يتجاوز الحد الشرعي. أما إظهار الفرح في ليلة السابع والعشرين من رجب ، أو ليلة النصف من شعبان أو في يوم عاشوراء، فإنه لا أصل له وينهى عنه ولا يحضر الإنسان إذا دعي إليه لقول النبي ، صلى الله عليه وسلم ، : "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" . فأما ليلة السابع والعشرين من رجب فإن الناس يدعون أنها ليلة المعراج التي عرج بالرسول ، صلى الله عليه وسلم ، فيها إلى الله – عز وجل – وهذا لم يثبت من الناحية التاريخية وكل شيء لم يثبت فهو باطل ، والمبني على الباطل باطل ثم على تقدير ثبوت أن ليلة المعراج ليلة السابع والعشرين من رجب ، فإنه لا يجوز لنا أن نحدث فيها شيئاً من شعائر الأعياد أو شيئاً من العبادات؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه فإذا كان لم يثبت عمن عرج به ولم يثبت عن أصحابه الذين هم أولى الناس به وهم أشد الناس حرصاً على سنته وشريعته، فكيف يجوز لنا أن نحدث مالم يكن على عهد النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في تعظيمها ولا في إحيائها ، وإنما أحياها بعض التابعين بالصلاة والذكر لا بالأكل والفرح وإظهار شعائر الأعياد. وأما يوم عاشوراء فإن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، سئل عن صومه فقال: "يكفر السنة الماضية" يعني التي قبله وليس في هذا اليوم شيء من شعائر الأعياد وكما أنه ليس فيه شيء من شعائر الأعياد فليس فيه شيء من شعائر الأحزان أيضاً فإظهار الحزن أو الفرح في هذا اليوم كلاهما خلاف السنة ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم إلا صيامه. مع أنه ، صلى الله عليه وسلم ، أمر أن نصوم يوماً قبله أو يوماً بعده حتى نخالف اليهود الذين كانوا يصومونه وحده. (350) وسئل فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء : عن حكم الاحتفال بالمولد النبوي ؟ فأجاب قائلاً : أولاً : ليلة مولد الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، ليست معلومة على الوجه القطعي ، بل إن بعض العصريين حقق أنها ليلة التاسع من ربيع الأول وليست ليلة الثاني عشر منه، وحينئذ فجعل الاحتفال ليلة الثاني عشر منه لا أصل له من الناحية التاريخية. ثانياً : من الناحية الشرعية فالاحتفال لا أصل له أيضاً لأنه لو كان من شرع الله لفعله النبي ، صلى الله عليه وسلم، أو بلغه لأمته ولو فعله أو بلغه لوجب أن يكون محفوظاً لأن الله– تعالى– يقول :] إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون[ (1) فلما لم يكن شيء من ذلك علم أنه ليس من دين الله ، وإذا لم يكن من دين الله فإنه لا يجوز لنا أن نتعبد به لله – عز وجل – ونتقرب به إليه ، فإذا كان الله تعالى – قد وضع للوصول إليه طريقاً معيناً وهو ما جاء به الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، فكيف يسوغ لنا ونحن عباد أن نأتي بطريق من عند أنفسنا يوصلنا إلى الله؟ هذا من الجناية في حق الله – عز وجل- أن نشرع في دينه ما ليس منه، كما أنه يتضمن تكذيب قول الله – عز وجل-: ]اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي[ (2) فنقول :هذا الاحتفال إن كان من كمال الدين فلا بد أن يكون موجوداً قبل موت الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، وإن لم يكن من كمال الدين فإنه لا يمكن أن يكون من الدين لأن الله – تعالى – يقول : ] اليوم أكملت لكم دينكم[ ومن زعم أنه من كمال الدين وقد حدث بعد الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، فإن قوله يتضمن تكذيب هذه الآية الكريمة، ولا ريب أن الذين يحتفلون بمولد الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، إنما يريدون بذلك تعظيم الرسول ،عليه الصلاة والسلام، وإظهار محبته وتنشيط الهمم على أن يوجد منهم عاطفة في ذلك الاحتفال للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، وكل هذا من العبادات ؛ محبة الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، عبادة بل لا يتم الإيمان حتى يكون الرسول، صلى الله عليه وسلم ، أحب إلى الإنسان من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين ، وتعظيم الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، من العبادة ، كذلك إلهاب العواطف نحو النبي ، صلى الله عليه وسلم ، من الدين أيضاً لما فيه من الميل إلى شريعته ، إذاً فالاحتفال بمولد النبي ، صلى الله عليه وسلم ، من أجل التقرب إلى الله وتعظيم رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، عبادة وإذا كان عبادة فإنه لا يجوز أبداً أن يحدث في دين الله ماليس منه ، فالاحتفال بالمولد بدعة ومحرم ، ثم إننا نسمع أنه يوجد في هذا الاحتفال من المنكرات العظيمة مالا يقره شرع ولا حس ولا عقل فهم يتغنون بالقصائد التي فيها الغلو في الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، حتى جعلوه أكبر من الله – والعياذ بالله- ومن ذلك أيضاً أننا نسمع من سفاهة بعض المحتفلين أنه إذا تلا التالي قصة المولد ثم وصل إلى قوله " ولد المصطفى" قاموا جميعاً قيام رجل واحد يقولون : إن روح الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، حضرت فنقوم إجلالاً لها وهذا سفه ، ثم إنه ليس من الأدب أن يقوموا لأن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، كان يكره القيام له فأصحابه وهم أشد الناس حبّاً له وأشد منا تعظيماً للرسول ، صلىالله عليه وسلم، لا يقومون له لما يرون من كراهيته لذلك وهو حي فكيف بهذه الخيالات؟! وهذه البدعة – أعني بدعة المولد – حصلت بعد مضي القرون الثلاثة المفضلة وحصل فيها ما يصحبها من هذه الأمور المنكرة التي تخل بأصل الدين فضلاً عما يحصل فيها من الاختلاط بين الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات. (351) وسئل فضيلة الشيخ :عن الفرق بين ما يسمى بأسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – والاحتفال بالمولد النبوي حيث ينكر على من فعل الثاني دون الأول؟ فأجاب بقوله : الفرق بينهما حسب علمنا من وجهين : الأول : أن أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – لم يتخذ تقرباً إلى الله – عز وجل – وإنما يقصد به إزالة شبهة في نفوس بعض الناس في هذا الرجل ويبين ما من الله به على المسلمين على يد هذا الرجل. الثاني: أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – لا يتكرر ويعود كما تعود الأعياد، بل هو أمر بين للناس وكتب فيه ما كتب ، وتبين في حق هذا الرجل ما لم يكن معروفاً من قبل لكثير من الناس ثم انتهى أمره. (352) وسئل : عن حكم إقامة الأسابيع كأسبوع المساجد وأسبوع الشجرة؟. فأجاب بقوله : هذه الأسابيع لا أعلم لها أصلاً من الشرع وإذا اتخذت على سبيل التعبد وخصصت بأيام معلومة تصير كالأعياد فإنها تلتحق بالبدعة ؛ لأن كل شيء يتعبد به الإنسان لله – عز وجل – وهو غير وارد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، فإنه من البدع . لكن الذين نظموها يقول :ون : إن المقصود بذلك هو تنشيط الناس على هذه الأعمال التي جعلوا لها هذه الأسابيع وتذكيرهم بأهميتها . ويجب أن ينظر في هذا الأمر وهل هذا مسوغ لهذه الأسابيع أو ليس بمسوغ؟ (353) وسئل أيضاً : عن حكم الاحتفال بما يسمى عيد الأم؟ فأجاب قائلاً : إن كل الأعياد التي تخالف الأعياد الشرعية كلها أعياد بدع حادثة لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح وربما يكون منشؤها من غير المسلمين أيضاً ، فيكون فيها مع البدعة مشابهة أعداء الله – سبحانه وتعالى - ، والأعياد الشرعية معروفة عند أهل الإسلام ؛ وهي عيد الفطر ، وعيد الأضحى ، وعيد الأسبوع "يوم الجمعة" وليس في الإسلام أعياد سوى هذه الأعياد الثلاثة ، وكل أعياد أحدثت سوى ذلك فإنها مردودة على محدثيها وباطلة في شريعة الله - سبحانه وتعالى- لقول النبي، صلى الله عليه وسلم ، : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" . أي مردود عليه غير مقبول عند الله وفي لفظ "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" . وإذا تبين ذلك فإنه لا يجوز في العيد الذي ذكر في السؤال والمسمى عيد الأم ، لا يجوز فيه إحداث شيء من شعائر العيد ؛ كإظهار الفرح والسرور وتقديم الهدايا وما أشبه ذلك ، والواجب على المسلم أن يعتز بدينه ويفتخر به وأن يقتصر على ما حده الله – تعالى- ورسوله ، صلى الله عليه وسلم ، في هذا الدين القيم الذي ارتضاه الله – تعالى – لعباده فلا يزيد فيه ولا ينقص منه ، والذي ينبغي للمسلم أيضاً ألا يكون إمعة يتبع كل ناعق بل ينبغي أن يكون شخصيته بمقتضى شريعة الله – تعالى- حتى يكون متبوعاً لا تابعاً ، وحتى يكون أسوة لا متأسياً ، لأن شريعة الله – والحمد لله - كاملة من جميع الوجوه كما قال الله – تعالى-: ] اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً[(1). والأم أحق من أن يحتفى بها يوماً واحداً في السنة، بل الأم لها الحق على أولادها أن يرعوها، وأن يعتنوا بها،وأن يقوموا بطاعتها في غير معصية الله – عز وجل – في كل زمان ومكان. (354) سئل فضيلة الشيخ : عن حكم إقامة أعياد الميلاد للأولاد أو بمناسبة الزواج؟ فأجاب بقوله : ليس في الإسلام أعياد سوى يوم الجمعة عيد الأسبوع ، وأول يوم من شوال عيد الفطر من رمضان ، والعاشر من شهر ذي الحجة عيد الأضحى وقد يسمى يوم عرفة عيداً لأهل عرفة وأيام التشريق أيام عيد تبعاً لعيد الأضحى. وأما أعياد الميلاد للشخص أو أولاده ، أو مناسبة زواج ونحوها فكلها غير مشروعة وهي للبدعة أقرب من الإباحة. (355) سئل فضيلة الشيخ : عن حكم أعياد الميلاد؟ فأجاب بقوله : يظهر من السؤال أن المراد بعيد الميلاد عيد ميلاد الإنسان ، كلما دارت السنة من ميلاده أحدثوا له عيداً تجتمع فيه أفراد العائلة على مأدبة كبيرة أو صغيرة. وقولي في ذلك أنه ممنوع لأنه ليس في الإسلام عيد لأي مناسبة سوى عيد الأضحى ، وعيد الفطر من رمضان ، وعيد الأسبوع وهو يوم الجمعة وفي سنن النسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:كان لأهل الجاهلية، يومان في كل سنة يلعبون فيهما فلما قدم النبي ، صلى الله عليه وسلم، المدينة قال : "كان لكم يومان تلعبون فيهما وقد بدلكم الله بهما خيراً منهما يوم الفطر ويوم الأضحى" . ولأن هذا يفتح باباً إلى البدع مثل أن يقول : قائل : إذا جاز العيد لمولد المولود فجوازه لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أولى وكل ما فتح باباً للمنوع كان ممنوعاً . والله الموفق . (356) سئل فضيلة الشيخ : عن حكم إقامة حفل توديع للكافر عند انتهاء عمله؟ وحكم تعزية الكافر؟ وحكم حضور أعياد الكفار؟ . فأجاب بقوله : هذا السؤال تضمن مسائل : الأولى : إقامة حفل توديع لهؤلاء الكفار لا شك أنه من باب الإكرام أو إظهار الأسف على فراقهم ، وكل هذا حرام في حق المسلم قال النبي ، صلىالله عليه وسلم : " لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه ". والإنسان المؤمن حقاً لا يمكن أن يكرم أحداً من أعداء الله– تعالى– والكفار أعداء الله بنص القرآن قال الله –تعالى-: ] من كان عدوّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين[(1) . المسألة الثانية : تعزية الكافر إذا مات له من يعزى به من قريب أو صديق . وفي هذا خلاف بين العلماء فمن العلماء من قال : إن تعزيتهم حرام ، ومنهم من قال : إنها جائزة . ومنهم من فصل في ذلك فقال : إن كان في ذلك مصلحة كرجاء إسلامهم ، وكف شرهم الذي لا يمكن إلا بتعزيتهم ، فهو جائز وإلا كان حراماً . والراجح أنه إن كان يفهم من تعزيتهم إعزازهم وإكرامهم كانت حراماً وإلا فينظر في المصلحة. المسألة الثالثة (1): حضور أعيادهم ومشاركتهم أفراحهم ، فإن كانت أعياداً دينية كعيد الميلاد فحضورها حرام بلا ريب قال ابن القيم – رحمه الله -: لا يجوز الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم. والله الموفق. (357) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم استئجار قارىء ليقرأ القرآن الكريم على روح الميت؟ فأجاب بقوله : هذا من البدع وليس فيه أجر لا للقارئ ولا للميت ، ذلك لأن القارئ إنما قرأ للدنيا والمال فقط وكل عمل صالح يقصد به الدنيا فإنه لا يقرب إلى الله ولا يكون فيه ثواب عند الله، وعلى هذا فيكون هذا العمل – يعني استئجار شخص ليقرأ القرآن الكريم على روح الميت - يكون هذا العمل ضائعاً ليس فيه سوى إتلاف المال على الورثة فليحذر منه فإنه بدعة ومنكر. (358) وسئل - حفظه الله تعالى- : عن حكم المآتم ؟ فأجاب قائلاً :المآتم كلها بدعة سواء كانت ثلاثة أيام ، أو على أسبوع ، أو على أربعين يوماً، لأنها لم ترد من فعل السلف الصالح – رضي الله عنهم – ولو كان خيراً لسبقونا إليه ، ولأنها إضاعة مال ، وإتلاف وقت وربما يحصل فيها شيء من المنكرات من الندب والنياحة ما يدخل في اللعن فإن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لعن النائحة والمستمعة. ثم إنه إن كان من مال الميت – من ثلثه أعني – فإنه جناية عليه لأنه صرف له في غير الطاعة ، وإن كان من أموال الورثة فإن كان فيهم صغار أو سفهاء لا يحسنون التصرف فهو جناية عليهم أيضاً ، لأن الإنسان مؤتمن في أموالهم فلا يصرفها إلا فيما ينفعهم ، وإن كان لعقلاء بالغين راشدين فهو أيضاً سفه ، لأن بذل الأموال فيما لا يقرب إلى الله أو لا ينتفع به المرء في دنياه من الأمور التي تعتبر سفهاً ،ويعتبر بذل المال فيها إضاعة له وقد نهى النبي، صلى الله عليه وسلم ، عن إضاعة المال ، والله ولي التوفيق . (359) سئل فضيلة الشيخ : عن حكم التلاوة لروح الميت ؟ فأجاب قائلاً : التلاوة لروح الميت يعني أن يقرأ القرآن وهو يريد أن يكون ثوابه لميت من المسلمين هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم على قولين : القول الأول: أن ذلك غير مشروع وأن الميت لا ينتفع به أي لا ينتفع بالقرآن في هذه الحال. القول الثاني: أنه ينتفع بذلك وأنه يجوز للإنسان أن يقرأ القرآن بنية أنه لفلان أو فلانة من المسلمين، سواء كان قريباً أو غير قريب. والراجح : القول الثاني لأنه ورد في جنس العبادات جواز صرفها للميت ، كما في حديث سعد ابن عبادة – رضي الله عنه – حين تصدق ببستانه لأمه ، وكما في قصة الرجل الذي قال للنبي ،صلى الله عليه وسلم :إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها؟ قال النبي ،صلى الله عليه وسلم: "نعم" وهذه قضايا أعيان تدل على أن صرف جنس العبادات لأحد من المسلمين جائز وهو كذلك ، ولكن أفضل من هذا أن تدعو للميت ، وتجعل الأعمال الصالحة لنفسك لأن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له". ولم يقل : أو ولد صالح يتلو له أو يصلي له أو يصوم له أو يتصدق عنه بل قال: - "أو ولد صالح يدعو له" والسياق في سياق العمل ، فدل ذلك على أن الأفضل أن يدعو الإنسان للميت لا أن يجعل له شيئاً من الأعمال الصالحة ، والإنسان محتاج إلى العمل الصالح، أن يجد ثوابه له مدخراً عند الله- عز وجل- . أما ما يفعله بعض الناس من التلاوة للميت بعد موته بأجرة ، مثل أن يحضروا قارئاً يقرأ القرآن بأجرة ، ليكون ثوابه للميت فإنه بدعة ولا يصل إلى الميت ثواب؛ لأن هذا القارئ إنما قرأ لأجل الدنيا ومن أتى بعبادة من أجل الدنيا فإنه لا حظ له منها في الآخرة كما قال الله – تعالى - : ] من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون . أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون[(1) . وإني بهذه المناسبة أوجه نصيحة لإخواني الذين يعتادون مثل هذا العمل أن يحفظوا أموالهم لأنفسهم أو لورثة الميت ، وأن يعلموا أن هذا العمل بدعة في ذاته ، وأن الميت لا يصل إليه ثوابه وحينئذٍ يكون أكلاً للأموال بالباطل ولم ينتفع الميت بذلك. (360) وسئل أيضاً: عن حكم الاجتماع عند القبر والقراءة؟ وهل ينتفع الميت بالقراءة أم لا؟ فأجاب بقوله : هذا العمل من الأمور المنكرة التي لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح وهو الاجتماع عند القبر والقراءة. وأما كون الميت ينتفع بها فنقول: إن كان المقصود انتفاعه بالاستماع فهذا منتفٍ ، لأنه قد مات وقد ثبت عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : "إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث :"صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له" . فهو وإن كان يسمع إذا قلنا بأنه يسمع في هذه الحال فإنه لا ينتفع ، لأنه لو انتفع لزم منه ألا ينقطع عمله ، والحديث صريح في حصر انتفاع الميت بعمله بالثلاث التي ذكرت في الحديث. وأما إن كان المقصود انتفاع الميت بالثواب الحاصل للقارئ ، بمعنى أن القارئ ينوي بثوابه أن يكون لهذا الميت ، فإذا تقرر أن هذا من البدع فالبدع لا أجر فيها "كل بدعة ضلالة" كما قال النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ولا يمكن أن تنقلب الضلالة هداية ، ثم إن هذه القراءة في الغالب تكون بأجرة ، والأجرة على الأعمال المقربة إلى الله باطلة ، والمستأجر للعمل الصالح إذا نوى بعمله الصالح – هذا الصالح من حيث الجنس وإن كان من حيث النوع ليس بصالح كما سيتبين إن شاء الله – إذا نوى بالعمل الصالح أجراً في الدنيا ، فإن عمله هذا لا ينفعه ولايقربه إلى الله ولا يثاب عليه لقوله – تعالى - : ] من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون . أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون [(1) . فهذا القارئ الذي نوى بقراءته أن يحصل على أجر دنيوي نقول له : هذه القراءة غير مقبولة ، بل هي حابطة ليس فيها أجر ولا ثواب وحينئذ لا ينتفع الميت بما أهدي إليه من ثوابها لأنه لا ثواب فيها ، إذاً فالعملية إضاعة مال، وإتلاف وقت ، وخروج عن سبيل السلف الصالح – رضي الله عنهم – لا سيما إذا كان هذا المال المبذول من تركة الميت وفيها حق قصر وصغار وسفهاء فيأخذ من أموالهم ما ليس بحق فيزاد الإثم إثماً. والله المستعان . (361) وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى-: عن حكم إهداء القراءة للميت؟ . فأجاب بقوله : هذا الأمر يقع على وجهين : أحدهما : أن يأتي إلى قبر الميت فيقرأ عنده ، فهذا لا يستفيد منه الميت ؛ لأن الاستماع الذي يفيد من سمعه إنما هو في حال الحياة حيث يكتب للمستمع ما يكتب للقارئ ،وهنا الميت قد انقطع عمله كما قال النبي ، صلى الله عليه وسلم : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له" . الوجه الثاني : أن يقرأ الإنسان القرآن الكريم تقرباً إلى الله – سبحانه وتعالى – ويجعل ثوابه لأخيه المسلم أو قريبه فهذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم: فمنهم من يرى أن الأعمال البدنية المحضة لا ينتفع بها الميت ولو أهديت له ؛ لأن الأصل أن العبادات مما يتعلق بشخص العابد ، لأنها عبارة عن تذلل وقيام بما كلف به وهذا لا يكون إلا للفاعل فقط ، إلا ما ورد النص في انتفاع الميت به فإنه حسب ما جاء في النص يكون مخصصاً لهذا الأصل. ومن العلماء من يرى أن ما جاءت به النصوص من وصول الثواب إلى الأموات في بعض المسائل ، يدل على أنه يصل إلى الميت من ثواب الأعمال الأخرى ما يهديه إلى الميت. ولكن يبقى النظر هل هذا من الأمور المشروعة أو من الأمور الجائزة بمعنى هل نقول : إن الإنسان يطلب منه أن يتقرب إلى الله- سبحانه وتعالى – بقراءة القرآن الكريم ، ثم يجعلها لقريبه أو أخيه المسلم ، أو أن هذا من الأمور الجائزة التي لا يندب إلى فعلها . الذي نرى أن هذا من الأمور الجائزة التي لا يندب إلى فعلها وإنما يندب إلى الدعاء للميت والاستغفار له وما أشبه ذلك مما نسأل الله- تعالى – أن ينفعه به، وأما فعل العبادات وإهداؤها فهذا أقل ما فيه أن يكون جائزاً فقط وليس من الأمور المندوبة ، ولهذا لم يندب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أمته إليه بل أرشدهم إلى الدعاء للميت فيكون الدعاء أفضل من الإهداء. (362) وسئل فضيلة الشيخ : عن حكم قراءة القرآن الكريم على القبور؟ والدعاء للميت عند قبره؟ ودعاء الإنسان لنفسه عند القبر؟ فأجاب بقوله : قراءة القرآن الكريم على القبور بدعة، ولم ترد عن النبي - صلى الله عليه وسلم- ولا عن أصحابه؛ وإذا كانت لم ترد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا عن أصحابه فإنه لا ينبغي لنا نحن أن نبتدعها من عند أنفسنا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيما صح عنه: "كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار" والواجب على المسلمين أن يقتدوا بمن سلف من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان حتى يكونوا على الخير والهدى؛ لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "خير الكلام كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد- صلى الله عليه وسلم-" . وأما الدعاء للميت عند قبره فلا بأس به ، فيقف الإنسان عند القبر ويدعو له بما يتيسر، مثل أن يقول :: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم أدخله الجنة ، اللهم افسح له في قبره، وما أشبه ذلك. وأما دعاء الإنسان لنفسه عند القبر فهذا إذا قصده الإنسان فهو من البدع أيضاً ؛ لأنه لا يخصص مكان للدعاء إلا إذا ورد به النص؛ وإذا لم يرد به النص، ولم تأت به السنة فإنه – أعني تخصيص مكان للدعاء- أياً كان ذلك المكان - يكون تخصيصه بدعة. (363) وسئل فضيلة الشيخ : هل قوله – تعالى: ] وأن ليس للإنسان إلا ما سعى[ يدل على أن الثواب لا يصل إلى الميت إذا أهدي له؟ فأجاب بقوله : قوله – تعالى- : ]وأن ليس للإنسان إلا ما سعى[ (1) المراد – والله أعلم – أن الإنسان لا يستحق من سعي غيره شيئاً ، كما لا يحمل من وزر غيره شيئاً ؛ وليس المراد أنه لا يصل إليه ثواب سعي غيره ؛ لكثرة النصوص الواردة في وصول ثواب سعي الغير إلى غيره وانتفاعه به إذا قصده به ، فمن ذلك: 1-الدعاء:فإن المدعو له ينتفع به بنص القرآن الكريم والسنة،وإجماع المسلمين ، قال الله –تعالى –لنبيه -صلى الله عليه وسلم- : ]واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات[ (1) وقال – تعالى: ]والذين جاءوا من بعدهم يقول :ون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم[(2) فالذين سبقوهم بالإيمان هم المهاجرون والأنصار ، والذين جاؤوا من بعدهم هم التابعون فمن بعدهم إلى يوم الدين ؛وثبت عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم –أنه أغمض أبا سلمة، وقال : "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه ، وافسح له في قبره ، ونور له فيه" . وكان صلى الله عليه وسلم يصلي على أموات المسلمين ، ويدعو لهم ، ويزور المقابر ، ويدعو لأهلها ، واتبعته أمته في ذلك حتى صار هذا من الأمور المعلومة بالضرورة من دين الإسلام؛ وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه…" وهذا لا يعارض قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم لأن المراد به عمل الإنسان نفسه ، لا عمل غيره له ؛ وإنما جعل دعاء الولد الصالح من عمله ؛ لأن الولد من كسبه، حيث إنه هو السبب في إيجاده ، فكأن دعاءه لوالده دعاء من الوالد نفسه – بخلاف دعاء غير الولد لأخيه ، فإنه ليس من عمله – وإن كان ينتفع به -؛ فالاستثناء الذي في الحديث من انقطاع عمل الميت نفسه لا عمل غيره له، ولهذا لم يقل : انقطع العمل له ، بل قال: "انقطع عمله". وبينهما فرق بين . 2-الصدقة عن الميت : ففي صحيح البخاري عن عائشة – رضي الله عنها – أن رجلاً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إن أمي افتلتت نفسها (ماتت فجأة) ، وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم" . وروى مسلم نحوه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-؛ والصدقة عبادة مالية محضة. 3-الصيام عن الميت: ففي الصحيحين عن عائشة – رضي الله عنها- أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" والولي هو الوارث ؛ لقوله – تعالى-:]وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم[(1)، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" متفق عليه ؛ والصيام عبادة بدنية محضة. 4-الحج عن غيره: ففي الصحيحين من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما –أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة؛ أفأحج عنه؟ قال: "نعم" . وذلك في حجة الوداع. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس – رضي الله عنهما- أن امرأة من جهينة قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها ؟ قال :" نعم ، حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله ، فالله أحق بالوفاء". فإن قيل : هذا من عمل الولد لوالده ؛ وعمل الولد من عمل الوالد كما في الحديث السابق : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث…" حيث جعل دعاء الولد لوالده من عمل الوالد ؟ فالجواب من وجهين: أحدهما:أن النبي-صلى الله عليه وسلم- لم يعلل جوازحج الولد عن والده بكونه ولده، ولا أومأ إلى ذلك؛بل في الحديث مايبطل التعليل به؛ لأن النبي-صلى الله عليه وسلم- شبهه بقضاء الدين الجائزمن الولد، وغيره؛ فجعل ذلك هو العلة-أعني كونه قضاء شيء واجب عن الميت. الثاني : أنه قد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على جواز الحج عن الغير ، حتى من غير الولد: فعن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يقول:لبيك عن شبرمة .قال: "من شبرمة"؟قال:أخ لي أو قريب لي .قال:" حججت عن نفسك ؟" قال : لا . قال : "حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة" . قال في البلوغ: رواه أبو داود وابن ماجه . وقال في الفروع : إسناده جيد احتج به أحمد في رواية صالح، لكنه رجح في كلام آخر أنه موقوف؛ فإن صح المرفوع فذاك؛ وإلا فهو قول صحابي لم يظهر له مخالف؛ فهو حجة، ودليل على أن هذا العمل كان من المعلوم جوازه عندهم ؛ ثم إنه قد ثبت حديث عائشة في الصيام : "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" . والولي هو الوارث سواء كان ولداً أم غير ولد؛ وإذا جاز ذلك في الصيام مع كونه عبادة محضة فجوازه بالحج المشوب بالمال أولى، وأحرى. 5- الأضحية عن الغير: فقد ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك – رضي الله عنه- قال: "ضحى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمى، وكبر ووضع رجله على صفاحهما" . ولأحمد من حديث أبي رافع – رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين فيذبح أحدهما ويقول :"اللهم هذا عن أمتي جميعاً من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ" . ثم يذبح الآخر ويقول: "هذا عن محمد وآل محمد". قال في مجمع الزوائد : وإسناده حسن ، وسكت عنه في التلخيص . والأضحية عبادة بدنية قوامها المال، وقد ضحى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أهل بيته، وعن أمته جميعاً ؛ وما من شك في أن ذلك ينفع المضحى عنهم ، وينالهم من ثوابه ؛ ولو لم يكن كذلك لم يكن للتضحية عنهم فائدة . 6- اقتصاص المظلوم من الظالم بالأخذ من صالح أعماله : ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه- أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : "من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها؛ فإنه ليس ثم دينار، ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته ؛ فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه". وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي - ، صلى الله عليه وسلم - قال: "أتدرون من المفلس؟" قالوا : المفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع . فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ؛ فإن فنيت حسناته ، قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار" . فإذا كانت الحسنات قابلة للمقاصة بأخذ ثوابها من عامل إلى غيره كان ذلك دليلاً على أنها قابلة لنقلها منه إلى غيره بالإهداء. 7- انتفاعات أخرى بأعمال الغير: كرفع درجات الذرية في الجنة إلى درجات آبائهم ، وزيادة أجر الجماعة بكثرة العدد ، وصحة صلاة المنفرد بمصافة غيره له ، والأمن والنصر بوجود أهل الفضل ، كما في صحيح مسلم عن أبي بردة عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع رأسه إلى السماء – وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء –، فقال : " النجوم أمنة للسماء؛ فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد ، وأنا أمنة لأصحابي؛ فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" . وفيه أيضاً عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه – قال:قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: "يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون : انظروا هل تجدون فيكم أحداً من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – فيفتح لهم به؛ ثم يبعث البعث الثاني، فيقول :ون : هل فيكم من رأى أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – فيفتح لهم به، ثم يبعث البعث الثالث، فيقال : انظروا هل ترون فيهم أحداً رأى من رأى أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – ثم يكون البعث الرابع، فيقال :: انظروا هل ترون فيهم أحداً رأى من رأى أحداً رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيوجد الرجل، فيفتح لهم به". فإذا تبين أن الرجل ينتفع بغيره وبعمل غيره ، فإن من شرط انتفاعه أن يكون من أهله ، وهو المسلم ؛ فأما الكافر فلا ينتفع بما أهدي إليه من عمل صالح، ولا يجوز أن يهدى إليه ، كما لا يجوز أن يدعى له ويستغفر له، قال الله – تعالى - : ]ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم[ (1)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – أن جده العاص بن وائل السهمي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة ، وأراد ابنه عمرو بن العاص أن يعتق عنه الخمسين الباقية ، فسأل النبي – صلى الله عليه وسلم-فقال: "إنه لو كان مسلماً فأعتقتم، أو تصدقتم عنه، أو حججتم بلغه ذلك" . وفي رواية : "فلو كان أقر بالتوحيد، فصُمتَ، وتصدقت عنه نفعه ذلك" . . رواه أحمد وأبو داود. فإن قيل : هلا تقتصرون على ما جاءت به السنة من إهداء القرب، وهي: الحج، والصوم ، والصدقة ، والعتق؟ فالجواب: أن ما جاءت به السنة ليس على سبيل الحصر، وإنما غالبه قضايا أعيان سئل عنها النبي – صلى الله عليه وسلم - فأجاب به، وأومأ إلى العموم بذكر العلة الصادقة بما سئل عنه وغيره، وهي قوله: "أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته". ويدل على العموم أنه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" . ثم لم يمنع الحج، والصدقة ، والعتق، فعلم من ذلك أن شأن العبادات واحد، والأمر فيها واسع. فإن قيل: فهل يجوز إهداء القرب الواجبة؟ . فالجواب : أما على القول بأنه لا يصح إهداء القرب إلا إذا نواه المهدي قبل الفعل ، بحيث يفعل القربة بنية أنها عن فلان ، فإن إهداء القرب الواجبة لا يجوز لتعذر ذلك ، إذ من شرط القرب الواجبة أن ينوي بها الفاعل أنها عن نفسه قياماً بما أوجب الله – تعالى – عليه ؛ اللهم إلا أن تكون من فروض الكفايات ، فربما يقال : بصحة ذلك، حيث ينوي الفاعل القيام بها عن غيره، لتعلق الطلب بأحدهما لا بعينه. وأما على القول بأنه يصح إهداء القرب بعد الفعل ويكون ذلك إهداء لثوابها بحيث يفعل القربة ويقول: اللهم اجعل ثوابها لفلان، فإنه لا يصح إهداء ثوابها أيضاً على الأرجح ؛ وذلك لأن إيجاب الشارع لها إيجاباً عينياً دليل على شدة احتياج العبد لثوابها ، وضرورته إليه ، ومثل هذا لا ينبغي أن يؤثر العبد بثوابه غيره. فإن قيل : إذا جاز إهداء القرب إلى الغير فهل من المستحسن فعله؟ . فالجواب : أن فعله غير مستحسن إلا فيما وردت به السنة ، كالأضحية، والواجبات التي تدخلها النيابة ؛ كالصوم والحج ، وأما غير ذلك فقد قال شيخ الإسلام في الفتاوى ص 322-323ج24 مجموع ابن قاسم: "إن الأمر الذي كان معروفاً بين المسلمين في القرون المفضلة أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات المشروعة فرضها ونفلها ، ويدعون للمؤمنين والمؤمنات كما أمر الله بذلك ، لأحيائهم وأمواتهم" ، قال : "ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعاً ، وصاموا، وحجوا ، أو قرؤوا القرآن الكريم يهدون ذلك لموتاهم المسلمين ، ولا لخصوصهم (1) . بل كان عادتهم كما تقدم ، فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريقة السلف ، فإنها أفضل وأكمل" . أ . هـ . وأما ما روي أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي أبوين، وكنت أبرهما في حياتهما فكيف البر بعد موتهما؟ . فقال : "إن من البر أن تصلي لهما مع صلاتك ، وتصوم لهما مع صيامك ، وتصدق لهما مع صدقتك". فهو حديث مرسل لا يصح . وقد ذكر الله – تعالى – مكافأة الوالدين بالدعاء ، فقال تعالى : ] وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً [(1). وعن أبي أسيد – رضي الله عنه- أن رجلاً سأل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، : هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم ، الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ،وإكرام صديقهما". رواه أبو داود وابن ماجه. ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - من برهما أن يصلي لهما مع صلاته ، ويصوم لهما مع صيامه. فأما ما يفعله كثير من العامة اليوم حيث يقرؤون القرآن الكريم في شهر رمضان أو غيره ، ثم يؤثرون موتاهم به ويتركون أنفسهم فهو لا ينبغي لما فيه من الخروج عن جادة السلف ، وحرمان المرء نفسه من ثواب هذه العبادة ، فإن مهدي العبادة ليس له من الأجر سوى ما يحصل من الإحسان إلى الغير . أما ثواب العبادة الخاص فقد أهداه ، ومن ثم كان لا ينبغي إهداء القرب للنبي - صلى الله عليه وسلم –؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – له ثواب القربة التي تفعلها الأمة ؛ لأنه الدال عليها والآمر بها ، فله مثل أجر الفاعل ، ولا ينتج عن إهداء القرب إليه سوى حرمان الفاعل نفسه من ثواب العبادة. وبهذا تعرف فقه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، حيث لم ينقل عن واحد منهم أنه أهدى شيئاً من القرب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنهم أشد الناس حباً للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأحرصهم على فعل الخير ، وهم أهدى الناس طريقاً وأصوبهم عملاً ؛ فلا ينبغي العدول عن طريقتهم في هذا وغيره ؛ فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها . والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. (364) وسئل فضيلته : عن الحكمة من الطواف؟ وهل الحكمة من تقبيل الحجر التبرك به؟ فأجاب بقوله : الحكمة من الطواف بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال: "إنما جعل الطواف بالبيت والصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله" فالطائف الذي يدور على بيت الله – تعالى – يقوم بقلبه من تعظيم الله – تعالى – ما يجعله ذاكراً الله – تعالى - وتكون حركاته بالمشي والتقبيل ، واستلام الحجر ، والركن اليماني ، والإشارة إلى الحجر ذكراً لله تعالى ؛ لأنها من عبادته، وكل العبادات ذكر لله – تعالى – بالمعنى العام ؛ وأما ما ينطق به بلسانه من التكبير ، والذكر ، والدعاء فظاهر أنه من ذكر الله – تعالى - . وأما تقبيل الحجر فإنه عبادة حيث يُقَبل الإنسان حجراً لا علاقة له به سوى التعبد لله – تعالى- بتعظيمه واتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك كما ثبت أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- أنه قال حين قبل الحجر: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك" وأما ما يظنه بعض الجهال من أن المقصود بذلك التبرك به فإنه لا أصل له فيكون باطلاً. وأما ما أورده بعض الزنادقة من أن الطواف بالبيت كالطواف على قبور أوليائهم، وأنه وثنية فذاك من زندقتهم وإلحادهم ؛ فإن المؤمنين ما طافوا به إلا بأمر الله ، وما كان بأمر الله فالقيام به عبادة لله- تعالى -، ألا ترى أن السجود لغير الله شرك أكبر ، ولما أمر الله – تعالى – الملائكة أن يسجدوا لآدم كان السجود لآدم عبادة لله – تعالى –، وكان ترك السجود له كفراً . وحينئذ يكون الطواف بالبيت عبادة من أجلِّ العبادات؛ وهو ركن في الحج ؛ والحج أحد أركان الإسلام ؛ ولهذا يجد الطائف بالبيت إذا كان المطاف هادئاً من لذة الطواف وشعور قلبه بالقرب من ربه ما يتبين به علو شأنه، وفضله - والله المستعان -. (365) سئل فضيلة الشيخ : عن حكم التمسح بالكعبة والركن اليماني طلباً للبركة؟ فأجاب قائلاً : ما يفعله بعض الجهلة من التمسح بالكعبة، أو الركن اليماني، أو الحجر الأسود طلباً للبركة فهذا من البدع فإن ما يمسح منها يمسح تعبداً لا تبركاً، قال عمر- رضي الله عنه: عندما قبل الحجر الأسود: "إني لأعلم أنك حجر لاتضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك" فالأمر مبني على الاتباع لا على الابتداع ؛ ولهذا لا يمسح من الكعبة إلا الركن اليماني والحجر الأسود؛ فمن مسح شيئاً سواهما من الكعبة فقد ابتدع؛ ولهذا أنكر ابن عباس - رضي الله عنهما- على معاوية – رضي الله عنه – استلام الركنين الآخرين. (366) سئل فضيلة الشيخ:هل يجوز التبرك بثوب الكعبة والتمسح به، فبعض الناس يقول: إن شيخ الإسلام ابن تيمية أجاز ذلك؟ . فاجأب - حفظه الله – بقوله : التبرك بثوب الكعبة والتمسح به من البدع ؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي –صلى الله عليه وسلم - ولما طاف معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنهما – بالكعبة ، وجعل يمسح جميع أركان البيت ، يمسح الحجر الأسود ، ويمسح الركن العراقي ، والركن الشامي ، والركن اليماني ، أنكر عليه عبد الله بن عباس ، فأجاب معاوية : ليس شيء من البيت مهجوراً ، فأجابه ابن عباس : ] لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة[ (1) وقد رأيت النبي – صلى الله عليه وسلم – يمسح الركنين يعني الحجر الأسود واليماني . وهذا دليل على أنه يجب علينا أن نتوقف في مسح الكعبة وأركانها ، على ما جاءت به السنة ؛ لأن هذه هي الأسوة الحسنة في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وأما الملتزم الذي بين الحجر الأسود والباب ، فإن هذا قد ورد عن الصحابة – رضي الله عنهم- أنهم قاموا به فالتزموا ذلك والله أعلم. أما ما قاله السائل أن هذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – فنحن نعلم أنه – رحمه الله – من أشد الناس محاربة للبدع ؛ وإذا قدر أنه ثبت عنه فليس قوله حجة على غيره ؛ لأن ابن تيمية – رحمه الله – كغيره من أهل العلم يخطئ ويصيب ؛ وإذا كان معاوية – رضي الله عنه – وهو من الصحابة أخطأ فيما أخطأ فيه من مسح الأركان الأربعة حتى نبهه عبد الله بن عباس في هذا ؛ فإن من دون معاوية يجوز عليه الخطأ؛ فنحن أولاً –نطالب هذا الرجل بإثبات ذلك عن شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وإذا ثبت عن شيخ الإسلام ابن تيمية ، فإنه ليس بحجة ؛ لأن أقوال أهل العلم يحتج لها ولا يحتج بها وهذه قاعدة ينبغي أن نعرفها: "كل أهل العلم أقوالهم يحتج لها ولا يحتج بها إلا إذا حصل إجماع المسلمين " فإن الإجماع لا يمكن الخروج عنه ، بل لا يمكن الخروج عليه. (367) سئل فضيلة الشيخ : عن بطاقة أرسلت إليه فيها أذكار مرتبة من بعض الصوفية؟ . فأجاب - حفظه الله – بقوله :اطلعت على صورة البطاقة ومن أجل العدل وبيان الحق أجبت عما فيها على سبيل الاختصار بما يلي: 1- تضمنت هذه البطاقة الحث على ذكر الله تعالى ؛ وهذا حق ، ولكن ذكر الله- تعالى – عبادة يتقرب بها إليه فيجب التمشي فيها على ما شرعه الله – عز وجل –؛ ولا يتم ذلك إلا بالإخلاص لله- تعالى –، والاتباع لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – وبذلك تتحقق شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله -؛ ولا يكون الاتباع إلا إذا كانت العبادة مبنية على الشرع في سببها ، وجنسها ، وقدرها ، وكيفيتها ، وزمانها ، و مكانها . وإذا كان كذلك فإن الذكر الموجود في البطاقة لا يتضمن ما ذكر فلا يصح أن يكون قربة إلى الله- تعالى –، أو ذكراً مرضياً عنده، كما هو ظاهر لمن رآه ، فأين في شريعة الله هذا النوع من الذكر الذي رتبوه ؟! وأين في شريعة الله هذا العدد الذي عينوه ؟! وأين في شريعة الله عز وجل هذا الزمن الذي خصصوه بحيث يكون هذا في الليل، وهذا في النهار ؟! وأين في شريعة الله تقديم الفاتحة عند البدء بهذا الذكر البدعي؟!. 2- تضمنت هذه البطاقة قراءة الفاتحة لحضرة النبي – صلى الله عليه وسلم –؛ فإن أرادوا بحضرته ذاته وأن يقرأ الإنسان الفاتحة، ويهدي ثوابها للنبي – صلى الله عليه وسلم – فهذه بدعة لم يفعلها الصحابة – رضي الله عنهم - ؛ وهو من جهل فاعله ، فإن النبي ، صلى الله عليه وسلم،يناله من الأجر على العمل مثل ما ينال فاعله من أمته ؛ لأنه هو الدال عليه ؛ ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله - بدون أن يهدي إليه الفاعل - وإن أرادوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يحضر بذاته فهو أدهى وأمَرٌّ ؛ وهو أمْرٌ منكر وزور ؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحضر، ولن يخرج من قبره إلا عند البعث ، قال الله – تعالى - : ]منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى[ (1) وقال – تعالى: ] ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون[ (2)؛ وهذا عام لجميع المخاطبين ؛ وأشرف المخاطبين بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولهذا قال الله له: ] إنك ميت وإنهم ميتون. ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون[ (3) . 1-تضمنت هذه البطاقة من أسماء الله – تعالى – (هو ) ، وفسره بأنه حاضر لا يغيب . والقول بأن (هو) من أسماء الله قول باطل مبني على الجهل، والعدوان ؛ أما الجهل فلأن (هو) ضمير لا يدل على معنى سوى ما يتضمنه مرجع ذلك الضمير ، وأسماء الله تعالى كلها حسنى ؛ لقوله تعالى : ] ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها[ (4) وهل أحد إذا دعا يقول : : يا هو اغفر لي ؟ وهل أحد يقول في البسملة : بسم هو بدلاً عن اسم الله – تعالى- ؟ وأما العدوان فلأن إثبات اسم لله – تعالى - لم يسم به نفسه عدوان على الله – تعالى –، وقول عليه بلا علم؛ وهو حرام ؛ لقوله تعالى - : ]قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون[ (5) . ثم إن تفسير (هو) بـ ( حاضر لا يغيب ) كذب على اللغة العربية ، فإن كلمة ( هو ) ضمير غيبة، وليس ضمير حضور ؛ ومن فسره بما يدل على الحضور فهو من أجهل الناس باللغة العربية ، ودلالات ألفاظها – إن كان الذي حمله على ذلك الجهل - أو من أعظم الناس افتراء إن كان قد قصد التقول على الله ، وعلى اللغة العربية. 2-فسر اسم الله ( الواحد ) : بأنه الذي لا ثاني له. والصواب : لا شريك له - لا إله إلا الله وحده لا شريك له - وقولنا : "لا شريك" كما أنه هو الوارد ، فهو أبلغ مما جاء في هذه البطاقة. 3-فسر اسم ( العزيز ) : بأنه الذي لا نظير له ، وهو قصور؛ والصواب : الغالب الذي لا يغلبه أحدٌ. 4-فسر اسم (القيوم) : بأنه القائم بأسباب مخلوقاته. والصواب: القائم بنفسه وعلى غيره : قال الله – تعالى - : ]أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت[ (1) ، فهو قائم بنفسه لا يحتاج إلى غيره، وهو قائم على غيره : فكل أحد محتاج إلى الله – عز وجل - وتفسيره بالقائم بأسباب مخلوقاته قاصر جداً . 5-ذكر في هذه البطاقة البدعية صيغة صلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أنزل الله بها من سلطان وهي : "اللهم صلِّ على سيدنا محمد ، عدد ما في علم الله ، صلاة دائمة بدوام ملك الله" . 6-ذكر في هذه البطاقة البدعية أنه يتأكد الصلاة عليه عقب كل صلاة مكتوبة ثلاث مرات بصيغة ذكرها وهي : "اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد ، وعلى آله ، وصحبه عدد حروف القرآن حرفاً حرفاً ، وعدد كل حرف ألفاً ألفاً ، وعدد صفوف الملائكة صفاً صفاً ، وعدد كل صف ألفاً ألفاً ، وعدد الرمال ذرةً ذرةً ، وعدد كل ذرة ألفَ ألفِ مرةٍ، عدد ما أحاط به علمك،وجرى به قلمك ، ونفذ به حكمك ، في برك ، وبحرك ، وسائر خلقك، عدد ما أحاط به علمك القديم من الواجب ، والجائز ، والمستحيل ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد ، وعلى آله وصحبه مثل ذلك". وهاتان الصيغتان بدعيتان باطلتان مخالفتان لما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته ، حيث قالوا: يا رسول قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال : "قولوا : اللهم صلِّ على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد" . وبهذا علم أن الأذكار، والصلوات البدعية مع بطلانها، وفسادها تستلزم الصد باعتبار حال فاعلها عما جاءت به الشريعة من الأذكار، والصلوات الشرعية؛ فحذار حذار أيها المؤمن من البدع ؛فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار،كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان-. (368) وسئل : عن حكم وضع العروس قدمها في دم خروف مذبوح؟ فأجاب بقوله : ليس لهذه العادة من أصل شرعي وهي عادة سيئة؛ لأنها : أولاً : عقيدة فاسدة لا أساس لها من الشرع. ثانياً : أن تلوثها بالدم النجس سفه ؛ لأن النجاسة مأمور بإزالتها، والبعد عنها. وبهذه المناسبة أود أن أقول لإخواني المسلمين : إن من المشروع أن الإنسان إذا أصابته النجاسة فليبادر بإزالتها، وتطهيرها ؛ فإن هذا هو هدي النبي ، صلى الله عليه وسلم : فإن الأعرابي لما بال في المسجد أمر النبي – صلى الله عليه وسلم - أن يراق على بوله ذنوبٌ من ماء؛ وكذلك الصبي الذي بال في حجر النبي : دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بماء فأتبعه إياه – أي أتبعه بول الصبي –؛ وتأخير إزالة النجاسة سبب يؤدي إلى نسيان ذلك، ثم يصلي الإنسان وهو على نجاسة؛ وهذا وإن كان يعذر به على القول الراجح، وأنه لو صلى بنجاسة نسي أن يغسلها فصلاته صحيحة؛ لكن ربما يتذكر في أثناء الصلاة؛ وحينئذ إذا لم يمكنه أن يتخلص من النجاسة مع الاستمرار في صلاته فلازم ذلك أنه سوف يقطع صلاته، وينصرف، ويبتدئها من جديد. على كل حال هذه العادة السيئة التي وقع السؤال عنها فيها تلوث المرأة بالنجاسة الذي هو من السفه، فإن الشرع أمر بالتخلص من النجاسة وتطهيرها ، ثم إنني أخشى أن يكون هناك عقيدة أخرى وهي أن يذبحوه إما لجن ، أو شياطين، أو ما أشبه ذلك؛ فيكون هذا نوعاً من الشرك؛ ومعلوم أن الشرك لا يغفره الله – عز وجل – والله المستعان. (369) وسئل فضيلة الشيخ عن حكم وضع التمر على الطعام لئلا تأتيه الحشرات ؟ فأجاب قائلاً : هذا الفعل وهو وضع التمر على الطعام لئلا تصيبه الحشرات لا أعلم له أصلاً من الشرع ، ولا أصلاً من الواقع؛ فإن الحشرات تأتي إلى مايلائمها ؛ فمنها ما يلائمه التمر، وتأتي حوله، وتأكل منه ؛ ومنها ما يلائمها الدسم، فتأتي إليه، وتطعم منه ؛ ولا أصل لهذا الذي يفعل؛ وإذا لم يكن له أصل من الشرع، ولا أصل من الواقع ، فإنه لا ينبغي للإنسان أن يفعله، لأنه مبني على مجرد أوهام، وخيالات لا حقيقة لها - والله أعلم. (370) وسئل : عن شخص سكن في دار، فأصابته الأمراض، وكثير من المصائب مما جعله يتشاءم هو وأهله من هذه الدار؛ فهل يجوز له تركها لهذا السبب؟ فأجاب بقوله : ربما يكون بعض المنازل ، أو بعض المركوبات ، أو بعض الزوجات مشؤوماً يجعل الله بحكمته مع مصاحبته إما ضرراً ، أو فوات منفعة ، أو نحو ذلك ؛ وعلى هذا فلا بأس ببيع هذا البيت، والانتقال إلى بيت غيره ؛ ولعل الله أن يجعل الخير فيما ينتقل إليه؛ وقد ورد عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : "الشؤم في ثلاث: الدار ، والمرأة ، والفرس" فبعض المركوبات يكون فيها شؤم ، وبعض الزوجات يكون فيهن شؤم، وبعض البيوت يكون فيها شؤم، فإذا رأى الإنسان ذلك فليعلم أنه بتقدير الله – عز وجل –، وأن الله – سبحانه وتعالى – بحكمته قدر ذلك لينتقل الإنسان إلى محل آخر - والله أعلم -. (371) وسئل فضيلة الشيخ : عما يفعله بعض أهل المزارع من ذهابهم إلى رجل ليكتب لهم ورقة تطرد الطيور، وتحمي مزارعهم؟ فأجاب بقوله : هذا العمل ليس بجائز شرعاً؛ وذلك لأنه لا يمكن أن تكون هذه الورقة تطرد الطيور عن المزارع ؛ فإن هذا ليس معلوماً بالحس، ولا معلوماً بالشرع؛ وكل سبب ليس معلوماً بالحس، ولا بالشرع فإن اتخاذه محرم؛ فلا يجوز أن يعملوا هذا العمل؛ وإنما عليهم أن يكافحوا هذه الطيور التي تنقص محاصيلهم بالوسائل المعتادة التي يعرفها الناس - دون هذه الأمور التي لا يعلم لها سبب حسي، ولا شرعي. (372) سئل فضيلة الشيخ : ما رأيكم في هذه الورقة التي تسمى "رحلة سعيدة" البطاقة الشخصية : الاسم : الإنسان "ابن آدم" الجنسية : من تراب . العنوان : كوكب الأرض . محطة المغادرة : الحياة الدنيا. محطة الوصول : الدار الآخرة . موعد الإقلاع : ]وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت[ . موعد الحضور : ]لكل أجل كتاب[ . العفش المسموح به: 1-متران قماش أبيض . 2-العمل الصالح . 3-دعاء الولد الصالح . 4-علم ينتفع به . 5-ما سوى ذلك لا يسمح باصطحابه في الرحلة. شروط الرحلة السعيدة: على حضرات المسافرين الكرام اتباع التعليمات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - . "مزيد من المعلومات" يرجى الاتصال بكتاب الله وسنة رسوله الكريم. ملاحظة : الاتصال مباشر ومجاناً . لا داعي لتأكيد الحجز هاتف 43442 ؟ فأجاب - حفظه الله ورعاه -بقوله :رأيي في هذه التذكرة التي شاعت منذ زمن، وانتشرت بين الناس، ووضعت على وجوه شتى؛ منها هذا الوجه الذي بين يدي؛ وهذه الورقة تشبه أن تكون استهزاءً بهذه الرحلة؛ وانظر إلى قوله في أرقام الهاتف : "43442" يشير إلى الصلوات الخمس: اثنين لصلاة الفجر ؛ وأربعة أربعة للظهر، والعصر؛ وثلاثة للمغرب؛ وأربعة للعشاء؛ فجعل الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين جعلها أرقاماً للهاتف، ثم قال:إن موعد الرحلة:]وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت[(1) فنقول: أين الوعد في هذه الرحلة ؟! وقال : إن موعد الحضور: ]لكل أجل كتاب[ (2) فأين تحديد موعد الحضور؟! والمهم أن كل فقراتها فيها شيء من الكذب ؛ ومنها العفش الذي قال: إن منه العلم الذي ينتفع به، والولد الصالح ، وهذا لا يكون مصطحباً مع الإنسان؛ ولكنه يكون بعد الإنسان فالذي أرى أن تتلف هذه التذكرة ، وأن لا تنشر بين الناس، وأن يكتب بدلها شيء من كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - حتى لا تقع مثل هذه المواعظ على سبيل الهزء ؛ وفي كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ما يغني عن هذا كله. وإنني بهذه المناسبة أود أن أنبه إلى أنه في هذه الآونة الأخيرة النشرات التي تنشر بين الناس ما بين أحاديث ضعيفة ، بل موضوعة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين قراءٍ منامية تنسب لبعض الناس وهي كذب وليست بصحيحة ، وبين حِكَم تنشر وليس لها أصل ، وإنني أنبه إخواني المسلمين على خطورة هذا الأمر ، وأن الإنسان إذا أراد خيراً فليتصل برئاسة إدارة البحوث العلمية، والإفتاء، والدعوة، والإرشاد بالمملكة العربية السعودية ، وليعرض عليها ما عنده من المال الذي يحب أن ينشر ما ينتفع الناس به؛ وهي محل ثقة وأمانة؛ – والحمد لله – تجمع هذه الأموال وتطبع بها الكتب النافعة التي ينتفع بها المسلمون في هذه البلاد، وغيرها. أما هذه النشرات التي ليست مبنية على شيء، وإنما هي أكذوبات أو أشياء ضعيفة ، أو حكم ليست حقيقية؛ بل هي كلمات عليها مؤاخذات، وملاحظات ؛ فإنني لا أحب أن ينتشر هذا بين المسلمين، وفيما صح من سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كفاية - والله المستعان -. (373) وسئل فضيلة الشيخ : يقوم كثير من الناس بتوزيع ورقة يدعى أنها وصية أحمد خادم الحرم فما حكم هذا العمل؟ فأجاب بقوله : هذه الوصية من شخص مجهول سمى نفسه الشيخ أحمد؛ ولكن فعله ليس بأحمد؛ هذا الرجل ادعى أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأوصاه بوصية، وحثه على نشر هذه الوصية، وتوعد من لم ينشرها بمصائب تأتيه، أو تأتي أولاده ، ولكن هذه الوصية مكذوبة ؛ والعجيب أن الشيخ محمد رشيد رضا المشهور يقول : : إن هذه قد راجت منذ أكثر من مائة سنة يقول :: هذه راجت وأنا في سن الطلب. وهي كلما انتهز الوضاعون الكذابون الفرصة نشروها بين الناس وعلى من رأى هذا المنشور أن يمزقه؛ ولا يحل له أن ينشره إلا إذا كتب فيه بأن هذا موضوع مكذوب على الرسول -صلى الله عليه وسلم -.

الأقسام الرئيسية: