القواعد الفقهية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد :

فهذه مجموعة من القواعد الفقهية جمعها وشرحها شرحاً موجزاً فضيلة الشيخ محمد درويش - رحمه الله – في كتيب صغير وحيث لا يعلم بهذا الكتيب كثير من الناس أحببت إخراجه ليستفيد منه الجميع وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . 

 

1-  الأمور بمقاصدها

 ومعنى هذا أن الحكم الذي يترتب على أمر من الأمور، يكون على حسب المقصود من ذلك الأمر .

فإذا أطلق إنسان مقذوفاً نارياً قاصداً أن يصطاد طائراً من الطيور المباح صيدها فأصاب المقذوف إنساناً فقتله , فإنه لا يُقتل لأنه لم يكن يقصد قتل الإنسان وإنما قصد إصابة الطائر.

فالحكم الذي يترتب على إطلاق المقذوف يكون على حسب المقصود من إطلاقه وهو الصيد .  

وهذا المبدأ مأخوذ من الحديث الشريف : " إنما الأعمال بالنيات , وإنما لكل امرئ ما نوى .([1])

ويندرج تحت هذا المبدأ مسائل تفوق الحصر يضيق نطاق هذا الكتيب عن إيرادها .

 

2-اليقين لا يزول بالشك


فمن كان على يقين من الوضوء ثم شك في الحدث فإن وضوءه لا ينقض .
ومن كان مديناً لآخر بيقين ثم شك في الأداء فإن الدَين لا يسقط ويلزمه أداؤه؛ لأن الشك لا يزيل اليقين  . 

 3-العبرة في العقود للمقاصد والمعاني ، لا للألفاظ والمباني

 
فإذا تراضى المتعاقدان على أن يؤجر أحدهما للآخر عيناً، ولكن المؤجر نطق بلفظ البيع بدل الإيجار فإن العقد يكون على حسب المقصد الذي قصده المتعاقدان لا على حسب اللفظ الذي صدر ؛ وبذلك يكون العقد إيجاراً لا بيعاً.

4-الأصل بقاء ما كان على ما كان

الأصل أن يبقى الشيء على حاله التي كان عليها أولاً  ما لم يقم دليل على أنه قد حصل فيه تغيير .

فلو اشترى شخص سلعة من تاجر ، وتركها عنده ، ثم عاد ليأخذها ،فادعى أن التاجر قد غيرها ، لم يقبل قوله حتى يقيم الدليل على صحته ، ويقبل قول التاجر الذي يشهد له الأصل .

ولو كان لرجل دَيْنٌ على آخر ، فأقام المدين البرهان على أدائه ، وأقام الدائن البرهان على أن له ديناً على المدين لم تقبل حجة الدائن حتى يثبت أن هذا الدين دين جديد حدث بعد أداء الدين الأول .

5-القديم يترك على قدمه

فمن أراد أن يمنع شخصاً من المرور في طريق قديم ، أو يمنعه من إجراء الماء إلى حقله من مجرى قديم ، أو يمنعه عن صرف الماء عن حقله من مسيل قديم بحجة أن الطريق أو المجرى أو المسيل من ملكه ، لم يسمع قوله : لأن القديم يترك على قدمه ما لم يقم الدليل على أن هذا الاستعمال حديث وليس بقديم .

6-الضرر لا يكون قديماً 

أي : لا يعتبر القدم فيما كان ضرره فاحشاً ؛ لأن الضرر يزال شرعاً .

فإذا كان هناك مجرى ماء قذر في طريق عام ينشأ عنه ضرر يمنع ضرره ولو كان قديماً.

7-الأصل براءة الذمة

فإذا ادَّعى شخص حقاً على آخر كان عليه أن يأتي بالبينة ليثبت ذلك الحق ؛لأن الأصل براءة الذمة .

وإذا أتلف شخص مال آخر واختلفا في مقداره ، يكون القول للمُتلِف،وعلى صاحب المال أن يأتي بالبينة لإثبات الزيادة ، فإن لم يفعل لم يقبل ادعاؤه بالزيادة على ما قال

المُتلِف .

 

8-الأصل في الصفات العارضة العدم

فإذا اشترك شخصان في تجارة :

أحدهما بالعمل والآخر برأس المال فادعى العامل أن التجارة لم تربح، فالقول قوله ،وعلى رب المال إذا ادعى الربح أن يقيم الدليل على حصوله.

وإذا ادعى العامل أن التجارة قد خسرت لم يقبل قوله حتى يأتي بالبينة على حصول الخسارة ؛لأن الأصل في الصفات العارضة كالربح أو الخسارة العدم

فمن ادعى حصول شيء منها فعليه أن يأتي بالدليل الذي يثبته.

 

9-ما ثبت في زمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه

فإذا ثبت أن داراً معينة كانت مملوكة لشخص معين في وقت كذا ؛فالأصل أنها تكون باقية على ملكه ما لم يقم الدليل على أنها خرجت من ملكه ببيع أو نحوه .

 

10-الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته

أي إذا حصل خلاف في وقت حصول أمر ، يحكم بحصوله في أقرب الأوقات إلى الحال .

فإذا تزوج مسلم زوجة ذمية ، ومات عنها ، فادَّعت أنها أسلمت قبل مونه لترث منه ، وادَّعى وارثه أنها أسلمت بعد موته كان القول قوله ؛ لأن الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته ما لم تثبت بالبينة أن أسلامها كان قبل وفاته .

وكذلك إذا باع تاجر سلعة لشخص ، ثم ادَّعى المشتري أنه وجد فيها عيباً،

وقال البائع : إن العيب حدث عند المشتري ؛كان القول قول البائع ؛ لأن الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته ، لم يُقِمْ المشتري البينة على أن العيب قديم . 

11-الأصل في الكلام الحقيقة

أي : أن الأصل أن يحمل اللفظ على المعنى الموضوع هو له ، حيث لا تكون هناك قرينة تمنع من إرادته .

فإذا قال شخص : أكلت مال فلان ، حُمل قوله على أنه أكل طعامه ؛ لأن الأكل موضوع في الأصل لتناول الطعام ، ما لم تقم قرينة تدل على أنه اغتصب ماله ، أو أنكر ما له عليه من حق .

12-لا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح

فمن أخذ سلعة من تاجر، وقال له : آخذها بعشرين قرشاً، وقال التاجر :

 لا أبيعها إلا بخمسة وعشرين .

وأخذها المشتري وانصرف ؛ لزمه أن يدفع خمسة وعشرين قرشاً.

فإن قال المشتري : إن تركه إياي أنصرف بالسلعة دليل على أنه رضي أن يبيعنيها بعشرين .

قلنا : لا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح .

  

13-لا مساغ للاجتهاد في مورد النص

إذا ورد نص واضح المعنى يدل على الحكم في مسألة من المسائل ، فلا يصح الاجتهاد بحمل النص على معنى آخر والحكم بما يخالف النص .

 

14-ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه

الأصل أن القاتل عمداً عدواناً يقتل .

وقد ثبت أن القاتل إذا كان أصلاً للمقتول فإنه لا يقتل به على خلاف القياس .

ولما كان ذلك مخالفاً للقياس فلا يصح أن يقاس عليه غيره .

15-الاجتهاد لا ينقض بمثله

أي: إذا لم يكن هناك نص على حكم مسألة من المسائل فاجتهد مجتهد,واستفرغ وسعه في البحث عن حكم هذه المسألة, وقضى فيها برأيه, لا يصح أن ينقض اجتهاده مجتهد آخر .

ودليل ذلك الإجماع, وقد حكم أبو بكر بأمور, وخالفه فيها عمر رضي الله عنه ولكن لم ينقض حكمه ؛لأن الاجتهاد الثاني ليس بأولى بالإتباع من الاجتهاد الأول,ولو أبحنا نقض الاجتهاد الأول بالاجتهاد الثاني لترتب على ذلك أنه لا يستقر حكم من الأحكام .

16-المشقة تجلب التيسير

وكل ما في الشريعة من الرخص مبني على هذه القاعدة أو مستنبط منها فالمشقة التي يجدها الصائم في المرض أو السفر جلبت التيسير وهو:

إباحة الفطر وقضاء ما أفطر فيه بعد الصحة أو الإقامة والمشقة في الحصول على الماء أو في استعماله جلبت التيسير وهو إباحة التيمم .

والمشقة التي يجدها المريض في القيام في الصلاة جلبت التيسير وهو إباحة الصلاة من جلوس وهكذا .

وأسباب التخفيف سبعة :

1-السفر

2-المرض

3-الإكراه

4-النسيان

5-الجهل

6-النقص

7-العسر وعموم البلوى

وتخفيفات الشرع أنواع :

1-تخفيف إسقاط كإسقاط العبادات عند وجود أعذارها .

2-تخفيف نقص كقصر الصلاة .

3-تخفيف إبدال كالتيمم بدل الوضوء .

4-تخفيف تقديم كجمع الظهر والعصر في عرفات .

5-تخفيف تأخير كجمع المغرب والعشاء في مزدلفة .

6-تخفيف ترخيص كالترخيص في شرب الخمر لإزالة الغصة عند فقد الماء .

7-تخفيف تغيير كتغيير نظام الصلاة في الخوف .

 

17-الأمر إذا ضاق اتسع

هذا المبدأ مرتب على المبدأ السابق ومعناه :

 أنه إذا ظهرت مشقة في أمر من الأمور ترخص فيه وتوسع .

 

القواعد الفقهية ( 18)

الضرر : ما يقع من شخص على آخر .

والضرار : ما يقع من جانبين أي: تبادل الضرر، وكلاهما ممنوع شرعاً.

 وأصله قوله صلى الله عليه وسلم : " لا ضرر ولا ضرار ".([2])

فإذا فتح شخص نافذة تطل على مقر نساء جاره لا يصح للجار أن يقابله بالمثل ،ويفتح نافذة تطل على مقر نسائه بل كلاهما يمنع من ذلك ،ويؤمر بسد النافذة التي فتحها؛ منعاً للضرر والضرار .

ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم:" ولا تخن من خانك ".([3])

  

19-الضرر يزال شرعاً

ومعنى هذا أن كل شيء فيه ضرر للأفراد أو الجماعات تجب إزالته شرعاً فيقتل الكلب العقور، وتمنع أسباب العدوى ،وتزال الفتن المضرة ، ويزال الغش في الطعام وغيره ، وهكذا .


20-الضرورات تبيح المحظورات


أي إذا اضطر الإنسان إلى أمر محظور و نزل به احتياج ملجىء – كالجوع المميت مثلاً – فإنه يباح له أن يأكل من مال أجنبي بغير رضاه , و غير ذلك من الأشياء الممنوعة وقت السعة و الرخاء و الاختيار .
فمن المحظورات التي تبيحها الضرورة :
(1)أكل الميتة عند المخمصة.
(2)إساغة الغصة بالخمر عند فقه الماء.
(3)التلفظ بالكفر عند الإكراه.
(4)دفع الصائل ( 4 ) و لو أدى إلى قتله .

 

 21-الضرورة تقدر بقدرها:


إذا أبيح شيء من المحظورات للضرورة كانت إباحته على قدر الحاجة و لا تجوز الزيادة على ذلك , بل يجب الاقتصار على ما تدعو إليه الضرورة و يُبقِي الرمق و يحفظ الحياة و يكون سداداً من عوز .
فلا يأكل المضطر من الميتة إلى حد الشبع , بل يقتصر على ما يسد الرمق , و لا ينظر الطبيب من العورة إلا إلى ما تدعو الضرورة إلى النظر إليه . و هكذا .

22-ما جاز لعذر زال بزواله:


أي إذا أبيح الفطر لعذر المرض أو السفر مثلاً زالت الإباحة بزوال العذر الذي كان سببا في إباحته.

 

23-الحدود تدرأ بالشبهات
و أصله قوله صلى الله عليه و  سلم :
" ادفعوا الحدود ما استطعتم " (5 )
و قوله : " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم , فإن وجدتم للمسلمين مخرجا فخلوا سبيلهم , فإن الإمام لأن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة " ( 6).

 

24-إذا زال المانع عاد الممنوع :

الصلاة فرض على المكلفات من النساء ،والحيض مانع من الصلاة.
فإذا زال الحيض وهو: المانع .
عاد الممنوع وهو: التكليف بالصلاة.
والصبي ممنوع من الحلف عند أداء الشهادة لصغر سنه.
فإذا زال المانع وهو: الصغر بالبلوغ.
عاد الممنوع وهو : الحلف .

 

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------
[1]  أخرجه البخاري في كتاب: بدء الوحي باب :كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ومسلم في كتاب :الإمارة باب :قوله صلى الله عليه وسلم :" إنما الأعمال بالنية "وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال (1907 ) وأبو داود في كتاب: الطلاق باب:فيما عني به الطلاق والنيات والترمذي في كتاب:فضائل الجهاد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب:ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا( 1647 ) والنسائي في كتاب: الطهارة باب : النية في الوضوء ( 75 ) وابن ماجه في كتاب الزهد باب : النية (4227 ).

  [2]" صحيح "   أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الأقضية باب القضاء في المرفق ( 31 ) وأحمد ( 1/313  )

وابن ماجه في كتاب الأحكام باب: من بنى في حقه ما يضر جاره ( 2340 ) .

وقال الألباني : صحيح انظر الصحيحة ( 250 ) .

[3] " صحيح "  أخرجه أحمد ( 3/414 ) وأبو داود في كتاب البيوع باب : في الرجل يأخذ حقه من تحت يده

( 3534  ) والترمذي كتاب الطلاق باب: ( 1264 ) وقال الألباني : صحيح انظر  صحيح الترمذي ( ص300 ) ط المعارف.  

4- أى المعتدى 


(5 ) " لم أجده بهذا اللفظ " وعند ابن ماجه في كتاب الحدود باب: الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات ( 2545 ) بلفظ " ادفعوا الحدود ما وجدتم مدفعا" وهو ضعيف وانظر إرواء الغليل ( 8/26 رقم 2356 ) للعلامة الألباني – رحمه الله - .

( 6 ) " ضعيف " أخرجه الترمذي في كتاب الحدود باب : ما جاء في درء الحدود ( 1424 ) والدار قطني في كتاب الحدود والديات وغيره (2/60 رقم 3075 ) وغيرهما وانظر إرواء الغليل ( 8/25 رقم 2355 ) للعلامة الألباني – رحمه الله - .

 

مقال للأخ أحمد الزهراني ، وهو من طلبة الشيخ ربيع المدخلي - حفظه الله