معنى الاستعاذة من عذاب جهنم و عذاب القبر وفتنة المحيا و الممات وفتنة المسيح الدجال

وَيَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ومنْ عَذابِ الْقَبْرِ ............

قوله: «ويستعيذ» أي: يقول: أعوذُ بالله مِن عذابِ جهنَّم، والعياذ: هو الالتجاء أو الاعتصام مِن مكروه، يعني: أن يعتصم بالله من المكروه.

واللِّياذ: أن تلجأ إليه لحصول المطلوب، كما قال الشاعرُ:

يا مَنْ ألُوذُ به فيما أُؤَمِّلُهُ

ومَنْ أعُوذُ به مِمَّا أُحَاذِرُهُ

لا يَجْبُرُ النَّاسُ عظماً أنت كاسِرُهُ

ولا يَهيضُونَ عظماً أنت جَابِرُهُ

فجعلَ اللِّياذ فيما يُؤمَّل، والعياذ فيما يُحذَرُ مِن الأشياء المكروهة.

وهذان البيتان لا يصلحان إلا للَّهِ تعالى، وإنْ كان قائلُهما يَمدحُ بهما مخلوقاً، فهما مِن شطحاتِ الشُّعراء.

قوله: «من عذاب جهنم» أي: العذاب الحاصل منها، فالإضافة هنا على تقدير «من» فهي جنسيَّة كما تقول: خاتم حديد، أي: خاتم مِن حديد، ويحتمل أن تكون الإضافة على تقدير «في»، أي: عذابٌ في جهنم كما قال تعالى: {{بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ}} [سبأ: 33] أي: مكرٌ في الليل، والإضافة تأتي على تقدير «مِن» وعلى تقدير «في» وعلى تقدير «اللام» وهي الأكثر.

وقوله: «جهنم» عَلَمٌ على النَّارِ التي أعدَّها عزّ وجل للكافرين، قال تعالى: {{وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ *}} [آل عمران: 131] ، وهذه النَّار وَرَدَ في صفاتها وصفات العذاب فيها في الكتاب والسُّنَّة ما تقشعِرُّ منه الجلودُ، والبحث فيها من عِدَّة وجوه.

الوجه الأول: هل هي موجودة الآن، أو ليست بموجودة؟

الجواب: هي موجودة؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم عُرضت عليه النَّارُ في صلاة الكسوف وهو يُصلِّي بالنَّاسِ، وكذلك في المعراج رأى النَّارَ أيضاً والقرآن يدلُّ على ذلك كما قال تعالى: {{أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}} [البقرة: 24] والإعداد بمعنى: التهيئة والفعل ماضٍ، فيقتضي: أن الإعداد حاصل الآن.

الوجه الثاني: هل هي مؤبَّدة أو مؤمَّدة؟ يعني: هل تفنى أو هي دائمة أبد الآبدين؟

الجواب: المتعيِّن قطعاً أنها مؤبَّدة، ولا يكاد يُعرف عند السَّلفِ سوى هذا القول، ولهذا جَعَله العلماء مِن عقائدهم؛ بأن نؤمن ونعتقد بأن النار مؤبَّدة أبد الآبدين، وهذا أمرٌ لا شَكَّ فيه؛ لأن الله تعالى ذَكَرَ التأبيد في ثلاثة مَواضع مِن القرآن في سورة «النساء» في قوله تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا *} {إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}} [النساء: 168، 169] .

والثاني في سورة «الأحزاب» في قوله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا *} {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}} [الأحزاب: 64، 65] .

والثالث في سورة «الجن» في قوله تعالى: {{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}} [الجن: 23] ، ولو ذَكَرَ اللَّهُ عزّ وجل التأبيد في موضعٍ واحد لكفى، فكيف وهو قد ذَكَرَه في ثلاثة مواضعٍ؟ ومِن العجب أن فِئةً قليلة مِن العلماء ذهبوا إلى أنها تفنى بناءً على عِللٍ عَليلة؛ لمخالفتها لمقتضى الكتاب والسُّنَّة، وحَرَّفوا مِن أجلها الكتابَ والسُّنَّةَ فقالوا: إن {{خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}} ما دامت موجودة. فكيف هذا؟!!

إذا كانوا خالدين فيها أبداً لزم أن تكون هي مؤبَّدة، لأن قوله: {{فِيهَا}} أي: هم كائنون فيها، وإذا كان الإنسان خالداً مؤبَّداً تخليده لزم أن يكون مكان الخُلود مؤبَّداً، لأنه لو فَنِيَ مكانُ الخلود ما صَحَّ تأبيد الخُلود.

والتعليلات المخالفة للنصِّ مردودة على صاحبها، وهذا الخلاف الذي ذُكِرَ عن فِئةٍ قليلة مِن أهل العِلم خلافٌ مُطَّرَحٌ؛ لأنه مخالف للنصِّ الصَّريح الذي يجب على كُلِّ مؤمن أن يعتقده، ومَن خالفَه لشُبهة قامت عنده فيُعذر عند الله، لكن من تأمَّل نصوصَ الكتابِ والسُّنَّةِ عَرَفَ أنها مؤبَّدة، والحكمة تقتضي ذلك؛ لأن هذا الكافر أفنى عُمُرَه في محاربة الله عزّ وجل ومعصيته، والكفر به وتكذيب رُسُله، مع أنه جاءه النذيرُ، وأعذر، وبُيِّنَ له الحقُّ، ودُعِي إليه، وقوتِلَ عليه، وأصرَّ على الكفر والباطل، فكيف نقول: إنَّ هذا لا يؤبَّد عذابه! والآيات في هذا صريحة.

الوجه الثالث: هل عذابها حقيقي يُؤلِم، أو أنَّ أهلَها يكونون فيها كأنهم حِجارة لا يتألَّمون؟

الجواب: أن عذابها حقيقي يُؤلِم، ومَنْ قال خِلاف ذلك فقد أخطأ، وأبعد النَّجْعَة، فهم يُعَذَّبون ويألمون ألماً عظيماً شديداً، كما قال تعالى في عِدَّة آيات {{لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}} [البقرة: 10] حتى إنهم يتمنَّون الموتَ، والذي يتمنَّى الموت، هل يُقال: إنه يتألَّم أو إنه تأقلم؟

الجواب: لو تأقلمَ ما تألَّمَ، ولا دعا الله أنْ يقضيَ عليه، قال تعالى: {{وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ *لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ *}} [الزخرف] .

إذاً؛ هم يتألَّمون بلا شَكٍّ، والحرارة النارية تؤثِّر على أبدانهم ظاهرِها وباطنِها، قال الله تعالى في كتابه العزيز: {{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا *}} [النساء] وهذا واضحٌ؛ أن ظاهر أبدانهم يتألَّم وينضج، وقال تعالى: {{وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ}} [الكهف: 29] ، وشَيُّ الوجه واللَّحم معروف، فهم إذا استغاثوا {{يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ}} [الكهف: 29] بعد مُدَّة طويلة، وهذا الماء إذا أقبل على وجوههم شواها وتساقطت ـ والعياذ بالله ـ فإذا شَرِبوه قَطَّعَ أمعاءَهم كما قال تعالى: {{وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ}} [محمد: 15] وهذا عذاب الباطن، وقال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في أهونِ أهلِ النَّارِ عذاباً: «إنَّه في ضَحْضَاح مِنْ نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغُه» فإذا كان الدِّماغ يَغْلي، فما بالك بما دونه مما هو أقرب إلى النَّعلين، وهذا دليل واضحٌ على أنَّهم يتألَّمون، وأنَّ هذه النارَ تؤثِّر فيهم، وقال تعالى: {{وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}} [الحج: 22] أي: المُحرِق، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة.

الوجه الرابع: هل هناك ناران: نارٌ لأهل الكفر، ونار لأهل التوحيد الذين يُعذَّبون فيها ثم يخرجون؟

الجواب: زَعَمَ بعضُ العلماء ذلك، وقال: إنَّ النَّارَ ناران، نارٌ لأهل الكفر؛ ونار لأهل المعاصي من المؤمنين، وبينهما فَرْقٌ، ولكن هذا لا أعلمُ له دليلاً؛ لا مِن القرآن ولا من السُّنَّة، والذي أعلمُه أنَّ النَّارَ واحدة لا تختلف لكن عذابها يختلفُ، فلا شَكَّ أنَّها على عُصاة المؤمنين ليست كما هي على الكافرين.

وكوننا نقول بالتقسيم بناءً على استبعاد عقولنا أن تكون ناراً واحدة تؤثِّر تأثيرين مختلفين لا وَجْهَ له لما يلي:

أولاً: أن الله على كلِّ شيءٍ قدير، والله تعالى قادرٌ على أن يجعل النَّارَ الواحدة لشخص سلاماً ولآخر عذاباً.

ثانياً: أن أحوال الآخرة لا تُقاس بأحوال الدنيا أبداً؛ لظهور الفَرْقِ العظيم بينهما، فلا يجوز أنَّ تقيس أحوال الآخرة بأحوال الدُّنيا؛ لتنفي ما لا يتَّسعُ له عقلك، بل عليك ـ بالنسبة لأحوال الآخرة ـ أن تسلِّم وتقبل وتُصدِّق. أليست هذه الشمسُ تدنو مِن الخلائق قَدْرَ ميل يوم القيامة؟ ولو كانت أحوالُ النَّاسِ يوم القيامة كأحوالهم في الدنيا لأحرقتهم؛ لأنَّ هذه الشمسَ في أوجها لو نزلت في الدُّنيا ولو يسيراً أحرقت الأرضَ ومَحَتْهَا عن آخرها، ونحن نحسُّ بحرارتها الآن، وبيننا وبينها مسافات عظيمة، ولا سيَّما في أيام الصيف حين تكون عمودية، ومع ذلك تدنو مِن الخلائق يوم القيامة بمقدار ميل، ولا يحترقون بها.

وكذلك أيضاً في يوم القيامة؛ الناسُ في مقام واحد، المؤمنون لهم نورٌ يَسعى بين أيديهم وبأيمانهم، والكُفَّار في ظُلْمَة، لكن في الدنيا لو كان بجانبك واحد على يمينه نورٌ وبين يديه نورٌ فإنك تنتفع به، أمَّا في الآخرة فلا.

وفي الآخرة أيضاً يَعْرَقُ النَّاسُ، فيختلف العَرَقُ اختلافاً عظيماً بينهم؛ وهم في مكانٍ واحد، فمِن النَّاسِ مَن يَصِلُ العَرَقُ إلى كعبيه، ومنهم مَن يَصِلُ إلى ركبتيه، ومنهم مَن يَصِلُ إلى حقويه، ومنهم مَنْ يُلجمُه العَرَقُ.

فلا يجوز أن نقيسَ أحوالَ الآخرة بأحوال الدُّنيا، ثم نذهب ونُحدِث أشياء لم تأتِ في الكتاب والسُّنَّة، كتقسيم النَّار إلى نارين: نار للعصاة، ونار للكافرين. فالذي بلغنا ووصل إليه عِلمُنا أنها نارٌ واحدة لكنها تختلف.

الوجه الخامس: أين مكان وجودها؟

الجواب: مكانها في الأرض، ولكن قال بعضُ أهل العِلْم: إنَّها البحار. وقال آخرون: بل هي في باطن الأرض. والذي يظهر: أنَّها في الأرض، ولكن لا ندري أين هي مِن الأرض على وَجْهِ التعيين.

والدَّليل على أنَّ النَّارَ في الأرض:

قول الله تعالى: {{كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ *}} [المطففين: 7] وسِجِّين الأرض السُّفلى كما جاء في حديث البَراءِ بن عَازبٍ فيمن احتُضِرَ وقُبِضَ مِن الكافرين، أنَّها لا تُفتَّحُ لهم أبوابُ السَّماءِ، ويقول الله تعالى: «اكتبوا كتابَ عبدي في سِجِّين في الأرض السُّفلى، وأعيدوه إلى الأرض» ولو كانت النَّارُ في السَّماء لكانت تُفتَّحُ لهم أبوابُ السَّماءِ ليدخلوها؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رأى أصحابَها يعذَّبون فيها، وإذا كانت في السَّماءِ لَزِمَ مِن دخولهم في النَّارِ التي في السماء أن تُفَتَّحَ لهم أبوابُ السَّماءِ.

لكن؛ بعضُ الطَّلبة استشكلَ وقال: كيف يراها الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم ليلة عُرِجَ به وهي في الأرض؟

وأنا أعجب لهذا الاستشكال! ولا سيَّما وقد وَرَدَ مِن طالب عِلم، فإذا كُنَّا ـ ونحن في الطائرة ـ نرى الأرضَ تحتنا بعيدة وندركها، فكيف لا يرى النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ النَّارَ وهو في السماء؟!!

ثم إن أمورَ الغيب لا تُقاس بأمور الشهادة.

فالحاصل: أنَّ النَّارَ في الأرض، وقد رُوِيَ في هذا أحاديثُ؛ لكنها ضعيفة، ورُوِيَ آثار عن السَّلف كابن عباس، وابن مسعود[(313)]، وهو ظاهر القرآن قال تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}} [الأعراف: 40] ، والذين كذَّبوا بالآيات واستكبروا عنها لا شَكَّ أنهم في النّار.

الوجه السادس: ما أسماؤها؟

الجواب: لها أسماء متعدِّدة، وهذا التعدُّد في الأسماء لاختلاف صفاتها؛ فتُسمَّى الجحيم، وتُسمَّى جهنَّم، وتُسمَّى لَظَى، وتُسمَّى السَّعير، والمُسمَّى واحد، فكلُّ ما وَرَدَ في كتاب الله أو صَحَّ في سُنَّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم مِن أسمائها فإنه يجب على المؤمن أن يصدِّق به ويُثْبِتَه.

وقوله: «من عذاب جهنَّم» هل المراد أنه يتعوَّذ بالله من فِعْلِ المعاصي المؤدِّية إلى جهنم، أو يتعوَّذ بالله من جهنَّم، وإن عَصَى فهو يطلب المغفرة من الله، أو يشمَلُ الأمرين؟

الجواب: يشمَلُ الأمرين، فهو يستعيذُ بالله مِن عذاب جهنَّم، أي: مِن فِعْلِ الأسباب المؤدِّية إلى عذاب جهنَّم.

ومِن عذاب جهنَّم، أي: من عقوبة جهنَّم إذا فَعل الأسباب التي توجب ذلك؛ لأن الإنسان بين أمرين: إمَّا عصمة مِن الذُّنوبِ، فهذا إعاذة الله من فِعْلِ السبب، وإما عفوٌ عن الذُّنوبِ وهذا إعاذة الله مِن أَثَرِ السبب.

وقولنا: العصمة مِن الذُّنوبِ، ليس معناه العصمة المطلقة؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «كلُّ بني آدم خَطَّاء، وخيرُ الخَطَّائين التوَّابُون»[(314)]. وقال: «لو لم تُذنبوا؛ لذهبَ اللَّهُ بكم، ولجاء بقومٍ يُذنبون؛ فيستغفرون الله؛ فيغفر لهم»[(315)].

قوله: «ومن عذاب القبر» معطوفة على «مِن عذاب جهنَّم» وعذاب القبر ما يحصُل فيه من العقوبة، وأصل القبر مدفن الميِّت، قال الله تعالى: {{ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ *}} [عبس] قال ابنُ عباس: «أي: أكرمه بدفنه». وقد يُراد به البرزخ الذي بين موت الإنسان وقيام الساعة، وإن لم يُدفن، كما قال تعالى: {{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}} [المؤمون: 100] يعني: مِن وراء الذين ماتوا؛ لأن أوَّلَ الآية يدلُّ على هذا، قال تعالى: {{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ *لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ *}} [المؤمنون] .

فهل الدَّاعي إذا استعاذ بالله مِن عذابِ القبر؛ يريد مِن عذاب مدفن الموتى، أم مِن عذاب البرزخ الذي بين موته وبين قيام السَّاعة؟

الجواب: يُريد الثاني؛ لأن الإنسان في الحقيقة لا يدري هل يموت ويُدفن، أو يموت وتأكله السِّباع، أو يَحترق ويكون رماداً، قال الله تعالى: {{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}} [لقمان: 34] فاستحضر أنك إذا قلت: «من عذاب القبر» أي: مِن العذاب الذي يكون للإنسان بعد موتِه إلى قيام السَّاعة.

والبحث في عذاب القبر مِن عِدَّة أوجه:

الوجه الأول: بماذا ثبت عذاب القبر؟

الجواب: ثبت بصريح السُّنَّة، وظاهر القرآن، وإجماع المسلمين.

أمَّا صريحُ السُّنَّة: فحديث البَراء بن عَازبٍ وأمثاله، قال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «استعيذوا بالله مِن عذابِ القبر، استعيذوا بالله مِن عذاب القبر، استعيذوا بالله مِن عذاب القبر»[(316)].

وأمَّا إجماع المسلمين: فلأن جميع المسلمين يقولون في صلاتهم: «أعوذُ بالله من عذاب جهنَّم، ومِن عذاب القبر»، حتى العامَّة الذين ليسوا من أهل الإجماع، ولا من العلماء.

وأما ظاهر القرآن: فمثل قوله تعالى في آل فرعون: {{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ *}} [غافر] قال: {{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا}} ثم قال: {{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}} ولا شَكَّ أن عَرْضهم على النَّارِ مِن أجل أن يصيبهم مِن عذابها، وقال تعالى: {{وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ}} [الأنعام: 93] فهم يَشِحُّون بأنفسهم لا يريدون أن تخرج {{الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}} [الأنعام: 93] .

فقال: {{الْيَوْمَ}} «أل» هنا للعهد الحضوري، يعني: اليوم الحاضر الذي هو يوم وفاتهم {{تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}} [الأنعام: 93]

وهذا الظَّاهر من القرآن يكاد يكون كالصَّريح؛ لأن الآيتين اللتين ذكرناهما كالصَّريح في ذلك.

الوجه الثاني: هل هو على البدن، أو على الرُّوح، أو عليهما؟

الجواب: الأصلُ أنَّه على الرُّوح؛ لأن الحُكْمَ بعد الموت للرُّوح، والبدن جُثَّة هامدة، ولهذا لا يحتاج البدن إلى إمداد لبقائه، فلا يأكل ولا يشرب، بل تأكله الهوام، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الرُّوح قد تتَّصلُ بالبَدَنِ فيتعذَّب. واعتمدوا في ذلك على أنَّ هذا قد رُئِيَ حِسًّا في القبر، فقد فُتِحَتْ بعضُ القبور ورُئِيَ أثرُ العذاب على الجسم، وفُتِحت بعضُ القبور ورُئِيَ أثر النَّعيم على الجسم، وقد حدثني بعضُ النَّاسِ أنَّهم في هذا البلد هنا في «عُنَيزة» كانوا يَحْفِرُون لسور البلد الخارجي، فمرُّوا على قَبْرٍ فانفتح اللَّحْدُ فوجدوا فيه ميتاً قد أكلت كَفَنَه الأرضُ، وبقي جسمُه يابساً؛ لكن لم تأكل منه شيئاً، حتى إنهم قالوا: إنهم رأوا لحيته وفيها الحناء، وفاح عليهم رائحة كأطيب ما يكون من المسك، فتوقَّفوا وذهبوا إلى الشيخ، وكان في ذلك الوقت «عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين» وسألوه فقال: دعوه على ما هو عليه وجنِّبوا عنه، فاحفِروا عن يمين أو يسار.

فبناءً على ذلك قال العلماء: إن الرُّوح قد تتَّصل بالبدن فيكون العذابُ على هذا وهذا، وربما يُستأنس لذلك بحديث البَراءِ بن عازبٍ المتقدِّم الذي قال فيه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن القبرَ ليضيق على الكافر؛ حتى تختلف فيه أضلاعُه» ، فهو يدلُّ على أن العذابَ يكون على الجسم؛ لأن الأضلاع في الجسم.

الوجه الثالث: إذا لم يُدفن الميِّت وأكلته السِّباعُ، أو ذرَّته الرِّياحُ، أو سقط في اليَمِّ فأكلته الحيتان. هل يكون عليه عذاب؟

الجواب: نعم، ويكون العذاب على الرُّوح؛ لأن الجسدَ قد زال وتَلِفَ وفَنِيَ، وإنْ كان هذا أمراً غيبيًّا لا أستطيع أن أجزم بأن البدن لا يناله مِن هذا العذاب شيء؛ ولو كان قد فَنِيَ واحترق؛ لأن الأمر الأُخروي لا يستطيع الإنسان أن يقيسه على المشاهد في الدُّنيا.

الوجه الرابع: هل عذابُ القبر دائم، أو منقطع؟.

الجواب: أما إنْ كان الإنسان كافراً ـ والعياذ بالله ـ فإنه لا طريق إلى وصول النَّعيم إليه أبداً، ويكون عذابُه مستمرًّا، وأما إنْ كان عاصياً وهو مؤمن فإنه إذا عُذِّبَ في قَبْرِه يُعذَّب بقَدْرِ ذنوبه، وربَّما يكون عذابُ ذنوبه أقل مِن البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة، وحينئذٍ يكون منقطعاً.

الوجه الخامس: هل يُخفَّفُ عذابُ القبر بالنسبة للمؤمن العاصي؟

الجواب: نعم، قد يُخفَّف؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مرَّ بقبرين فقال: «إنَّهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبير، بلى إنه كبير، أمَّا أحدهما فكان لا يستبرئ أو قال: لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»، ثم أخذ جريدةً رطبةً فشقَّها نصفين، فغرز في كُلِّ قبر واحدة، وقال: «لعله يخفَّف عنهما ما لم ييبسا» ، وهذا دليل على أنه قد يُخفَّف العذابُ، ولكن ما مناسبة هاتين الجريدتين لتخفيف العذاب عن هذين المعذَّبين؟

الجواب: قيل: لأنَّهما تسبِّحان ما لم تيبسا، والتسبيح يخفِّف مِن العذاب على الميِّت، وفرَّعوا على هذه العِلَّة المستنبطة التي قد تكون مستبعدة؛ أنه يُسنُّ للإنسان أن يذهب إلى القبور ويسبِّح عندها مِن أجل أن يخفِّف عنها العذاب.

وقال بعضُ العلماء: هذا التَّعليل ضعيف؛ لأن الجريدتين تسبِّحان، سواء كانتا رطبتين أم يابستين لقول الله تعالى: {{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}} [الإسراء: 44] .

وسُمِعَ تسبيحُ الحَصى بين يدي الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مع أن الحَصى يابس ولا ينمو.

والعِلَّة القريبة: أنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم رجا مِن الله عزّ وجل أن يخفِّف عنهما مِن العذاب ما دامت هاتان الجريدتان رطبتين، يعني: أن المدَّة ليست طويلة.

وذلك مِن أجل التَّحذير عن فِعْلِهما؛ لأن فِعْلَهما كبير كما جاء في الرواية: «بلى؛ إنه كبير» أحدهما لا يستبرئ من البول، وإذا كان لا يستبرئ مِن البول صَلَّى بغير طهارة، والثاني يمشي بالنميمة؛ يُفسد بين عباد الله ـ والعياذ بالله ـ ويُلقي بينهم العداوة والبغضاء، فالأمر كبير، وهذا هو الأقرب أنها شفاعة مؤقَّتة تحذيراً للأمة، لا بُخلاً مِن الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالشفاعة الدائمة.

ونقول استطراداً: إن بعض العلماء ـ عفا الله عنهم ـ قالوا: يُسَنُّ أن يضع الإنسان جريدة رطبة أو شجرة أو نحوها على القبر ليخفِّف عنه، لكن هذا الاستنباط بعيد جدًّا؛ ولا يجوز أن نصنع ذلك لما يلي:

أولاً: أنه لم يُكشف لنا أن هذا الرَّجل يُعذَّب، بخلاف النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فقد كُشِفَ له عن القبرين.

ثانياً: أننا إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الميِّت؛ لأننا ظننَّا به ظَنَّ سوءٍ أنه يُعذَّب، وما يدرينا فلعله يُنَعَّم، لعل هذا الميت ممن مَنَّ الله عليه بالمغفرة قبل موته؛ لوجود سبب مِن أسباب المغفرة الكثيرة، فمات وقد عفا رَبُّ العباد عنه، وحينئذٍ لا يستحقُّ عذاباً.

ثالثاً: أنَّهُ مخالفٌ لهدي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فإنه لم يكن يفعل ذلك في كلِّ قَبْرٍ.

رابعاً: أنَّه مخالفٌ لما كان عليه السَّلف الصَّالح الذين هم أعلمُ النَّاس بشريعة الله، فما فَعَلَ هذا أحدٌ من الصَّحابة رضي الله عنهم.

خامساً: أنَّ الله تعالى قد فَتَحَ لنا ما هو خير منه، فكان النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام إذا فَرَغَ مِن دفن الميِّت وَقَفَ عليه وقال: «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيتَ، فإنه الآن يُسأل»[(320)].

الوجه السادس: هل عذاب القبر من أمور الغيب، أم من أمور الشَّهادة؟

الجواب: مِن أمور الغيب، وكم من إنسان في هذه المقابر يُعذَّب، ونحن لا نشعرُ به، وكم جار له مُنعَّم مفتوح له باب إلى الجنة ونحن لا نشعر به، فما في القبور لا يعلمه إلا علاَّم الغيوب، فشأن عذاب القبر من أمور الغيب، ولولا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخبرنا به ما علمنا؛ ولهذا لمَّا دَخَلَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم على عائشة، وعندها امرأة من اليهود وهي تقول: هل شعرتِ أنكم تفتنون في القبور؟ قالت عائشة: فارتاعَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: «إنَّما تُفْتَنُ يَهُودُ» قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هل شعرتِ أنه أُوحي إلي أنكم تُفتنون في القبور» قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بَعْدُ يستعيذُ مِن عذاب القبر[(321)].

ولكن قد يُطلع الله تعالى عليه مَنْ شاء مِن عباده، مثل ما أطلع نبيه صلّى الله عليه وسلّم على الرَّجُلين اللذين يعذَّبان، أحدُهما يمشي بالنميمة، والآخر لا يستنزه من البول . والحكمة من جَعْلِهِ من أمور الغيب ما يلي:

أولاً: أنَّ الله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين؛ فلو كُنَّا نَطَّلِعُ على عذاب القبور لَمِتنا؛ لأن الإنسان إذا اطَّلع على أنَّ أباه، أو أخاه، أو ابنه، أو زوجه، أو قريبه يُعذَّب في القبر ولا يستطيع فِكَاكَه، فإنه يَقْلق ولا يستريح، وهذه مِن نعمة الله سبحانه.

ثانياً: أنه أستر للميِّت، فهذا الميِّت قد سَتَرَ الله عليه، ولم نعلم عن ذنوبه التي بينه وبين رَبِّه عزّ وجل، فإذا مات وأطلعنا الله على عذابِهِ صار في ذلك فضيحة عظيمة له، ففي سَتْرِه رَحْمةٌ مِن الله بالميِّت.

ثالثاً: أنه قد يَصعُب على الإنسان دَفْنُ الميِّت؛ كما صَحَّ عن النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لولا ألاَّ تدافنوا؛ لسألتُ اللَّهَ أن يسمِعَكم مِن عذاب القبر الذي أسمعُ منه»[(323)].

رابعاً: أنَّ في ذلك إزعاجاً لأهله وذويه، وربما عُيِّرُوا بذلك وأُهينُوا.

خامساً: لو كان العذاب ظاهراً لم يكن للإيمان به مزيَّة، لأنه يكون مشاهداً، وهو من أمور الغيب التي يُثنى على مَنْ آمن بها، ثم إنَّه قد يحمِلُ النَّاسَ على أن يؤمنوا كلهم؛ لقوله تعالى: {{فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}} [غافر: 84] فلو رأى النَّاسُ هؤلاء المدفونين وسمعوهم يتصارخون لآمنوا وما كفر أحد، لأنه أيقن بالعذاب عين اليقين، فكأنه نزل به فلم يكن للإيمان به فائدة. وحِكَمُ الله سبحانه وتعالى عظيمة والإنسان المؤمن حقيقة هو الذي يجزمُ بخبر الله أكثر مما يجزمُ بما شاهده بعينه، لأن خَبَرَ الله عزّ وجل لا يتطرَّقُ إليه احتمال الوهم ولا الكذب، وما تراه بعينك يمكن أن تتوهمه.

فكم مِن إنسان شَهِدَ أنَّه رأى الهلالَ؛ وإذا هي نجمة. وكم مِن إنسان شَهِدَ أنه رأى الهلال؛ وإذا هي شعرة بيضاء على حاجبه، وهذا وَهْمٌ، وكم مِن إنسان يرى شَبَحاً ويقول: هذا إنسان مقبل؛ وإذا هو جذع نخلة. وكم من إنسان يرى السَّاكن متحرِّكاً والمتحرِّك ساكناً. لكن خبر الله لا يتطرَّق إليه الاحتمال أبداً. ولهذا نسألُ الله لنا ولكم الثبات. فالمؤمن يُوقن بخبر الله أشدَّ مما يراه في عينه مِن قَبوله والإيمان به.

 

وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالمَمَاتِ وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَيَدْعُو بِمَا وَرَدَ.

قوله: «ومن فتنة المحيا والممات» معطوفة على «من عذاب جهنم» والمراد بالفتنة اختبار المرء في دينه؛ في حياته وبعد مماته، وفتنة الحياة عظيمة وشديدة، وقلَّ من يتخلَّص منها إلا مَنْ شاء الله، وهي تدور على شيئين:

1 ـ شُبُهات.

2 ـ شهوات.

أما الشُّبُهات فتعرض للإنسان في عِلْمِهِ، فيلتبس عليه الحقُّ بالباطل، فيرى الباطل حقًّا، والحقَّ باطلاً، وإذا رأى الحقَّ باطلاً تجنَّبه، وإذا رأى الباطلَ حقاً فَعَلَهُ، وأمَّا الشَّهوات فتعرض للإنسان في إرادته، فيريد بشهواته ما كان محرَّماً عليه، وهذه فتنة عظيمة، فما أكثر الذين يرون الرِّبا غنيمة فينتهكونه! وما أكثر الذين يرون غِشَّ النَّاسِ شطارةً وجَودةً في البيع والشِّراء فيغشُّون! وما أكثر الذين يرون النَّظَرَ إلى النساء تلذُّذاً وتمتُّعاً وحرية، فيطلق لنفسه النظر للنساء! بل ما أكثر الذين يشربون الخمر ويرونه لذَّة وطرباً! وما أكثر الذين يرون آلاتِ اللهو والمعازف فنًّا يُدرَّسُ ويُعطى عليه شهادات ومراتب!

وأما فتنة الممات فاختلف فيها العلماءُ على قولين:

القول الأول: إن فتنة الممات سؤال الملكين للميِّت في قَبْرِه عن ربِّه، ودينه ونبيِّه؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنه أُوحِيَ إلي أنكم تُفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة المسيح الدَّجَّال» فأمَّا مَنْ كان إيمانُه خالصاً فهذا يسهل عليه الجواب.

فإذا سُئل: مَنْ ربُّك؟ قال: ربِّي الله.

مَنْ نبيُّك؟ قال: نبيِّي محمَّد.

ما دينك؟ قال: ديني الإسلام. بكلِّ سُهولة.

وأما غيره ـ والعياذ بالله ـ فإذا سُئل قال: هاه... هاه... لا أدري؛ سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.

وتأمل قوله: «هاه... هاه...» كأنه كان يعلم شيئاً فنسيه، وما أشدَّ الحسرة في شيء علمتَه ثم نسيتَه؛ لأن الجاهل لم يكسب شيئاً، لكن النَّاسي كسب الشيء فخسره، والنتيجة يقول: لا أدري مَنْ ربِّي، ما ديني، مَنْ نبيي. فهذه فتنة عظيمة؛ أسألُ الله أن ينجِّيني وإيَّاكم منها، وهي في الحقيقة تدور على ما في القلب، فإذا كان القلب مؤمناً حقيقة يرى أمور الغيب كرأي العين، فهذا يجيب بكلِّ سُهولة، وإن كان الأمر بالعكس فالأمر بالعكس.

القول الثاني: المراد بفتنة الممات: ما يكون عند الموت في آخر الحياة، ونصَّ عليها ـ وإنْ كانت مِن فتنة الحياة ـ لعظمها وأهميتها، كما نصَّ على فِتنة الدَّجَّال مع أنها مِن فتنة المحيا، فهي فِتنة ممات؛ لأنها قُرب الممات، وخصَّها بالذِّكر؛ لأنها أشدُّ ما يكون، وذلك لأن الإنسان عند موته ووداع العمل صائر إما إلى سعادة، وإما إلى شقاوة، قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إن أحدَكُم ليعملُ بعملِ أهلِ الجنَّة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتابُ؛ فيعملُ بعملِ أهل النَّارِ» فالفتنة عظيمة.

وأشدُّ ما يكون الشيطانُ حرصاً على إغواء بني آدم في تلك اللحظة، والمعصومُ مَنْ عَصَمَه الله، يأتي إليه في هذه الحال الحرجةِ التي لا يتصوَّرها إلا من وقع فيها قال تعالى: {{كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ *وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ *وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ *وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ *إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ *}} [القيامة] ، حال حرجة عظيمة، الإنسانُ فيها ضعيفُ النَّفْسِ، ضعيفُ الإِرادة، ضعيفُ القوَّة، ضيقُ الصَّدر، فيأتيه الشيطانُ ليغويه؛ لأن هذا وقت المغنم للشيطان، حتى إنه كما قال أهل العلم: قد يعرضُ للإِنسان الأديان اليهودية، والنصرانية، والإسلامية بصورة أبويه، فيعرضان عليه اليهودية والنصرانية والإسلامية، ويُشيران عليه باليهودية أو بالنصرانية، والشيطان يتمثَّلُ كُلَّ واحد إلا النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، وهذه أعظم الفِتَنِ.

ولكن هذا والحمد لله لا يكون لكلِّ أحد، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، وحتى لو كان الإنسان لا يتمكَّن الشيطان من أن يَصِلَ إلى هذه الدرجة معه، لكن مع ذلك يُخشى عليه منه.

يقال: إنَّ الإمام أحمد رحمه الله وهو في سكرات الموت كان يُسمَعُ وهو يقول: بعدُ.. بعدُ. فلما أفاق قيل له في ذلك؟ قال: إنَّ الشيطان كان يعضُّ أنامله يقول: فُتَّني يا أحمد. يعضُّ أنامله ندماً وحسرة كيف لم يُغوِ الإمام أحمد؟ فيقول له أحمد: بعدُ.. بعدُ. أي: إلى الآن ما خرجت الرُّوح، فما دامت الرُّوح في البدن فكلُّ شيء وارد ومحتمل {{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}} [آل عمران: 8] في هذه الحال فتنة عظيمة جدًّا، ولهذا نصَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عليها قال: «مِن فِتنة المحيا والممات».

فالحاصل: أنَّ فتنة الممات فيها تفسيران:

التفسير الأول: الفتنة التي تكون عند الموت.

والثاني: التي تكون بعد الموت، وهي سؤال الملكين الإنسان عن رَبِّه ودينه ونبيِّه.

ولا مانع بأن نقول: إنَّها تشمَلُ الأمرين جميعاً، ويكون قد نصَّ على الفتنة التي قبل الموت وعند الموت؛ لأنَّها أعظم فتنة تَرِدُ على الإنسان، وذكر ما يُخشى منها من سوء الخاتمة إذا لم يُجِرِ اللَّهُ العبد من هذه الفتنة.

وعلى هذا، ينبغي للمتعوِّذ مِن فِتنة الممات أن يستحضر كلتا الحالتين.

مسألة: هل سؤال الملكين حقيقي، بمعنى: أن الإنسان يُجْلَسُ في قبره ويُناقش، أو أنه خيال؟

الجواب: هو حقيقي بلا شَكٍّ، وأن الإنسان في قبره يُجْلَسُ ويُناقش ويُسأل؛ نسأل الله الثبات.

فإن قال قائل: إن القبر محدود ضيِّق فكيف يجلس؟

فالجواب على ذلك:

 أولاً: أنَّ الواجب على المؤمن في الأمور الغيبية أن يقبل ويصدِّق، ولا يسأل عما وراء ذلك، بل يقول: سمعنا وآمنَّا، وصدَّقنا وقَبِلْنَا، ولا يسأل: كيف ولِمَ؛ لأنه لا يَسأل عن كيف ولِمَ إلا مَنْ شَكَّ، وأما من آمن وانشرح صدرُه لأخبار الله ورسوله فإنه يُسَلِّم ويقول: الله أعلم بكيفية ذلك.

ثانياً: أن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدُّنيا، لظُهور الفَرْق العظيم بينهما، وعدم الجامع المقتضي لإلحاق إحداهما بالأخرى. وتـعلُّق الـرُّوح بالبدن بعد الموت ليس كتعلُّقها به في حال الحياة، بل إن تعلُّقَ الرُّوح بالبدن في حال النوم ليس كتعلقها به في حال اليقظة، فللرُّوح مع البدن شؤون عظيمة لا يدركها الإنسان، وتعلُّقها بالبدن بعد الموت لا يمكن أن يُقاس بتعلُّقها به في حال الحياة، وها هو الإنسان في منامه؛ يرى أنه ذهب وجاء وسافر وكَلَّم أُناساً والتقى بأناس أحياء وأموات، ويرى أنه له بستاناً جميلاً؛ أو داراً موحشة مظلمة، ويرى أنه راكب على سيَّارة مريحة، ويرى مرَّة أنه صَدَمَ، ومرَّة أنه صُدِم، كلُّ هذا يمكن، مع أن الإنسان على فراشه لم يتغيَّر، حتى الغطاء الذي عليه لم يتغيَّر، وهذا أمر يكون حقًّا إذا كانت رؤيا صالحة.

فالإنسان يمكن أن يُجْلَسَ في قبره ويُسأل، ولو كان القبر محدوداً ضيِّقاً.

إذاً؛ فالفتنة حقيقة؛ يُسأل المرءُ عن ثلاثة أشياء: عن ربِّه، ودينه، ونبيِّه. وسَبَقَ لنا ذِكْرُ كيفيَّة الجواب من المسؤول، وأن المؤمن يقول: ربِّي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. وأما الكافر أو المرتاب فيقول: هاه... هاه... لا أدري، سمعتُ النَّاسَ يقولون شيئاً فقلتُه[(328)].

قوله: «وفتنة المسيح الدَّجَّال» . معطوفة على قوله: «مِن عذاب جهنَّم» المراد بفتنة المسيح الدَّجَّال ما يحصُلُ به مِن الإضلال والإغواء بما معه من الشُّبهات و«المَسيْح» فعيل بمعنى مفعول من المسح؛ لأنه يمسح الأرض بسرعة سيره فيها، أو لأنه كان ممسوح العين؛ لأنه أعور العين اليُمنى، كأن عينه عِنَبَة طافية، أو عنبة طافئة.

إن كانت طافئة فهي خابئة، أي: أنها غائرة، وإن كانت طافية بالياء فهي كالعنبة الطافية فوق الماء أي: أنها ناتئة.

وعلى كُلٍّ؛ فإن هذا المسيح الدَّجَّال فِتنته مِن فتنة الدُّنيا؛ لأنه لا يَفتن إلا الأحياء، فالأموات قد سَلِموا منه.

فإن قال إنسان: إذا كان مِن فِتنة الدُّنيا أو مِن فِتنة المحيا، فلماذا ذُكِرَ وحده؟

فالجواب: لأن أعظمَ فِتنة على وَجْهِ الأرض منذ خُلق آدم إلى قيام الساعة هي فِتنةُ الدَّجَّال، كما قال ذلك النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا ما من نبيٍّ مِن نوح إلى محمَّد صلوات الله وسلامه عليهم إلا أنذر قومَه منه تنويهاً بشأنه وتحذيراً منه، وإلا فإن الله يعلم أنه لن يخرج إلا في آخر الزمان، ولكن أَمَرَ الرُّسل أن ينذروا قومهم إيَّاه من أجل أن يتبيَّن عِظَمُه وفداحته، وقد صَحَّ ذلك عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلامُ وقال: «إنْ يخرجْ وأنا فيكم، فأنا حَجيجُهُ دونكم ـ يعني: أكفيكم إيَّاه ـ وإن يخرجْ، ولست فيكم؛ فامرؤٌ حجيجُ نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم» نِعْمَ الخليفةُ ربُّنا جَلَّ وعلا. لذلك كان الدَّجَّال حريًّا بأن تُخصَّ فِتنته من بين فِتَنِ المحيا.

وأما الدَّجَّال فهو مأخوذ من الدَّجَل وهو التمويه؛ لأن هذا أعظم مموِّه، وأشدُّ الناس دجلاً.

والبحث فيه من وجوه:

أولاً: زَمنه،

 هو من علامات الساعة؛ ولكنه غير محدَّد، فلا نعلمه؛ لأنه لا يعلم متى تكون السَّاعة إلا الله، فكذلك أشراطها لا نعلم منها إلا ما ظهر، فوقت خروجه غير معلوم لنا.

ثانياً: مكانه،

فإنه يخرج من المشرق جهة الفتن والشَّرِّ، كما قال النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «الفتنة هـهنا؛ وأشار إلى المشرق» فالمشرق منبع الشَّرِّ والفِتن مِن خُراسان؛ مارًّا بأصفهان؛ داخلاً الجزيرة من بين الشام والعراق، ليس له هَمٌّ إلا المدينة، لأن فيها البشير النذير عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فيحبُّ أن يقضي على أهل المدينة، ولكنَّها محرَّمة عليه، كما ثَبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أن على كُلِّ باب منها ملائكة يحفظونها، يخرج خَلَّةً بين الشام والعراق، ويتبعه مِن يهود أصفهان سبعون ألفاً؛ لأنهم جنوده، واليهود من أخبث عباد الله، وهو أضلُّ عباد الله، فيتبعونه ويؤيدونه وينصرونه، ويكونون مسالح له، أي: جنوداً مجندين هم وغيرهم ممن يتبعهم، قال النبيُّ عليه الصَّلاة والسلام: «يا عباد الله فاثبتوا...» يثبتنا عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لأن الأمر خطير، وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ : «مَنْ سَمِعَ بالدَّجَّالِ فلينأ عنه فإن الرَّجُل يأتيه وهو مؤمن؛ فلا يزال به حتى يتبعه لما يُلقي من الشُّبهات»أي: يأتيه الإنسان ويقول: لن يضلَّني، ولن أتأثَّر به، ولكن لا يزال يُلقي عليه من الشُّبهات حتى يتبعه والعياذ بالله.

ثالثاً: دعوته،

فقد ذُكِرَ أنَّه أول ما يخرج يدعو إلى الإسلام، ويقول: إنه مسلم، وينافح عن الإسلام، ثم بعد ذلك يدَّعي النبوة، ثم بعد ذلك يدَّعي أنه إلـه، فهذه دعواه، نهايتها بداية فرعون، وهي ادّعاء الرُّبوبية.

رابعاً: فِتنته،

مِن حكمة الله عزّ وجل أن الله سبحانه وتعالى يعطيه آيات فيها فِتَنٌ عظيمة، فإنه يأتي إلى القوم يدعوهم فيتَّبعونه فيصبحون وقد نبتت أراضيهم، وشبعت مواشيهم، فتعود إليهم أوفر ما تكون لبناً وأسبغ ضروعاً، يعني: أنهم يعيشون برغدٍ، لأنهم اتبعوه.

ويأتي القومَ فيدعوهم فلا يتَّبعونه فيصبحون ممحلين ليس في أراضيهم شيء، وهذه فِتنة عظيمة ولا سيما في الأعراب، ويمرُّ بالخَرِبَة فيقول: أخرجي كنوزك، فتخرج كنوزها تتبعه كيعاسيب النحل من ذهب وفضَّة وغيرها بدون آلات وبدون أيِّ شيء، فِتنةً من الله عزّ وجل، فهذه حاله ومعاملته مع أهل الدُّنيا لمن يريد التمتُّع بالدنيا أو يبأس فيها.

ومِن فِتنته: أن الله تعالى جَعَلَ معه مثل الجنة والنَّار، بحسب رؤيا العين، لكن جنته نار، وناره جنَّة، مَن أطاعه أدخله هذه الجنَّة فيما يرى النَّاسُ، ولكنها نار محرقة والعياذ بالله، ومن عصاه أدخله النار فيما يراه النَّاسُ، ولكنها جَنَّةٌ وماء عذب طيِّب.

إذاً؛ يحتاج الأمرُ إلى تثبيت مِن الله عزّ وجل، إنْ لم يثبِّت اللَّهُ المرءَ هلك وضلَّ.

ومن فتنته: أنه يخرجُ إليه شابٌ فيقول له: أنت الدَّجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، فيدعوه فيأبى أن يتبعه، فيضربه ويشجّه في المرَّة الأولى، ثم يقتله، ويمرُّ بين شقيه، ثم يدعوه فيقوم يتهلَّلُ وجهه، ويقول: أنت الدَّجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم يأتي ليقتله فلا يُسلَّط عليه، ويعجزُ عن قتله، ولن يُسلَّط على أحد بعدَه، فهذا من أعظم النَّاس شهادةً عند الله، لأنه في هذا المقام العظيم الرهيب الذي لا يتصوَّر رهبته إلا مَن باشره، يُصرِّحُ على الملأ إعذاراً وإنذاراً بأنك أنت الدَّجَّال الذي ذَكَرَ لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

خامساً: مقدار لُبثه في الأرض

 مقدار لُبثه في الأرض أربعون يوماً فقط، يوم كسنةٍ، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا، هكذا حدَّث النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، قال الصَّحابةُ رضي الله عنهم: يا رسولَ الله، هذا اليوم الذي كَسَنَة أتكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: «لا، اقدُروا له قَدْرَه»انظروا إلى هذا المثال، لنأخذ منه عبرة، كيف كان تصديق أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لرسول الله؟ ما ذهبوا يحرِّفون أو يؤوِّلُون، أو يقولون: إنَّ اليوم لا يمكن أن يطول؛ لأن الشمس تجري في فلكها ولا تتغيَّر، ولكنه يطول لكثرة المشاق فيه وعِظَمِها، فطولُه لأنه متعب، لم يقولوا هذا، كما يقوله بعضُ المتحذلقين.

ولكن صَدَّقوا بأن هذا اليوم سيكون اثني عشر شهراً حقيقة، بدون تحريف ولا تأويل، وهكذا حقيقة المؤمن، ينقاد لما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب، وإن حَارَ فيها عقلُه، لكن يجب أن نعلم أن خبر الله ورسوله لا يكون فيما يكون محالاً في العقول، لكن فيما يكون حيرةً لأنها لا تدركه.

ولو أن هذا الحديث مَرَّ على المتأخِّرين الذين يدَّعون أنهم هم العقلاء؛ لقالوا: إنَّ طوله مجاز عمَّا فيه مِن التَّعبِ والمشاق؛ لأن أيام السرور قصيرة، وأيام الشرور طويلة، ولكن الصَّحابة رضي الله عنهم مِن صفائهم وقَبولهم سَلَّموا في الحال، وقالوا: إنَّ الذي خَلَقَ الشَّمسَ؛ وجعلها تجري في أربع وعشرين ساعة في اليوم والليلة؛ قادر على أن يجعلها تجري في اليوم اثني عشر شهراً، لأن الخالق واحد عزّ وجل؛ فهو قادر، ولذلك سَلَّموا؛ وقالوا: كيف نُصلِّي؟ لم يسألوا عن الأمر الكوني؛ لأنهم يعلمون أن الله قادر على كلِّ شيء، بل سألوا عن الأمر الشرعي الذي هم مكلَّفون به وهو الصَّلاة، وهذا ـ والله ـ حقيقة الانقياد والقَبول. فأجابهم بقوله: «اقدروا له قَدْرَه».

وإذا تأملت؛ وجدت أن هذا الدِّينَ تامٌّ كامل؛ لا يمكن أن تكون مسألة يَحتاجُ النَّاسُ إليها إلى يوم القيامة إلا وُجِدَ لها أصلٌ، انظر كيف أنطقَ اللَّهُ سبحانه وتعالى الصَّحابةَ أن يسألوا هذا السؤال؟ حتى يكون الدِّين كاملاً لا يَحتاجُ إلى تكميل، وقد احتاج النَّاسُ إلى هذا الآن، كما في المناطق القُطبية؛ يبقى الليل فيها سِتَّة أشهر والنهار ستة أشهر، فنحتاج إلى هذا الحديث، وانظر كيف أفتى الرسول صلّى الله عليه وسلّم هذه الفتوى قبل أن تقع هذه المسألة؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: {{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}} [المائدة: 3] والله لو نتأمَّل هذه الكلمة {{أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}} فلا يوجد شيء ناقص في الدِّين أبداً، فهو كامل مِن كلِّ وَجْهٍ، لكن النقص فينا، إما قصور في عقولنا، أو في أفهامنا أو في عُلُومنا، أو في إرادات تكون غير منضبطة، فمِن النَّاسِ من يريد أن ينصر قوله فيَعْمَى عن الحقِّ؛ نسأل الله العافية.

فلو نظرنا بعلم وفَهْمٍ وعَقْلٍ وحُسْنِ نية لوجدنا أن الدِّينَ ولله الحمدُ لا يحتاج إلى مكمِّل، وأنه لا يمكن أن تقع مسألة صغيرة ولا كبيرة إلا وُجِدَ حَلُّها في الكتاب والسُّنَّة، لكن لما كَثُرَ الهوى، وغلب على كثير من النَّاسِ صار بعض الناس يَعْمَى عليه الحقُّ، ويَخْفَى عليه، وتجدهم إذا نزلت فيهم الحادثة التي لم تكن معروفة مِن قبل بعينها، وإن كان جنسها معروفاً يختلفون فيها أكثر من أصابعهم، وإذا كانت تحتمل قولين وجدت فيها عشرة؛ لأنَّ الهوى غلب على النَّاسِ الآن، وإلا فلو كان القصد سليماً والفهم صافياً والعلم واسعاً والعقل راجحاً لما حصل هذا.

ثم بعد أن يمكث الدَّجَّال أربعين يوماً، ينزل المسيحُ عيسى بن مريم؛ الذي رَفَعَهُ الله إليه، وقد جاء في الأحاديث أنه ينزِلُ عند المنارة البيضاء شرقيِّ دمشق، فلا يَحِلُّ لكافرٍ يجد ريح نَفَسِهِ إلا مات، ونَفَسُهُ ينتهي حيث ينتهي طَرْفُهُ ـ وهذه من آيات الله ـ فيلحق الدَّجَّال عند باب اللُّدِّ في فلسطين فيقتله هناك، وحينئذٍ يقضي عليه نهائياً، ولا يقبل عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلا الإسلام، لا يقبل الجزية، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويريق الخمر، فلا يُعبد إلا الله.

وعلى هذا؛ فالجزية التي فرضها الإسلامُ جَعَلَ الإسلامُ لها أمداً تنتهي إليه عند نزول عيسى، ولا يُقال: إن هذا تشريع مِن عيسى؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أخبر بذلك مقرِّراً له، فَوَضْعُ الجزية عند نزول عيسى من سُنَّة الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام، لأن سُنَّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم هي قوله، وفِعْلُه، وإقراره، وكونه يتحدَّث عن عيسى بن مريم مقرًّا له، هذا من سُنَّتِهِ، وإلا فإن عيسى لا يأتي بشرعٍ جديد ولا أحد يأتي بشرعٍ جديد بعد محمد صلّى الله عليه وسلّم، فليس إلا شرعُ محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام إلى يوم القيامة.

تنبيه: قال بعضُ أهل العِلْمِ: إن الرُّسل الذين أنذروا قومهم به لم ينذروهم بعينه، وإنما أنذروهم بجنس فِتنتِه، يعني: أنذروهم من الدَّجَاجِلة، ولكن هذا القول ضعيف، بل هو نوع مِن التَّحريف؛ لأن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم أخبر بأنه ما مِن نبيٍّ إلا أنذر به قومَه، وهذا صريحٌ بأن الأنبياء أنذروا قومهم بعين الرَّجُل هذا، وقد سَبَقَ لنا بيان الحكمة من إنذار الرُّسل به، ولكن يجب علينا أن نعلم أن جِنْسَ هذه الفِتنة موجود حتى في غير هذا الرَّجُل، فيوجد مِن بني آدم الآن من يُضِلُّ النَّاسَ بحالِه وقالِه، وبكل ما يستطيع، وتجد أن الله سبحانه وتعالى بحكمته أعطاه بياناً وفصاحة {{لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}} [الأنفال: 42] .

فالدَّجَّال المعيَّن لا شَكَّ أن فِتنته أعظم شيء، لكن هناك دَجَاجِلة يدجِّلُون على النَّاسِ ويموِّهون عليهم، فيجب الحذر منهم ومعرفة إراداتهم ونواياهم، ولهذا قال الله تعالى في المنافقين: {{هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ}} ـ مع أنه قال ـ {{وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ}} أي: لبيانه وفصاحته وعِظَمِه يجرُّك جَرًّا إلى أن تسمع لكن {{كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ}} [المنافقون: 4] حتى الخُشُب ليست قائمة بنفسها {{مُسَنَّدَةٌ}} أي: تقوم على الجدار؛ فلا خير فيها، فهؤلاء الذين يتزيَّنون للناس بأساليب القول سواء في العقيدة، أو في السلُّوك والمنهج يجب الحذر منهم، وأن تُعرضَ أقوالُهم وأفعالهم على كتاب الله وسُنَّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فما خالفهما فهو باطل مهما كان، ولا يُغترُّ بما فيها من زخارف القول؛ فإن هذه الزخارف كما قيل:

حُججٌ تهافت كالزُّجاج تخالها

حقًّا، وكلٌّ كاسر مكسور

ولا تقولوا: إن هؤلاء القوم أُعطوا فصاحة وبياناً لينصروا الحقَّ، فإن الله تعالى قد يبتلي فيعطي الإنسانَ فصاحة وبياناً، وإنْ كان على باطل، كما ابتلى اللَّهُ الناسَ بالدَّجَّال وهو على باطل بلا شَكٍّ.

سادساً: هل الدَّجَّال مِن بني آدم؟

الجواب: نعم، هو مِن بني آدم.

وبعض العلماء يقول: إنه شيطان. وبعضهم يقول: إن أباه إنسي وأمه جنيَّة. وكلُّ هذه الأقوال ليست صحيحة؛ لأنه يَحتاجُ إلى الأكل والشُّرب وغير ذلك، ولهذا يقتله عيسى قتلاً عاديًّا كما يقتل البشر.

سابعاً: هل هو موجود الآن؟

الجواب: هو غير موجود، ولكن الله يبعثه متى شاء؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم خطب النَّاسَ في آخر حياته وقال: «إنه على رأس مِئَةِ سَنَة لا يبقى على وَجْهِ الأرض ممن هو عليها اليوم أحد» وهذا خَبَرٌ، وخَبَرُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لا يدخله الكذب نهائيًّا، وهو مُتلقَّى من الوحي، لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لا يعلم الغيب.

وقول المؤلِّف: «ويستعيذ بالله من أربع»، لم يُفصح ـ رحمه الله ـ هل هذه الاستعاذة واجبة أم لا؟

وسيأتي ما يفيد حكمها في ذِكْرِ الأركان والواجبات.

وفي التعوّذ من هذه الأربع قولان:

القول الأول: أنه واجب، وهو رواية عن الإمام أحمد، لما يلي:

1 ـ لأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بها.

2 ـ ولشدَّة خطرها وعظمها.

والقول الثاني: أنه سُنَّة، وبه قال جمهور العلماء.

ولا شَكَّ أنه لا ينبغي الإخلالُ بها، فإن أخلَّ بها فهو على خَطَرٍ من أمرين:

1 ـ الإثم.

2 ـ ألا تصح صلاته، ولهذا كان بعضُ السَّلف يأمر مَنْ لم يتعوَّذ منها بإعادة الصَّلاة

 

من كتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الثالث

الأقسام الرئيسية:

المشائخ والعلماء: