أنواع التوحيد الذى دعا إليه الرسل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه . .


أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى بعث رسله عليهم الصلاة والسلام دعاة للحق وهداة للخلق بعثهم مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فبلغوا الرسالة وأدوا الأمانة ونصحوا لأممهم وصبروا على أذاهم وجاهدوا في الله حق جهاده حتى أقام الله بهم الحجة وقطع بهم المعذرة . كما قال تعالى:

سورة النحل الآية 36 { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} 

وقال تعالى: سورة الأنبياء الآية 25  {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}  وقال سبحانه: سورة الزخرف الآية 45 { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} 

فبين سبحانه في هذه الآيات أنه أرسل الرسل ليدعوا الناس إلى عبادة الله وحده وينذروهم عن الشرك به وعبادة غيره وقد بلغ الرسل عليهم الصلاة والسلام ذلك ودعوا إلى توحيد الله في عبادته فأرسوا لأممهم قواعد العدالة والبر والسلام ونجحوا في مهمتهم غاية النجاح لأن مهمتهم هي البلاغ والبيان ، أما الهداية للقلوب وتوفيقها لقبول الحق فهذا بيد الله سبحانه ليس بيد الرسل ولا غيرهم كما قال الله عز وجل:

سورة البقرة الآية 272 { لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  وقال سبحانه: سورة النحل الآية 35  فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}  وقال سبحانه: سورة الحديد الآية 25  {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } ولا سيما خاتمهم وإمامهم وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه قد نجح في دعوته أعظم نجاح أكمل الله له ولأمته الدين وأتم عليهم النعمة وجعل شريعته شريعة كاملة عامة لجميع الثقلين منتظمة لجميع مصالحهم العاجلة والآجلة كما قال الله عز وجل: سورة المائدة الآية 3  {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}  وقال سبحانه: سورة سبأ الآية 28  {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}  وقال عز وجل: سورة الأعراف الآية 158  {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}  وقد أجابهم الأقلون وكفر بهم الأكثرون جهلا وتقليدا للآباء والأسلاف واتباعا للظن والهوى كما قال سبحانه: سورة الزخرف الآية 19  {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}  سورة الزخرف الآية 20  {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}  سورة الزخرف الآية 21 { أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ}  سورة الزخرف الآية 22 { بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}  سورة الزخرف الآية 23 { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } سورة الزخرف الآية 24  {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}  سورة الزخرف الآية 25  {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}  وقال تعالى لما ذكر اللات والعزى ومناة: سورة النجم الآية 23  {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } والآيات في هذا المعنى كثيرة وقد يحمل بعضهم على التكذيب والمخالفة الحسد والبغي والاستكبار مع كونه يعرف الحق كما جرى لليهود فإنهم يعرفون محمدا عليه الصلاة والسلام كما يعرفون أبناءهم ولكن حملهم البغي والحسد وإيثار العاجلة على تكذيبه وعدم اتباعه كما جرى لفرعون وقومه قال الله تعالى عن موسى أنه قال لفرعون : سورة الإسراء الآية 102 { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ}  الآية . وقال تعالى عن فرعون وقومه: سورة النمل الآية 13  {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ}  سورة النمل الآية 14  {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}  وقال سبحانه عن كفار قريش في تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم: سورة الأنعام الآية 33{  قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}  وقد كانوا يعرفونه في الجاهلية بالصدق والأمانة ويسمونه الأمين ويشهدون له بالصدق فلما جاءهم بغير ما عليه آباؤهم وأسلافهم أنكروا عليه وكذبوه وعادوه وآذوه وقاتلوه ، وهذه سنة الله في عباده مع الرسل ودعاة الحق يمتحنون ويكذبون ويعادون ثم تكون لهم العاقبة كما شهدت بذلك الآيات المحكمات والأحاديث الصحيحة والوقائع المعروفة قديما وحديثا كما شهد بذلك هرقل عظيم الروم لما سأل أبا سفيان عن حال النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وكيف الحرب بينهم وبينه فقال أبو سفيان : إنها بينهم وبينه سجال يدالون عليه ويدال عليهم فقال هرقل : هكذا الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة .

وقد وعد الله الرسل وأتباعهم بالنصر والتمكين وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة كما قال عز وجل: سورة الصافات الآية 171  {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ}  سورة الصافات الآية 172  {إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ}  سورة الصافات الآية 173  {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}  وقال سبحانه: سورة غافر الآية {51  إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}  سورة غافر الآية 52  يَوْمَ لَا {يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} .
وقال تعالى: سورة محمد الآية 7 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}  سورة محمد الآية 8  {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ  سورة محمد الآية 9 { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}  وقال عز وجل: سورة الروم الآية 47 { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}  وقال سبحانه: سورة النور الآية 55  {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  }
والآيات في هذا المعنى كثيرة ومن تأمل سنة الله في عباده علم صحة ما دلت عليه هذه الآيات من جهة الواقع كما قد علم ذلك من جهة النقل وإنما يصاب أهل الإسلام في بعض الأحيان بسبب ما يحصل منهم من الذنوب والتفريط في أمر الله وعدم الإعداد المستطاع لأعدائهم ولحكم أخرى وأسرار عظيمة كما قال تعالى: سورة الشورى الآية 30 { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}  وقال سبحانه: سورة آل عمران الآية 165  {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}  وقال عز وجل : سورة النساء الآية 79 { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}  ومن يتأمل دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام وحال الأمم الذين دعتهم الرسل يتضح له أن التوحيد الذي دعوا إليه ثلاثة أنواع , نوعان أقر بهما المشركون فلم يدخلوا بهما في الإسلام وهما توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات ,

 أما توحيد الربوبية فهو الإقرار بأفعال الرب من الخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة إلى غير ذلك من أفعاله سبحانه فإن المشركين قد أقروا بذلك واحتج الله عليهم به لأنه يستلزم توحيد العبادة ويقتضيه كما قال تعالى : سورة العنكبوت الآية 61 { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ}  وقال تعالى : سورة الزخرف الآية 87 { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}  الآية وقال تعالى : سورة يونس الآية 31 { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} 
المعنى: فقل: أفلا تتقون الإشراك به في عبادته وأنتم تعلمون أنه الفاعل لهذه الأشياء وقال تعالى: سورة المؤمنون الآية 84  {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}  سورة المؤمنون الآية 85  {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}  سورة المؤمنون الآية 86 { قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}  سورة المؤمنون الآية 87  {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ}  سورة المؤمنون الآية 88  {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}  سورة المؤمنون الآية 89  {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ  .
والآيات في هذا المعنى كثيرة وكلها دالة على إقرارهم بأفعال الرب سبحانه ولم يدخلهم ذلك في الإسلام كما تقدم لعدم إخلاصهم العبادة لله وحده وذلك حجة عليهم فيما أنكروه من توحيد العبادة لأن الخالق لهذه الأشياء التي أنكروها هو المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له .


المصدر : مجلة البحوث الإسلامية العدد التاسع عشر

الأقسام الرئيسية:

المشائخ والعلماء: