حكم الأوراق النقدية

بسم الله الرحمن الرحيم

حكم الأوراق النقدية

إعداد

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه نشر هذا البحث في ( مجلة البحوث الإسلامية ) العدد الأول ، ص 197 - 222 ، عام 1395 هـ . .

وبعد : فقد عرض على هيئة كبار العلماء برئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية - موضوع ( الورق النقدي ) حيث تم إدراجه في جدول أعمال الهيئة لدورتها الثالثة المنعقدة في شهر ربيع الثاني عام 1393 هـ .

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 54)

وفي تلك الدورة قدمت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الموضوع هذا نصه :

تعريف النقد .

نشأة النقود وتطورها .

قاعدة النقد الورقي .

سر القابلية العامة لاعتبار النقد واسطة تعامل .

آراء فقهية في حقيقة الأوراق النقدية .

الأوراق النقدية أسناد .

الأوراق النقدية عروض .

الأوراق النقدية فلوس . الأوراق النقدية متفرعة عن ذهب أو فضة وأجناس تتعدد بتعدد جهات إصدارها .

علة الربا في النقدين .

الأوراق النقدية نقد قائم بنفسه .

حكم الأوراق النقدية

تعريف النقد :

يقول علماء الاقتصاد : إن للنقد ثلاث خصائص متى توفرت في مادة ما اعتبرت هذه المادة نقدا :

الأولى : أن يكون وسيطا للتبادل .

الثانية : أن يكون مقياسا للقيم .

الثالثة : أن يكون مستودعا للثروة .

وعلى هذا الأساس قيل : إن النقد هو أي شيء يلقى قبولا عاما كوسيط للتبادل مهما كان ذلك الشيء وعلى أي حال يكون ، وفي أقوال بعض أهل العلم الشرعي ، ما قد يؤيد هذا التعريف ، ففي [ المدونة الكبرى ] ، ما نصه : ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة . ا هـ انظر : كتاب الصرف من [ المدونة ] . .

قد يقال : إن كراهة مالك لذلك من باب الاحتياط ، لا لأنه أنزلها منزلة الذهب والفضة حقيقة ، بدليل ما جاء في [ المدونة الكبرى ] من كتاب الزكاة ، قال ابن القاسم : سألت مالكا عن الفلوس تباع بالدارهم والدنانير نظرة ويباع الفلس بالفلسين ؟ قال مالك : إني أكره ذلك وما أراه مثل الذهب

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 56)

والورق في الكراهية .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي ، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح ؛ وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به ؛ بل الفرض أن يكون معيارا لما يتعاملون به ، والدراهم والدنانير لا تقصد بنفسها ، بل هي وسيلة إلى التعامل بها ولهذا كانت أثمانا بخلاف سائر الأموال ، فإن المقصود الانتفاع بها نفسها فلهذا كانت مقدرة بالأموال الطبيعية أو الشرعية ، والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف ما كانت . اهـ [ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ] ( 19 \ 551 ، 252 ) . وبهذا يمكن القول بأن النقد شيء اعتباري ، سواء كان ذلك الاعتبار ناتجا عن حكم سلطاني أو عرف عام ، وقد يقال : إن النقد ليس شيئا اعتباريا محضا ناتجا عن حكم سلطة الإصدار ؛ بل يتوقف اعتباره نقدا على قيمة ذاتية أو غطاء كامل مع اعتبار السلطة لنقديته أو جريان العرف بذلك .

نشأة النقود وتطورها

الإنسان مدني بطبعه ، قليل بنفسه كثير بغيره ، فكل محتاج إلى ما عند غيره ، ومن طبيعة الإنسان أن يضن ببذل ما عنده إلا بعوض ، لذا نشأت الحاجة إلى ما يسمى بالمقايضة ، ويذكر أن نظام المقايضة قد ساد وقتا ما إلا أن تطور الحياة وما في الأخذ بالمقايضة من صعوبات أدى إلى الأخذ بوسيط آخر يكون أيسر ويصلح وحده للمحاسبة ومقياسا للقيم ، وخزانة

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 57)

للثروة وقوة شرائية غير محدودة ، إلا أن كل أمة اختارت وسيطا يناسب البيئة التي تعيشها ، ولم يعد هذا الوسيط أن يكون سلعا متنوعة من الأصداف والخرز والرياش وأنياب الفيلة ونحوها ، ولما تطورت الحياة البشرية ظهر عجز السلع عن مسايرة هذا التقدم ، فاتجه الفكر إلى وسيط سهل الحمل عظيم القيمة له من المميزات ما يحفظه من عوامل التلف والتأرجح بين الزيادة والنقصان فاتخذوا الوسيط للتبادل من المعادن النفيسة على شكل سبائك وقطع غير مسكوكة ، غير أن اختلاف أنواعها وعدم وجود سكة لها أدى إلى التلاعب في وزنها ، وإلى صعوبات في تقديرها عند التبادل ، فتدخل ولاة الأمر ، ورأوا احتكار إصدار الوسيط ، وأن يكون قطعا متنوعة من المعادن معلومة الوزن مختوما على كل قطعة ما يدل على مسئولية الحاكم عنها .

وبهذا تحقق في النقد الثقة به والاطمئنان إليه والقدرة على إدارة التعامل به ، إلا أن هذه القدرة غير تامة للصعوبة النسبية في حمله ونقله من مكان إلى آخر ؛ لذلك اتجه الفكر إلى الأخذ بالعملات الورقية على أن الأخذ بالعملات الورقية لم يكن دفعة واحدة ، وإنما كان على مراحل ، فخوفا على ضياع النقد في الأسفار التجارية اختار التجار طريق التحويل لمن يريدون التعامل معه ، ثم رأوا عدم تعيين أشخاصهم في الحوالة ، ولما كثر التعامل بهذه الطريقة ووجدت الأوراق التحويلية قبولا أصدر الصيارفة أوراقا مصرفية جديدة بقدر الجزء المتداول في الأسواق .

وبهذا صارت جزءا من النقود لها قبول عام ، وصارت خزائن للثروة

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 58)

ومقياسا للقيم ، وقوة شرائية مطلقة ، لكن إصدارها كان مشوبا بالفوضى والتلاعب ، فساءت سمعة هذه الأوراق وضعفت الثقة بها فتدخل ولاة الأمور في الإصدار ومراقبته وتحديده وتعيين شكل للورقة النقدية فاكتسبت بذلك قوة الإبراء التام ، ثم جرى العمل على أن من طلب من جهة الإصدار والاستعاضة عما تعهدت به في الورقة بنقود معدنية دفع إليه ، ثم تخلف الوفاء بهذا التعهد إلا إذا كان ما طلب استرجاعه كثيرا ، وأخيرا تخلف الوفاء بما تعهد به إلا بمثله من الورق ، وبذلك انقطعت العلاقة بين الورقة النقدية والنقد المعدني وصارت قيمة وحدة النقود الورقية قيمة مستقلة .

قاعدة النقد الورقي

لا شك أن أي نقد قابل للتداول العام كوسيط للتبادل لا بد أن يكون له ما يسنده ويدعو إلى الثقة به كقوة شرائية لا حد لها ، هذا السند إما أن يكون في ذات النقد نفسه كالذهب والفضة إذ فيهما قيمتهما المقاربة لما يقدران به ، أو يكون ركيزة تدعم النقد وتوحي بالثقة به .

ثم إن هذه الركيزة قـد تكون شيئا ماديا محسوسا كالغطاء الكامل للأوراق النقدية من ذهب أو فضة أو عقار أو أوراق مالية من أسهـم وسندات .

وقد تكون التزاما سلطانيا باعتبارها وضمان قيمتها ، وتكون بذلك أوراقا وثيقية .

وقد تكون الركيزة المستند عليها النقد شيئا ماديا محسوسا والتزاما

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 59)

سلطانيا معا فيغطي بعض النقد الورقي بقيمته المادية عينا ويلتزم السلطان في ذمته بقيمة باقيه دون أن يكون لهذا الباقي غطاء مادي محفوظ وقد يمثل هذا الباقي غالب النقد الورقي

سر القابلية العامة لاعتبار النقد واسطة تعامل

لعلماء الاقتصاد ثلاث نظريات في سر قابلية النقد للتبادل العام ، قد تكون كل منها صحيحة في فترة ما :

الأولى : النظرية المعدنية : إن النقد مادة لها قيمة في نفسها قبل اتخاذها وسيطا للتبادل فلذلك حصلت الثقة بها وكانت ذات قابلية - عامة للوساطة في التبادل ، وهذه النظرية صحيحة حينما كان النقد معدنيا ، أما اليوم فإن النقد كل ما لقي من الناس قبولا عاما وثقة في اعتباره وسيطا للتبادل فيدخل في ذلك النقد الورقي سواء أكان له غطاء حسي أم كان من اعتبار الحاكم له وسيطا وضمانه له .

الثانية : النظرية السلطانية : وهذه النظرية تقول بأن أمر السلطان هو الذي أكسب النقد قبولا عاما وثقة به ولاشك أن مجرد أمر السلطان لا يكفي في ذلك دون أن يستند إلى مبرر يضمن اطمئنان الأمة إلى هذا الوسيط ؛ لتقف إلى جانب السلطان وتنفذ أمره طائعة مختارة .

الثالثة : النظرية النفسانية : بأن النقد هو الذي تطمئن النفس إلى اعتباره

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 60)

قوة شرائية مطلقة ثقة به واطمئنانا إليه سواء أكان له غطاء أم لا ، وسواء أكانت له قيمة ذاتية أم لا ، وسواء أمر السلطان باعتباره أم حصل التراضي والتعارف على استعماله وقبوله .

مما تقدم يمكن أن يستنتج ما يلي :

1 - النقد هو كل شيء يلقى قبولا عاما كوسيط متبادل .

2 - التعهد المسجل على كل ورقة نقدية بتسليم حاملها قيمتها عند الطلب كان سابقا في وقت ما لاعتبار خاص بالأوراق النقدية ، أما الآن فليس له من واقع التعامل به نصيب ، وإنما هو الآن يحكي ما مضى ويعني التذكير بمسئولية الجهات المختصة تجاه قيمتها والحد من إصدارها بلا تقدير .

3 - من الجائز وجود كميات من الأوراق النقدية رعاية عن الغطاء العيني إلا أن الغالب ألا تزيد هذه الكميات عن 65% من مجموع الأوراق النقدية المتداولة .

4 - ليس متعينا أن تكون القاعدة للورق النقدي ذهبا أو فضة إذ لا مانع أن تكون من غيرها كعقار أو أوراق مالية .

5 - القابلية العامة للنقد من حيث هو نقد في الجملة ليس ناتجا عن قيمة ذاتية في النقد أو عن وازع سلطاني يفرض التعامل به فقط ، وإنما هي الثقة العامة به كقوة شرائية مطلقة ، سواء أكانت هذه الثقة صادرة عن تغطيتها بالمعدن النفيس أو عن الانقياد إلى حكم سلطاني باعتبارها أو عن أي اعتبار آخر يضمن هذه الثقة .

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 61)

هذه الأمور المستنتجة يمكن أن تكون عونا في إدراك حقيقة الأوراق النقدية والقدرة على تكييفها فقهيا .

آراء فقهية في حقيقة الأوراق النقدية

لم تكن الأوراق النقدية معروفة عند قدماء فقهاء الإسلام ؛ لعدم تداولها في زمنهم ، فلذا لم نجد منهم من تعرض لحكمها ، ولما كثر تداولها في البلاد الإسلامية بعد ذلك بحثها الفقهاء من حيث الحقيقة والحكم ، واختلفت أنظارهم في ذلك تبعا لاختلاف تصورهم لحقيقتها .

وجملة ذلك خمسة أقوال :

القول الأول : الأوراق النقدية أسناد :

أن الأوراق النقدية أسناد بدين على جهة إصدارها ، ويوجه أصحاب هذا القول قولهم بما يأتي :

( أ ) التعهد المسجل على كل ورقة نقدية بتسليم قيمتها لحاملها عند طلبه .

( ب ) ضرورة تغطيتها بذهب ، أو فضة ، أو بهما معا في خزائن مصدريها .

( ج ) انتفاء القيمة الذاتية لهذه الأوراق حيث إن المعتبر ما يدل عليه من العدد لا قيمتها الورقية .

( د ) ضمان سلطات إصدارها قيمتها عند إبطالها ، ومنع التعامل

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 62)

بها .

مستلزمات هذا القول :

إن القول باعتبار الأوراق النقدية أسنادا على مصدريها يستلزم الأحكام الشرعية الآتية :

( أ ) منع السلم بها فيما يجوز السلم فيه إذ يشترط في صحة السلم قبض رأس مال السلم في مجلس العقد وقبض البائع الأوراق النقدية ، والحال أنها أسناد يعتبر حوالة بها على صدريها .

( ب ) عدم جواز صرفها بنقد معدني من ذهب أو فضة ولو كان يدا بيد لأن الورقة النقدية على رأي أصحاب هذا القول وثيقة بدين غائب عن مجلس العقد ومن شروط الصرف التقابض في مجلس العقد .

( ج ) يعتبر التعامل بالأوراق النقدية بموجب هذا القول من قبيل الحوالة بالمعاطاة على الجهة التي أصدرتها وفي القول بصحة العقود بالمعاطاة خلاف بين أهل العلم ، فالمشهور في مذهب الشافعي - رحمه الله - عدم صحتها مطلقا ؛ لاشتراط أن يكون الإيجاب والقبول فيها لفظيين وعلى فرض أن القول باعتبار المعاطاة موضع اتفاق بين أهل العلم فمن شروط الحوالة أن يستطيع المحال استيفاء حقه من المحال عليه وفي مسألتنا لا يمكن أن يستوفي المحال مقابل الورقة من رصيدها ، كما يدل على ذلك

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 63)

التطبيق العملي ، فتعتبر الحوالة بذلك باطلة .

( د ) القول باعتبارها أسنادا بديون على مصدريها يخضعها للخلاف بين أهل العلم في زكاة الدين هل تجب زكاته قبل قبضه أم بعده ؟ وبالتالي عدم وجوب زكاتها لدى من يقول بعدم وجوبها قبل قبض الدين لامتناع قبض مقابل هذه الأسناد .

( هـ ) بطلان بيع ما في الذمة من عروض أو أثمان بهذه الأوراق ؛ لكونها وثائق بديون غائبة ؛ لأن ذلك من قبيل بيع الكالئ بالكالئ ، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ .

مناقشة هذا القول : المبررات التي وجه بها أصحاب هذا القول قولهم يمكن الإجابة عنها بما يلي :

أولا : إن التعهد القاضي بتسليم المبلغ المرقوم على الورقة لحاملها وقت الطلب ليس له من حقيقة معناه نصيب إذ لا يختلف اثنان أن المرء لو تقدم لمؤسسة النقد السعودي أو لغيرها من البنوك المركزية المختصة بإصدار الأوراق النقدية بورقة نقدية صادرة ممن تقدم إليه طالبا منه الاستعاضة عنها بما تحتويه من ذهب أو فضة لما وجد استجابة لذلك ، ولا وفاء لهذا التعهد ، وإنما يرجع الإبقاء على هذا المتعهد - بالرغم من أن الوفاء به لا يتم - إلى تأكيد مسؤوليته على جهات إصداره .

ثانيا : أما الاستدلال على سنديتها بضرورة تغطيتها جميعا بذهب أو فضة أو بهما معا فقد سبق القول بأن الحاجة إلى تغطيتها جميعها ليست

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 64)

ملحة ، وأنه يكفي تغطية بعضها ، فإنا نجد أن الغالب في النقد الورقي أنه غير مغطى بنقد معدني ، وإنما غطاؤه التزام سلطاني بضمان قيمته في حال تعرضه للبطلان ، وإذن فلا يصلح هذا الدليل سندا لهذا القول .

ثالثا : أما انتفاء القيمة الذاتية لهذه الأوراق النقدية فقد سبق لنا تعريف النقد بأنه أي شيء يلقى قبولا عاما كوسيط للتبادل ، كما سبقت الإشارة إلى بعض أقوال أهل العلم الشرعي المؤيدة لهذا التعريف ، وعليه فمتى ثبت للأوراق النقدية القابلية العامة لتكون وسيطا فلا فرق بين أن تكون قيمتها في ذاتها أو في خارج عنها ، ويؤيد هذا أن سلطات سك النقود المعدنية جرت على أن تجعل للنقود المعدنية قيما أكثر من قيمتها الذاتية ؛ حفاظا على بقائها ومنعا من صهرها سبائك معدنية ، ومتى كنا نرى جزءا من قيمة النقد المعدني ليس له مقابل إلا الالتزام السلطاني ، ولم نقل بأن الزيادة على قيمته الذاتية سند على الدولة فليبطل القول بأن الأوراق النقدية سند على الدولة على أن هذا القول لا يعني انتفاء مسئولية الدولة عن الهيمنة على ثبات قيمتها في حدود المستوى الاقتصادي العام أو ضمان قيمتها في حال إبطالها .

رابعا : أما ضمان سلطات إصدارها قيمتها وقت إبطالها وتحريم التعامل بها ، فهذا سر اعتبارها والثقة بتمولها وتداولها ، إذ أن قيمتها ليست في ذاتها وإنما هي في ضمان السلطات لها وليس في هذا دلالة على اعتبارها أسنادا بديون على مصدريها ما دام الوفاء بسدادها نقدا معدنيا عند الطلب مستحيلا .

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 65)

على أن في القول بسنديتها من الحرج والضيق وإيقاع الناس في مشقة عظيمة في معاملاتهم ما يتنافى مع المقتضيات الشرعية ، لا سيما بعد أن عم التعامل بهذه الأوراق بين الشعوب الإسلامية ، وأصبحت هي العملة الوحيدة الرائجة السائدة ، وما عداها من أنواع النقود فقد كاد ترك استعمالها وسيطا للتبادل يسلبها صفة النقد وأحكامه .

ومن الأصول العامة في الشريعة الإسلامية أن الأمر الذي لم ينص على حكمه إذا دار بين ما يقتضي التشديد على الناس وما يقتضي التخفيف عليهم في عباداتهم ومعاملاتهم ترجح جانب التخفيف على جانب التشديد سورة الحج الآية 78 وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وقوله تعالى: سورة البقرة الآية 185 يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وقوله تعالى: سورة النساء الآية 28 يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد في مسنده ، والنسائي وابن ماجه عن أنس بن مالك ، ورواه البخاري وغيره عن أبي موسى الأشعري : صحيح مسلم الجهاد والسير (1732),سنن أبو داود الأدب (4835),مسند أحمد بن حنبل (4/412). يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا ، ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها: صحيح البخاري استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم (6528),صحيح مسلم السلام (2165),سنن الترمذي الاستئذان والآداب (2701),سنن الدارمي الرقاق (2794). إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه .

وفي لفظ: صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2594),سنن أبو داود الأدب (4808),مسند أحمد بن حنبل (6/125). إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه وفي الترمذي وغيره : صحيح البخاري الحدود (6404),صحيح مسلم الفضائل (2327),سنن أبو داود الأدب (4785),مسند أحمد بن حنبل (6/130),موطأ مالك الجامع (1671). ما خير صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ،

القول الثاني : الأوراق النقدية عروض :

هذا القول: أن الأوراق النقدية عرض من العروض لها ما للعروض من الخصائص والأحكام ، ويوجهه القائلون به توجيهات نلخصها فيما يلي:

(1) الورق النقدي مال متقوم مرغوب فيه ومدخر ويشترى ، وتخالف ذاته ومعدنه ذات الذهب والفضة ومعدنهما.

(ب) الورق النقدي ليس بمكيل ولا موزون ، وليس له جنس من الأجناس الربوية المنصوص عليها .

(ج) ما كتب عليها من تقدير قيمتها وتعيين اسمها يعتبر أمرا اصطلاحيا مجازيا لا تخرج به عن حقيقتها من أنها مال متقوم ليست من جنس الذهب والفضة ولا غيرهما من الأموال الربوية .

(د) انتفاء الجامع بين الورق النقدي والنقد المعدني في الجنس وإمكان التقدير والمماثلة : أما الجنس فالورق النقدي قرطاس والنقد المعدني معدن نفيس من ذهب أو فضة أو غيرهما من المعادن ، وأما إمكان التقدير فالنقد المعدني موزون ، أما القرطاس فلا دخل للوزن ولا للكيل فيه .

(هـ) الأصل في المعاملات الحل حتى يرد دليل المنع ، وليس عندنا دليل يمنع ذلك

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 67)

مستلزمات هذا القول :

إن القول بعرضية الأوراق النقدية يستلزم الأحكام الشرعية التالية :

(أ) عدم جواز السلم بها لدى من يقول باشتراط أن يكون رأس مال السلم نقدا من ذهب أو فضة أو غيرهما من أنواع النقد ؛ لأن الأوراق النقدية بمقتضى هذا القول عروض وليست أثمانا .

(ب) عدم جريان الربا بنوعيه فيها فلا بأس ببيع بعضها ببعض متفاضلة ، فيجوز بيع العشرة بخمسة عشر أو أقل أو أكثر كما يجوز بيع بعضها ببعض أو بثمن من الأثمان الأخرى كالذهب أو الفضة أو البرنز أو غيرها من المعادن النقدية نسيئة .

(ج) عدم وجوب الزكاة فيها ما لم تعد للتجارة ؛ لأن من شروط وجوب الزكاة في العروض إعدادها للتجارة .

مناقشة هذا القول :

1 - إن في القول بعرضية الأوراق النقدية تفريطا تنفتح به أبواب الربا على مصاريعها ، وتسقط به الزكاة عن غالب الأموال المتمولة في زماننا هذا ، يتضح ذلك بالمثال الآتي :

مسلم يملك مليون جنيه إسترليني أودعه أحد المصارف بفائدة قدرها 8% لم يقصد بهذا المبلغ التجارة وإنما يريد باقيا عند البنك بصفة مستمرة على أن يأخذ فائدته ليقوم بصرفها على نفسه في شئون حياته مثلا ، فلا بأس

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 68)

بمقتضى هذا القول بصنيعه هذا ؛ لأن هذا المبلغ ليس نقدا فيجري فيه الربا ولا زكاة فيه ؛ لكونه عرضا لم يقصد به التجارة .

2 - إذا عمدت الجهات المختصة إلى نوع من جنس الورق فأخرجت للناس منه قصاصات صغيرة مشغولة بالنقش والصور والكتابات وقررت التعامل بها وتلقاها الناس بالقبول فقد انتقل هذا الورق من جنسه باعتبار وانتفى عنه حكم جنسه لذلك الاعتبار لانتفاء فوائد الانتفاع به ورقا يكتب فيه وتحفظ فيه الأشياء ، فإذا كان الناس يحرصون على الحصول عليه ويرضونه ثمنا لسلعهم سواء أكانت سلعا عينية أو خدمات فليس؛ لأنه مال متقوم مرغوب فيه بعد تقطيعه قصاصات صغيرة مشغولة بالنقش والكتابة والصور ؛ بل لأنه انتقل إلى جنس ثمني بدليل فقده قيمته كليا في حال إبطال السلطان التعامل به .

أما مخالفة ذاته ومعدنه ذات النقدين والفضة ومعدنهما ، فالجواب عن ذلك فرع عن تحقيق القول في علة الربا في النقدين هل هي الثمنية كما هو رأي المحققين من أهل العلم فينتفي الفارق المؤثر بينهما لاشتراكهما فيها أم أن العلة غيرها.

3 - أما القول بأن قيمتها النقدية وتعيين اسمها اصطلاح مجازي لا تخرج به عن حقيقتها من أنها مال متقوم ليس له جنس الذهب ولا الفضة ولا غيرهما من الأموال الربوية فيمكن أن يجاب عن ذلك بأن تسمية هذه الأوراق بريال أو جنيه أو دولار أو دينار أو غيرها تعتبر حقائق عرفية لا مجازية لا سيما في وقتنا هذا الذي اختفى فيه الذهب والفضة عن الأسواق

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 69)

كنقد سائد في التداول وحلت هذه المسميات محلها في الثمنية .

4 - وأما القول بانتفاء الجامع بينهما في الجنس وإمكان التقدير فيمكن أن يجاب عنه بعد تحقيق القول في علة الربا في النقدين فإذا كانت العلة في ذلك الثمنية كما سيأتي بيانه وتوضيحه فالجامع موجود .

5 - وأما القول بأن الأصل في المعاملات الحل حتى يرد دليل المنع فيجاب بالتسليم بهذه القاعدة إلا أن دليل المنع وارد بناء على أن علة الربا في النقدين الثمنية .

القول الثالث : الأوراق النقدية فلوس :

يتلخص هذا الرأي في أن الأوراق النقدية كالفلوس في طروء الثمنية عليها ، فما ثبت للفلوس من أحكام الربا والزكاة والسلم وغيرها ثبت للأوراق النقدية مثلها ، ويوجه أصحاب هذا القول رأيهم بأن الأوراق النقدية عملة رائجة أعيانها بما رقم عليها رواج النقدين بقيمتها المرقومة عليها وليست ذهبا ولا فضة ، وإنما هي كالفلوس .

ولكنهم اختلفوا في مقتضيات هذا القول : فمنهم من لم يلحقها بالنقدين مطلقا ، فلم يوجب فيها الزكاة إلا بنية التجارة ولم يجر فيها الربا بنوعيه ، ومنهم من فصل فألحقها بالنقدين في وجوب الزكاة وجريان ربا النسيئة فيها ؛ للإجماع على حرمته ، واعتراف من حرم ربا الفضل بأن حرمة ربا النسيئة أشد إثما من ربا الفضل ، ولدخول النسيئة في الأنواط في عموم قوله تعالى ؛ سورة آل عمران الآية 130 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 70)

ولأن مفسدة بيع عشرة أنواط باثني عشر منها ، أو بأحد النقدين إلى أجل لا تقل عن مفسدة بيع عشرة دنانير ذهبا باثني عشر دينارا ، وتكاد معرفة الفساد فيهما تكون ضرورية .

وأباح هؤلاء ربا الفضل في الأنواط ، فأجازوا بيع بعضها ببعض أو بأحد النقدين مع التفاضل إذا كان ذلك يدا بيد ؛ لأن ربا الفضل حرم تحريم الوسائل ، ولكونها غير نقود حقيقية ولموضع الحاجة ، ونظير هذا أن بعض العلماء أجاز بيع الفلوس بعضها ببعض أو بأحد النقدين مع التفاضل إذا كان يدا بيد ومنع من ذلك مؤجلا ، ولأن ربا الفضل أبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كبيع العرايا ، ولأن بعض العلماء أجاز بيع الحلي من الذهب بالدنانير ، وبيع الحلي من الفضة بالدراهم متفاضلا يدا بيد ، فجعلوا للصنعة أثرا .

مناقشة هذا القول:

1 - إن قياس الأوراق النقدية بالفلوس قياس مع الفارق .

ويتبين ذلك فيما يأتي:

(أ) الأوراق النقدية بمزيد قبولها ، وكثرة رواجها في المعاملات ، وطغيانها على سائر الأثمان في سوق المعاوضات - صارت موغلة في الثمنية إيغالا لا تقصر دونه الفلوس ، بل نقود الذهب والفضة بعد ندرة

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 71)

التعامل بهما في المعاوضات.

(ب) في انتقال الأوراق النقدية من أصلها العرضي إلى الثمنية قوة أفقدتها القدرة على رجوعها إلى أصلها في حال إبطالها ، بخلاف الفلوس فهي إذا كسدت أو أبطل السلطان التعامل بها فلها قيمة في نفسها كسائر العروض.

(ج) الأوراق النقدية في غلاء قيمتها كالنقدين ، بل إن بعضا من الورق النقدي يعجز عن اللحاق بقيمته أكبر قطعة نقدية من ذهب أو فضة.

(د) تستخـدم الفلـوس فـي تقييـم المحقرات من السلـع ، وهذه المحقرات مما تعم الحاجة إليها ، فالتخفيف في أحكامها أمر حاجي تقتضيه المصلحة العامة كالعرايا والتجاوز عن يسير الغرر والجهالة.

(هـ) نظرا لتفاهة قيمة الفلوس فإن الصفقات ذات القيمة العالية لا تتم بها ، وإنما تتم بالنقدين أو بالأوراق النقدية والربا في الغالب لا يكون إلا في صفقات ذات قيمة عالية نسبيا.

هذه الفروق لها أثرها في إعطاء الأوراق النقدية مزيد فضل على الفلوس تختلف به عنها في الأحكام وتجعلها في معنى النقدين : الذهب والفضة في الثمنية ، وفي جريان الأحكام.

2 - على فرض التسليم بإلحاق الأوراق النقدية بالفلوس فقد بحث العلماء رحمهم الله مسألة الفلوس ، واختلفوا في تكييفها ، وانقسموا في ذلك الاختلاف قسمين تبعا لعاملين يتجاذبانها : عامل أصلها ، وهو العرضية

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 72)

وعامل ما انتقلت إليه وهو الثمنية ، فبعضهم اعتبر أصلها وهو العرضية ففرق بينها وبين النقدين ، فأثبت لها أحكام أصلها ومنع عنها أحكام النقدين في الربا والصرف والسلم والزكاة وغيرها ، والبعض الآخر اعتبرها نقدا ، وأثبت لها ما للنقدين من أحكام في الربا والصرف والسلم والزكاة وغيرها ، وبمزيد من العمق في دراسة مسألة الفلوس والموازنة بين الرأيين - يظهر وجاهة القول باعتبارها نقدا ، لها ما للنقدين الذهب والفضة من أحكام .

القول الرابع : الأوراق النقدية متفرعة عن ذهب أو فضة :

يتلخص هذا القول في : أن الأوراق النقدية بدل لما استعيض بها عنه ، وهما النقدان : الذهب ، والفضة ، وللبدل حكم المبدل عنه مطلقا ، ويوجهه أصحابه بأن هذه الأوراق النقدية قائمة في الثمنية مقام ما تفرعت عنه من ذهب أو فضة حالة محلها ، جارية مجراها ، معتمدة على تغطيتها بما تفرعت عنه منهما ، والأمور الشرعية بمقاصدها ، يؤيد القول بثمنيتها أنها إذا زالت عنها الثمنية أصبحت مجرد قصاصات ورق لا تساوي بعد

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 73)

إبطالها شيئا مما كانت تساويه قبل الإبطال ، ويلزم سلطة الإصدار تعويض حاملها إما بمقابلها من جنس رصيدها ، وإما بأوراق أخرى تقوم مقام مقابلها من الرصيد ما تراه الدولة من المصلحة .

مستلزمات هذا الرأي:

يستلزم هذا الرأي ما يأتي:

(أ) جريان الربا بنوعيه في الأوراق النقدية .

(ب) ثبوت الزكاة فيها متى بلغت قيمتها مائتي درهم فضة أو عشرين مثقالا ذهبا إذا استكملت شروط وجوب الزكاة في النقدين ، مع ملاحظة أن ما كان بدلا عن ذهب فلا تجب زكاته حتى تبلغ ثمنيته نصاب الذهب ، وما كان بدلا عن فضة فلا تجب زكاته حتى تبلغ ثمنيته نصاب الفضة .

(ج) جواز السلم بها .

(د) اعتبارها بغض النظر عن أشكالها وأسمائها وجنسياتها متفرعة عن جنسين هما : الذهب والفضة ، فما كان عن ذهب فله حكم الذهب ، وما كان عن فضة فله حكم الفضة .

(هـ)) إذا بودل بين نوعين من الورق النقدي متفرعين عن ذهب أو فضة - امتنع التفاضل بينهما ، وإذا بودل بين جنسين من الورق أحدهما متفرع عن ذهب والثاني متفرع عن فضة - جاز فيهما التفاضل إذا كان يدا بيد ، وامتنع فيهما التأخير .

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 74)

مناقشة هذا القول :

هذا الرأي مبني على افتراض أن الأوراق النقدية مغطاة غطاء كاملا بذهب أو فضة ، وحيث إن الواقع خلاف ذلك ، وأن غالب الأوراق النقدية مجرد أوراق وثيقية قيمتها مستمدة من سن الدولة التعامل بها ، وتلقي الناس إياها بالقبول ، وأن القليل المغطى لا يلزم أن يعطى بالذهب أو الفضة ؛ بل قد يغطى بغيرهما من عقار أو أوراق مالية من أسهم أو سندات لا تقدر قيمتها بذهب ولا فضة وإنما تقدر بعمل ورقية ، فضلا عن الحرج والمشقة في القول بهذا الرأي في مسائل الصرف عند اشتراط المماثلة في الجنس ، وذلك إذا صح ما قيل بانتفاء أي نقد ورقي غطاؤه فضة .

ويمكن أن يورد على هذا النقاش ما يلي :

إن رصيد الأوراق النقدية وإن كان مختلفا فبعضه ذهب أو فضة وآخر منه عقار أو أوراق مالية من أسهم وأسناد إلا أن ما كان منه عقارا أو أوراقا مالية لم يعتبر رصيدا بنفسه ، وإنما اعتبر بما قدر به من العمل المتعامل بها سابقا في دولة الإصدار ، ذهبا كانت أم فضة ، وكذا ما كان أوراقا وثيقية عمادها التزام سلطة الإصدار ليست قيمتها من مجرد سن الدولة التعامل بها ؛ لما سبق في بيان السبب الثاني من أسباب سر قابلية النقد وسيطا في التبادل وإنما كسبت الأوراق الوثيقية ثقة الناس بها وقبولهم إياها وسيطا في التعامل مع ملاءة سلطة الإصدار القائمة مقام الذهب أو الفضة مع سنها التعامل بها ، فعاد الأمر إلى قيمة ما كان به مليئا من ذهب أو فضة أو ما يقدر بهما ، وبذلك كان بعض الرصيد ذهبا أو فضة بالفعل ، وبعضه الآخر في

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 75)

حكم الذهب أو الفضة تبعا لنوع العمل المتعارف عليها في الدولة قبل إصدار الأوراق النقدية ، أما ما قيل من أن هذا الرأي يستلزم الحرج والمشقة في مسائل الصرف لاشتراط المماثلة في الجنس فغير مسلم ، فإن ما اشترط من المماثلة في حال معاوضة بديل الذهب مثلا بعضه ببعض قد اشترط في حال معاوضة الذهب نفسه بعضه ببعض ولم يعتبر ذلك حرجا ، فكذا لا يعتبر اشتراط المماثلة في حال المعاوضة في البديل حرجا ، ويؤيد ما ذكر من البدلية واعتبار الرصيد قائما أن قيمة الأوراق النقدية لا تخضع في صعودها وهبوطها لحالة السوق التجارية عرضا وطلبا فقط ، بل تخضع في ذلك أيضا لحالة رصيدها قوة وضعفا ، فإن كان لها نسبة معتبرة من الرصيد مع ملاءة الدولة أو ارتبطت بعملة لدولة أخرى مليئة معتبرة كعملة الدولار أو الإسترليني في الوقت الحاضر أثبتت وجودها وعلت قيمتها ، وإلا تزلزلت وهبطت قيمتها ، ومن هنا قيل هذه عملة صعبة ، وقيل في أخرى ليست صعبة ، ويشهد لذلك حالة الورق النقدي في بعض الدول العربية حينما انفصل عن الإسترليني فهبط بعد أن كان صاعدا مرتفعا سعره في السوق العالمية .

ويؤيد اعتبار الرصيد أيضا وأنه لم يزل قائما أن الدولة إذا أبطلت نوعا من الأوراق النقدية لزمها تعويض من بيده الأوراق إما بأصل الرصيد أو بأوراق أخرى تقوم مقام نصيبها من الرصيد ، وإنما منعت الدولة التعويض عن الأوراق بما يقابلها من نفس الرصيد محافظة على خاماتها الثمينة وحماية لها من تلاعب الناس فيها أو تهريبها ، إلى غير هذا من أنواع العبث ، وقد

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 76)

يكون احتفاظها بالرصيد لمعنى اقتصادي جعل الدولة تحل الأوراق محل الذهب أو الفضة .

القول الخامس : الأوراق النقدية نقد قائم بنفسه :

يتلخص هذا القول : في أن الورق النقدي نقد قائم بنفسه ؛ كالذهب والفضة ، وغيرهما من الأثمان مما يلقى قبولا عاما كوسيط للتبادل بين الناس ، وأن العملات الورقية أجناس تتعدد بتعدد جهات إصدارها .

توجيه هذا القول :

ويمكن أن يوجه هذا القول بما يأتي :

1 - ما عليه البلاد من حال اقتصادية .

2 - ثقة الناس بها ثقة تامة جعلتها صالحة لتكون مستودعا عاما للادخار ، وقوة للشراء ، ومقياسا للقيم انظر ص 6 ، 7 من [ الموجز في اقتصاديات النقود ] ، للأستاذ ج . ف . كرواذ . 3 - قانونيتها بسن الدولة لها ، وحمايتها إياها ، والاعتراف بذلك أكسبها قوة الإبراء العام انظر ص 98 ، 99 من كتاب [ قصة النقود ] . 4 - لا يحتم قانون إصدار الأوراق النقدية تغطيتها جميعها ، فيكفي تغطية بعضها بغطاء مادي له قيمة في نفسه ولو لم يكن ذهبا ولا فضة ، على

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 77)

أن يكون الباقي أوراقا وثيقية لا غطاء لها إلا التزام سلطة الإصدار سجل بما سجل عليها عند إبطالها .

5 - التعهد المسجل على هذه الأوراق لا يقصد إلا تذكير المسئولين عن مسئوليتهم تجاهها والحد من الإفراط في الإصدار دون استكمال أسباب الثقة بها ، وإذن فليست أسنادا وليس التعهد بها سر قبولها .

6 - ليس للأوراق النقدية قيمة في نفسها ، وإنما قيمتها في أمر خارج عنها فليست عروضا.

7 - رجحان القول بأن علة الربا في النقدين الثمنية مع الاعتراف بثمنية الأوراق النقدية .

8 - تحقق الشبه بينها وبين الذهب والفضة المسكوكتين في الثمنية وفي وقوع الظلم والعدوان والاضطراب في المعاملات إذا جعل كل من هذه الأثمان سلعا كالعروض تباع وتشترى فأعطيت حكمها لا حكم العروض .

9 - اختلاف جهات الإصدار فيما تتخذه من أسباب الثقة بالأوراق النقدية لتحل محل الذهب والفضة وتكسب قبولا عاما وإبراء تاما ، واختلاف هذه الجهات أيضا قوة وضعفا وسعة وضيقا في الاقتصاد والسلطان وغير ذلك مما يقضي بأنها أجناس مختلفة باختلاف جهات إصدارها ، فكما أن الذهب والفضة جنسان لاختلاف كل منهما عن الآخر في القيمة الذاتية ، فكذلك العملات الورقية أجناس لاختلاف كل منها عن الأخرى بما تقدرها به جهات إصدارها وفيما تتخذه من أسباب لقبولها

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 78)

وإحلال الثقة بها .

10 - في القول بتفرع الأوراق النقدية عن الذهب والفضة مجانبة للواقع ، وفي العمل به حرج ومشقة حينما تعتبر الأوراق النقدية جنسا واحدا.

وحيث كان سر قبول الأوراق النقدية ثقة الناس به لا التعهد المسجل على كل ورقة بتسليم حاملها ما سجل عليها وقت الطلب ، ولا أن جميعها مغطى بذهب أو فضة ، ولا لأن سلطة الإصدار ألزمت الناس التعامل بها ، وحيث أنها أشبهت الذهب والفضة فـي الثمنية وتقويم الأشياء بها ، واطمئنان النفوس إلى تمولها وادخارها ، وفي اضطراب أحوال المعاملات وانتشار الظلم والعدوان باتخاذها سلعا تباع وتشترى ، وكان الراجح في علة جريان الربا في الذهب والفضة الثمنية ، وتبين أنها ليست أسنادا ولا عروضا وأن الفلوس جارية مجرى الذهب والفضة في أحكامها وأنها ليست متفرعة عن الذهب والفضة ، وأن قيمة الأوراق الثمنية وقوتها الشرائية تختلف باختلاف جهات الإصدار في حالتها الاقتصادية ، وقوتها وضعفها ، وسعتها وضيقها في الاحتياط لحفظ كيان هذه الأوراق وفي نوع ما تسندها ثبت أنها نقد قائم بنفسه ، وأنها أجناس مختلفة تبعا لاختلاف جهات إصدارها ، وأن لها ما للذهب والفضة من أحكام

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 79)

مستلزمات هذا القول :

يستلزم هذا القول الأحكام الشرعية الآتية :

(1) جريان الربا بنوعيه فيها كما يجري الربا بنوعيه في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان .

(ب) عدم جواز بيع الجنس الواحد بعضه ببعض أو بيع جنس منها بغيره من الأجناس الثمنية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة .

(ج) عدم جواز بيع الجنس الواحد منها بعضه ببعض متفاضلا ، سواء كان ذلك نسيئة أو يدا بيد .

(د) جواز بيع الأوراق النقدية بعضها ببعض متفاضلا ، إذا اختلف الجنس وكان يدا بيد ، فيجوز بيع الريال الفضة بريالين من الورق مثلا ، وبيع الليرة بريال سعودي فضة كان أو ورقا ، وبيع الدولار بخمسة ريالات أو أقل أو أكثر إذا كان يدا بيد .

(هـ) وجوب زكاتها إذا بلغت أدنى النصابين من ذهب أو فضة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها وحال عليها الحول .

(و) جواز السلم بها .

مناقشة هذا القول :

ويمكن أن تناقش هذه التوجيهات بما يأتي :

أما الأول : فيناقش بأن تغير أسعـار الورق النقدي ونحوه ارتفاعا وانخفاضا لا يخضع فقط لحالة السوق التجارية طلبا وعرضا وكثرة الإنتاج

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 80)

وقلته وكثرة الأثمان وقلتها ، بل يخضع أيضا لحالة رصيد هذه الأوراق قوة وضعفا ، فإن كان لها نسبة معتبرة من الرصيد مع ملاءة الدولة أو ارتبطت بعملة أخرى مليئة ولها رصيد معتبر كعملة الدولار والإسترليني في الوقت الحاضر ، أثبتت وجودها وغلت قيمتها وإلا تزلزلت وهبط سعرها في الأسواق العالمية ، ومن هنا قيل : عملة صعبة وعملة ليست صعبة ، ويشهد لذلك واقع الورق النقدي في بعض الدول العربية حينما انفصل عن الإسترليني هبط بعد أن كان مرتفعا سعره في السوق العالمية .

ويناقش الثاني والثالث : بأن ثقة الناس بها وقانونيتها بسن الدولة لها وحمايتها والاعتراف بذلك إنما أكسبها قوة الشراء والإبراء العام وجعلها مقياسا للقيم من أجل ما استندت إليه من رصيد لا يزال اعتباره قائما ، يدل على ذلك ما جاء في التوجيه الرابع والخامس والسادس والتاسع ، وما تقدم في بيان سر قابلية النقد الورقي للتبادل والإبراء العام .

ويناقش الرابع : بأنه وإن لم يتعين تغطية الأوراق النقدية بالذهب أو الفضة لكن لابد من التغطية ولو بعقار يقدر بالعملة المتعارف عليها في دولة الإصدار حتى يمكن الوقوف عند حد معقول اقتصاديا في إصدار الأوراق النقدية يتناسب مع الرصيد ، وما كان غير مغطى منها قام فيه التزام جهة الإصدار المليئة مقام الغطاء بالعملة المتعارف عليها سابقا ، وبذلك كان الغطاء من عقار والتزام مثلا في حكم الذهب والفضة وكانت ثقة الناس بهذه الأوراق وكانت قوة الشراء والإبراء العام .

(انظر التعليق على مناقشة القول الرابع) .

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 81)

ويناقش الخامس : بأنه يحمل رده في طيه حيث ذكر فيه أن مما يقصد بالتعهد المسجل على الأوراق الحد من الإفراط في الإصدار دون استكمال أسباب الثقة ، واستكمال أسباب الثقة إنما يكون بزيادة الرصيد بنسبة ما يراد زيادة إصداره من الأوراق النقدية ، وبذلك يتبين أن اعتبار الرصيد ولو اختلف نوعه لا يزال قائما ، وإنما لم يسلم العوض ذهبا أو فضة عند إبطال عملة الأوراق واكتفي بتسليم عملة أخرى من الأوراق لمصلحة رآها ولي الأمر ، كالمحافظة على المعادن النفيسة من تهريبها مثلا ، أو الرغبة في الانتفاع بها فيما يعود على الدولة بالخير مع قيام أوراق نقدية لا تكلفه شيئا سوى إصدارها مع دعمها بالتزام الوفاء ورصيد يتصرف فيه رجاء فائدة تعود إلى الحكومة والأمة .

ويناقش السادس : بأنه يحمل رده في طيه أيضا كالخامس ؛ بل هذا أوضح ، حيث صرح فيه بأن قيمة الأوراق النقدية في أمر خارج عنها لا في نفسها ، فدل ذلك على اعتبار الرصيد قائما وإن لم يستجب إلى من طلبه من حملة الأوراق النقدية ولم يدفع إليه شيء من الرصيد بعينه ، لما تقدم بيانه في رد الوجه الخامس .

ويناقش السابع والثامن : بأنه إن صح القول بأن الثمنية علة الربا في النقدين وصح قياس الأوراق النقدية عليها دل ذلك على أنها فرع عنهما لا على استقلالها جنسا أو أجناسا قائمة بنفسها ، فما كان منها متفرعا عن الذهب ألحق به وما كان منها متفرعا عن الفضة أعطي حكمها في كل ما يتعلق بالربا والزكاة ونحوهما .

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 82)

ويناقش التاسع بأمرين :

الأول : أن فيه التصريح باتخاذ رصيد لهذه الأوراق ، وأنه سبب الثقة بها وحلولها محل الذهب أو الفضة وكسبها القبول العام والإبراء التام فدل على أنها فرع عما دعمت به من ذهب أو فضة أو ما يقدر بهما من عقار ونحوه ، فكانت بدلا عن أصلها الذي حلت محله لا جنسا أو أجناسا مستقلة بنفسها .

الثاني : أن اختلاف جهات الإصدار قوة وضعفا وسلطانا وسعة وضيقا واختلافها في نوع ما تدعم به عملتها الورقية لا تأثير له في اختلاف رصيده منهما أو مما قدر بهما فيكون بعض الورق تبعا للفضة وبعضها تبعا للذهب لا غير ، يدل على ذلك أن جهات إصدار نقد من الذهب أو الفضة لا يؤثر اختلافها ولا وحدتها في جنس كل من الذهب والفضة ، بل هما جنسان اتحدت الجهة أو اختلفت.

ويناقش العاشر : بأنه لا حرج ولا مشقة في القول بتفرعها عن الذهب والفضة ، فإن ما اشترط فيها من المماثلة في بيع الجنس الواحد منها بعضه ببعض قد اشترط فيما هي بديل عنه من الذهب أو الفضة ولم يعتبر ذلك حرجا ، فكذا لا يعتبر اشتراط المماثلة في حال المعاوضة في البديل حرجا .

علة الربا في النقدين :

نظرا إلى أن الأوراق النقدية أصبحت تلقى قبولا عاما في دنيا

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 83)

المعاوضات كوسيط للتبادل ، وأنها بذلك حلت محل الذهب والفضة في الثمنيه ، وحيث أن السنة النبوية نصت على جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة ، ونظرا إلى أن أهل العلم اختلفوا في تعيين علة لجريان الربا فيهما ، نظرا إلى ذلك كله كان من المناسب أن يشتمل هذا البحث على بيان أقوال أهل العلم في علة الربا في النقدين ونقاش ما استند إليه كل قول مما يقبل النقاش.

لقد اختلف العلماء في تعليل تحريم الربا في النقدين الذهب والفضة : فمن نفى التعليل أو تعذر عليه إقامة دليل يرضاه لإثبات علة التحريم : قصر العلة فيهما مطلقا سواء كانا تبرا أو مسكوكين أو مصنوعين .

وهذا مذهب أهل الظاهر ونفاة القياس وابن عقيل من الحنابلة ، حيث إنه يرى العلة فيهما ضعيفة لا يقاس عليها ، فلا ربا عند هؤلاء في الفلوس ولا في الأوراق النقدية ولا في غيرها مما يعذ نقدا ، وتحريم الربا فيهما عندهم تعبدي ، وأما غيرهم فقد استنبط مناطا تنضبط به قاعدة ما يجري فيه الربا إلا أتهم اختلفوا في تخريج المناط .

ويمكن حصر آرائهم في ثلاثة أقوال :

الأولى : يتلخص القول الأول في أن علة الربا في النقدين الوزن ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : صحيح مسلم المساقاة (1591),سنن أبو داود البيوع (3353),مسند أحمد بن حنبل (6/22). لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن أخرجه مسلم برقم (1584) (77) وأبو داود برقم (3353) والنسائي في [المجتبى] ، برقم (5470) . ، ولقوله : صحيح مسلم المساقاة (1588). الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل ، والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل أخرجه أحمد (2 \ 262) و (6 \ 19) ومسلم برقم (1588) (84) والنسائي في [المجتبى] ، برقم (4569) .

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 84)

وقوله : ما وزن مثلا بمثل رواه الدارقطني برقم (58) . ، وقوله : صحيح البخاري البيوع (2089),صحيح مسلم المساقاة (1593),سنن النسائي البيوع (4553),موطأ مالك البيوع (1314). بع الجمع بالدراهم ، ثم ابتع بالدراهم جنيبا .

وقال فـي [الميزان] ، مثل ذلك [صحيح البخاري] ، (3 \ 35 ، 61) و (5 \ 83 ، 84) . ، فجعل ضابـط ما يجري فيه الربا وتجب فيه المماثلة الوزن فـي الموزونات ، وطرد أصحاب هذا القول القاعدة في جريان الربا في كل ما يوزن ؛ كالحديد ، والنحاس ، والرصاص ، والصفر ، والصوف ، والقطن والكتان ، وهذا القول هو المشهور عن الإمام أحمد ، وهو قول النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي . ويمكن أن يورد على هذا القول ما يلي :

(أ) الوزن وصف طردي محض لا مناسبة فيه انظر [إعلام الموقعين] ، (2 \ 137) . .

(ب) العلماء متفقون على جواز إسلام النقدين في الموزونات ، وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل ، وفي جواز ذلك نقض للعلة .

(ج) أن حكمة تحريم الربا ليست مقصورة على ما يوزن ؛ بل هي متعدية إلى غيره مما يعد ثمنا ولا يتعامل به وزنا ، كالفلوس ، والورق النقدي ، فإن الظلم المراعى إبعاده في تحريم الربا في النقدين واقع في التعامل بالورق النقدي وبشكل واضح في غالبه تتضاءل معه صورة الظلم الواقع في

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 85)

التعامل بالذهب والفضة متفاضلا في الجنس أو نسيئة في الجنسين ، نظرا لارتفاع القيمة الثمنية في بعضها كفئات المائة ريال والألف دولار .

الثاني : ويتلخص هذا القول في أن علة الربا في النقدين غلبة الثمنية ، وهذا القول هو المشهور عن الإمامين مالك والشافعي فالعلة عندهما قاصرة على الذهب والفضة ، والقول بغلبة الثمنية احتراز عن الفلوس إذا راج رواج النقدين فالثمنية طارئة عليها فلا ربا فيها .

ويمكن أن يورد على هذا الرأي ما يلي:

(أ) أن العلة القاصرة لا يصح التعليل بها في اختيار أكثر أهل العلم منقوضة طردا بالفلوس ؛ لأنها أثمان وعكسا بالحلي انظر [مجموع النووي] ، (9 \ 445) ، وانظر الفروع ، (2 \ 545) .

(ب) أن حكمة تحريم الربا في النقدين ليست مقصورة عليهما ؛ بل تتعداهما إلى غيرهما من الأثمان كالفلوس والورق النقدي .

الثالث : ويتلخص في أن علة الربا في النقدين مطلق الثمنية .

وهذا القول إحدى الروايات عن الإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة .

قال أبو بكر من أصحاب أحمد : روى ذلك عن أحمد جماعة ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله وغيرهما من محققي أهل العلم انظر [مجموع فتاوى شيخ الإسلام] ، (29 \ 473 ، 474) ، وانظر إعلام الموقعين] ، (2 \ 137) .

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 86)

وقد أورد ابن مفلح على هذا القول إيرادا ملخصه : بأن التعليل بالثمنية تعليل بعلة قاصرة لا يصلح التعليل بها في الأكثر منقوضة طردا بالفلوس لأنها أثمان وعكسا بالحلي انظر [ الفروع ] ، وتصحيحه (2 \ 545) . .

ويمكن أن يجاب عن هذا الإيراد : بأنه لا يتجه إلا على القائلين بغلبة الثمنية ، أما القائلون بمطلق الثمنية فلم يخرجوا الفلوس الرائجة عن حكم النقدين ، بل اعتبروها نقدا يجري فيه الربا كما يجري فيهما ، كما أنهم لم يقولوا بجريان الربا في الحلي المصنوع من الذهب أو الفضة ؛ لأن الصناعة قد نقلته من جنس الثمنية إلى أجناس السلع والثياب ؛ ولهذا لا تجب فيه الزكاة على القول المشهور في مذهب الإمام أحمد مع أنه من الذهب والفضة انظر [إعلام الموقعين] ، (2 \ 145 - 142 ) ، وانظر [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (29 \ 453) . .

كما يمكن أن يورد على القائلين بمطلق الثمنية إيراد ملخصه : بأن إجماع العلماء منعقد على جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة ، سواء أكانا سبائك أو مسكوكين ، فما سك منهما نقدا فلا إشكال في جريان الربا فيه ؛ لكونه ثمنا وإنما الإشكال في جريان الربا في سبائكهما مع أنهما في حال كونهما سبائك ليسا ثمنا ، ويمكن أن يجاب عن هذا الإيراد: بأن الثمنية موغلة في الذهب والفضة وشاملة لسبائكهما ، بدليل أن السبائك الذهبية كانت تستعمل نقدا قبل سكها نقودا ، وقد كان تقدير ثمنيتها بالوزن .

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 87)

ومن ذلك ما رواه الخمسة وصححه الترمذي عن سويد بن قيس قال : جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر فأتينا به مكة ، فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي ، فساومنا سراويل فبعناه ، وثم رجل يزن بالأجرة فقال له: " زن وارجح ، ومثله حديث جابر في بيعه جمله على رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: صحيح البخاري الوكالة (2185),صحيح مسلم المساقاة (715),مسند أحمد بن حنبل (3/314). يا بلال أقضه وزده فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا انظر [مجموع فتاوى شيخ الإسلام] ، (19 \ 248) ، وانظر [إعلام الموقعين] ، (2 \ 140) . .

هذا ما تيسر إيراده. وبالله التوفيق ، وصلى الله على محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

قرار هيئة كبار العلماء

رقم (10) وتاريخ 17 \ 8 \ 1393هـ

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد ، وعلى آله وصحبه ، وبعد :

فبناء على توصية رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ، والأمين العام لهيئة كبار العلماء - بدراسة موضوع الورق النقدي من قبل هيئة كبار العلماء ؛ استنادا إلى المادة السابعة من لائحة سير العمل في الهيئة التي تنص على أن ما يجري بحثه في مجلس الهيئة يتم بطلب من ولي الأمر ، أو بتوصية من الهيئة ، أو من أمينها ، أو من رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ، أو من اللجنة الدائمة المتفرعة عن الهيئة - فقد جرى إدراج الموضوع في جدول أعمال الهيئة لدورتها الثالثة المنعقدة فيما بين 1 \ 4 \ 1393 هـ و 17 \ 4 \ 1393 هـ ، وفي تلك الدورة جرى دراسة الموضوع بعد الاطلاع على البحث المقدم عنه من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء .

وبعد استعراض الأقوال الفقهية التي قيلت في حقيقة الأوراق النقدية من اعتبارها أسنادا ، أو عروضا ، أو فلوسا ، أو بدلا عن ذهب أو فضة ، أو نقدا مستقلا بذاته ، وما يترتب على تلك الأقوال من أحكام شرعية - جرى تداول الرأي فيها ، ومناقشة ما على كل قول منها من إيرادات. فتنتج عن ذلك عديد من التساؤلات التي تتعلق بالإجراءات المتخذة من قبل الجهات المصدرة لها :

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 89)

وحيث إن الموضوع من المسائل التي تقضي المادة العاشرة من لائحة سير عمل الهيئة بالاستعانة بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية والأنظمة العامة بما في ذلك القضايا البنكية والتجارية والعمالية ، فإن عليها أن تشرك في البحث معها واحدا أو أكثر من المتخصصين في تلك العلوم - فقد جرى استدعاء سعادة محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي الدكتور أنور علي ، وحضر معه الدكتور عمر شابريه أحد المختصين في العلوم الاقتصادية ، ووجهت إلى سعادته الأسئلة التالية:

س1 : هل تعتبر مؤسسة النقد ورق النقد السعودي نقدا قائما بذاته أم تعتبره سندات تتعهد الدولة بدفع قيمتها لحاملها ، كما هو مدون على كل فئة من فئات أوراق النقد السعودي ، وإذا لم يرد معنى هذه العبارة ، فما معنى الالتزام بتسجيلها على كل ورقة ، وهل يعني ذلك التعهد أن ورق النقد السعودي مغطى بريالات فضية أم لا ؟

س2: هل لكل عملة ورقية غطاء مادي محفوظ في خزائن مصدريها ، وإذا كان كذلك فهل هو غطاء كامل أم غطاء للبعض فقط ، وإذا كان غطاء للبعض فما هو الحد الأعلى للتغطية ، وما هو الحد الأدنى لها؟

س 3: ما نوع غطاء العملات الورقية ، وهل توجد عملة لأي دولة ما مغطاة بالفضة ، وله هناك جهات إصدار تخلت عن فكرة التغطية المادية مطلقا ؟

س4 : المعروف أن الورقة النقدية لا قيمة لها في ذاتها ، وإنما قيمتها في أمر خارج عنها ، فما هي مقومات هذه القيمة؟

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 90)

س5 : نرغب شرح نظرية غطاء النقد بصفة عامة ، وما هي مقومات اعتبار العملة الورقية على الصعيدين الدولي والمحلى؟

س6: هل الغطاء لا يكون إلا بالذهب ، وإذا كان بالذهب وغيره فهل غير الذهب فرع عن الذهب باعتبار أنه قيمة له ، وهل يكفي للغطاء ملاءة ومتانة اقتصادها وقوتها ولو لم يكن لنقدها رصيد؟

س7 : ما يسمى بالدينار ، والجنيه هل هو مغطى بالذهب ، ولذا سمي دينارا أو جنيها رمزا لما غطي به ، ومثله الريال السعودي هل هو مغطى بفضة أم أن هذه التسميات يقصد منها المحافظة على التسميات القديمة للعمل المتداولة فيما مضى بغض النظر عما هي مستندة عليه من ذهب أو فضة ؟

س8: ما السبب في عدم الثقة في النقد المتداول اليوم مما أدى إلى ارتفاع الذهب ارتفاعا لم يسبق له نظير؟

وأجاب سعادته عنها بواسطة المترجم القائد الدكتور أحمد المالك إجابة جرى رصد خلاصتها في محضر الجلسة مع سعادته ، وقد توصلت بها الأكثرية من الهيئة إلى الاقتناع بما ارتأته فيها من رأي .

ثم بعد إعادة النظر في الأقوال الفقهية التي قيلت فيها على ضوء الإيضاحات التي ذكرها سعادة المحافظ - قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:

بناء على أن النقد هو كل شيء يجري اعتباره في العادة أو الاصطلاح ، بحيث يلقى قبولا عاما كوسيط للتبادل ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال : (وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 91)

شرعي ، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح؛ وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به ، بل الغرض أن يكون معيارا لما يتعاملون به ، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها ، بل هي وسيلة إلى التعامل بها ؛ ولهذا كانت أثمانا . . . إلى أن قال : والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض ، لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت ) اهـ [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] ، (29 \ 251) . .

وذكر نحو ذلك الإمام مالك في [ المدونة ] ، من كتاب الصرف حيث قال: ( ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة ) اهـ [المدونة الكبرى] ، للإمام مالك (3 \ 5 ) توزيع \ مكتبة دار الباز بمكة المكرمة. .

وحيث إن الورق النقدي يلقى قبولا عاما في التداول ، ويحمل خصائص الأثمان من كونه مقياسا للقيم ومستودعا للثروة ، وبه الإبراء العام ، وحيث ظهر من المناقشة مع سعادة المحافظ : أن صفة السندية فيها غير مقصودة ، والواقع يشهد بذلك ويؤكده ، كما ظهر أن الغطاء لا يلزم أن يكون شاملا لجميع الأوراق النقدية ، بل يجوز في عرف جهات الإصدار أن يكون جزء من عملتها بدون غطاء ، وأن الغطاء لا يلزم أن يكون ذهبا ، بل يجوز أن يكون من أمور عدة كالذهب والعملات الورقية القوية ، وأن الفضة ليست غطاء كليا أو جزئيا لأي عملة في العالم ، كما اتضح أن مقومات الورقة النقدية قوة وضعفا مستمدة مما تكون عليه حكومتها من حال اقتصادية ، فتقوى الورقة بقوة دولتها وتضعف بضعفها ، وأن الخامات المحلية؛ كالبترول والقطن والصوف لم تعتبر حتى الآن لدى أي من جهات الإصدار

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 92)

غطاء للعملات الورقية.

وحيث إن القول باعتبار مطلق الثمنية علة في جريان الربا في النقدين هو الأظهر دليلا ، والأقرب إلى مقاصد الشريعة ، وهو إحدى الروايات عن الأئمة مالك وأبي حنيفة وأحمد ، قال أبو بكر : روى ذلك عن أحمد جماعة ، كما هو اختيار بعض المحققين من أهل العلم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما.

وحيث إن الثمنية متحققة بوضوح في الأوراق النقدية ؛ لذلك كله فإن هيئة كبار العلماء تقرر بأكثريتها: أن الورق النقدي يعتبر نقدا قائما بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرها من الأثمان ، وأنه أجناس تتعدد بتعدد جهات الإصدار ، بمعنى: أن الورق النقدي السعودي جنس ، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس ، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته ، وأنه يترتب على ذلك الأحكام الشرعية الآتية:

أولا: جريان الربا بنوعيه فيها ، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب والفضة وفي غيرهما من الأثمان كالفلوس ، وهذا يقتضي ما يلي :

(أ) لا يجوز بيع بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما - نسيئة مطلقا ، فلا يجوز مثلا بيع الدولار الأمريكي بخمسة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر نسيئة.

(ب) لا يجوز بيع الجنس الواحد منه بعضه ببعض متفاضلا ، سواء كان ذلك نسيئة أو يدا بيد ، فلا يجوز مثلا بيع عشرة أريلة سعودية ورق بأحد عشر ريالا سعوديا ورقا.

(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 93)

(ج) يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقا ، إذا كان ذلك يدا بيد ، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي ، ورقا كان أو فضة ، أو أقل من ذلك أو أكثر ، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر إذا كان ذلك يدا بيد ، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية ورق أو أقل أو أكثر يدا بيد ؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.

ثانيا: وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها.

ثالثا: جواز جعلها رأس مال في السلم والشركات.

والله أعلم ، وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد ، وآله وصحبه وسلم.

هيئة كبار العلماء

.

.

رئيس الدورة الثالثة

.

.

محمد الأمين الشنقيطي
متوقف

عبد الرزاق عفيفي
لي وجهة نظر أخرى في الأوراق النقدية أقدم بها بيانا إن شاء الله

عبد الله بن حميد
متوقف

عبد الله خياط

عبد المجيد حسن

عبد العزيز بن صالح

عبد العزيز بن باز

إبراهيم بن محمد آل الشيخ

سليمان بن عبيد

محمد الحركان

عبد الله بن غديان
متوقف

راشد بن خنين

صالح بن غصون

صالح بن لحيدان
متوقف

عبد الله بن منيع

محمد بن جبير

الأقسام الرئيسية: