بيان أحكام الاعتكاف

:
ي بيان أحكام الاعتكاف

الحمد لله وحده ، والصلاة على نبينا محمد الذي لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه .. أما بعد :
اعلموا أن هناك عبادة عظيمة تتعلق بالصيام وبالعشر الأواخر وهي : عبادة الاعتكاف ، وقد ختم الله به آيات الصيام حيث قال سبحانه " ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد " [البقرة 187] والاعتكاف لغة : لزوم الشيء والمكث عنده .
واصطلاحا : لزوم المسجد لطاعة الله ، ويسمى جوارا ، وهو سنة وقربة بالكتاب والسنة والإجماع ، وهو من الشرائع القديمة ، وفيه تقرب إلى الله تعالى بالمكث في بيت من بيوته وحبس للنفس على عبادة الله ، وقطع للعلائق عن الخلائق للاتصال بالخالق ، وإخلاء للقلب من الشواغل عن ذكر الله ، والتفرغ لعبادة الله بالتفكر والذكر وقراءة القرآن والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار ، والاعتكاف مسنون كل وقت ولكنه في رمضان آكد لفعله عليه الصلاة والسلام ومداومته عليه ، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله " [أخرجه البخاري رقم 2026 ومسلم رقم 1172] ، وقد اعتكف أزواجه رضي الله عنهن معه وبعده واعتكفن معه واستترن بالأخبية ، وأفضل الاعتكاف في رمضان الاعتكاف في العشر الأواخر ، لأنه صلى الله عليه وسلم داوم عليه إلى وفاته لقول عائشة رضي الله عنها " كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله " ولأن العشر الأواخر أرجى لتحري ليلة القدر
والاعتكاف عمل وعبادة لا يصح إلا بشروط :
الأول : النية لقوله صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمل بالنيات " [أخرجه البخاري رقم 1 ومسلم رقم 1907]
الثاني : أن يكون في مسجد ، لقوله تعالى " وأنتم عاكفون في المساجد " [البقرة 187] فوصف المعتكف بكونه في المسجد ، فلو صح في غيره لم يختص تحريم المباشرة فيه ، إذ هي محرمة في الاعتكاف مطلقا ، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في مسجده ، وفعله خرج بيانا للمشروع
الثالث : أن يكون المسجد الذي اعتكف فيه تقام فيه صلاة الجماعة لما روى أبو داود عن عائشة " ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة " [أخرجه أبو داود رقم 2473 ، والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 315] ولأن الاعتكاف في غير المسجد الذي تقام فيه الجماعة يؤدي إما إلى ترك الجماعة وإما إلى تكرار خروج المعتكف كثيرا مع إمكان التحرز من ذلك وهو مناف للاعتكاف ، ولا يجوز للمعتكف الخروج من معتكفه إلا لما لابد منه ، وكان صلى الله عليه وسلم لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان ، ولا يعود مريضا ولا يشهد جنازة إلا إن كان قد اشترط ذلك في ابتداء اعتكافه .
ويحرم على المعتكف مباشرة زوجته لقوله تعالى " ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد " [البقرة 187]
أي ما دمتم عاكفين ، ويستحب اشتغاله بذكر الله من صلاة وقراءة وذكر واجتناب مالا يعنيه لقوله صلى الله عليه وسلم " من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه " [أخرجه الترمذي رقم 2317 ، وابن ماجة رقم 3976 وأحمد في المسند 1 / 201 ، والحاكم في التاريخ 2 / 237 ، والطبراني في الأوسط رقم 2902 ،وفي الكبير 3/ 138 رقم 2886] ، وله أن يتحدث مع من يأتيه ما لم يكثر ، ولا بأس أن يتنظف ويتطيب ، وله الخروج لما لابد منه ،وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان ـ متفق عليه ـ فله أن يخرج لقضاء الحاجة والطهارة الواجبة وإحضار الطعام والشراب إذا لم يكن له من يأتي بهما ، هذا هو الاعتكاف المشروع وهذه بعض أحكامه ، ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح( إنه قريب مجيب ).
والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه

"من كتاب اتحاف أهل الايمان بدروس شهر رمضان للعلامة صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء و عضو اللجنة الدائمة للافتاء بالمملكة العربية السعودية"

الأقسام الرئيسية: