عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب

الشيخ عبد الله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب
هو الإمام العلامة الأوحد، الثقة الثبت، التقي الورع المجاهد المحتسب، ذو الهمة العالية والشجاعة المتناهية، الذي خلف والده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في مؤازرة الإمام1عبد العزيز بن محمد بن سعود، وخلفه في بث العلم والقيام بدعوة التوحيد ونشرها، والدفاع عنها بالقلم واللسان، والحجة والبيان، عالم نجد بعد أبيه ومفتيها، من له الفتاوى السديدة والأجوبة العديدة، والردود العظيمة، من ضربت إليه أكباد الإبل من سائر بلدان نجد وتوالت عليه الأسئلة من جميع قرى نجد ومدنها الشيخ عبد الله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
ولد هذا العالم الكبير في الدرعية سنة 1165هـ، ونشأ بها في كنف والده نشأة دينية صالحة، وقرأ القرآن حتى حفظه، ثم شرع في القراءة على والده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب فتفقه في المذاهب الإسلامية، ومهر في علمي الفروع والأصول، وكان مع هذا بارزا في علم التفسير والعقائد وأصول الدين، عارفاً بالحديث ومعانيه، وبالفقه وأصوله وعلم النحو واللغة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بعد مضي سبع وعشرين سنة من ولاية الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود توفي المصلح المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة 1206ه فخلفه في مؤازرة الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، وفي القيام بدعوة التوحيد ونشرها المترجم له ابنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

 

ص -32-

وله اليد الطولى في جميع العلوم والفنون، كرس جهده وأوقف حياته على تحصيل العلم ونشره تدريساً وتأليفا، فأخذ عنه العلم خلق كثير من فطاحلة علماء نجد وجهابذتهم، نذكر منهم في هذه الترجمة الموجزة أبناءه الثلاثة: الشيخ الإمام سليمان والشيخ عبد الرحمن والشيخ علي، وابن أخيه الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب والشيخ علي ابن أخيه الشيخ حسين ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، والشيخ محمد بن سلطان والشيخ عثمان بن عبد الجبار بن شبانة، والقاضي عبد العزيز بن حمد بن إبراهيم الوهيبي التميمي، والشيخ أحمد الوهيبي نزيل الإحساء، والشيخ عبد العزيز بن حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر صاحب منحة القرب المجيب في الرد على عباد الصليب،والشيخ سعيد بن حجي، والشيخ جمعان بن ناصر، ومسفر بن عبد الرحمن بن جعيلان نزيل قرية العرين من عسير بوادي أبها1 والشيخ إبراهيم بن سيف ومحمد ابن الشيخ عبد الله بن احمد بن عبد القادر الأحسائي.
وكان إلى جانب قيامه بتعليم العلم وبثه ونشر مذهب السلف ودعوة التوحيد والإسلام، مرجع قضاة المملكة السعودية في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، وابنه الإمام سعود وابنه الإمام عبد الله، فكان في ذلك الوقت بمثابة رئيس قضاة ومفت وقد ألف مؤلفات كثيرة، منها جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية، رد به –رحمه الله- على بعض علماء الزيدية فيما اعترض على دعوة التوحيد السلفية، وألف مختصر السيرة النبوية في مجلد ضخم، والكلمات النافعة في المكفرات الواقعة، طبعت مرارا، وآخرها بالمطبعة السلفية بمصر، وألف منسكا صغيراً للحج، وكتب رسائل وفتاوى كثيرة، لو أفردت على حدة وجمعت لبلغت مجلداً ضخماً كبيراً، ولكنها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أصله من وادي الدواسر ونزح منها إلى عسير ونزل قرية "العرين" بفتح العين وكسر الراء. توفي بها.

 

ص -33-

طبعت مفرقة في مجاميع الرسائل والمسائل النجدية التي طبعت سابقا بمصر وأخيراً بمطبعة أم القرى وكلا الطبعتين المذكورتين على نفقة الملك المغفور له عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود –رحمه الله- تعالى.
وكان له دروس خاصة يحضرها الإمام سعود بن عبد العزيز وابنه الإمام عبد الله بن سعود في الدرعية، وقد صحب الأمير1 سعود بن الإمام عبد العزيز، ابن الإمام محمد بن سعود، ابن محمد بن مقرن في دخوله مكة المكرمة في حياة والده الإمام عبد العزيز –رحمه الله- وذلك في يوم السبت ثامن شهر محرم الحرام 1218سنة ألف ومائتين وثماني عشرة من الهجرة.
وكتب حال دخوله مكة المكرمة مع الأمير سعود رسالة وإجابة منه لمن سأله عما يعتقدونه ويدينون الله به، ونحن نوردها بكاملها في هذا الموضع من الترجمة لعظيم فائدتها ولاشتمالها على معاني دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودحضها كذب أعداء الإسلام ودعاة الأباطيل من أنصار الشرك وأعداء التوحيد،
قال –رحمه الله- ما نصه:
                                             بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد2 لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لقد تخلى عن مكة بعدما دخلها بشهر ولم يدخلها بعد ذلك إلا سنة 1220ه وذلك بعد وفاة والده واستقرت ولايته عليها وعلى جميع الحجاز إلى سنة 1228ه عندما ظهر عليه طوسون بن محمد علي باشا وحصل ما حصل من الوقائع والحروب المذكورة في محلها من التواريخ.
2 قال محمد كرد علي في كتابه القديم والحديث الطبعة الأولى سنة 1343ه ص166 سطر 6 عن هذه الرسالة ما نصه "ورسالة عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب التي كتبها حين فتح الحرمين الشريفين شاهدة عدل على انه بريء من تلك الافتراءات التي افتروها على عقائده وعقائد أبيه وبنو عليها تلك الزلازل والقلاقل وان مذهبه عين مذهب الأئمة المحدثين والسلف الصالحين وتلك الرسالة منقولة في إتحاف النبلاء من شاء الاطلاع عليها فليرجع إليها" انتهى.

 

ص -34-

أما بعد، فإنا معاشر غزو الموحدين لما من الله علينا -وله الحمد- بدخول مكة المشرفة، نصف النهار يوم السبت ثامن شهر محرم الحرام سنة 1318ه بعد أن طالب أشراف مكة وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو سعود –حماه الله- الأمان. وقد كانوا تواطؤوا مع أمراء الحجيج وأمير مكة على قتاله والإقامة في الحرم، ليصدوه عن البيت، فلما زحفت أجناد الموحدين ألقى الله الرعب في قلوبهم فتفرقوا شذر مذر، كل واحد يعد الإياب غنيمة له، وبذل حينئذ الأمير الأمان لمن بالحرم الشريف، ودخلنا شعارنا التلبية آمنين محلقين رؤوسنا ومقصرين غير خائفين من أحد من المخلوقين، بل من مالك يوم الدين، ومن حين دخل الجند الحرم، وهم على كثرتهم مضبوطون متأدبون، لم يعضدوا شجرا ولم ينفروا صيدا ولم يريقوا دماً إلا دم الهدي، أو ما أحل الله من بهيمة الأنعام، على الوجه المشروع، ولما تمت عمرتنا جمعنا الناس ضحوة الأحد وعرض الأمير –عافاه الله- على العلماء ما نطلب من الناس وندعوهم إليه، وهو إخلاص التوحيد لله تعالى وحده، وعرفهم أنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف له وقع إلا في أمرين:
أحدهما: إخلاص التوحيد لله تعالى ومعرفة أنواع العبادة وأن الدعاء من جملتها وتحقيق معنى الشرك، الذي قاتل الناس عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، واستمر دعاؤه برهة من الزمن بعد النبوة إلى ذلك التوحيد، وترك الإشراك، قبل أن تفرض عليه أركان الإسلام الأربعة.
والثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لم يبق عندهم إلا اسمه، وانمحى أثره ورسمه، فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلا، وبايعوا الأمير على الكتاب والسنة، وقبل منهم وعفا عنهم كافة، فلم يحصل على أحد منهم أدنى مشقة، ولم يزل يرفق بهم غاية الرفق لاسيما العلماء ويقرر لهم حال اجتماعهم -وحال انفرادهم- لدينا ما نحن عليه، ويطلب منهم المناصحة والمذاكرة وبيان الحق، وعرفناهم بأن صرح لهم الأمير حال

 

ص -35-

اجتماعهم، بأن قابلون ما أوضحوا برهانه من كتاب أو سنة أو أثر عن السلف الصالح كالخلفاء الراشدين المأمورين بإتباعهم، لقوله صلى الله عليه وسلم، "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" وعن الأئمة الأربعة المجتهدين، ومن تلقى العلم عنهم، إلى آخر القرن الثالث، لقوله صلى الله عليه وسلم "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" . وعرفناهم أنا دائرون مع الحق أينما دار، وتابعون للدليل الجلي الواضح، ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا فلم ينقموا علينا أمرا.
فألحينا عليهم في مسألة طلب الحاجات من الأموات إن بقي لديهم شبهة فذكر بعضهم شبهة أو شبهتين، فرددناها بالدلائل القاطعة من الكتاب والسنة، حتى أذعنوا، ولم يبق عند أحد منهم شك ولا ارتياب، فيما قاتلنا الناس عليه أنه الحق الجلي الذي لا غبار عليه وحلفوا لنا الأيمان المعقدة من دون استحلاف لهم على انشراح صدورهم وحزم ضمائرهم، أنه لم يبق لديهم شك فيمن قال: يا رسول الله. أو قال: يا ابن عباس. أو يا عبد القادر أو غيرهم من المخلوقين طالباً بذلك دفع شر أو جلب خير من كل ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، من شفاء المريض والنصر على العدو، والحفظ من المكروه ونحو ذلك، انه مشرك الشرك الأكبر الذي يهدر دمه ويبيح ماله، وإن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون هو الله وحده، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء، متشفعا بهم ومتقربا لهم بقضاء حاجته من الله، بسرهم وبشفاعتهم له فيها أيام البرزخ، وان ما وضع من البناء على قبور الصالحين صار في هذه الأزمان أصناماً تقصد لطلب الحاجات ويتضرع عندها ويهتف بأهلها في الشدائد كما كانت تفعله الجاهلية الأولى.
وكان من جملتهم مفتي الحنفية الشيخ عبد الملك القلعي وحسين المغربي وعقيل بن يحيى العلوي، فبعد ذلك أزلنا جميع ما كان يعبد بالتعظيم والاعتقاد فيه، ورجاء النفع ودفع الضر بسببه من جميع البناء على القبور وغيرها حتى لم يبق

 

ص -36-

في البقعة المطهرة طاغوت يعبد، فالحمد لله على ذلك، ثم رفعت المكوس1 وكسرت آلات التنباك ونودي بتحريمه، وأحرقت أماكن الحشاشين والمشهورين بالفجور ونودي بالمواظبة على الصلاة في الجماعة، وعدم التفريق في ذلك بأن يجتمعوا في كل صلاة على إمام واحد، يكون ذلك الإمام من أحد المقلدين للأربعة رضوان الله عليهم.
واجتمعت الكلمة حينئذ وعبد الله وحده وحصلت الألفة وسقطت الكلفة وأمر2عليهم، واستتب الأمر من دون سفك دم، ولا هتك عرض، ولا مشقة على أحد، والحمد لله رب العالمين.
ثم دفعت لهم الرسائل المؤلفة للشيخ محمد رحمه الله في التوحيد المتضمنة للبراهين، وتقرير الأدلة على ذلك بالآيات المحكمات، والأحاديث المتواترة مما يثلج الصدور، واقتصر من ذلك على رسالة مختصرة للعوام تنشر في مجالسهم وتدرس في محافلهم، ويبين لهم العلماء معانيها ليعرفوا التوحيد فيتمسكوا بعروته الوثيقة ويتضح لهم الشرك، فينفروا عنه وهم على بصيرة آمنين.
وكان فيمن حضر مع علماء مكة وشاهد غالب ما صار، حسين بن محمد بن الحسين الابريقي الحضرمي، ثم الحياني، ولم يزل يتردد علينا ويجتمع بسعود وخاصته من أهل المعرفة، ويسأل عن مسألة الشفاعة التي جرد السيف بسببها من دون حياء ولا خجل، لعدم سابقة جرم له فأخبرناه بأن مذهبنا في  أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقنا طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم والأعلم والأحكم، خلافاً لمن قال طريقة الخلف أعلم، وهي انا نقر آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها، ونكل علمها إلى الله مع اعتقاد حقائقها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أي "الضرائب" والرسوم ومعنى رفعت أزيلت وألغيت.
2 أمر عليهم عبد المعين بن مساعد.

ص -37-

فان مالكا وهو من أجل علماء السلف لما سئل عن الاستواء في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ونعتقد أن الخير والشر كله بمشيئة الله تعالى، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد. فإن العبد لا يقدر على خلق أفعاله بل له كسب، رتب عليه الثواب فضلا، والعقاب عدلا لا يجب على الله لعبده شيء، وانه يراه المؤمنون في الآخرة بلا كيف ولا إحاطة.
ونحن أيضاً في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة1 دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير، كالرافضة، والزيدية، والإمامية ونحوهم. لا نقرهم ظاهراً على شيء من مذاهبهم الفاسدة بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة، ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد منا يدعيها، إلا انا في بعض المسائل، إذا صح لنا نص جلي، من كتاب أو سنة غير منسوخ، ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه،وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به وتركنا المذهب كامام الصلاة، فنأمر الحنفي والمالكي مثلا بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين لوضوح ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة فلا نأمره بالإسرار، وشتان ما بين المسألتين فاذا قوي الدليل أرشدناهم بالنص وان خالف المذهب، وذلك يكون نادرا جداً ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض ولا مناقضة لعدم الاجتهاد.
وقد سبق جمع من أتباع أئمة المذاهب الأربعة باختبارات لهم في بعض المسائل، مخالفة للمذهب الملتزمين تقليد صاحبه،ثم انا نستعين على فهم كتاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال بعض العلماء انه لا يمكن الوثوق بأقوال غير الأئمة الأربعة لأن لا توجد كتب مدونة لنقل مذهبهم وان وجدت فلا يمكن الوثوق بها لأنها لم تنقل الينا بطريق موثوق به ولم يتلقها الناس عن الشيوخ فهي كتب منقطعة الإسناد وأيضاً فان لا بد من معرفة شروط الاحكام وقيودها ومعرفة ان قائليها لم يرجعوا عنها. وهذا غير ميسور في أقوال غير الأئمة الأربعة.

 

ص -38-

الله بالتفاسير المتداولة، ومن أجلها لدينا تفسير ابن جرير ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذلك البغوي، والبيضاوي، والخازن، والحداد، والجلالين وغيرهم، وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرزين كالعسقلاني، والقسطلاني على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير، ونحرص على كتب الحديث خصوصاً الأمهات الست وشروحها. ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون أصولا وفروعا، وقواعد وسير ونحو وصرف، وجميع علوم الأمة. ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلا إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك كروض الرياحين1 وما يحصل بسببه خلل في العقائد كعلم المنطق، فإنه قد حرمه جمع من العلماء، على انا لا نفحص عن مثل ذلك وكالدلائل2 إلا إن تظاهر به صاحبه معاندا اتلف عليه، وما اتفق لبعض البدو من إتلاف كتب بعض أهل الطائف، إنما صدر عن بعض الجهلة، وقد زجروا وغيرهم عن مثل ذلك، ومما نحن عليه، انا لا نرى سبي العرب ولم نفعله ولم نقاتل غيرهم، ولا نرى قتل النساء والصبيان وغير المقاتلة.
وأما ما يكذب علينا ستراً للحق وتلبيسا على الخلق بأنا نفسر القرآن برأينا ونأخذ من الحديث ما وافق افهامنا من دون مراجعة شرح ولا معول على شيخ وأنا نضع من رتبة نبينا صلى الله عليه وسلم بقولنا: النبي رمة في قبره. وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة وزيارته غير مندوبة وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله حتى نزل عليه
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} مع كون الآية مدنية.
وإنا لا نعتمد على أقوال العلماء فنتلف مؤلفات أهل المذاهب، لكون فيها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 روض الرياحين ألفه أحد الغلاة عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان بن فلاح اليافعي نزيل مكة توفي سنة 898ه.
2 هي دلائل الخيرات معلومة بالغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم ومؤلفها رجل يقال له محمد بن سليمان بن عبد الرحمن الجزولي المغربي نسبة إلى جزولة أو كسولة من بطون البربر الشاذلي طريقة.

 

ص -39-

الحق والباطل، وانا مجسمة وانا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا، ومن بعد الستمائة إلا من هو على ما نحن عليه، انه كان مشركا وان أبويه ماتا على الشرك بالله، وانا ننهى عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقاً، وانا من دان بما نحن عليه سقطت عنه جميع التبعات، حتى الديون، وانا لا نرى حق أهل البيت رضوان الله عليهم، وانا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم، وانا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة، لتنكح شابا اذا ترافعوا الينا فلا وجه لذلك.
فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر1 أولا: كان جوابنا في كل مسألة من ذلك:
{سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} فمن روى عنا شيئاً من ذلك أو نسبه الينا، فقد كذب علينا وافترى، ومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق ما عندنا علم قطعا ان جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين، وإخوان الشياطين، تنفيراً للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص عليه بأن الله لا يغفره ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
فانا نعتقد أن من فعل أنواعا من الكبائر، كقتل المسلم بغير حق والزنا وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام، ولا يخلد به في دار الانتقام اذا مات موحدا بجميع أنواع العبادة، والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، اذ هو أفضل منهم بلا ريب وأنه يسمع سلام المسلم عليه وتسن زيارته صلى الله عليه وسلم إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد2 والصلاة فيه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 من ذكر أولا يريد به حسين بن محمد بن الحسين الابريقي الحضرمي ثم اللحياني.
2 لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد "الحديث

 

ص -40-

واذا قصد مع ذلك  الزيارة فلا بأس.
ومن أنفق نفيس أوقاته بالصلاة عليه، عليه الصلاة والسلام الواردة عنه فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه، كما جاء في الحديث عنه، ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، و انهم على هدى من ربهم مهما ساروا على الطريقة الشرعية، إلا انهم لا يستحقون شيئا من أنواع العبادات لا حال الحياة ولا بعد الممات، بل يطلب من يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم، فقد جاء في الحديث: "
دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه" الحديث. وأمر صلى الله عليه وسلم عمر وعلياً بسؤال الاستغفار والدعاء له ففعلا.
وتثبت الشفاعة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة حسب ما ورد وكذا نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضاً، ونسألها من المالك لها، والآذن فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها، كما ورد بأن يقول أحدنا متضرعاً إلى الله تعالى: "اللهم شفع نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم قينا يوم القيامة" أو " اللهم شفع فينا عبادك الصالحين أو ملائكتك" أو نحو ذلك مما يطلب من الله لأمتهم، فلا يقال: يا رسول الله، أو يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها. كأدركني، أو  أغثني، أو اشفني، أو انصرني على عدوي، أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فاذا طلبت ذلك مما ذكر في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة ولا أثر من السلف الصالح على ذلك، بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف، ان ذلك شرك اكبر، قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فان قلت: ما تقول في الحلف بغير الله والتوسل به؟
قلت: ننظر إلى حال المقسم ان قصد به التعظيم، كتعظيم الله أو اشد، كما يقع لبعض غلاة المشركين من أهل زماننا، اذا استحلف بشيخه أي

 

ص -41-

معبوده الذي يعتمد في جميع أموره عليه، لا يرضى ان يحلف اذا كان كاذباً أو شاكا، واذا استحلف بالله فقط رضي فهو كافر من أقبح المشركين وأجهلهم إجماعا، وان لم يقصد الحالف التعظيم بل سبق لسانه إليه، فهذا ليس بشرك اكبر فينهى عنه ويؤمر صاحبه بالاستغفار من تلك الهفوة.
أما التوسل وهو أن يقول القائل: اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، أو بحق نبيك، أو بجاه عبادك الصالحين، أو بحق عبدك فلان، فهذا من أقسام البدعة المذمومة ولم يرد بذلك نص، كرفع الصوت بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الأذان.
وأما أهل البيت فقد ورد سؤال على الدرعية في مثل ذلك ما نصه: أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم لا شك في طلب حبهم ومودتهم، لما ورد فيه من كتاب وسنة، فيجب محبتهم ومودتهم، إلا أن الإسلام ساوى بين الخلق فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، ولهم مع ذلك التوقير والتكريم والإجلال، ولسائر العلماء مثل ذلك، كالجلوس في صدر المجالس والبداية بهم في التكريم، والتقديم في الطريق إلى موضع التكريم ونحو ذلك اذا تقارب أحدهم مع غيره في السن، أو العلم وما اعتيد في بعض البلاد من تقديم صغيرهم وجاهلهم، على من هو أمثل منه، حتى انه لم يقبل يده كل ما صافحه عاتبه وصارمه، أو ضاربه أو خاصمه، فهذا مما لم يرد فيه نص ولا دل عليه دليل، بل منكر يجب إزالته، ولو قبل يد أحدهم لقدوم من سفر أو لمشيخة علم، أو في بعض أوقات أو لطول غيبة، فلا بأس به إلا انه لما ألف من الجاهلية الأخرى: ان التقبيل صار علماً لمن يعتقد فيه أو في أسلافه أو عادة المتكبرين من غيرهم نهينا عنه مطلقاً، لا سيما لمن ذكر حسما لذرائع الشرك ما أمكن، وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة وقبة المولد وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء حسما لتلك المادة، وتنفيرا عن الإشراك بالله ما أمكن، لقبح شأنه، وأنه لا يغفر، وهو

 

ص -42-

أقبح من نسبة الولد لله تعالى، اذ الولد كمال في حق المخلوق واما الشرك فنقص حتى في حق المخلوق لقوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} الآية.
وأما نكاح الفاطمية بغير الفاطمي فجائز إجماعا بل ولا كراهة في ذلك، وقد زوج علي عمر بن الخطاب وكفى بهما قدوة، وتزوجت سكينة بنت الحسين بن علي بأربعة ليس فيهم فاطمي بل ولا هاشمي، ولم يزل عمل السلف على ذلك من دون إنكار إلا انا لا نجبر أحداً على تزويج موليته ما لم تطلب هي أو تمتنع من غير الكفء، والعرب أكفاء بعضهم لبعض.
فما اعتيد في بعض البلاد من المنع دليل التكبر وطلب التعظيم، وقد يحصل بسبب ذلك فساد كبير كما ورد، بل يجوز الانكاح لغير الكفء، وقد تزوج زيد –وهو من الموالي- زينب أم المؤمنين وهي قرشية، والمسألة معروفة النقول عند أهل المذهب. انتهى.
فان قال قائل منفر عن قبول الحق والإذعان له:  يلزم من تقريركم وقطعكم في ان من قال : يا رسول الله، أسألك الشفاعة، انه مشرك مهدر الدم، أن يقال بكفر غالب الأمة، ولا سيما المتأخرين ولتصريح علمائهم المعتبرين، ان ذلك مندوب وشنوا الغارة على من خالف في ذلك.
قلت: لا يلزم ذلك لان لازم المذهب ليس بمذهب كما هو مقرر، ومثل ذلك لا يلزم ان نكون مجسمة وان قلنا بجهة العلو كما ورد الحديث بذلك، ونحن نقول فيمن مات: تلك أمة قد خلت، ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق ووضحت له المحجة وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبرا معاندا كأغلب من نجاهدهم اليوم يصرون على ذلك الإشراك ويمتنعون من فعل الواجبات ويتظاهرون بأفعال الكبائر المحرمات.
وغير الغالب إنما نجاهده لنصرته لمن هذه حاله ورضاه به ولتكثيره سواد من ذكر، والتغليب معه فاه حينئذ حكمه في حل جهاده.

 

ص -43-

ونعتذر عمن مضى بأنهم مخطئون معذورون لعدم عصمتهم من الخطأ والإجماع في ذلك ممنوع قطعا ومن شن الغارة فقد غلط، ولا بدع أن يغلط، فقد غلط من هو خير منه كمثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما نبهته المرأة رجع في مسألة المهر وفي غير ذلك في سيرته بل غلط الصحابة وهم جمع ونبينا صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، سار فيهم نوره فقالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
فان قات: هذا فيمن ذهل، فلما نبه انتبه، فما القول فيمن حرر الأدلة واطلع على كلام الأئمة القدوة، واستمر مصرا على ذلك حتى مات.
قلت: ولا مانع ان نعتذر لمن ذكر ولا نقول انه كافر ولا كما تقدم أنه مخطئ وان استمر على خطئه لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه وسيفه وسنانه فلم تقم عليه الحجة ولا وضحت له المحجة، بل الغالب على زمان المؤلفين المذكورين، التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسا، ومن اطلع عليه اعرض عنه قبل أن يتمكن في قلبه، لم يزل أكابرهم تنهى اصاغرهم عن مطلق النظر في ذلك إلا من شاء الله منهم.
هذا وقد رأى معاوية وأصحابه رضي الله عنهم، منابذة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بل وقتاله ومناجزته الحرب، وهم في ذلك مخطئون بالإجماع، واستمروا في ذلك الخطأ حتى ماتوا، ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير أحد منهم إجماعا، بل ولا تفسيقه، بل أثبتوا لهم اجر الاجتهاد، وان كانوا مخطئين، كما ذلك مشهور عند أهل السنة.
ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحت ديانته وشهر صلاحه وعلم ورعه وزهده، وحسنت سيرته وبلغ من نصحه للأمة، ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها، وان كان مخطئاً في هذه المسألة أو غيرها، كابن حجر الهيتمي، فانا نعرف كلامه في "الدر المنظم" ولا ننكر سعة علمه، ولهذا

 

ص -44-

نعتني بكتبه "كشرح الأربعين" و "الزواجر" وغيرهما، ونعتمد على نقله اذا نقل لأنه من جملة علماء المسلمين.
هذا ما نحن عليه، مخاطبين به من له عقل أو علم، وهو متصف بالإنصاف، خال من الميل إلى التعصب والاعتساف، ينظر إلى ما يقال لا إلى من قال، وأما من شأنه لزوم مألوفه وعادته، سواء كان حقا أو غير حق، فقد قال الله تعالى فيهم:
{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} عادته وجبلته أن يعرف الحق بالرجال، لا الرجال بالحق، لا نخاطبه وأمثاله إلا بالسيف حتى يستقيم اوده ويصح معوجه، وجنود التوحيد بحمد الله منصورة وراياتهم بالسعد والإقبال مشهورة، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} وقال تعالى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.
هذا ومما نحن عليه أن البدعة -وهي ما حدثت بعد القرون الثلاثة- مذمومة مطلقا، خلافا لمن قال حسنة وقبيحة، ولمن قسمها خمسة أقسام، إلا ان أمكن الجمع بأن يقال: الحسنة ما عليه السلف الصالح، شاملة للواجبة والمندوبة والمباحة، ويكون تسميتها بدعة مجازا، والقبيحة: ما عدا ذلك شاملة للمحرمة، والمكروهة، فلا بأس بهذا الجمع، فمن البدع المذمومة التي ننهي عنها رفع الصوت في موضع الأذان بغير الأذان سواء كانت آية أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، أو ذكراً أو غير ذلك بعد أذان أو في ليلة جمعة أو رمضان أو العيدين، فكل ذلك بدعة مذمومة.
وقد أبطلنا ما كان مألوفاً بمكة من التذكير والترحيم ونحوه، واعترف علماء المذاهب أنه بدعة.
ومنها: قراءة الحديث عن أبي هريرة بين يدي خطبة الجمعة، فقد صرح شارح الجامع الصغير انه بدعة.

 

ص -45-

ومنها: الاجتماع في وقت مخصوص على من يقرأ سيرة المولد الشريف اعتقادا أنه قربة مطلوبة، دون علم السير، فان ذلك لم يرد.
ومنها: اتخاذ المسابح، فانا ننهى عن التظاهر باتخاذها.
ومنها: الاجتماع على راتب المشايخ ورفع الصوت وقراءة الفواتح والتوسل بهم في المهمات، كراتب السمان وراتب الحداد ونحوهما، بل قد يشتمل ما ذكر على أنه شرك أكبر، فيقاتلون على ذلك، فان سلموا من أرشدوا إلى أنه على هذه الصورة المألوفة غير سنة بل بدعة، فان أبوا عزرهم الحاكم بما يراه رادعاً، و أما أحزاب العلماء المنتخبة من الكتاب والسنة، فلا مانع من قراءتها والمواظبة عليها، فان الأذكار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار وتلاوة القرآن ونحو ذلك مطلوب شرعا، والمعتني بها مأجور فكلما أكثر منه العبد كان أوفر ثوابا لكن على الوجه المشروع من دون تقطيع ولا تغيير ولا تحريف، وقد قال تعالى:
{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} وقال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} وقد ذكره النووي في جمعه كتاب الأذكار، فعلى الحريص على ذلك به ففيه الكفاية للموفق.
ومنها: ما اعتيد في بعض البلاد من قراءة مولد النبي صلى الله عليه وسلم بقصائد بألحان، وتخلط بالصلاة عليه، وبالأذكار والقراءة ويكون بعد صلاة التراويح، ويعتقدونه على هذه الهيئة من القرب، بل تتوهم العامة لأن ذلك من السنن المأثورة، فينهى عن ذلك وأما صلاة التراويح فسنة لابأس بالجماعة فيها والمواظبة عليها.
ومنها: ما اعتيد في بعض البلاد من صلاة الخمسة الفروض بعد آخر جمعة من رمضان، وهذه من البدع المنكرة إجماعا، فيزجرون من ذلك اشد الزجر.
ومنها: رفع الصوت بالذكر عند حمل الميت وعند رش القبر بالماء وغير ذلك، مما لم يرد عمن سلف، وقد ألف الشيخ الطرطوشي المغربي كتاباً

ص -46-

نفيساً سماه "الباحث على إنكار البدع والحوادث" واختصره أبو شامة المغربي، فعلى المعتني بدينه بتحصيله، وإنما ننهى عن البدع المتخذة دينا وقربة، وأما ما لا يتخذ دينا ولا قربة، كالقهوة وإنشاد قصائد الغزل ومدح الملوك، فلا ننهى عنه ما لم يختلط بغيره، أما ذكر أو اعتكاف في مسجد ويعتقد انه قربة، لأن حسان رد على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقال: قد أنشدته بين يدي من هو خير منك، فقبل عمر، ويحل كل لعب مباح لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقر الحبشة على اللعب في يوم العيد، في مسجده صلى الله عليه وسلم، ويحل الرجز والحداء في نحو العمارة، والتدريب على الحرب بأنواعه، وما يورث الحماسة فيه، كطبل الحرب دون آلات الملاهي، فإنها محرمة، والفرق ظاهر ولا بأس بدف العرس وقد قال صلى الله عليه وسلم "بعثت بالحنفية السمحة، لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة".
هذا، وعندنا ان الإمام ابن القيم وشيخه إماما حق من أهل السنة وكتبهم عندنا من أعز الكتب، إلا انا غير مقلدين لهم في كل مسألة، فان كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، ومعلوم مخالفتنا لابن القيم وشيخه في عدة مسائل. منها: طلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس، فانا نقول به تبعاً للأئمة الأربعة، ونرى الوقف صحيحاً والنذر جائزاً ويجب الوفاء به في غير المعصية ومن البدع المنهي عنها قراءة الفواتح للمشايخ بعد الصلوات الخمس، والإطراء في مدحهم والتوسل بهم، على الوجه المعتاد في كثير من البلاد، وبعد مجامع العبادات معتقدين ان ذلك من أكمل القرب، وهو ربما جر إلى الشرك من حيث لا يشعر الإنسان، فان الإنسان يحصل منه الشرك من دون شعور به لخفائه، ولولا ذلك لما استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه بقوله: "
اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وانا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم انك أنت علام الغيوب" وينبغي المحافظة على هذه الكلمات والتحرز من الشرك ما أمكن فان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إنما تنقض عرى الإسلام

 

ص -47-

عروة عروة، اذا دخل في الإسلام من  يعرف الجاهلية أو كما قال، وذلك انه يفعل الشرك ويعتقد انه قربة، نعوذ بالله من الخذلان وزوال الإيمان.
هذا ما حضر في حال المراجعة مع المذكور مدة تردده وهو يطالبني كل حين بنقل ذلك وتحريره، فلما ألح نقلت له هذا من دون مراجعة كتاب، وأنا في غاية الاشتغال بما هو أهم من الغزو، فمن أراد تحقيق ما نحن عليه فليقدم الدرعية فسيرى ما يسر خاطره ويقر ناظره من الدروس في فنون العلم وخصوصاً التفسير والحديث ويرى ما يسر بحمد الله وعونه من إقامة شعائر الدين والرفق بالضعفاء والوفود والمساكين، ولا ننكر الطريقة الصوفيع وتنزيه الباطن من رذائل المعاصي المتعلقة بالقلب والجوارح، مهما استقام صاحبها على القانون الشرعي والمنهج القويم المرعي، إلا انا لا نتكلف له تأويلا في كلامه ولا في أفعاله ولا نعول ونستعين ونستنصر ونتوكل في جمية أمورنا، إلا على الله تعالى، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
قال ذلك عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب عفا الله عنه والمسلمين.
انتهت هذه الرسالة الجليلة المتضمنة لبيان دعوة الإصلاح وشرحها وقد رأيت له -رحمه الله تعالى- تصديقاً على وقف كائن بمكة المكرمة للشيخ عبد الكبير زيني متوكل، قال في تصديقه عليه ما نصه:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه أجمعين. أما بعد فقد نظرت في هذا الوقف فرأيته وقفاً صحيحاً لازماً لا يجوز تغييره ولا تبديله لاشتماله على شروط الوقف الصحيحة قاله عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.    "الختم"

 

ص -48-

ثم ختمه بختمه غير انه مع الأسف لم يؤرخه اكتفاء بتاريخ ورقة الوقف المصدق عليها، وقد أخذت لهذا التصديق صورة فوتوغرافية وأثبتها هنا.
وكان رحمه الله مع هذا شجاعاً مقداماً، وقف في باب البجيري المعروف بالدرعية، وشهر سيفه وقاتل قتال الأبطال قائلا كلمته الخالدة: بطن الأرض على عز، خير من ظهرها على ذل، حتى نحى العساكر وزحزحهم عن مواقفهم، وذلك في آخر حرب الباشا للدرعية، وقد سلم الله الشيخ ونقله إبراهيم بن محمد علي باشا إلى مصر بعد ما استولى على الدرعية وذلك سنة 1233ه ونقل معه ابنه عبد الرحمن وبقي بمصر محدود الإقامة حتى توفي1 بمصر سنة 1242ه.
وقد أنجب ثلاثة أبناء2 علماء هم: الشيخ سليمان الذي قتله إبراهيم باشا في الدرعية شهيدا، وعلي قتل فيما بعد على يد بعض عساكر الترك بنجد، وعبد الرحمن ونقل معه إلى مصر صغيرا وتعلم بها ودرس برواق الحنابلة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لقد سها مؤلف تاريخ آل سعود حينما ذكر في ترجمته للشيخ عبد الله المذكور من تاريخه صحيفة194، وذلك عندما ذكر بطولته وشجاعته التي ذكرناها فذكر بقوله: "وأخيرا استشهد بالقرب من الدرعية سنة 1244ه" وهذا خطأ، والصحيح هو ما ذكرناه ان الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد نقل إلى مصر وبقي بها حتى توفي بمصر سنة 1242ه.
2 اشتبه على مؤلف تاريخ آل سعود حيث ظن ان الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الذي درس الحنابلة هو الشيخ عبد الرحمن بن حسن فقال في تاريخه المذكور صحيفة 199 بعدما ساق ترجمة مقتضية للشيخ عبد الرحمن بن حسن ويقول عثمان بن سند الوائلي في تاريخه: مطالع السعود عنه ما نصه: وأما الشيخ عبد الرحمن فقد أدركته في الجامع الأزهر يدرس مذهب الحنابلة وكان شيخ رواق الحنابلة وكان عالماً فقيهاً ذا سمت حسن يظهر عليه التقوى والصلاح ثم يقطع المؤلف كلام ابن سند وفيه ذكر الوفاة ويدرج فيه كلاماً من عنده قائلا: قدم سنة 1241ه على الإمام تركي ولو استكمل المؤلف كلام ابن سند لظهر له جليا ان هذا الشيخ الذي ذكره ابن سند لم يخرج إلى نجد وانه توفي بمصر، فقد صدق عثمان بن سند وأخطأ المؤلف، فان عثمان بن سند أراد الشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولم يرد الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب واليك ما ذكر عثمان بن سند قال في صحيفة 106 من تاريخه المذكور المطبوع بالمطبعة السلفية تحقيق=

 

ص -49-

وتوفي بها سنة 1273هـ رحم الله الشيخ عبد الله وجزاه عن الإسلام خير الجزاء وصلى الله على محمد وآله وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
=محب الدين: واعلم انه بقي للوهابية بقية بمصر ظلوا فيها برغبتهم لأنه صار لهم فيها أولاد وأملاك بمصر مثل الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب النجدي وله أولاد منهم: احمد الازجي وعبد الله كاتب في قلعة الوجه زمن الذين بقوا في مصر احمد ابن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، وأما الشيخ عبد الرحمن المذكور فقد أدركته في الجامع الأزهر يدرس مذهب الحنابلة سنة 1273ه برواق الحنابلة وتوفي سنة1274ه وكان عالماً فقيهاً ذا سمت حسن يظهر عليه التقى والصلاح آه. فهذا الشيخ الذي ذكره مختصر كتاب ابن سند وذكر أنه درس برواق الحنابلة بمصر هو الشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب فانه الذي درس برواق الحنابلة ومات بمصر وله بها ذرية معروفة إلى اليوم وقد ذكر المؤرخ الشهير عثمان بن عبد الله بن بشر في الجزء الأول من تاريخه ص 103 عندما ذكر أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعدد فضائل كل واحد منهم حتى أتى على ذكر الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد فقال ما نصه: وكان آية في العلم ومعرفة فنونه، ثم قال ابن بشر بعدما ذكر الشيخ عبد الله وأثنى عليه بأنه آية في العلم وفنونه ما نصه: وكان لعبد الله ابن اسمه عبد الرحمن جلى معه إلى مصر وهو صغير ويذكر لي أنه اليوم في رواق الحنابلة في الجامع الازهر وعنده طلبة علم وله معرفة تامة. أقول : وقد ترجم للشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ عبد الله المذكور الشيخ عبد الرزاق البيطار. في كتابه حلية البشر ج 2 ص 839.
إذا تقرر هذا عرف أن الذي درس برواق الحنابلة بالجامع الأزهر هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب فلم يدرس برواق الحنابلة، بل أقام بمصر ثمان سنوات وظهر إلى نجد في زمن الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بسنة 1241ه وجدد دعوة التوحيد وتوفي بالرياض سنة 1285ه كما سيأتي بيان ذلك في ذكر ترجمته في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى

"المصدر : مشاهير علماء نجد و غيرهم لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف ال الشيخ "

الأقسام الرئيسية: