رسالة فى أنواع الربا الفاشية بين الناس

رسالة في أنواع الربا الفاشية بين الناس
بسم الله الرحمن الرحيم
من حسين بن الشيخ، وإبراهيم، وعبد الله، وعلي (أبناء شيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب) إلى من يصل إليه من المسلمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(أما بعد) فقد قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة من الآية: 275].
وقال الله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة من الآية: 276].
والنبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه.ويجري عندكم معاملات يفعلها بعض الناس، وهي من المعاملات الربوية، منها:
قلب الدين على المعسر إذا حل الدين على الغريم، ولم يقدر على الوفاء، أحضر طالب الدين دراهم، وأسلمها إليه في طعام في ذمته، ثم أوفى بها في مجلس العقد.ويسمون هذا تصحيحا، وهو فاسد ليس بصحيح؛ فإنه لم يسلم إليه دراهم، وإنما قلب عليه الدين الذي في ذمته لمّا عجز عن استيفائه؛ والمعسر لا يجوز قلب الدين عليه.فعليكم بتقوى الله عز وجل واحذروا عقوبته، فإن هذه المعاملات تمحق المال، وتذهب بركته؛ وعاقبته في الآخرة أعظم مما يعاقب به صاحبه في الدنيا من عدم البركة فيه.
فإذا حل الدين على المعسر لم يَجُزْ لغريمه التحيل على قلبه عليه، كما قال تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة من الآية: 280].وإن كان الغريم مليا، وأراد أن يسلم إليه ويعامله، فليدفع إليه الدراهم، ويقبضها البائع، ويروح بها إلى بيته، ولا يوفيه بها في الحال، فإذا تملكها، وأخذت عنده يوما أو يومين بحيث يتصرف فيها بما شاء، ثم أوفاه منها

ص -14- فهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى.وأما الاستيفاء بها في مجلس العقد، فلا ينبغي لكم، لأنه ذريعة إلى الحيل؛ والحيل كلها محرمة.وكذلك إذا حل التمر على الكداد، فلا بد من قبضه بالقبض الشرعي، وأما التحيل على قلبه على صاحبه فلا ينبغي أيضا؛ بل يأخذه صاحبه، ولا يبيع على الذي أوفاه منه شيئا لا كثيرا، ولا قليلا، فإن أحب البيع فَلْيِبِعه طعاما غير الطعام الذي قبضه منه، فتحصل المعاملة، ويحصل التنَزه والاحتياط عن الحيل التي لا يجوز تعاطيها.
(ومنها): ما يفعله بعض الناس إذا كان له في ذمة رجل طعام معلوم استوفى منه بثمرة يأخذها خرصا في رؤوس النخل ثم يبيعها، وهذا لا يجوز؛ نص عليه العلماء، ونهوا عنه، وذكروا أن من اشترى بالكيل والوزن لا يحصل قبضه إلا بكيله أو وزنه؛ فإن قبضه جزافا كان قبضا فاسدا لا يجوز بيعه حتى يُكال أو يُوزن، لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله"1، وفي الحديث الآخر أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري، وفي حديث آخر أن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال لعثمان:"إذا سميت الكيل فكِل"2.
(ومنها): ما يفعله بعض الناس في الأحساء وغيره، يشترون الطعام من أهل بيت المال، أو من غيرهم، ثم يبيعونه قبل قبضه، وهذا لا يجوز؛ بل ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عنه، وقال:"من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يقبضه"3.
(ومنها): ما يفعله بعض الناس إذا كان عنده تمر قد استغنى عنه، ورأى السعر رخيصا، وأراد إبداله بتمر من الثمرة المقبلة، أقرضه لمن يعطيه بدله تمرا جديدا، وليس هذا بالقرض المسنون، وإنما هذا إبدال تمر
---------------------------------
1 مسلم: البيوع (1525) , والنسائي: البيوع (4597) , وأبو داود: البيوع (3496).
2 ابن ماجه: التجارات (2230).
3 البخاري: البيوع (2133) , ومسلم: البيوع (1526) , والنسائي: البيوع (4596) , ومالك: البيوع (1336) , والدارمي: البيوع (2559).

ص -15- بتمر نسيئة، وإبدال التمر بالتمر نساء لا يجوز؛ بل هو ربا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عنه.والقرض المندوب إليه إذا كان قصد المُقْرِض الإرفاق بالمُقْتَرِض ونفعه، وأما إذا كان قصده نفع نفسه، وإبدال تمره بتمر آخر، فليس بقرض؛ وإنما هو بيع نُهي عنه، لأنه بيع تمر بتمر.قال عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما-: السلف على ثلاثة أوجه: سلف تسلفه تريد به وجه الله، فلك وجه الله، وسلف تسلفه تريد به وجه صاحبك، وسلف تسلفه لتأخذ به طيبا بخبيث، فذلك الربا.
(ومنها): ما يفعله بعض الناس يقرضه غريمه الدراهم أو غيرها، ويتسامح عنه في الاستيفاء، ويقول: فلان يسلف، ويتسامح، ويأخذ، ويخلي؛ ولا يعلم المتعاقدان أن هذا ربا، وأن كل قرض جر نفعا فهو ربا، وأنه إذا زاده في البيع لأجل تأخيره بعض الدين الذي قد حل عليه كان ما أخذه في مقابلة التأخير ربا من جنس ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه.
وقد ذكر العلماء أن من كان له قرض عند رجل، أو عليه دين حالٌ، فأهدى إليه صاحب الدين هدية قبل الوفاء، أنه لا يقبلها، بل يردها؛ فإن لم يفعل فليحسبها من الدين الذي له في ذمة المهدي.
وقد جاء في الحديث عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه، أو حمله على الدابة، فلا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه معاملة قبل ذلك"1 قال عبد الله بن سلام: إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حِمْل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا.
(ومنها): ما يفعله كثير من الناس ببيع الطعام نساء، فإذا حل ثمنه أخذ عنه طعاما بسعر الوقت؛ وقد ذكر العلماء أن هذا لا يجوز لأنه حيلة
---------------------------------
1 ابن ماجه: الأحكام (2432).

ص -16- وذريعة إلى بيع الطعام بالطعام نساء.
(ومنها): ما يجري في بعض البلدان إذا حل دَين السّلم، باعه صاحبه الذي هو في ذمته قبل قبضه، فيبيعه ويربح فيه، وهو لم يقبضه؛ وهذا لا يجوز.فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، ولا فرق بين من هو عليه ولا غيره، وفي الحديث الآخر عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن ربح ما لم يضمن.فإذا باع إنسان طعاما على بائعه، فقد باعه قبل قبضه، وحصل له ربح في طعام لم يدخل في ضمانه؛ فصار في هذا مخالفة لما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من البيع قبل القبض، وأخذ ربح ما لم يُضمن.
(ومنها): ما يجري من كثير من الناس من مخالفة أمر الله، وارتكاب ما نهى عنه في كتابه؛ فإن الله -تعالى- قال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} [الطّلاق: 1] فأمر –تعالى- من أراد أن يطلق بطلاق السّنة: وذلك أن تكون المرأة طاهرا طهرا لم يجامعها فيه.ونهى الزوج عن إخراجها من بيتها الذي كانت فيه قبل الطلاق؛ وأوجب عليها أن تعتد في بيتها، ونهاها أن تخرج؛ فلا يجوز للزوج أن يخرجها، ولا يجوز لها أن تخرج ولو تراضت هي والزوج على الخروج، فقال تعالى: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ}الآية [الطّلاق من الآية: 1] ، وقال: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطّلاق من الآية: 1].وكثير من الناس يتهاونون بهذا، مع التغليظ الشديد فيه؛ وصار هذا عادة عند الأكثرين متى أراد الطلاق خرجت المرأة من بيت الزوج، واعتدت في بيت أهلها.

ص -17- فالواجب عليكم تقوى الله بامتثال ما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، كما قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} [التّغابن من الآية: 16].
نسأل الله العظيم أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، وأن يجنبنا وإياكم طريق المغضوب عليهم والضالين.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

-المصدر : مجموع الرسائل و المسائل النجدية الجزء الأول

الأقسام الرئيسية: