أحكام رؤية هلال شهر رمضان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

 

هذه أول مشاركة لنا في منتدى النصيحة أسأل الله تعالى أن يكون قدومنا قدوم خير وبركة على الجميع.

 

وهذا البحث أنشره لأول مرة وسيكون على حلقات في منتدى النصيحة حصريا حتى أنتهي من حلقاته هنا وبعد ذلك قد ننشره في بقية المنتديات

 

وهو مختصر لكتاب لنا نسأل الله أن ييسر خروجه قريبا .

 

المـقـدمـة

إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلا هادي لـه؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[. [آل عمران: 102].

] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً[.                                                     [ النساء: 1 ].

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُـمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَـازَ فَوْزاً عَظِيماً[.[الأحزاب:70-71].

أما بعد: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعة وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

                                        فهذا بحث في أحكام رؤية الهلال

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ( صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم؛ فأكملوا عدة شعبان ثلاثين).

تخريج الحديث:

أخرجه: أحمد في "المسند" (1/226) وأصحاب السنن، و ابن خزيمة، وأبو يعلى من حديث ابن عباس بلفظ: (فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا) قال حاتم: يعنى عدة شعبان. و (1/258) بلفظ: (فإن حال دونه غيابة؛ فأكملوا العدة، والشهر تسع وعشرون) يعنى: انه ناقص.

 و(2/497،469،456،454،430،422) بلفظ: (فإن غم عليكم الشهر فأكملوا العدة ثلاثين)، و(2/438) بلفظ: (فان غم عليكم فأتموا ثلاثين يوما ثم أفطروا)، (4/321) بلفظ: (وإن تشكوا لها فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين وإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا)، وأخرجه البخاري في "صحيحه" (1810) واللفظ له، ومسلم في "صحيحه" (1081) بلفظ: (فإن غمي عليكم فأكملوا العدد)، وفي لفظ آخر: (فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين)، والترمذي في "سننه" (684) بنحوه، و(688) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: (لا تصوموا قبل رمضان صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حالت دونه غياية فأكملوا ثلاثين يوماً) ، والنسائي في "الكبرى" (2499،240،2439،2428،2427،2426) بألفاظ أتمّها: (فإن حال بينكم وبينه سحابة، أو ظلة؛ فأكملوا العدة؛ عدة شعبان، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً، ولا تَصِلوا رمضان بيوم من شعبان)، و في "الصغرى" (2189،2129،2124،2118،2117،2116) بنحو الألفاظ السابقة أو نفسها، وأخرج حديث ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً الحاكم في "المستدرك" (1/587) بلفظ: (لا تستقبلوا الشهر استقبالاً، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبين منظره سحابة، أو قترة؛ فأكملوا العدة ثلاثين يوماً).

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذكر رمضان فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له).

تخريج الحديث:

أخرجه مالك في "الموطأ" (1/239)، وأحمد في "المسند" (2/63)، والبخاري في "صحيحه" (1807) واللفظ للثلاثة، ومسلم في "صحيحه" (1079) بنحوه، وأبو داود في "سننه" (2320) بلفظ مسلم وزاد فيه قوله: "ثلاثين".

المسألة الأولى: تسميته شهراً.

سمي الشهر شهراً لشهرته.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (25/106ـ113):

" فإن الهلال مأخوذ من الظهور، ورفع الصوت، فطلوعه في السماء إن لم يظهر في الأرض فلا حكم له، لا باطناً ولا ظاهراً، واسمه مشتق من فعل الآدميين يقال: أهللنا الهلال، واستهللناه، فلا هلال إلا ما استهل، فإذا استهله الواحد والاثنان فلم يخبرا به فلم يكن ذاك هلالا، فلا يثبت به حكم حتى يخبرا به فيكون خبرهما هو الإهلال الذي هو رفع الصوت بالأخبار به، ولأن التكليف يتبع العلم، فإذا لم يمكن علمه؛ لم يجب صومه.

ولأنه لو رأى هلال النحر لما اشتهر، والهلال: اسم لما استهل به، فان الله جعل الهلال مواقيت للناس والحج، وهذا إنما يكون إذا استهل به الناس، والشهر بين، وان لم يكن هلالاً ولا شهراً.

و الله سبحانه وتعالى؛ علق أحكاماً شرعية بمسمى الهلال والشهر، كالصوم والفطر والنحر، فقال تعالى: } يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ {. فبين سبحانه أن الأهلة مواقيت للناس والحج.

فالهلال اسم لما يهل به: أي يصات به، والتصويت به لا يكون إلا مع إدراكه ببصر، أو سمع، ويدل عليه قول الشاعر:

                             يهل بالفرقد ركبانها          كما يهل الراكب المعتمر

أي: يصوتون بالفرقد، فجعلهم مهلين به، فلذلك سمى هلالا. ومنه قوله: ( وما أهل به لغير الله ) أي: صوت به، وسواء كان التصويت به رفيعاً أو خفيضاً، فإنه مما تكلم به، وجهر به لغير الله، ونطق به. وحينئذ فشرط كونه هلالاً وشهراً؛ شهرته بين الناس. واستهلال الناس به حتى لو رآه عشرة، ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد لكون شهادتهم مردودة أو لكونهم لم يشهدوا به؛ كان حكمهم حكم سائر المسلمين، فكما لا يقفون ولا ينحرون ولا يصلون العيد إلا مع المسلمين؛ فكذلك لا يصومون إلا مع المسلمين، وهذا معنى قوله: (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، و أضحاكم يوم تضحون )". اهـ.

المسألة الثانية: كيف يكون ثبوت دخول شهر رمضان ؟

قال القرطبي ـ رحمه الله في "تفسيره" (2/293):

"وقال الجمهور: معنى (فاقدروا له): فأكملوا المقدار، يفسره حديث أبي هريرة (فأكملوا العدة)". انتهى.

قال ابن عبد البر في "التمهيد"(14/339ـ340):

"وذكر مالك في موطئه حديث ابن عمر هذا، و أردفه بحديث ابن عباس فكأنه والله أعلم؛ ذهب إلى أن معنى حديث ابن عمر في قوله: (فاقدروا له) أن يكمل شعبان ثلاثين يوماً؛ إذا غم الهلال على ما قال ابن عباس، وعلى هذا المذهب: جمهور أهل العلم؛ أن لا يصام رمضان إلا بيقين من خروج شعبان، واليقين في ذلك رؤية الهلال، أو بإكمال شعبان ثلاثين يوماً، وكذلك لا يقضي بخروج رمضان إلا بمثل ذلك أيضاً؛ من اليقين، وهذا أصل مستعمل عند أهل العلم، أن لا تزول عن أصل أنت عليه إلا بيقين مثله، وأن لا يترك اليقين بالشك، قال الله عز وجل: } فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ {.

 يريد والله أعلم: من علم منكم بدخول الشهر، والعلم في ذلك ينقسم قسمين:

أحدهما: ضروري.

والآخر: غلبة ظن.

 فالضروري: أن يرى الإنسان الهلال بعينه في جماعة كان أو وحده، أو يستفيض الخبر عنده حتى يبلغ إلى حد يوجب العلم، أو يتم شعبان ثلاثين يوماً. فهذا كله يقين بعلم ضرورة، ولا يمكن للمرء أن يشكك في ذلك نفسه.

 وأما غلبة الظن: فأن يشهد بذلك شاهدان عدلان وهذا معنى قول الله عز وجل: } فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ { وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم : (فإن غم عليكم فاقدروا له) عند أكثر أهل العلم: أن لا يصام رمضان ولا يفطر منه؛ إلا برؤية صحيحة، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً". انتهى.

وقال زين الدين أبو الفضل العراقي في " طرح التثريب" (4/108ـ109) وفي أخرى (106):

"ولقد أنصف الإمام شمس الدين ابن عبد الهادي، وهو من أعيان متأخري الحنابلة، فقال في "تنقيح التحقيق": "الذي دلت عليه أحاديث هذه المسألة وهو مقتضى القواعد أن أي شهر غم أكمل ثلاثين سواء في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما، وعلى هذا فقوله: (فإن غم عليكم فأكملوا العدة) يرجع إلى الجملتين وهما قوله: (صوموا  لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة) أي: غم عليكم في صومكم، وفطركم. هذا هو الظاهر من اللفظ، وباقي الأحاديث يدل عليه". اهـ.

قال النووي رحمه الله في "شرح مسلم" (7/189):

"معنى (فاقدروا له): ذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وجمهور السلف والخلف إلى أن معناه: قدّروا له تمام العدد ثلاثين يوماً، قال أهل اللغة: يقال قَدَرتُ الشيء أقْدُرُه و أقْدِرُه و قدَّرتُه و أقدَرته؛ بمعنى واحد وهو: من التقدير. قال الخطابي: ومنه قول الله تعالى: }فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ{، واحتج الجمهور بالروايات المذكورة (فأكملوا العدة ثلاثين)، وهو تفسير لأقدروا له، لهذا لم يجتمعا في رواية، بل تارة يذكر هذا، وتارة يذكر هذا، ويؤكده الرواية السابقة: (فاقدروا له ثلاثين)، قال المازري: حمل جمهور الفقهاء قوله صلى الله عليه وسلم : (فاقدروا له)؛ على أن المراد: إكمال العدة ثلاثين، كما فسره في حديث آخر". اهـ.

 المسألة الثالثة: هل يشترط رؤية الهلال كل مسلم ؟؟

قال النووي: (7/190):

"قوله صلى الله عليه وسلم : (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)؛ المراد: رؤية بعض المسلمين، ولا يشترط رؤية كل إنسان، بل يكفي جميع الناس؛ رؤية عدلين، وكذا عدل على الأصح؛ هذا في الصوم.

عن بن عُمَرَ قال: "تَرَاءَى الناس الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ وَأَمَرَ الناس بِصِيَامِهِ". صحيح: د. حب. قط. ك.

عن بن عَبَّاسٍ قال جاء أَعْرَابِيُّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أَبْصَرْتُ الْهِلَالَ اللَّيْلَةَ فقال: (أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول اللَّهِ قال نعم قال قُمْ يا بِلَالُ فَأَذِّنْ في الناس أَنْ يَصُومُوا غَدًا). ( رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي ) وصححه الحاكم وذكر البيهقي أنه جاء من طرق موصولاً ومن طرق مرسلاً وإن كانت طرق الاتصال صحيحة.

وابن خُزَيْمَةَ وابن حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ

فيه دليل كالذي قبله على قبول خبر الواحد في الصوم

ودلالة على أن الأصل في المسلمين العدالة إذ لم يطلب صلى الله عليه وسلم من الإعرابي إلا الشهادة

وفيه أن الأمر في الهلال جار مجرى الإخبار لا الشهادة.

وأما الفطر؛ فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور فجوزه بعدل". انتهى.

قال القارئ في "مرقاة المصابيح" (4/403)، وفي أخرى (4/462):

"( فاقدروا ) بكسر الدال ويضم وفي المغرب الضم خطأ ( له ) أي: للهلال والمعنى: قدّر والهلال الشهر المستقبل. وقال الطيبي: أي: فاقدروا عدد الشهر الذي كنتم فيه ( ثلاثين يوماً )، إذ الأصل بقاء الشهر ودوام خفاء الهلال ما أمكن؛ أي قبل الثلاثين، والمعنى: اجعلوا الشهر ثلاثين. قال الزركشي: يعني؛ حققوا مقادير أيام شعبان حتى تكملوا ثلاثين يوماً. اه، وفي "شرح السنة" معناه: التقدير بإكمال العدد، يقال: قدرت الشيء أقدره قدراً بمعنى قدّرته تقديراً". انتهى.

المسألة الرابعة: متى تُعتبر الرؤية للهلال؛ ليلاً أم نهاراً ؟؟

المسألة على حديث: (إن الله مده للرؤية ـ أمده لرؤيته ـ؛ فهو لليلة رأيتموه).

وقول ابن عمر: "لا حتى يرى من حيث يرى بالليل".

قال القاريء (4/415)، وفي الأخرى (4/476):

يستفاد من قوله : "لليلة رأيتموه"؛ أن لا عبرة برؤية الهلال قبل الغروب، وإنه لو رؤى ليلة ثلاثي شعبان، أو رمضان نهاراً قبل الزوال أو بعده؛ لم يحكم للّيلة الماضية، ولا المستقبلة، فلا يفطره من رمضان ولا يمسكه من شعبان، بل أن رؤى بعد الغروب؛ حكم به للمستقبلة، وإلا فلا. للخبر السابق (صوموا لرؤيته)، ولما صح أن عمر t "أرسل إلى جند له بالعراق، أن هذه الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً؛ فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان إنهما رأياه بالأمس"، وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن ناساً رأوا هلال الفطر نهاراً فأتم صيامه إلى الليل، وقال: "لا حتى يرى من حيث يرى بالليل". وفي رواية: لا يصلح أن نفطر حتى تروه ليلاً من حيث يرى، قال البيهقي: وروينا في ذلك عن عثمان، وابن مسعود قال غيره: وعن علي، وأنس ولا مخالف لهم، وروى مالك بلاغاً أن الهلال رؤى زمن عثمان بعشي فلم يفطر حتى أمسى، وقال جمع من السلف: إن رؤى قبل الزوال؛ فللماضية، أو بعده؛ فللمستقبلة، ولم يقل أحد أنه لو رؤى يوم التاسع والعشرين؛ يكون لماضية، لاستحالة كون الشهر ثمانية وعشرين". انتهى.

وأخرج البيهقي في "الكبرى" (4/248):

عن أبي وائل قال: أهللنا هلال رمضان ونحن بخانقين، فمنا من صام، ومنا من أفطر، قال: فجاءنا كتاب عمر رضي الله عنه: "إذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان مسلمان أنهما رأياه بالأمس".

قال الشيخ ـ القاريء ـ: يريد به هلال آخر رمضان. انتهى.

وأخرج الحديث الدارقطني في "السنن" (2/168/7،6) و قال: هذا اصح إسناداً من حديث ابن أبي ليلى ـ يعني: بهما حديث شقيق، وأبي وائل.

المسألة الخامسة: هل يعتبر بصغر أو كبر حجم الهلال في ثبوت الرؤية ؟

قد يقع الناس، أو أكثرهم في الاغترار بكبر حجم الهلال، فيدوكون في المسألة، بين من يقول: هو ابن ليلتين لليلةٍ، وبين من يقول: هو ابن ثلاثٍ لليلتين، ثم يجرهم هذا الجهل ويوقهم في الطعن في العلماء واتهامهم بما هم منه براء، وقد سمعنا هذا في مجالس عدة، حيث تُتهم الجهات الشرعية المعنية بهذا الأمر؛ والموكل إليها ذلك من ولي الأمر ـ أعني: موكل إليها تحري دخول شهر الصوم، والفطر، والحج ـ، عندما ينظرون في الهلال في الليلة الثانية أو الثالثة، فيقولون: "فطَّرُونا، أو صوَّمُونا يوماً، أو قدَّمُوا أو أخروا يوم عرفة؛ حتى يوافق لهم يوم الجمعة"، وهذه فرية عظيمة في حق من أنابهم الإمام، وهم أهل الثقة و الأمانة، فليتق الله أناس يقولون بهذا، وليتوبوا إلى ربهم ويستغفروه، فـ "إن العلماء ورثة الأنبياء"، وعليهم سؤال أهل العلم إن أشكل عليهم شيء من أمور دينهم فـ "إنما شفاء العي السؤال"، وإلا فأقل شيء يفعلوه السكوت فـ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت".

وفي الحديث عن أبي البَختري قال: خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة، قال: تراءينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين. قال: فلقينا ابن عباس، فقلنا: إنا رأينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين. فقال: أي ليلة رأيتموه؟ قال: فقلنا ليلة: كذا وكذا، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله مده للرؤية ـ أمده لرؤيته ـ؛ فهو لليلة رأيتموه).

أخرجه الطيالسي، مسلم، أحمد، ابن خزيمة، الطبراني في "الكبير"، الدارقطني، و البيهقي.

قال النووي في "شرح مسلم" (7/198ـ199):

" (مده للرؤية) جميع النسخ متفقة على (مده)؛ من غير ألف فيها، وفي الرواية الثانية: (أمده لرؤيته) هكذا هو في جميع النسخ (أمده) بألف في أوله.

قال القاضي: قال بعضهم: الوجه أن يكون (أمده) بالتشديد من الإمداد، و (مده)؛ من الامتداد. قال القاضي: والصواب عندي: بقاء الرواية على وجهها، ومعناه: أطال مدته إلى الرؤية، يقال منه: مد وأمد، قال الله تعالى: }وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ{، قرئ بالوجهين؛ أي: يطيلون لهم، قال: وقد يكون أمده؛ من المدة التي جعلت له ". انتهى.

وبوب الإمام مسلم لهذا الحديث في "صحيحه" (2/765) فقال:

باب "بيان أنه لا اعتبار بكبر الهلال وصغره، وأن الله تعالى أمده للرؤية".

وبوب ابن خزيمة له في "صحيحه" (3/206) فقال:

باب "ذكر الدليل على خلاف ما توهمه العامة و الجهال؛ أن الهلال إذا كان كبيراً مضيئاً أنه للّيلة الماضية، لا للّيلة المستقبل".

قال ابن الجوزي في كتاب "كشف المشكل" (2/458):

" (إن الله مده للرؤية)، معنى الحديث: لا تنظروا إلى كبر الهلال وصغره؛ فإن تعليق الحكم على رؤيته ". انتهى.

قال السيوطي في "الديباج على مسلم" (3/190):

" (مده للرؤية) كذا في الرواية الأولى ثلاثي، وفي الثانية (أمده) رباعي، وهما بمعنى، أي: أطال له الهلال مدة الرؤية. و (مد): من الامتداد و(أمد): من الإمداد وهو الزيادة". انتهى.

وفي الحديث الآخر:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة، وأن يُرى الهلال لليلة؛ فيقال: هو ابن ليلتين).

أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير" بلفظ: "من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قِبلاً؛ فيقال: لليليتين) وفي "الأوسط" بلفظ: "من أشراط الساعة، انتفاخ الأهلة، حتى يرى الهلال لليلته؛ فيقال: هو لليلتين".

 وأخرجه أبو عمر الداني في "السنن الواردة في الفتن" بلفظ: "من اقتراب الساعة؛ أن يُرى الهلال ابن ليلة كأنه ابن ليلتين"، وفي لفظ: " ... يراه الرجل لليلة يحسبه لليلتين".

وصححه المحدث الألباني في "صحيح الجامع" (5898)، وصححه في "السلسلة الصحيحة" (2292)، وأجاد وأفاد في تخريجه بما يشفي ويكفي ـ رحمه الله ـ.

 قوله في الحديث: (من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة).

 المعنى؛ أي: "عِظمها؟، ورجل منتفخ، ومنفوخ؛ أي: سمين".

 قاله الجزري في "النهاية" (5/89).

 المسألة السادسة: هل رؤية أهل بلد للهلال؛ تلزم رؤيته لجميع البلدان ؟

الأصل في المسألة أثر كريب رضي الله عنه.

فعن كريب رضي الله عنه أن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها، بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام، فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام؛ فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم. ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت؛ فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه، فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا. هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أخرجه: مسلم، و أبو داود، و الترمذي ، والنسائي، وابن خزيمة في "صحيحه"، الدارقطني، و البيهقي في"الكبرى"،  و"معرفة السنن".

قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسنٌ صحيح غريب، وقال الدارقطني: هذا إسناد صحيح، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود، الترمذي"، و النسائي.

بوب لهذا الحديث الإمام مسلم في "صحيحه" فقال:

باب "بيان أن لكل بلد رؤيتهم، و أنهم إذا رأوا الهلال ببلد؛ لا يثبت حكمه لما بَعُدَ عنهم".

والترمذي في "جامعه" فقال:

باب "ما جاء لكل أهل بلد رؤيتهم".

والنسائي في "سننه" فقال:

باب "اختلاف أهل الآفاق في الرؤية".

و ابن خزيمة في "صحيحه" (3/205) قائلاً:

باب "الدليل على أن الواجب على أهل كل بلدة صيام رمضان لرؤيتهم لا رؤية غيرهم".

قال صاحب "تحفة الأحوذي":

"ظاهره يدل على أن لكل أهل بلد رؤيتهم ولا تكفي رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر".

قال النووي في "شرح مسلم": والصحيح عند أصحابنا؛ أن الرؤية لا تعم الناس، بل تختص بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وقيل: إن اتفق المطلع لزمهم وإن اتفق الاقليم وإلا فلا". انتهى.

وقال ابن رشد في "بداية المجتهد" (1/210) على أثر كريب عن ابن عباس رضي الله عنهم:

"فظاهر هذا الأثر؛ يقتضي أن لكل بلد رؤيته قرب أو بعد، والنظر يعطي الفرق بين البلاد النائية والقريبة وبخاصة ما كان نأيه في الطول والعرض كثيراً". انتهى.

وقال القرافي في "الفروق" (1/25) عقب أثر كريب هذا:

"فظاهر هذا الأثر؛ يقتضي أن لكل بلد رؤيته قرب أو بعد، والنظر يعطي الفرق بين البلاد النائية كالأندلس والحجاز، لا يجب أن يحمل بعضها على بعض لاختلاف مطالعها اختلافاً كثيراً ". انتهى.

وقال القرافي أيضاً في "الذخيرة" (2/490ـ491):

"قاعدة: نصب الله تعالى الأوقات أسباباً للأحكام، كالفجر والزوال ورؤية الهلال، كما نصب الأفعال أسباباً نحو السرقة والزنا، والأوقات تختلف بحسب الأقطار، فما من زوال لقوم إلا وهو فجر لقوم، وعصر لقوم، ومغرب لقوم، ونصف الليل لقوم، بل كلما تحركت الشمس درجة؛ فتلك الدرجة بعينها هي: فجرٌ، وطلوع شمس، وزوالٌ، وغروب، ونصف ليل، ونصف نهار، وسائر أسماء الزمان ينسب إليها بحسب أقطار مختلفة، وخاطب الله تعالى كل قوم بما يتحقق في قطرهم لا في قطر غيرهم، فلا يُخاطب أحدٌ بزوال غير بلده ولا بفجره، وهذا مجمع عليه، وكذلك الهلال، مطالعه مختلفة فيظهر في المغرب ولا يظهر في المشرق إلا في الليلة الثانية بحسب احتباسه في الشعاع، وهذا معلوم بالضرورة لمن ينظر فيه.

ومقتضى القاعدة: أن يُخاطب كل أحد بهلال قطره، ولا يلزمه حكم غيره ولو ثبت بالطرق القاطعة، كما لا يلزمنا الصبح؛ وإن قطعنا بأن الفجر قد طلع على من شرق عنا.

وإلى هذا أشار البخاري في هذا الحديث بقوله: بأن لأهل كل بلد رؤيتهم، ولو كان ذلك؛لم ينقل عن عمر بن الخطاب ولا غيره من الخلفاء؛ أنه كان يكتب إلى الأقطار ويبعث البريد: إني قد رأيت الهلال فصوموا، بل كانوا يتركون الناس مع مرئيهم فيصير حداً مجمعاً عليه.

وقول عبد الملك أيضاً: في قصره اللزوم على محل الولاية في الحكم دون الاستفاضة، وكذلك إذا ثبت عند الإمام الأعظم وحكم به بالشاهدين إن حكم به على أهل قطره لا يتعداهم، أو على غيرهم فينبغي ألا ينفذ حكمه، لأنه حكم بغير سبب، وكل حكم بغير سبب؛ لا يلزم، ولا ينفّذ". انتهى.

قال ابن حجر في "الفتح" (4/123): " أحد المذاهب: أن لأهل كل بلد رؤيتهم، وفي "صحيح مسلم" من حديث ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكاه الماوردي وجهاً للشافعية". انتهى.

قال الإمام الأذرعي: وحديث كريب رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وذكره القفال ومن تبعه واعتمدوه، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم، وهو حسن تقوم به الحجة، وهو قول صحابي كبير لا مخالف له من الصحابة رضي الله عنهم، وقول فقهاء التابعين. ا هـ.

وقال ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى ": (25/103ـ105):

"مسألة رؤية بعض البلاد رؤية لجميعها: فيها اضطراب، فإنه قد حكى ابن عبد البر الإجماع؛ على أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه، فأما ما كان مثل الأندلس وخراسان؛ فلا خلاف أنه لا يعتبر.

قلت: أحمد اعتمد في الباب على حديث الأعرابي الذي شهد أنه أهل الهلال البارحة، فأمر النبي الناسَ على هذه الرؤية، مع أنها كانت في غير البلد، وما يمكن أن تكون فوق مسافة القصر ولم يستفصله.

قالوا: لا تكون رؤية لجميعها كأكثر أصحاب الشافعي؛ منهم من حدد ذلك بمسافة القصر، ومنهم من حدد ذلك بما تختلف فيه المطالع كالحجاز مع الشام، والعراق مع خراسان، وكلاهما ضعيف. فإن مسافة القصر؛ لا تعلق لها بالهلال، وأما الأقاليم فما حدد ذلك، ثم هذان خطأ من وجهين.

أحدهما: أن الرؤية تختلف باختلاف التشريق والتغريب، فإنه متى رؤي في المشرق؛ وجب أن يُرى في المغرب ولا ينعكس.

الوجه الثاني: أنه إذا اعتبرنا حداً ؛كمسافة القصر أو الأقاليم فكان رجل في آخر المسافة والإقليم؛ فعليه أن يصوم ويفطر وينسك، وآخر بينه وبينه غلوة سهم لا يفعل شيئاً من ذلك، وهذا ليس من دين المسلمين.

فالصواب في هذا والله أعلم: ما دل عليه قوله: (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، و أضحاكم يوم تضحون)، فإذا شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد؛ وجب الصوم". انتهى.

قلت: وهذا فيه نظر، حيث أن المطالع تختلف من بلد إلى بلد ولاسيما البلدان البعيدة؛ كالشام من الحجاز، والعراق من المغرب.

قال الإمام الأسنوي في "شرح المنهاج": ولا شك أن مورد النص وهو حديث كريب السابق في الشام والحجاز، وقد وجد فيه مسافة القصر، واختلاف الإقليم، واختلاف المطالع، واحتمال عدم الرؤية، فاستند كل طائفة إلى واحدة منها وأيد به. ا هـ. وقول الإمام نجم الدين ابن الرفعة: وحيث قلنا لا يتعدى الحكم، قال الإمام الأذرعي: هو المشهور عندنا، وصححه الجمهور، من أن لكل بلد رؤيتهم، وصححه أيضاً الرافعي، والنووي. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. انتهى جواب هذا المفتي". انتهى.

قال ابن العربي رحمه الله في "أحكام القرآن" (1/120ـ121):

"إذا أخبر مخبر عن رؤية بلد؛ فلا يخلو أن يقرب أو يبعد، فإن قرب"؛ فالحكم واحد، وإن بعد؛ فقد قال قوم: لأهل كل بلد رؤيتهم، وقيل: يلزمهم ذلك.

وفي "الصحيح" عن كريب أن أم الفضل وذكره ...

واختلف في تأويل قول ابن عباس هذا، فقيل: رده لأنه خبر واحد، وقيل: رده لأن الأقطار مختلفة في المطالع؛ وهو الصحيح. لأن كريباً لم يشهد، وإنما أخبر عن حكم ثبت بشهادة، ولا خلاف في أن الحكم الثابت بالشهادة يجزى فيه خبر الواحد، ونظير ما لو ثبت أنه أهلّ ليلة الجمعة بأغمات وأهل بإشبيلية ليلة السبت؛ فيكون لأهل كل بلد رؤيتهم، لأن سهيلاً؛ يكشف من أغمات، ولا يكشف من إشبيلية، وهذا يدل على اختلاف المطالع". انتهى.

قال الألوسي في "روح المعاني" (27/76):

"ورؤية القمر في بلد؛ لا تستلزم رؤيته في جميع البلاد ضرورة اختلاف المطالع، فقد يكون القمر طالعاً على قوم غائباً عن آخرين، ومكسوفاً عند قوم غير مكسوف عند آخرين". انتهى.

قال القرطبي في "تفسيره" (2/295ـ296):

" واختلفوا إذا أخبر مخبر عن رؤية بلد؛ فلا يخلو أن يقرب أو يبعد، فإن قرب؛ فالحكم واحد، وإن بعد؛ فلأهل كل بلد رؤيتهم. روى هذا عن عكرمة، والقاسم، وسالم، وروى عن ابن عباس، و به قال إسحاق، وإليه أشار البخاري، حيث بوب "لأهل كل بلد رؤيتهم" وقال آخرون: إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد قد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا، هكذا قال الليث بن سعد، والشافعي. قال ابن المنذر: ولا أعلمه إلا قول المزني، والكوفي، قلت: ذكر الكيا الطبري في كتاب "أحكام القرآن" له: وأجمع أصحاب أبي حنيفة على أنه إذا صام أهل بلد ثلاثين يوماً للرؤية وأهل بلد تسعة وعشرين يوماً؛ أنّ على الذين صاموا تسعة وعشرين يوماً قضاء يوم، وأصحاب الشافعي لا يرون ذلك، إذ كانت المطالع في البلدان يجوز أن تختلف. وحجة أصحاب أبي حنيفة قوله تعالى: } وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ{، وثبت برؤية أهل بلد أن العدة ثلاثون؛ فوجب على هؤلاء إكمالها، ومخالفهم يحتج بقوله صلى الله عليه وسلم : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) الحديث. وذلك يوجب اعتبار عادة كل قوم في بلدهم، و حكى أبو عمر الإجماع؛ على أنه لا تراعي الرؤية فيما بعد من البلدان كالأندلس من خراسان، قال: ولكل بلد رؤيتهم إلا ما كان كالمصر الكبير، وما تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين. ـ ثم ساق أثر كريب في الباب عن ابن عباس رضي الله عنهم.

قال القرطبي: قال علماؤنا: قول ابن عباس: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ كلمة تصريح برفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبأمره، فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز؛ فالواجب على أهل كل بلد أن تعمل على رؤيته دون رؤية غيره، وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم ما لم يحمل الناس على ذلك، فإن حمل؛ فلا تجوز مخالفته". انتهى.قال ابن عبد البر في "التمهيد" 14/356ـ358): "واختلف العلماء في الحكم إذا رأى الهلال أهل بلد دون غيره من البلدان؛ فروي عن ابن عباس، وعكرمة، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبدالله أنهم قالوا: لكل أهل بلد رؤيتهم، و به قال إسحاق بن راهويه، وحجة من قال هذا القول: ما حدثناه .." ـ(فذكر أثر كريب المتقدم) ـ، قال أبو عمر ابن عبد البر: إلى هذا القول أذهب، لأن فيه أثراً مرفوعاً وهو حديث حسن تلزم به الحجة وهو قول صاحب كبير لا مخالف له ( من الصحابة ) وقول طائفة من فقهاء التابعين، ومع هذا؛ إن النظر يدل عليه عندي، لأن الناس لا يكلفون علم ما غاب عنهم في غير بلدهم، ولو كلفوا ذلك لضاق عليهم، أرأيت لو ريء بمكة أو بخراسان هلال رمضان أعواماً بغير ما كان بالأندلس ثم ثبت ذلك بزمان عند أهل الأندلس أو عند بعضهم أو عند رجل واحد منهم؛ أكان يجب عليه قضاء ذلك؛ وهو قد صام برؤية وأفطر برؤية، أو بكمال ثلاثين يوماً كما أمر؟ ومن عمل بما يجب عليه مما أمر به فقد قضى الله عنه وقول ابن عباس عندي صحيح في هذا الباب والله الموفق للصواب".

ثم قال ابن عبد البر :

"وفيه قول آخر روي عن الليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل قالوا: إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد رأوه؛ فعليهم قضاء ما أفطروا، وهو قول مالك فيما روي لابن القاسم.

وقد روي عن مالك وهو مذهب المدنيين من أصحابه أن الرؤية لا تلزم غير البلد الذي حصلت فيه، إلا أن يحمل الإمام على ذلك، وأما مع اختلاف الكلمة؛ فلا. إلا في البلد بعينه. ". انتهى.

المسألة السابعة: اعتبار موافقة الجماعة وعِظَم الناس في ثبوت الصوم والفطر والوقوف بعرفة.

وهل ينفرد بالصوم أو بالفطر منه، و بالوقوف بعرفة؛ مَنْ رأى هلال الشهر وحده؟

هذه المسألة مدارها على حديث:

(الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون, والأضحى يوم تضحون) .

قال الألباني رحمه الله في "الصحيحة" حديث (224) :

"أخرجه الترمذي (2/37- تحفة)، و أخرجه البيهقي في" سننه "(4/252)

أخرجه ابن ماجه (1/509)، أخرجه الدار قطني في " سننه"( 357-358)

أخرجه أبو داود( 1/366) وأخرجه الترمذي (2/71)، و الدارقطني (258).

فقه الحديث

قال الترمذي عقب الحديث:

" وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال : إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَم الناس " .

وقال الصنعاني في " سبل السلام" (2/ 72) :

" فيه دليل على أنه يعتبر في ثبوت العيد الموافقة للناس ، وأن المتفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره ، ويلزمه حكمهم في الصلاة والإفطار والأضحية " . وذكر معنى هذا ابن القيم رحمه الله في " تهذيب السنن" ( 3/214)، وقال:"وقيل : فيه الرد على من يقول: إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل؛ جاز له أن يصوم ويفطر دون من لم يعلم ، وقيل: إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال، ولم يحكم القاضي بشهادته؛ أنه لا يكون هذا له صوماً، كما لم يكن للناس" .

وسئل ابن تيمية قدس الله روحه في "مجموع الفتاوى" (25/114 ـ118)

عن رجل رأى الهلال وحده وتحقق الرؤية، فهل له أن يفطر وحده، أو يصوم وحده، أو مع جمهور الناس؟

فأجاب: "الحمد لله إذا رأى هلال الصوم وحده، أو هلال الفطر وحده؛ فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه، أو يفطر برؤية نفسه، أم لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس؟

 على ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد".

قال الألباني رحمه الله في "تمام المنة" (399): "والذي يهمنا ذكره منها ما وافق الحديث، وهو قوله":

"والثالث: يصوم مع الناس ويفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال لقول النبي صلى الله عليه و سلم: (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، و أضحاكم يوم تضحون). رواه الترمذي وقال حسن غريب، ورواه أبو داود، و ابن ماجه وذكر: (الفطر والأضحى) فقط. ورواه الترمذي من حديث عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ( الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، و الأضحى يوم تضحون ). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

وقال: وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر؛ مع الجماعة وعِظَم الناس.

 ورواه أبو داود بإسناد آخر، فقال: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد من حديث أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبى هريرة ذكر النبي صلى الله عليه و سلم فيه فقال: ( وفطركم يوم تفطرون، و أضحاكم يوم تضحون، وكل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل فجاج مكة منحر، وكل جمع موقف ).

ولأنه لو رأى هلال النحر لما اشتهر، والهلال: اسم لما استهل به، فان الله جعل الهلال مواقيت للناس والحج، وهذا إنما يكون إذا استهل به الناس، والشهر بين، وان لم يكن هلالاً ولا شهراً.

وأصل هذه المسألة: أن الله سبحانه وتعالى؛ علق أحكاماً شرعية بمسمى الهلال والشهر، كالصوم والفطر والنحر، فقال تعالى: } يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ {. فبين سبحانه أن الأهلة مواقيت للناس والحج.

قال تعالى: }كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ..{ إلى قوله: }شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ ..{، أنه أوجب صوم شهر رمضان، وهذا متفق عليه بين المسلمين، لكن الذي تنازع الناس فيه؛ أن الهلال هل هو اسم لما يظهر في السماء و إن لم يعلم به الناس وبه يدخل الشهر، أو الهلال اسم لما يستهل به الناس والشهر لما اشتهر بينهم؟

 على قولين:

فمن قال بالأول، يقول: من رأى الهلال وحده فقد دخل ميقات الصوم، ودخل شهر رمضان في حقه، وتلك الليلة هي في نفس الأمر من رمضان، وإن لم يعلم غيره.

 ويقول: من لم يره إذا تبين له أنه كان طالعاً قضى الصوم، وهذا هو القياس في شهر الفطر، وفى شهر النحر، لكن؛ شهر النحر ما علمت أن أحداً قال: من رآه يقف وحده دون سائر الحاج، وأنه ينحر في اليوم الثاني، ويرمى جمرة العقبة، ويتحلل دون سائر الحاج.

 و إنما تنازعوا في الفطر، فالأكثرون ألحقوه بالنحر، وقالوا: لا يفطر إلا مع المسلمين، وآخرون قالوا: بل الفطر كالصوم، ولم يأمر الله العباد بصوم واحد وثلاثين يوماً، وتناقض هذه الأقوال؛ يدل على أن الصحيح هو: مثل ذلك في ذي الحجة.

وحينئذ فشرط كونه هلالاً وشهراً؛ شهرته بين الناس. واستهلال الناس به حتى لو رآه عشرة، ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد لكون شهادتهم مردودة أو لكونهم لم يشهدوا به؛ كان حكمهم حكم سائر المسلمين، فكما لا يقفون ولا ينحرون ولا يصلون العيد إلا مع المسلمين؛ فكذلك لا يصومون إلا مع المسلمين، وهذا معنى قوله: (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، و أضحاكم يوم تضحون ). ولهذا قال أحمد في روايته:

يصوم مع الإمام وجماعة المسلمين في الصحو والغيم. قال أحمد: يد الله على الجماعة.

وعلى هذا تفترق أحكام الشهر: هل هو شهر في حق أهل البلد كلهم؟ أو ليس شهراً في حقهم كلهم؟ يبين ذلك قوله تعالى: }فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ{   فإنما أمر بالصوم من شهد الشهر، والشهود لا يكون الا لشهر اشتهر بين الناس حتى يتصور شهوده والغيبة عنه.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا رأيتموه فصوموا، و إذا رأيتموه فافطروا ، وصوموا من الوضح إلى الوضح )، ونحو ذلك خطاب للجماعة، لكن من كان في مكان ليس فيه غيره، إذا رآه صامه؛ فانه ليس هناك غيره، وعلى هذا فلو أفطر ثم تبين أنه رؤى في مكان آخر، أو ثبت نصف النهار؛ لم يجب عليه القضاء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، فإنه إنما صار شهراً في حقهم من حين ظهر واشتهر، ومن حينئذ وجب الإمساك كأهل عاشوراء الذين أمروا بالصوم في أثناء اليوم، ولم يؤمروا بالقضاء على الصحيح وحديث القضاء ضعيف. والله أعلم. " انتهى.

قال ابن عبد البر في "التمهيد" (14/354ـ355):

"أما الشهادة على رؤية الهلال؛ فأجمع العلماء على أنه لا تقبل في شهادة شوال في الفطر إلا رجلان عدلان، واختلفوا في هلال رمضان، فقال: مالك، و الثوري، و الأوزاعي، والليث، والحسن بن حي، و عبيدالله بن الحسن، وابن علية، لا يقبل في هلال رمضان ولا شوال إلا شاهدا عدل رجلان، وقال أبو حنيفة وأصحابه: في رؤية هلال رمضان شهادة رجل واحد عدل إذا كان في السماء علة، ( وإن لم يكن في السماء علة )؛ لم يقبل إلا شهادة العامة، ولا يقبل في هلال شوال وذي الحجة إلا شهادة عدلَين يقبل مثلهما في الحقوق، وإن كان في السماء علة وهو قول داود هكذا حكاه أبو جعفر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه في كتابه الكبير في الخلاف اشترط العدالة ولم يذكر المرأة وذكر عنه في "المختصر" في الشهادة على هلال رمضان شاهد واحد مسلم أو امرأة مسلمة لم يشترط العدالة، وفي الشهادة على هلال شوال؛ رجل وامرأتان كسائر الحقوق، واختلف قول الشافعي في هذه المسألة، فحكى المزني عنه أنه قال: إن شهد على رؤية هلال رمضان رجل عدل ( واحد )؛ رأيت أن أقبله للأثر الذي جاء فيه، والاحتياط والقياس؛ ألا يقبل إلا شاهدان. قال: ولا أقبل على رؤية هلال الفطر إلا عدلين، وقال في البويطي: ولا يصام رمضان ولا يفطر منه بأقل من شاهدين حرين مسلمين عدلين، وقال أحمد بن حنبل: من رأى هلال رمضان وحده صام، فإن كان عدلاً؛ صوم الناس بقوله، ولا يفطر إلا بشهادة عدلين، ولا يفطر إذا رآه وحده. قال أبو عمر: لم يختلف العلماء فيمن رأى هلال رمضان وحده فلم تقبل شهادته؛ أنه يصوم، لأنه متعبد بنفسه لا بغيره، وعلى هذا أكثر العلماء لا خلاف في ذلك، إلا شذوذ لا يشتغل به، ومن رأى هلال شوال وحده؛ أفطر عند الشافعي والحسن بن حي، وروي عن مالك أنه لا يفطر للتهمة، وهو قول أبي حنيفة، والثوري؛ أنه لا يفطر، ومثله قول الليث، وأحمد: لا يفطر من رآه وحده، واستحب الشافعي أن يخفي فطره.

 قال أبو عمر: قد أجمعوا على أن الجماعة لو أخطأت الهلال في ذي الحجة، فوقفت بعرفة في اليوم العاشر؛ إن ذلك يجزئها، فكذلك الفطر والأضحى. والله أعلم. روى حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة t عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (فطركم يوم تفطرون، و أضحاكم يوم تضحون) ". انتهى.

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (25/202ـ205):

عن أهل مدينة رأى بعضهم هلال ذي الحجة، ولم يثبت عند حاكم المدينة، فهل لهم أن يصوموا اليوم الذي في الظاهر التاسع و إن كان في الباطن العاشر؟

فأجاب رحمه الله:

 "نعم. يصومون التاسع في الظاهر المعروف عند الجماعة؛ و إن كان في نفس الأمر يكون عاشراً، ولو قدر ثبوت تلك الرؤية، فان في السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، و أضحاكم يوم تضحون ). أخرجه أبو داود، وبن ماجه، والترمذي وصححه، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضح الناس). رواه الترمذى. وعلى هذا العمل عند أئمة المسلمين كلهم.

فإن الناس؛ لو وقفوا بعرفة في اليوم العاشر خطأً؛ أجزأهم الوقوف بالاتفاق، وكان ذلك اليوم يوم عرفة في حقهم.

ولو وقفوا الثامن خطأً؛ ففي الإجزاء نزاع، و الأظهر صحة الوقوف أيضاً، وهو أحد القولين في مذهب مالك، ومذهب أحمد وغيره.

قالت عائشة رضي الله عنها: ( إنما عرفة اليوم الذي يعرفه الناس ). وأصل ذلك أن الله سبحانه وتعالى علق الحكم بالهلال والشهر، فقال تعالى: } يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج {.

والهلال: اسم لما يستهل به، أي: يعلن به ويجهر به، فإذا طلع في السماء ولم يعرفه الناس ويستهلوا؛ لم يكن هلالاً.

وكذا الشهر: مأخوذ من الشهرة، فإن لم يشتهر بين الناس؛ لم يكن الشهر قد دخل، وإنما يغلط كثير من الناس في مثل هذه المسألة، لظنهم أنه إذا طلع في السماء؛ كانت تلك الليلة أول الشهر، سواء ظهر ذلك للناس واستهلوا به أولا، وليس كذلك، بل ظهوره للناس واستهلالهم به لابد منه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم: (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، و أضحاكم يوم تضحون).   أي: هذا اليوم الذي تعلمون؛ أنه وقت الصوم والفطر والأضحى، فإذا لم تعلموه؛ لم يترتب عليه حكم، وصوم اليوم الذي يشك فيه هل هو تاسع ذي الحجة أو عاشر ذي الحجة؛ جائز بلا نزاع بين العلماء، لأن الأصل عدم العاشر، كما أنهم لو شكوا ليلة الثلاثين من رمضان هل طلع الهلال أم لم يطلع؟ فإنهم يصومون ذلك اليوم المشكوك فيه باتفاق الأئمة، و إنما يوم الشك الذي رويت فيه الكراهة؛ الشك في أول رمضان، لأن الأصل بقاء شعبان.

وإنما الذي يشتبه في هذا الباب مسألتان:

 إحداهما: لو رأى هلال شوال وحده، أو أخبره به جماعة يعلم صدقهم؛ هل يفطر أم لا؟ والثانية: لو رأى هلال ذي الحجة، أو أخبره جماعة يعلم صدقهم؛ هل يكون في حقه يوم عرفة ويوم النحر هو التاسع والعاشر بحسب هذه الرؤية التي لم تشتهر عند الناس؟ أو هو التاسع والعاشر الذي اشتهر عند الناس؟

فأما المسألة الأولى:

 فالمنفرد برؤية هلال شوال لا يفطر علانية باتفاق العلماء، إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر، كمرض وسفر، وهل يفطر سراً؟

 على قولين للعلماء:

أصحهما: لا يفطر سراً. وهو مذهب مالك، وأحمد في المشهور في مذهبهما.

وفيهما قول: أنه يفطر سراً. كالمشهور في مذهب أبي حنيفة، و الشافعي، وقد روى، أن رجلين في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه  : رأيا هلال شوال، فأفطر أحدهما، ولم يفطر الآخر، فلما بلغ ذلك عمر، قال للذي أفطر: لولا صاحبك لأوجعتك ضرباً.

والسبب في ذلك؛ أن الفطر يوم يفطر الناس، وهو يوم العيد، والذي صامه المنفرد برؤية الهلال ليس هو يوم العيد الذي نهى النبي عن صومه، فانه نهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر، وقال: ( أما أحدهما؛ فيوم فطركم من صومكم، وأما الآخر؛ فيوم تأكلون فيه من نسككم )، فالذي نهى عن صومه هو اليوم الذي يفطره المسلمون، وينسك فيه المسلمون.

وهذا يظهر بالمسألة الثانية، فإنه لو انفرد برؤية ذي الحجة؛لم يكن له أن يقف قبل الناس في اليوم الذي هو في الظاهر الثامن، و إن كان بحسب رؤيته هو التاسع، وهذا لأن في انفراد الرجل في الوقوف والذبح من مخالفة الجماعة ما في إظهاره للفطر.

وأما صوم يوم التاسع في حق من رأى الهلال أو أخبره ثقتان؛ أنهما رأيا الهلال وهو العاشر بحسب ذلك ولم يثبت ذلك عند العامة وهو العاشر بحسب الرؤية الخفية؛ فهذا يخرج على ما تقدم". انتهى.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيضاً في "مختصر الفتاوى المصرية" (80):

"ومن رأى هلال ذي الحجة ولم يثبت بقوله؛ يصوم التاسع في الظاهر عند من يقول لا يفطر برؤية هلال شوال وحده.

ومن شُرع له الفطر يوم الثلاثين سراً؛ لا يُشرع له صوم هذا، لأنه عنده يوم العيد، وليس له الوقوف بعرفة ولا التضحية قبل الناس في منى ولا في الأمصار، بل يُعَرِّف مع الناس في اليوم الذي هو في الظاهر التاسع وإن كان بحسب رؤيته العاشر.

فالهلال إذا لم يطلع الناس ويستهلوه؛ لم يكن هلالاً، وكذا الشهر؛ مأخوذ من الشهرة، وإنما يغلط كثير من الناس في هذه المسألة؛ لظنهم أنه إذا طلع في السماء؛ كان تلك الليلة أو الشهر، سواء ظهر للناس واستهلوا به، أولا. وليس الأمر كذلك، بل لا بد من ظهوره واستهلالهم به، ولهذا قال صلى الله عليه و سلم : (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، و أضحاكم يوم تضحون). أي: هي اليوم الذي تعلمون أنه وقت الصوم والفطر والأضحى.

فينبغي أن يصوم التاسع ظاهراً وإن كان بحساب رؤيته عاشر.

فصوم اليوم الذي يشك فيه هل هو تاسع ذي الحجة أو عاشره؛ جاز بلا نزاع بين العلماء، لأن الأصل عدم العاشر، كما لو شكوا ليلة الثلاثين من رمضان؛ لم يكن شكاً بالاتفاق، بخلاف ليلة الثلاثين من شعبان، لأن الأصل بقاء شعبان. وكذا المنفرد برؤية شوال؛ لا يفطر علانية باتفاق العلماء.

وهل يفطر سراً؟ على قولين أصحهما لا يفطر". انتهى.

وقال أبو الحسن السندي في "حاشيته على ابن ماجه" ـ بعد أن ذكر حديث أبي هريرة عند الترمذي ـ: " والظاهر أن معناه: أن هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل، وليس لهم التفرد فيها إلى الإمام والجماعة، ويجب على الآحاد اتباعهم للإمام والجماعة، وعلى هذا، فإذا رأى احد الهلال، ورد الأمام شهادته؛ ينبغي أن لا يثبت في حقه شيء من هذه الأمور، ويجب عليه أن يتبع الجماعة في ذلك".

قلت : وهذا المعنى هو المتبادر من الحديث ، ويؤيده احتجاج عائشة به على مسروق حين امتنع من صيام  يوم عرفة خشية أن يكون يوم النحر, فبينت له أنه لا عبرة برأيه، و أن عليه إتباع الجماعة، فقالت:

" النحر يوم ينحر الناس ، والفطر يوم يفطر الناس" .

 "وهذا هو اللائق بالشريعة السمحة التي من غاياتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم، وإبعادهم عن كل ما يفرق جمعهم من الآراء الفردية، فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد – ولو كان صواباَ في وجهة نظره- في عبادة جماعية كالصوم والتعييد وصلاة الجماعة، ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم كان يصلي بعضهم وراء بعض وفيهم من يرى أن مس المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يتم في السفر، ومنهم من يقصر،  فلم يكن اختلافهم هذا وغيره ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإمام الواحد، والاعتداد بها، وذلك لعلمهم بأن التفرق في الدين؛ شر من الاختلاف في بعض الآراء، ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الاعتداد بالرأى المخالف لرأي الإمام الأعظم في المجتمع الأكبر كمنى؛ الى حد ترك العمل برأيه إطلاقاً في ذلك المجتمع فراراً مما ينتج من الشر بسبب العمل برأيه.

 فروى أبو داود ( 1/307): أن عثمان رضى الله عنه صلى بمنى أربعاً، فقال عبد الله بن مسعود منكراً عليه: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، ومع أبى بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدراَ من إمارته ثم أتمها، ثم تفرقت بكم الطرق فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين، ثم إن ابن مسعود صلى اربعاً ! فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعاً ؟! قال : الخلاف شر . وسنده صحيح.

وروى احمد (5/155) نحو هذا عن أبي ذر رضي الله عنهم أجمعين.

 فليتأمل في هذا الحديث، وفي الأثر المذكور، أولئك الذين لا يزالون يتفرقون في صلواتهم، ولا يقتدون ببعض أئمة المساجد، وخاصة في صلاة الوتر في رمضان، بحجة كونهم على خلاف مذهبهم ! وبعض أولئك الذين يدَّعون العلم بالفلك، ممن يصوم ويفطر وحده متقدماً، أو متأخراً عن جماعة المسلمين، معتدا برأيه وعلمه، غير مبال بالخروج عنهم، فليتأمل هؤلاء جميعاً فيما ذكرناه من العلم، لعلهم يجدون شفاء لما في نفوسهم من جهل وغرور، فيكونوا صفاً واحداً مع إخوانهم المسلمين فإن يد الله على الجماعة". انتهى من "الصحيحة".  

قال الخطابي في "معالم السنن" (3/213):

"لو أن قوماً اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعاً وعشرين؛ فإن صومهم وفطرهم ماضٍ، فلا شيء عليهم من وزر أو عنت، وكذلك هذا في الحج، إذا أخطؤا يوم عرفة؛ فإنه ليس غليهم إعادته، ويجزيهم أضحاهم كذلك". انتهى. 

وقال ابن القيم في "تهذيب السنن" (3/214) ـ عقب حديث: ( وفطرُكم يوم تفطرون، و أضحاكم يوم تضحون...) ـ:

"و فيه دليل على أن المنفرد بالرؤية لا يلزمه حكمها، لا في الصوم ولا في الفطر، ولا في التعريف".

المسألة الثامنة: هل يُعَوَّل على الحساب لثبوت دخول شهر رمضان والفطر منه، ودخول ذي الحجة؟

جاء في "أضواء البيان" (8/115):

"قوله تعالى: }هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ{ بين الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه معنى الأميين في مذكرة الدراسة بقوله: الأميين؛ أي: العرب. والأمي هو: الذي لا يقرأ ولا يكتب وكذلك كان كثير من العرب. ا هـ.

وسمي أمياً نسبة إلى أمه يوم ولدته لم يعرف القراءة ولا الكتابة وبقي على ذلك

ومما يدل على أن المراد بالأميين هم العرب؛ بعثة النَّبي e منهم لقوله تعالى: } رَسُولاً مِّنْهُمْ {، كما يدل عليه قوله تعالى عن نبي الله إبراهيم   } رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ {

قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: وهذه الآية نص في أن الله تعالى استجاب دعوة نبيه إبراهيم عليه السلام فيهم .

وفي الحديث ( إنا أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب ولا نحسب ) وهذا حكم على المجموع لا على الجميع، لأن في العرب من كان يكتب مثل كتبة الوحي عمر وعلي غيرهم". انتهى.

قال ابن حجر في "الفتح" (4/127):

"وقوله: (لا نكتب ولا نحسب): تفسير لكونهم كذلك، وقيل للعرب أميون؛ لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة، قال الله تعالى: } هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ {، ولا يَرِد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب، لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب هنا: حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضاً إلا النزر اليسير، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم؛ ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً. ويوضحه قوله في الحديث الماضي: (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) ولم يقل: فسَلُوا أهلَ الحساب، والحكمةُ فيه؛ كونُ العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم. وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك، وهم الروافض. ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم.

 وقال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حَدْسٌ وتخمين، ليس فيها قطعٌ ولا ظنٌ غالب، مع أنه لو ارتبط الأمر بها؛ لضاق، إذ لا يعرفها إلا القليل". انتهى.

قال القارئ في " المرقاة" (4/403):

"قال ابن الملك: ذهب بعضٌ إلى أن المراد به التقدير بحساب القمر في المنازل؛ أي: اقدروا منازل القمر فإنه يدلكم على أن الشهر تسع وعشرون، أو ثلاثون". اهـ.

وفي شرح السنة قال ابن شريح: (فاقدروا)؛ خطاب لمن خصه الله بهذا العلم. وقوله: (فأكملوا العدة)؛ خطاب للعامة. اهـ. وهو مردود لحديث (إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب)، فإنه يدل على أن معرفة الشهر ليست إلى الكتاب والحساب؛ كما يزعمه أهل النجوم، وللإجماع على عدم الاعتداد بقول المنجمين؛ ولو اتفقوا على أنه يرى، ولقوله تعالى ـ مخاطباً لخير أمة أخرجت للناس خطاباً عاماً ـ:  } فمن شهد منكم الشهر فليصمه {. [البقرة: 285].

ولقوله  صلى الله عليه وسلم بالخطاب العام: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)، ولما في نفس هذا الحديث: (لا تصوموا حتى تروه)، ولما في حديث أبي داود والترمذي عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: (الصوم يوم يصومون، والفطر يوم يفطرون). بل أقول لو صام المنجم عن رمضان قبل رؤيته بناء على معرفته؛ يكون عصياً في صومه، ولا يحسب عن صومه، إلا إذا ثبت الهلال على خلاف فيه، ولو جعل عيد الفطر بناء على زعمه الفاسد؛ يكون فاسقاً، وتجب عليه الكفارة في قولٍ؛ وهو الصحيح. وإن استحل إفطاره فرضاً عن عده واجباً؛ صار كافراً". انتهى.

قال ابن العربي في "أحكام القرآن" (1/118):

"وقد زل بعض المتقدمين، فقال: يعول على الحساب بتقدير المنازل، حتى يدل ما يجتمع حسابه على أنه لو كان صحو لرئي، لقوله صلى الله عليه وسلم : (فإن غم عليكم فاقدروا له)، معناه عند المحققين: فأكملوا المقدار، ولذلك قال: (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً). وفي رواية: (فإن غم عليكم؛ فأكملوا صوم ثلاثين ثم أفطروا). رواه البخاري، ومسلم.

وقد زل أيضاً بعض أصحابنا، فحكى عن الشافعي أنه قال: يعول على الحساب وهي عثرة لا لعاً لها".انتهى.

قال ابن حجر في "الفتح" (4/122):

" (فاقدروا له). ـ تقدم أن للعلماء فيه تأويلين ـ وذهب آخرون إلى تأويل ثالث، قالوا معناه: فاقدروه بحساب المنازل. قاله: أبو العباس بن سريج من الشافعية، و مطرف بن عبد الله من التابعين، و ابن قتيبة من المحدثين، قال ابن عبد البر: لا يصح عن مطرف، وأما ابن قتيبة؛ فليس هو ممن يعرج عليه في مثل هذا. قال: ونقل ابن خويز منداد عن الشافعي مسألة ابن سريج: والمعروف عن الشافعي ما عليه الجمهور، ونقل ابن العربي عن ابن سريج أنّ قوله: (فاقدروا له)؛ خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وأنّ قوله: (فأكملوا العدة)؛ خطاب للعامة. قال ابن العربي: فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال، يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب العدد، قال: وهذا بعيد عن النبلاء. وقال ابن الصلاح: معرفة منازل القمر هي: معرفة سير الأهلة، وأما معرفة الحساب؛ فأمر دقيق يختص بمعرفته الآحاد، قال: فمعرفة منازل القمر تدرك بأمر محسوس، يدركه من يراقب النجوم، وهذا هو الذي أراده ابن سريج وقال به في حق العارف بها في خاصة نفسه، ونقل الروياني عنه أنه لم يقل بوجوب ذلك عليه، وإنما قال: بجوازه. وهو اختيار القفال، وأبي الطيب، وأما أبو إسحاق في "المهذب" فنقل عن ابن سريج لزوم الصوم في هذه الصورة، فتعددت الآراء في هذه المسألة بالنسبة إلى خصوص النظر في الحساب والمنازل.

 أحدها: الجواز، ولا يجزئ عن الفرض.

ثانيها: يجوز.ويجزئ.

ثالثها: يجوز للحاسب ويجزئه، لا للمنجم.

رابعها: يجوز لهما، ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم.

خامسها: يجوز لهما ولغيرهما مطلقاً.

وقال ابن الصباغ: أما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا.

قلت: ونقل بن المنذر قبله الإجماع على ذلك، فقال في "الأشراف": صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو؛ لا يجب بإجماع الأمة، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته، هكذا أطلق ولم يفصل بين حاسب وغيره، فمن فرق بينهم كان محجوجاً بالإجماع قبله". انتهى.

قال العيني في "عمدة الأحكام" (10/271):

"قوله (فاقدروا له) بضم الدال وكسرها، يقال: قدرت لأمر كذا إذا نظرت فيه ودبرته.

وقال في ( شرح المهذب ) وغيره: أي: ضيقوا له وقدروه تحت السحاب. وقال آخرون منهم ابن شريح، و مطرف بن عبد الله، وابن قتيبة، معناه: قدِّروه بحساب المنازل يعني منازل القمر.

وقال أبو عمر في ( الاستذكار ): وقد كان بعض كبار التابعين يذهب في هذا إلى اعتباره بالنجوم ومنازل القمر وطريق الحساب، وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: وكان أفضل له لو لم يفعل.

 و حكى ابن شريح عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر ثم تبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة؛ ـ وغم عليه ـ جاز له أن يعتقد الصوم ويبيته ويجزيه.

وقال أبو عمر: والذي عندنا في كتبه أنه لا يصح اعتقاد رمضان إلاَّ برؤية فاشية، أو شهادة عادلة، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، وعلى هذا مذهب جمهور فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمغرب، منهم: مالك والشافعي، و الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وعامة أهل الحديث وعند الشافعي لا يجوز تقليد المنجم في حسابه.

وقال المازري: حمل جمهور الفقهاء قوله e: (فاقدروا له) على أن المراد: إكمال العدة ثلاثين، كما فسره في حديث آخر، ولا يجوز أن يكون المراد حساب". انتهى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (25/207):

"ولا ريب أنه ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق الصحابة؛ أنه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم، كما ثبت عنه في الصحيحين انه قال: (إنا امة أمية لا نكتب ولا نحسب، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته).

والمعتمد على الحساب في الهلال؛ كما أنه ضال في الشريعة مبتدع في الدين؛ فهو مخطئ في العقل وعلم الحساب. فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي، و إنما غاية الحساب منهم إذا عدل؛ أن يعرف كم بين الهلال والشمس من درجة وقت الغروب مثلا، لكن الرؤية ليست مضبوطة بدرجات محدودة، فإنها تختلف باختلاف حدة النظر و كلاله، وارتفاع المكان الذي يتراءى فيه الهلال وانخفاضه، وباختلاف صفاء الجو وكدره، وقد يراه بعض الناس لثمان درجات وآخر لا يراه لثنتى عشر درجة، ولهذا تنازع أهل الحساب في قوس الرؤية تنازعاً مضطرباً وأئمتهم ـ كبطليموس ـ لم يتكلموا في ذلك بحرف، لأن ذلك لا يقوم عليه دليل حسابي.

وإنما يتكلم فيه بعض متأخريهم، مثل؛ كوشيار الديلمي و أمثاله لما رأوا الشريعة علقت الأحكام بالهلال، فرأوا الحساب طريقاً تنضبط فيه الرؤية.

 وليست طريقة مستقيمة ولا معتدلة، بل خطؤها كثير وقد جرب، وهم يختلفون كثيراً هل يرى، أم لا يرى؟

وسبب ذلك أنهم ضبطوا بالحساب ما لا يعلم بالحساب، فأخطأوا طريق الصواب.

 وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، وبينت أن ما جاء به الشرع الصحيح؛ هو الذي يوافقه العقل الصريح، كما تكلمت على حد اليوم أيضاً وبينت أنه لا ينضبط بالحساب، لأن اليوم يظهر بسبب الأبخرة المتصاعدة.

فمن أراد أن يأخذ حصة العشاء من حصة الفجر؛ إنما يصح كلامه لو كان الموجب لظهور النور وخفائه؛ مجرد محاذاة الأفق التي تُعلم بالحساب.

فأما إذا كان للأبخرة في ذلك تأثير ـ والبخار يكون في الشتاء و الأرض الرطبة أكثر مما يكون في الصيف والأرض اليابسة وكان ذلك لا ينضبط بالحساب ـ؛ فسدت طريقة القياس الحسابي.

ولهذا توجد حصة الفجر في زمان الشتاء أطول منها في زمان الصيف، والآخذ بمجرد القياس الحسابى؛ يشكل عليه ذلك، لأن حصة الفجر عنده تتبع النهار، وهذا أيضاً مبسوط في موضعه. والله سبحانه أعلم. وصلى الله على محمد".

وقال رحمه الله في "المصرية" (80):

"ولا يجوز الاعتماد على الحساب بالنجوم باتفاق الصحابة والسنة، كما قد بينته في مواضعه.

وإن علماء الهيئة؛ يعلمون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي يثبت حد اليوم، وأنه لا ينضبط بالحساب، لأن النهار يظهر سبب الأبخرة، فمتى أدّى إلى أن يأخذ حصة العشاء من حصة الفجر؛ إنما يصح لو كان الموجب لظهور النور وخفائه مجرد محاذاة الأفق التي لا تعلم بالحساب، فأما إذا كان للأبخرة تأثير؛ فالبحار يكون في الشفاء وفي الأماكن الرطبة أكثر؛ فلا ينضبط بالحساب، ولهذا توجد حصة الفجر في زمن الشتاء أطول منها في زمن الصيف، والقياس الحسابي يشكل عليه ذلك، لأن حصة الفجر عنده تتبع النهار، وهذا مبسوط في موضعه. والله أعلم". انتهى.

قال أبو عمر ابن عبد البر في "التمهيد" (14/352ـ353):

" يمكن أن يكون ما قاله هذا القائل على التقريب، لأن أهل التعديل والامتحان؛ ينكرون أن يكون هذا حقيقة، ولذا لم يكن حقيقة، وكانت الحقيقة عندهم فيما لم توقف الشريعة عليه ولا وردت به سنة وجب العدول عنه إلى ما سن لنا وهدينا له، وفيما ذكر هذا القائل من الضيق والتنازع والاضطراب ما لا يليق أن يتعلق به أولو الألباب، وهو مذهب تركه العلماء قديماً وحديثاً للأحاديث الثابتة عن النبي عليه السلام (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين)، ولم يتعلق أحد من فقهاء المسلمين فيما علمت باعتبار المنازل في ذلك. وإنما هو شيء روي عن مطرف بن الشخير وليس بصحيح عنه، والله أعلم. ولو صح ما وجب اتباعه عليه لشذوذه، ولمخالفة الحجة له.

وقد تأول بعض فقهاء البصرة في معنى قوله في الحديث: (اقدروا له)؛ نحو ذلك، والقول فيه واحد.

وقال ابن قتيبة في قوله: (فاقدروا له)، أي: فقدروا السير والمنازل، وهو قول قد ذكرنا شذوذه ومخالفة أهل العلم له. وليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يعرج عليه في هذا الباب.

وقد حُكي عن الشافعي أنه قال: من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر ثم تبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغم عليه؛ جاز له أن يعتقد الصيام و يبيته ويجزئه.

والصحيح عنه في كتبه وعند أصحابه؛ أنه لا يصح اعتقاد رمضان إلا برؤيةٍ، أو شهادة عادلة، لقوله صلى الله عليه وسلم : (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم؛ فأكملوا العدة ثلاثين يوماً". انتهى.

وقال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (25/180ـ186):

" فأما الذين يعتمدون على حساب الشهور وتعديلها فيعتبرونه برمضان الماضي أو برجب أو يضعون جدولا يعتمدون عليه؛ فهم مع مخالفتهم لقوله: ( لا نكتب ولا نحسب )؛ إنما عمدتهم تعديل سير النيرين، والتعديل أن يأخذ أعلى سيرهما و أدناه، فيأخذ الوسط منه ويجمعه.

ولما كان الغالب على شهور العام؛ أن الأول: ثلاثون. والثاني: تسعة وعشرون؛ كان جميع أنواع هذا الحساب والكتاب؛ مبنية على أن الشهر الأول: ثلاثون.   و الثاني: تسعة وعشرون. والسنة ثلاثمائة و أربعة وخمسون. ويحتاجون أن يكتبوا في كل عدة من السنين؛ زيادة يوم تصير فيه السنة ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوماً، يزيدونه في ذي الحجة مثلاً، فهذا أصل عدتهم. وهذا القدر موافق في أكثر الأوقات، لان الغالب على الشهور هكذا، ولكنه غير مطرد. فقد يتوالى شهران وثلاثة، و أكثر؛ ثلاثين. وقد يتوالى شهران وثلاثة، وأكثر؛ تسعة وعشرين، فينتقض كتابهم وحسابهم، ويفسد دينهم؛ الذي ليس بقيِّم، وهذا من الأسباب الموجبة لئلا يعمل بالكتاب والحساب في الأهلة.

فهذه طريقة هؤلاء؛ المبتدعة المارقين الخارجين عن شريعة الإسلام، الذين يحسبون ذلك الشهر بما قبله من الشهور، أما في جميع السنين أو بعضها، ويكتبون ذلك.

وأما الفريق الثاني: فقوم من فقهاء البصريين ذهبوا إلى أن قوله:

( فاقدروا له ): تقدير حساب بمنازل القمر، وقد روي عن محمد بن سيرين قال خرجت في اليوم الذي شك فيه، فلم أدخل على أحد يؤخذ عنه العلم؛ إلا وجدته يأكل، إلا رجلاً؛ كان يحسب و يأخذ بالحساب. ولو لم يعلمه كان خيراً له.

وقد قيل: أن الرجل؛ مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو رجل جليل القدر، إلا أن هذا؛ إنْ صح عنه؛ فهي من زلات العلماء. وقد حُكي هذا القول عن أبي العباس ابن سريجٍ أيضاً. وحكاه بعض المالكية عن الشافعي، أن من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر لم يتبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغم عليه؛ جاز له أن يعتقد الصيام، ويبيته ويجزئه. وهذا باطل عن الشافعي؛ لا أصل له عنه. بل المحفوظ عنه خلاف ذلك كمذهب الجماعة. و إنما كان قد حكى ابن سريج وهو كان من أكابر أصحاب الشافعي؛ نسبة ذلك إليه، إذْ كان هو القائم بنصر مذهبه.

واحتجاج هؤلاء بحديث ابن عمر في غاية الفساد، مع أن ابن عمر هو الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنّا أمة أميِّة؛ لا نكتب ولا نحسب). فكيف يكون موجب حديثه العمل بالحساب؟! وهؤلاء يحسبون مسيره في ذلك الشهر ولياليه. وليس لأحد منهم طريقة منضبطة أصلاً، بل أية طريقة سلكوها؛ فان الخطأ واقع فيها أيضاً، فان الله سبحانه لم يجعل لمطلع الهلال حساباً مستقيماً، بل لا يمكن أن يكون إلى رؤيته طريق مطرد الا الرؤية، وقد سلكوا طرقاً كما سلك الأولون منهم من لم يضبطوا سيره الا بالتعديل؛ الذي يتفق الحساب على أنه غير مطرد، و إنما هو تقريب مثل أن يقال: إنْ رؤي صبيحة ثمان وعشرين؛ فهو تام، و إنْ لم ير صبيحة ثمان؛ فهو ناقص. وهذا بناء على ان الاستسرار لليلتين، وليس بصحيح. بل قد يستسر ليلة تارة، وثلاث ليال أخرى .

وهذا الذي قالوه؛ إنما هو بناء على أنه كل ليلة لا يمكث في المنزلة إلا ستة أسباع ساعة، لا أقل ولا أكثر. فيغيب ليلة السابع نصف الليل، ويطلع ليلة أربعة عشر من أول الليل إلى طلوع الشمس، وليلة الحادي والعشرين؛ يطلع من نصف الليل، وليلة الثامن والعشرين إن استسر فيها؛ نقص، و إلا كمل، وهذا غالب سيره، و إلا فقد يسرع ويبطئ.

وأما العقل: فاعلم أن المحققين من أهل الحساب؛ كلهم متفقون على أنه لا يمكن ضبط الرؤية بحساب بحيث يحكم بأنه يرى لا محالة، أو لا يرى البتة على وجه مطرد، و إنما قد يتفق ذلك، أو لا يمكن بعض الأوقات، ولهذا كان المعتنون بهذا الفن من الأمم: الروم، والهند، والفرس، والعرب، وغيرهم مثل بطليموس الذي هو مقدم هؤلاء، ومن بعدهم قبل الإسلام وبعده لم ينسبوا إليه في الرؤية حرفاً واحداً، ولا حدوه كما حدوا اجتماع القرصين، و إنما تكلم به قوم منهم في أبناء الإسلام: مثل كوشيار الديلمي، وعليه وعلى مثله يعتمد من تكلم في الرؤية منهم. وقد أنكر ذلك عليه حذاقهم مثل أبي علي المروذي القطان وغيره. وقالوا أنه تشوق بذلك عند المسلمين، و إلا فهذا لا يمكن ضبطه.

ولعل من دخل في ذلك منهم كان مرموقاً بنفاق، فما النفاق من هؤلاء ببعيد، أو يتقرب به إلى بعض الملوك الجهال، ممن يحسن ظنه بالحساب، مع انتسابه إلى الإسلام.

وبيان امتناع ضبط ذلك: أن الحاسب إنما يقدره على ضبط شبح الشمس والقمر، وجريهما أنهما يتحاذيان في الساعة الفلانية في البرج الفلاني في السماء المحاذي للمكان الفلاني من الأرض، سواء كان الاجتماع من ليل او نهار، وهذا الاجتماع يكون بعد الاستسرار، وقبل الاستهلال، فإن القمر يجري في منازله الثمانية والعشرين؛ كما قدره الله منازل، ثم يقرب من الشمس فيستسر ليلة او ليلتين لمحاذاته لها. فإذا خرج من تحتها؛ جعل الله فيه النور، ثم يزداد النور كلما بعد عنها إلى أن يقابلها ليلة الأبدار، ثم ينقص كلما قرب منها، إلى أن يجامعها. ولهذا يقولون: الاجتماع والاستقبال، ولا يقدرون أن يقولوا: الهلال وقت المفارقة على كذا. يقولون: الاجتماع وقت الاستسرار، والاستقبال وقت الأبدار.

ومن معرفة الحساب الاستسرار و الابدار؛ الذي هو الاجتماع والاستقبال، فالناس يعبرون عن ذلك بالأمر الظاهر من الاستسرار الهلالي في آخر الشهر، وظهوره في أوله، وكمال نوره في وسطه، والحُسَّاب يعبرون بالأمر الخفي من اجتماع القرصين الذي هو وقت الاستسرار، ومن استقبال الشمس والقمر الذي هو وقت الابدار، فان هذا يضبط بالحساب.

وأما الإهلال؛ فلا له عندهم من جهة الحساب ضبط، لأنه لا يضبط بحساب يعرف كما يعرف وقت الكسوف والخسوف، فان الشمس لا تكسف في سنة الله التي جعل لها الا عند الاستسرار، إذا وقع القمر بينها وبين أبصار الناس على محاذاة مضبوطة، وكذلك القمر لا يخسف الا في ليالي الابدار على محاذاة مضبوطة لتحُول الأرض بينه وبين الشمس، فمعرفة الكسوف والخسوف لمن صح حسابه؛ مثل معرفة كل أحد أن ليلة الحادي والثلاثين من الشهر لابد أن يطلع الهلال، و إنما يقع الشك ليلة الثلاثين.

 فنقول: الحاسب غاية ما يمكنه إذا صح حسابه أن يعرف مثلاً؛ أن القرصين اجتمعا في الساعة الفلانية، و أنه عند غروب الشمس يكون قد فارقها القمر، إما بعشر درجات مثلاً، أو أقل، أو أكثر، والدرجة هي جزء من ثلاثمائة وستين جزءا من الفلك.

 فإنهم قسموه اثنى عشر قسماً، سموها (الداخل): كل برج اثنا عشر درجة، وهذا غاية معرفته، وهي بتحديدكم بينهما من البعد في وقت معين في مكان معين. هذا الذي يضبطه بالحساب. أما كونه يرى أو لا يرى؛ فهذا أمر حسي طبيعي ليس هو أمراً حسابياً رياضياً، و إنما غايته أن يقول: استقر أنا أنه إذا كان على كذا وكذا درجة؛ يُرى قطعاً أو لا يرى قطعاً: فهذا جهل وغلط، فإن هذا لا يجري على قانون واحد لا يزيد ولا ينقص في النفي و الإثبات. بل إذا كان بعده مثلاً عشرين درجة؛ فهذا يُرى ما لم يحل حائل، و إذا كان على درجة واحدة فهذا لا يُرى".

المسألة التاسعة: اختلاف أسباب الرؤية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (25/186ـ189):

"وأما ما حول العشرة؛ فالأمر فيه يختلف باختلاف أسباب الرؤية من وجوه:

أحدها: أنها تختلف. وذلك لأن الرؤية تختلف لحدة البصر و كلاله، فمع دقته يراه البصر الحديد دون الكليل، ومع توسطه؛ يراه غالب الناس، وليست أبصار الناس محصورة بين حاصرين، ولا يمكن أن يقال: يراه غالب الناس، ولا يراه غالبهم، لأنه لو رآه اثنان علق الشارع الحكم بهما بالإجماع؛ وان كان الجمهور لم يروه. فإذا قال: لا يرى ـ بناء على ذلك ـ؛ كان مخطئاً في حكم الشرع، و إن قال: يُرى. بمعنى؛ أنه يراه البصر الحديد، فقد لا يتفق فيمن يتراءى له من يكون بصره حديداً، فلا يلتفت إلى إمكان رؤية من ليس بحاضر.

السبب الثاني: أن يختلف بكثرة المترائين وقلتهم، فإنهم إذا كثروا؛ كان أقرب أن يكون فيهم من يراه لحدة بصره، وخبرته بموضع طلوعه، والتحديق نحو مطلعه. و إذا قلوا؛ فقد لا يتفق ذلك، فإذا ظن أنه يرى قد يكونون قليلاً فلا يمكن ان يروه، و إذا قال: لا يُرى، فقد يكون المتراءون كثيراً فيهم من فيه قوة على إدراك ما لم يدركه غيره.

السبب الثالث: أنه يختلف باختلاف مكان الترائي، فإن من كان أعلى مكاناً في منارة، أو سطح عال، أو على رأس جبل؛ ليس بمنزلة من يكون على القاع الصفصف، أو في بطن واد. كذلك قد يكون أمام احد المترائين بناء أو جبل او نحو ذلك؛ يمكن معه أن يراه غالباً؛ و إن منعه أحياناً، وقد يكون لا شيء أمامه فإذا قيل: يرى مطلقاً، لم يره المنخفض ونحوه، و إذا قيل: لا يرى، فقد يراه المرتفع ونحوه، والرؤية تختلف بهذا اختلافاً ظاهراً.

السبب الرابع: أنه يختلف باختلاف وقت الترائي، وذلك إن عادة الحُسّاب أنهم يخبرون ببعده وقت غروب الشمس، وفى تلك الساعة يكون قريباً من الشمس فيكون نوره قليلاً، وتكون حمرة شعاع الشمس مانعاً له بعض المنع، فكلما انخفض إلى الأفق؛ بعد عن الشمس، فيقوى شرط الرؤية ويبقى مانعها، فيكثر نوره ويبعد عن شعاع الشمس، فإذا ظن أنه لا يرى وقت الغروب أو عقبه؛ فإنه يرى بعد ذلك ولو عند هويه في المغرب، و إن قال: أنه يضبط حاله من حين وجوب الشمس إلى حين وجوبه، فإنما يمكنه أن يضبط عدد تلك الدرجات لأنه يبقى مرتفعاً بقدر ما بينهما من البعد، أما مقدار ما يحصل فيه من الضوء وما يزول من الشعاع المانع له؛ فإن بذلك تحصل الرؤية بضبطه على وجه واحد يصح مع الرؤية دائماً، أو يمتنع دائماً، فهذا لا يقدر عليه أبداً، وليس هو في نفسه شيئاً منضبطاً.

السبب الخامس: صفاء الجو وكدره، لست أعني إذا كان هناك حائل يمنع الرؤية كالغيم والقتر الهائج من الأدخنة و الأبخرة، و إنما إذا كان الجو بحيث يمكن فيه رؤيته أمكن من بعضٍ إذا كان الجو صافياً من كل كدر في مثل ما يكون في الشتاء عقب الأمطار في البرية الذي ليس فيه بخار بخلاف ما إذا كان في الجو بخار بحيث لا يمكن فيه رؤيته كنحو ما يحصل في الصيف بسبب الأبخرة و الأدخنة؛ فإنه لا يمكن رؤيته في مثل ذلك كما يمكن في مثل صفاء الجو.

وأما صحة مقابلته ومعرفة مطلعه ونحو ذلك، فهذا من الأمور التي يمكن المترائي أن يتعلمها، أو يتحراه، فقد يقال: هو شرط الرؤية كالتحديق نحو المغرب خلف الشمس، فلم نذكره في أسباب اختلاف الرؤية، و إنما ذكرنا ما ليس في مقدور المترائين الإحاطة من صفة الإبصار و إعدادها، ومكان الترائي وزمانه، وصفاء الجو وكدره.

فإذا كانت الرؤية حكماً تشترك فيه هذه الأسباب التي ليس شيء منها داخلاً في حساب الحاسب؛ فكيف يمكنه مع ذلك يخبر خبراً عاماً؛ أنه لا يمكن أن يراه أحد حيث رآه على سبع  أو ثمان درجات أو تسع؟ أم كيف يمكنه يخبر خبراً جزماً؛ أنه يُرى إذا كان على تسعة أو عشرة مثلا؟". انتهى.

المسألة العاشرة: ما حكم من خالف أهل بلده فصام قبلهم أو بعدهم، أو أفطر شوال قبلهم أو بعدهم، أو نحر قبلهم ؟

من المعلوم اليوم؛ أن لكل حاكمٍ حصلت له الولاية على قطر؛ أن تكون ولايته على أهل بلده، وتَنْفُذ فيهم أوامره، وتجب عليهم طاعته في غير معصية الله تعالى، دون أهل البلد الآخر الذي عليه حاكم مستقل به.

إذا عُلِم هذا، فليس لأحدٍ من الرعية تابع لحكم هذا السلطان، أو ذاك؛ أن يخرج عن قول أميره ـ الذي جعل الله ورسوله صلى الله عليه و سلم  طاعته واجبة في غير معصيته ـ.

قال تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ{. [النساء: 59]. 

فنصيحتي للإخوة الذين يخالفون في صيامهم، وفطرهم، ونحرهم؛ إمامهم في أي بلد إسلامي يعيشون فيه، أن يتقوا الله تعالى ولا يخالفونه، ولا يختلفون عليه؛ إذا أعلن دخول شهر رمضان أو الفطر، مهما كان ذلك الحاكم على مخالفات في دين الله تعالى؛ ما لم يكن هناك كفرٌ ظاهر واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار؛ يُخرجه من الملة.

وإن من يخالف إمامه في هذا، ويخالف جماعة المسلمين في بلده؛ فقد اتصف بصفة الخوارج، ألا وهي الخروج على الحاكم فيما يأمر ـ في غير معصية الله ـ، وقد أمرنا الله تعالى بطاعة ولي الأمر  فقال جلّ وعلا:

} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً {. [النساء: 59].

وأمر رسوله صلى الله عليه و سلم  بطاعته فقال:

( تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع ). أخرجه مسلم (1847)، وغيره.

والخوارج من أبرز سماتهم؛ هي مخالفة الحاكم، وإثارة الفتنة عليه، بإيغارهم صدور العامة؛ حتى يضيقوا ذرعاً بالحاكم فيفضي ذلك إلى عدم السمع والطاعة له فيما يأمر وينهى ـ في غير معصية الله ـ، فتعم الفوضى أرجاء البلاد، بسبب هؤلاء الخوارج، الذين كان أول بذرتهم: "ذو الخويصرة زهير بن حرقوص التميمي"، الذي قال لسيد الأنام صلى الله عليه و سلم: إعدل يا محمد. وغيرها من الألفاظ السقيمة التي أخرجها في حق نبي الرحمة والهدى صلى الله عليه وسلم ـ  التي جاءت بها الروايات ـ.

وثانيهم: ابن سبأ اليهودي الذي قدم من اليمن وأظهر الإسلام وأبطن النفاق، فأثار الفتنة في زمن ذو النورين ـ عثمان بن عفان  رضي الله عنه ـ، حتى خرج الهمج الرعاع على الخليفة الراشد فقتلوه وهو في داره يتلو كلام ربه العلي المتعال.

ثم خرجوا في زمن الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقاتلهم في النهروان، ثم تآمروا عليه فقتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي وهو خارج لصلاة الفجر.

فالله الله في أن تقدموا الإمام بشيء؛ فتخرجوا عن الهدي النبوي، وقد أخرج البخاري في "تاريخه الكبير" (4/271/2773):

عن شميم بن عبد الرحمن قال: كنت عند الحجاج في اليوم يُشَك فيه، فأرسل إلى عبد الله بن عكيم، فقال له: أكنت شهدت هذا الشهر مع النبي صلى الله عليه و سلم ؟ قال: لا. ولكن مع عمر بن الخطاب، قال: فكيف كان يقول؟ قال: "كان يقول صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ألا لا تقدموا الإمام"، فقال الحجاج: كلمة لم أفهمها؛ قال أصحابنا: قال: هذا والله السنة. قال عبد الله: إنه كان والله للمتقين إماماً. انتهى.

قلت: عبدالله؛ هو البخاري رحمه الله، وهو يعني ـ بقوله ـ عمر بن الخطاب رضى الله عنه.

فهذا عمر رضى الله عنه ينهى من أن يتقدم أحدٌ على الأمير في الصوم أو الفطر، فهل يعي المسلمون هذا، ويتبعوا السنة لعلهم يفلحوا وينجحوا. والله الهادي إلى سواء السبيل. هذه نصيحتي الأولى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في "الفتاوى": (25/118):

"شرط كونه هلالاً وشهراً؛ شهرته بين الناس. واستهلال الناس به حتى لو رآه عشرة؛ ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد لكون شهادتهم مردودة أو لكونهم لم يشهدوا به؛ كان حكمهم حكم سائر المسلمين، فكما لا يقفون ولا ينحرون ولا يصلون العيد إلا مع المسلمين؛ فكذلك لا يصومون إلا مع المسلمين، وهذا معنى قوله: (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، و أضحاكم يوم تضحون ).

ولهذا قال أحمد في روايته: يصوم مع الإمام وجماعة المسلمين في الصحو والغيم. قال أحمد: يد الله على الجماعة". انتهى.

وقال رحمه الله في الفتاوى (25/204ـ205):

"فالمنفرد برؤية هلال شوال لا يفطر علانية باتفاق العلماء، إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر، كمرض وسفر، وهل يفطر سراً؟

 على قولين للعلماء:

أصحهما: لا يفطر سراً. وهو مذهب مالك، وأحمد في المشهور في مذهبهما.

وقد روي، أن رجلين في زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه: رأيا هلال شوال، فأفطر أحدهما، ولم يفطر الآخر، فلما بلغ ذلك عمر، قال للذي أفطر: لولا صاحبك لأوجعتك ضرباً.

والسبب في ذلك؛ أن الفطر يوم يفطر الناس، وهو يوم العيد، والذي صامه المنفرد برؤية الهلال ليس هو يوم العيد الذي نهى النبي عن صومه، فانه نهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر، وقال: (أما أحدهما؛ فيوم فطركم من صومكم، وأما الآخر؛ فيوم تأكلون فيه من نسككم)، فالذي نهى عن صومه هو اليوم الذي يفطره المسلمون، وينسك فيه المسلمون". انتهى.

و ابن القيم رحمه الله تعالى في "تهذيب السنن" (3/214) في تعليقه على حديث: (وفطرُكم يوم تفطرون ...)، قال:

" وقيل: إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال، ولم يحكم القاضي بشهادته؛ أنه لا يكون هذا له صوماً، كما لم يكن للناس". انتهى.

قال الألباني رحمه الله في "الصحيحة" (1/392ـ394): " وقال أبو الحسن السندي في "حاشيته على ابن ماجه" ـ بعد أن ذكر حديث أبي هريرة عند الترمذي ـ: " والظاهر أن معناه: أن هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل، وليس لهم التفرد فيها إلى الإمام والجماعة، ويجب على الآحاد اتباعهم للإمام والجماعة، وعلى هذا، فإذا رأى احد الهلال، ورد الأمام شهادته؛ ينبغي أن لا يثبت في حقه شيء من هذه الأمور، ويجب عليه أن يتبع الجماعة في ذلك".

قلت : وهذا المعنى هو المتبادر من الحديث ، ويؤيده احتجاج عائشة به على مسروق حين امتنع من صيام  يوم عرفة خشية أن يكون يوم النحر, فبينت له أنه لا عبرة برأيه، و أن عليه إتباع الجماعة، فقالت:

" النحر يوم ينحر الناس ، والفطر يوم يفطر الناس" .

قلت: وهذا هو اللائق بالشريعة السمحة التي من غاياتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم، وإبعادهم عن كل ما يفرق جمعهم من الآراء الفردية، فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد – ولو كان صواباً في وجهة نظره- في عبادة جماعية كالصوم والتعييد وصلاة الجماعة، ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم كان يصلي بعضهم وراء بعض؛ وفيهم من يرى أن مس المرأة، والعضو، وخروج الدم؛ من نواقض الوضوء، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يتم في السفر، ومنهم من يقصر،  فلم يكن اختلافهم هذا وغيره ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإمام الواحد، والاعتداد بها، وذلك لعلمهم بأن التفرق في الدين؛ شر من الاختلاف في بعض الآراء، ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الاعتداد بالرأى المخالف لرأي الإمام الأعظم في المجتمع الأكبر كمنى؛ الى حد ترك العمل برأيه إطلاقاً في ذلك المجتمع فراراً مما ينتج من الشر بسبب العمل برأيه.

فليتأمل في هذا الحديث، وفي الأثر المذكور، أولئك الذين لا يزالون يتفرقون, و أولئك الذين يدَّعون العلم، ممن يصوم ويفطر وحده متقدماً، أو متأخراً عن جماعة المسلمين، معتداً برأيه وعلمه، غير مبال بالخروج عنهم، فليتأمل هؤلاء جميعاً فيما ذكرناه من العلم، لعلهم يجدون شفاء لما في نفوسهم من جهل وغرور، فيكونوا صفاً واحداً مع إخوانهم المسلمين فإن يد الله على الجماعة". انتهى من "الصحيحة".

فعلى هذا؛ لا ينبغي للأفراد، ولا الجماعات أن يصوموا، أو يفطروا من رمضان؛ بإعلان رؤية بلد آخر  للهلال؛ ما لم يعلنه ولي أمره ويستهل الشهر. والله ولي التوفيق.

أما نصيحتي الثانية: فهي إلى العامة من المسلمين، بأن لا يشوشوا على المسلمين بترائيهم للهلال، فيحكموا عليه بمجرد حجمه بأنه ابن ليلتين، أو ابن ثلاث، والحقيقة أنه ابن ليلة أو ليلتين، فيقعون في تشكيك المسلمين، وإحداث البلبلة في صفوف الأمة، ومن ثمّ يُتَهم أهل الحسبة في رؤيتهم للهلال، فليتق كل امرئ ربه، وليعلم أنه محاسب عما يصدر منه، قال الله تعالى: } وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً {. [الإسراء: 36]

 

  

وقال تعالى: } مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ {. [ق : 18].

وقال صلى الله عليه و سلم ـ مخاطباً معاذ بن جبل رضي الله عنه ـ: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟) فقلت له: بلى يا نبي الله فأخذ بلسانه فقال: (كف عليك هذا) فقلت: يا رسول الله! وأنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على وجوههم في النار، أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟! ). أخرجه أحمد، والترمذي، وغيرهما.

وليحذر المسلمون من شق العصا، والتشويش على الناس، ونشر البلبلة، وإثارة الفتنة، وقد جاء في الأثر، و في إسناده ضعف، والمعنى قد يكون صحيحاً: "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها"، ولو اجتمع المسلمون في جميع الأقطار على توحيد الرؤية، كان ذلك أجمع لكلمة المسلمين، لأن الأصل أن بلاد المسلمين واحدة، فإذا ثبتت الرؤية في بلد مسلم موثوق به عند المسلمين كـ "المملكة العربية السعودية" فالأولى أن يصوم المسلمون جميعاً و يتوحدون كما يتوحدون في الأضحى.

نسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين إلى جمع الكلمة ووحدة صفها على التوحيد والسنّة.

المسألة الحادية عشرة: هل تمنع الرؤية والمتابعة بالمرصد أو بالمنظار ؟

إن آلة المنظار ما هي إلا عبارة عن آلة ينظر من خلالها المرء بعينيه فيرى حجم المرئي أكبر حجماً مما لو تراءاه بعينه المجردة.

فعلى هذا يكون الاستعانة بالمرصد أو المنظار من باب الإعتضاد لا من باب الإعتماد، لأن ديننا دين تيسير وليس دين عسر، ولم يأمرنا بأن نتكلف في عباداتنا، و بشرط أن يكون العامل على هذه المراصد ممن تثبت عدالته.

قال العلامة معالي الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رئيس القضاء الأعلى بالمملكة العربية السعودية ـ حفظه الله ـ في بحثٍ له طويل في "مجلة البحوث العلمية" (27/117):

"بقي أن أشير إلى أن العلماء لا يرون أي مانع من الأخذ بالرؤية عن طريق المرصد أو بالآلات الخاصة مع الأفراد أو الجماعات وبأي طريقة، وإنما المهم أن تتحقق هذه الرؤية البصرية ومع ذلك فلا يجب التكلف والتمحل، ما دام أن رسولنا صلى الله عليه وسلم ندبنا إلى التيسير وحذرنا من التعسير والتنفير فقال في الحديث الصحيح:  (( إنما بعثتم ميسرين ))  وقال  لمعاذ وأبي موسى  رضي الله عنهما:  (( يسرا ولا تعسرا ))  وحذر من الاختلاف وبين أن الفطر يوم يفطر الناس والصوم يوم يصومون والأضحى يوم يضحون، ومن هذا التوجيه العظيم أخذ أهل العلم رحمهم الله كثيرًا من أحكام التيسير وفرعوا على ذلك صورًا عديدة ليس المقام مقام ذكرها، ولا شك أنه قد لا يرضى هذا الموقف من أهل العلم رضي الله عنهم بعض المتعالمين ولكن عذرهم قائم كما قال الخليل:

                             جهلت مقالتي فعذلتني        وعلمت أنك جاهل فعذرتك

أو ما في معناه.

   وهذا قرار "هيئة كبار العلماء" رقم 108 وتاريخ 2 / 11 / 1403هـ. بشأن إنشاء مراصد يستعان بها عند رؤية الهلال:  

الحمد لله والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وبعد:  ففي الدورة الثانية والعشرين لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة  الطائف ، ابتداء من العشرين من شهر شوال حتى الثاني من شهر ذي القعدة عام 1403هـ بحث المجلس موضوع إنشاء مراصد يستعان بها عند تحري رؤية الهلال بناء على الأمر السامي الموجه إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم 4 / ص / 19524 وتاريخ 18 / 8 / 1403هـ والمحال من سماحته إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم 2652 / 1 / د وتاريخ 1 / 9 / 1403هـ واطلع على قرار اللجنة المشكلة بناء على الأمر السامي رقم 6 / 2 وتاريخ 2 / 1 / 1403هـ والمكونة من أصحاب الفضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي عضو هيئة كبار العلماء وأعضاء الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى والشيخ محمد بن عبد الرحيم الخالد ومندوب جامعة الملك سعود والدكتور فضل أحمد نور محمد والتي درست موضوع الاستعانة بالمراصد على تحري رؤية الهلال وأصدرت في ذلك قرارها المؤرخ في 16 / 5 / 1403هـ المتضمن أنه اتفق رأي الجميع على النقاط الست التالية: 

1- إنشاء المراصد كعامل مساعد على تحري رؤية الهلال لا مانع منه شرعًا.  2- إذا رئي الهلال بالعين المجردة فالعمل بهذه الرؤية وإن لم ير بالمرصد.  3- إذا رئي الهلال بالمرصد رؤية حقيقية بواسطة المنظار تعين العمل بهذه الرؤية ولو لم ير بالعين المجردة وذلك لقول الله تعالى  { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }  ولعموم  (( قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما. ))   (( ولقوله عليه الصلاة والسلام صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم.. ))  الحديث. حيث يصدق أنه رئي الهلال سواء كانت الرؤية بالعين المجردة أم بها عن طريق المنظار ولأن المثبت مقدم على النافي.

4- يطلب من المراصد من قبل الجهة المختصة عن إثبات الهلال لتحري رؤية الهلال في ليلة مظنته بغض النظر عن احتمال وجود الهلال بالحساب من عدمه.  5- يحسن إنشاء مراصد متكاملة الأجهزة للاستفادة منها في جهات المملكة الأربع تعين مواقعها وتكاليفها بواسطة المختصين في هذا المجال.

6- تعميم مراصد متنقلة لتحري رؤية الهلال في الأماكن التي تكون مظنة رؤية الهلال مع الاستعانة بالأشخاص المشهورين بحدة البصر وخاصة الذين سبق لهم رؤية الهلال. اهـ.

وبعد أن قام المجلس بدراسة الموضوع ومناقشته ورجع إلى قراره رقم (2) الذي أصدره في دورته الثانية المنعقدة في شهر شعبان من عام 1394هـ في موضوع الأهلة قرر بالإجماع الموافقة على النقاط الست التي توصلت إليها اللجنة المذكورة أعلاه بشرط أن تكون الرؤية بالمرصد أو غيره ممن تثبت عدالته شرعًا لدى القضاء كالمتبع وألا يعتمد على الحساب في إثبات دخول الشهر أو خروجه.  وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. 

هيئة كبار العلماء.

رئيس الدورة: عبد العزيز بن صالح (ختم). عبد الرزاق عفيفي (توقيع). عبد الله خياط (توقيع). عبد العزيز بن عبد الله بن باز (ختم). محمد بن جبير (توقيع). إبراهيم بن محمد آل الشيخ (توقيع). سليمان بن عبيد (توقيع). صالح بن غصون (ختم). عبد المجيد حسن (توقيع). راشد بن خنين (توقيع). عبد الله بن منيع (توقيع). صالحح اللحيدان (توقيع). عبد الله بن غديان (توقيع). عبد الله بن قعود (توقيع). المصدر: "مجلة البحوث العلمية" (29/342 ـ 344).

نسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين إلى جمع الكلمة ووحدة صفها على التوحيد والسنّة.

وفي ختام هذا البحث أحمد الله تعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، على ما منِّ عليّ به من توفيق لإنهاء هذا البحث بهذا الشكل؛ الذي أرجوه سبحانه وتعالى أن أكون قد وُفِّقتُ في جمعه.

هذا ما تيسر جمعه فأحمد الله على توفيقه وامتنانه، وأسأل الله المغفرة وستر الذنوب.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين،،،،،،،،

 

وكتبه

أبو فريحان

جمال بن فريحان الحارثي

وكان الانتهاء منه في غرة ربيع الأول سنة ستة وعشرين وأربع مائة وألف للهجرة النبوية