طواف الوداع

حكم طواف الوداع
إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد :
فبناء على المحضر رقم ( 11 ) من محاضر دورة مجلس هيئة كبار العلماء الثالثة عشرة المنعقدة بمدينة الطائف فيما بين 14 / 10 إلى 21 / 10 / 1398 هـ المتضمن اقتراح إعداد بحث في ( حكم طواف الوداع ) للخارج من مكة ، سواء كان حاجا أو معتمرا أو غيرهما ، وهل يفرق بين من كان سفره مسافة قصر ومن كان دون ذلك . . ؟ وهل يفرق بين من أراد الرجوع لأداء طواف الوداع وبين غيره . . . ؟
أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك يشمل ما يلي :
أولا : طواف الوداع نسك مستقل أو من مناسك الحج .
ثانيا : الخلاف في حكمه مع الأدلة وما يترتب على ذلك .
ثالثا : هل يطلب من كل من نفر عن البيت بعد النسك أو ممن ينفر خارج الحرم أو خارج المواقيت أو خارج مسافة القصر ؟
رابعا : متى يطالب بالرجوع من ترك الوداع وهل يرجع محرما أم لا ؟
خامسا : هل يجوز لمن أدى النسك أن ينفر مؤقتا من أجل شدة الزحام ثم
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 412)
يعود ليودع ؟
ونظرا لترابط وتداخل نصوص العلماء ومناقشتهم لهذه الأمور رأينا ذكر ما تيسر نقله فيها مجتمعا ، وأتبعناه بخلاصة لما تضمنته هذه النقول ، وبالله التوفيق .
وفيما يلي ذكر ذلك :

1 - النقول من كتب الحديث وشروحها :
أ - قال البخاري رحمه الله :
( حدثنا مسدد حدثنا سفيان ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : صحيح البخاري الحج (1668),صحيح مسلم الحج (1328),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1934). أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض .
حدثنا أصبغ بن الفرج ، أخبرنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن قتادة ، أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدثه : صحيح البخاري الحج (1669),سنن الدارمي المناسك (1873). أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم رقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به ، تابعه الليث حدثني خالد عن سعيد عن قتادة : أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم ) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
قوله : ( باب طواف الوداع ) قال النووي : ( طواف الوداع واجب يلزم بتركه دم على الصحيح عندنا ، وهو قول أكثر العلماء ، وقال مالك وداود وابن المنذر : هو سنة لا شيء في تركه ) انتهى . والذي رأيته في [ الأوسط ] لابن المنذر أنه واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء .
قوله : ( أمر الناس ) كذا في رواية عبد الله بن طاوس عن أبيه على البناء
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 413)


لما لم يسم فاعله والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذا قوله : ( خفف ) ، وقد رواه سفيان أيضا عن سليمان الأحول عن طاوس فصرح فيه بالرفع ، ولفظه عن ابن عباس قال : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). كان الناس ينصرفون في كل وجه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت أخرجه مسلم هو والذي قبله عن سعيد بن منصور عن سفيان بالإسنادين فرقهما ، فكأن طاوسا حدث به على الوجهين ؛ ولهذا وقع في رواية كل من الراويين عنه ما لم يقع في رواية الآخر ، وفيه دليل على وجوب طواف الوداع للأمر المؤكد به وللتعبير في حق الحائض بالتخفيف ، وسيأتي البحث فيه في الباب الذي بعده .
قوله : ( عن قتادة ) سيأتي بعد باب من وجه آخر عن ابن وهب التصريح بتحديث قتادة ، ويأتي الكلام هناك ، والمقصود منه هنا قوله في آخره : ( ثم ركب إلى البيت فطاف به ) .
قوله : ( تابعه الليث ) أي : تابع عمرو بن الحارث في روايته لهذا الحديث عن قتادة بطريق أخرى إلى قتادة ، وقد وصله البزار والطبراني من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث عن الليث ، وخالد شيخ الليث هو ابن يزيد ، وذكر البزار والطبراني أنه تفرد بهذا الحديث عن سعيد ، وأن الليث تفرد به عن خالد ، وأن سعيد بن أبي هلال لم يرو عن قتادة عن أنس غير هذا الحديث ) [ فتح الباري ] ( 3 / 585 ، 586 ) . .
قال البخاري أيضا :
( باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئه من طواف
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 414)
الوداع ؟ ) .


حدثنا أبو نعيم حدثنا أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها قالت : صحيح البخاري الحج (1696),صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (934),سنن النسائي مناسك الحج (2763),سنن أبو داود المناسك (1782),سنن ابن ماجه المناسك (2963),مسند أحمد بن حنبل (6/273),سنن الدارمي المناسك (1862). خرجنا مهلين بالحج في أشهر الحج وحرم الحج ، فنزلنا بسرف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه هدي فلا . وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجال من الصحابة ذوي قوة الهدي ، فلم تكن لهم عمرة ، فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي ، فقال : " ما يبكيك ؟ " قلت : سمعتك تقول لأصحابك ما قلت ، فمنعت العمرة . قال : " وما شأنك ؟ " قلت : لا أصلي . قال : " فلا يضرك أنت من بنات آدم كتب عليك ما كتب عليهن ، فكوني في حجتك عسى الله أن يرزقكها " قالت : فكنت حتى نفرنا من منى فنزلنا المحصب ، فدعا عبد الرحمن فقال : " اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم افرغا من طوافكما أنتظركما هاهنا " فأتينا في جوف الليل ، فقال : " فرغتما ؟ " قلت : نعم ، فنادى بالرحيل في أصحابه فارتحل الناس ، ومن طاف بالبيت قبل صلاة الصبح ، ثم خرج موجها إلى المدينة .


وقال الحافظ : قوله : ( باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع ) أورد فيه حديث عائشة في عمرتها من التنعيم ، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن : صحيح البخاري الحج (1485),صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (934),سنن النسائي مناسك الحج (2763),سنن أبو داود المناسك (1778),سنن ابن ماجه المناسك (3000),مسند أحمد بن حنبل (6/273),موطأ مالك الحج (940),سنن الدارمي المناسك (1904). اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم افرغا من طوافكما . . الحديث . قال ابن بطال : ( لا خلاف بين العلماء أن المعتمر إذا طاف فخرج إلى بلده أنه يجزئه من طواف الوداع كما فعلت عائشة ) انتهى .
وكأن البخاري لما لم يكن في حديث عائشة التصريح بأنها ما طافت
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 415)
للوداع بعد طواف العمرة لم يبت الحكم في الترجمة ، وأيضا فإن قياس من يقول : إن إحدى العبادتين لا تندرج في الأخرى أن يقول بمثل ذلك هنا ، ويستفاد من قصة عائشة أن السعي إذا وقع بعد طواف الركن - إن قلنا : إن طواف الركن يغني عن طواف الوداع - أن تخلل السعي بين الطواف والخروج لا يقطع إجزاء الطواف المذكور عن الركن والوداع معا .


قوله في الحديث : صحيح البخاري الحج (1485),صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (934),سنن النسائي مناسك الحج (2763),سنن أبو داود المناسك (1782),سنن ابن ماجه المناسك (2963),مسند أحمد بن حنبل (6/273),سنن الدارمي المناسك (1862). فنزلنا بسرف في رواية أبي ذر وأبي الوقت ( سرف ) بحذف الباء ، وكذا لمسلم من طريق إسحاق بن عيسى بن الطباع عن أفلح قوله لأصحابه : صحيح البخاري الحج (1623),صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (934),سنن النسائي مناسك الحج (2763),سنن أبو داود المناسك (1782),سنن ابن ماجه المناسك (2963),مسند أحمد بن حنبل (6/266),سنن الدارمي المناسك (1862). من لم يكن معه هدي ظاهره أن أمره صلى الله عليه وسلم لأصحابه بفسخ الحج إلى العمرة كان بسرف قبل دخولهم مكة ، والمعروف في غير هذه الرواية أن قوله لهم ذلك بعد دخول مكة ، ويحتمل التعدد .
قوله : صحيح البخاري الحج (1485),صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (934),سنن النسائي مناسك الحج (2763),سنن أبو داود المناسك (1782),سنن ابن ماجه المناسك (2963),مسند أحمد بن حنبل (6/273),سنن الدارمي المناسك (1862). قلت : لا أصلي كنت بذلك عن الحيض وهي من لطيف الكنايات .
قوله : صحيح البخاري الحج (1696). كتب عليك كذا للأكثر على البناء لما لم يسم فاعله ، ولأبي ذر : صحيح البخاري الحج (1696). كتب الله عليك ، وكذا لمسلم .
قوله : صحيح البخاري الحج (1485),صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (934),سنن النسائي مناسك الحج (2763),سنن أبو داود المناسك (1782),سنن ابن ماجه المناسك (2963),مسند أحمد بن حنبل (6/273),سنن الدارمي المناسك (1862). فكوني في حجتك ، وفي رواية أبي ذر : سنن أبو داود المناسك (1989). في حجك ، وكذا لمسلم .


قوله : صحيح البخاري الحج (1696),صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (934),سنن النسائي مناسك الحج (2763),سنن أبو داود المناسك (1782),سنن ابن ماجه المناسك (2963),مسند أحمد بن حنبل (6/273),سنن الدارمي المناسك (1862). حتى نفرنا من منى فنزلنا المحصب في هذا السياق اختصار بينته رواية مسلم بلفظ : صحيح البخاري الحج (1561),صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (934),سنن النسائي مناسك الحج (2763),سنن أبو داود المناسك (1778),سنن ابن ماجه المناسك (3000),مسند أحمد بن حنبل (6/273),موطأ مالك الحج (940),سنن الدارمي المناسك (1904). حتى نزلنا منى فتطهرت ثم طفت بالبيت فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم المحصب .
قوله : ( فدعا عبد الرحمن ) ، وفي رواية مسلم : ( عبد الرحمن بن أبي بكر ) .
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 416)
قوله : صحيح البخاري الحج (1485),صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (934),سنن النسائي مناسك الحج (2763),سنن أبو داود المناسك (1778),سنن ابن ماجه المناسك (3000),مسند أحمد بن حنبل (6/273),موطأ مالك الحج (940),سنن الدارمي المناسك (1904). اخرج بأختك الحرم ، في رواية الكشميهني : " من الحرم " وهي أوضح ، وكذا لمسلم .


قوله : صحيح البخاري الحج (1696),صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (934),سنن النسائي مناسك الحج (2763),سنن أبو داود المناسك (1782),سنن ابن ماجه المناسك (2963),مسند أحمد بن حنبل (6/273),سنن الدارمي المناسك (1862). فأتينا في جوف الليل في رواية الإسماعيلي : صحيح البخاري الحج (1625),سنن النسائي صلاة العيدين (1589),سنن أبو داود الضحايا (2811),سنن ابن ماجه الأضاحي (3161),مسند أحمد بن حنبل (2/152). من آخر الليل وهي أوفق لبقية الروايات ، وظاهرها أنها أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم قبل أبواب أنها قالت : ( صحيح البخاري الحج (1486),صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (934),سنن النسائي مناسك الحج (2763),سنن أبو داود المناسك (1782),سنن ابن ماجه المناسك (2963),مسند أحمد بن حنبل (6/273),سنن الدارمي المناسك (1862). فلقيته وأنا منهبطة وهو مصعد ) [ فتح الباري ] ( 3 / 612 ) . .
ب - وقال مسلم رحمه الله :
حدثنا سعيد بن منصور ، وزهير بن حرب قالا : حدثنا سفيان ، عن سليمان الأحول ، عن طاوس عن ابن عباس قال : كان الناس ينصرفون في كل وجه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت . قال زهير : ( ينصرفون كل وجه ) . ولم يقل : ( في ) .


حدثنا سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة : ( واللفظ لسعيد ) ، قالا : حدثنا سفيان عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1328),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض . حدثني محمد بن حاتم ، حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج ، أخبرني الحسن بن مسلم عن طاوس ، قال : ( كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت : تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت ؟ ) فقال له ابن عباس : إما لا ، فسل فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك وهو يقول : ( ما أراك إلا قد صدقت ) .
حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ليث ( ح ) ، وحدثنا محمد بن رمح ، حدثنا
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 417)
الليث عن ابن شهاب عن أبي سلمة وعروة أن عائشة قالت : حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت ، قالت عائشة : فذكرت حيضتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري المغازي (4140),سنن أبو داود المناسك (2003),سنن ابن ماجه المناسك (3072),مسند أحمد بن حنبل (6/82),موطأ مالك الحج (822),سنن الدارمي المناسك (1917). أحابستنا هي ؟ " قالت : فقلت : يا رسول الله ، إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فلتنفر .


حدثني أبو الطاهر ، وحرملة بن يحيى ، وأحمد بن عيسى ، قال أحمد : حدثنا ، وقال الآخران : أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس عن ابن شهاب بهذا الإسناد ، قالت : ( طمثت صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بعد ما أفاضت طاهرا ) بمثل حديث الليث .
وحدثنا قتيبة ، يعني : ابن سعيد ، حدثنا ليث ( ح ) ، وحدثنا زهير بن حرب ، حدثنا سفيان ( ح ) ، وحدثني محمد بن المثنى ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا أيوب ، كلهم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة : ( أنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن صفية قد حاضت ) ، بمعنى حديث الزهري ، وحدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب ، حدثنا أفلح عن القاسم بن محمد عن عائشة ، قالت : صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (943),سنن النسائي الحيض والاستحاضة (391),سنن أبو داود المناسك (2003),سنن ابن ماجه المناسك (3072),موطأ مالك الحج (945),سنن الدارمي المناسك (1917). كنا نتخوف أن تحيض صفية قبل أن تفيض ، فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أحابستنا صفية ؟ " قلنا : قد أفاضت ، قال : فلا إذن .
حدثنا يحيى بن يحيى ، قال : قرأت على مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أبيه ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (943),سنن النسائي الحيض والاستحاضة (391),سنن أبو داود المناسك (2003),سنن ابن ماجه المناسك (3072),موطأ مالك الحج (945),سنن الدارمي المناسك (1917). يا رسول الله ، إن صفية بنت حيي قد حاضت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعلها تحبسنا ، ألم تكن قد طافت معكن بالبيت ؟ ! " قالوا : بلى :
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 418)
قال : فاخرجن .


حدثني الحكم بن موسى ، حدثني يحيى بن حمزة ، عن الأوزاعي - لعله قال - عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أبي سلمة ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (943),سنن النسائي الحيض والاستحاضة (391),سنن أبو داود المناسك (2003),سنن ابن ماجه المناسك (3072),موطأ مالك الحج (945),سنن الدارمي المناسك (1917). وإنها لحابستنا ، فقالوا : يا رسول الله إنها قد زارت يوم النحر ، قال : " فلتنفر معكم .
حدثنا محمد بن المثنى ، وابن بشار قالا : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ( ح ) ، وحدثنا عبيد الله بن معاذ - واللفظ له - حدثنا أبي ، حدثنا شعبة عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (943),سنن النسائي الحيض والاستحاضة (391),سنن أبو داود المناسك (2003),سنن ابن ماجه المناسك (3072),موطأ مالك الحج (945),سنن الدارمي المناسك (1917). لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفر إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة ، فقال : " عقرى حلقى ، إنك لحابستنا " ثم قال لها : " أكنت أفضت يوم النحر ؟ " قالت : نعم . قال : " فانفري .
وحدثنا يحيى بن يحيى ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو كريب ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ( ح ) ، حدثنا زهير بن حرب ، حدثنا جرير ، عن منصور - جميعا - عن إبراهيم عن الأسود ، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث الحكم غير أنهما لا يذكران ( كئيبة حزينة ) .
قال النووي رحمه الله [ صحيح مسلم بشرح النووي ] ( 9 / 78 - 82 ) . :
( باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض ) .


قوله صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت فيه دلالة لمن قال بوجوب طواف الوداع ، وأنه إذا تركه لزمه دم وهو الصحيح في
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 419)
مذهبنا ، وبه قال أكثر العلماء منهم الحسن البصري والحكم وحماد والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وقال مالك وداود وابن المنذر : هو سنة لا شيء في تركه ، وعن مجاهد روايتان كالمذهبين .
قوله : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1328),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض هذا دليل لوجوب طواف الوداع على غير الحائض وسقوطه عنها ، ولا يلزمها دم بتركه ، هذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والعلماء كافة ، إلا ما حكاه ابن المنذر عن عمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهم أنهم أمروها بالمقام لطواف الوداع ، دليل الجمهور هذا الحديث وحديث صفية المذكور بعده .


قوله : ( فقال ابن عباس : إما لا فسل فلانة الأنصارية ) هو بكسر الهمزة وفتح اللام وبالإمالة الخفيفة هذا هو الصواب المشهور ، وقال القاضي : ضبطه الطبري والأصيلي ( أما لي ) بكسر اللام ، قال : والمعروف من كلام العرب فتحها إلا أن تكون على لغة من يميل ، قال المازري : قال ابن الأنباري : قولهم : افعل هذا إما لا فمعناه افعله إن كنت لا تفعل غيره فدخلت ما زائدة لأن ، كما قال الله تعالى : سورة مريم الآية 26 فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فاكتفوا بـ ( لا ) عن الفعل ، كما تقول العرب : ( إن زارك فزره وإلا فلا ) ، هذا ما ذكره القاضي ، وقال ابن الأثير في [ نهاية الغريب ] : ( أصل هذه الكلمة إن وما فأدغمت النون في الميم وما زائدة في اللفظ لا حكم لها ، وقد أمالت العرب ( لا ) إمالة خفيفة - قال - والعوام يشبعون إمالتها فتصير ألفها ياء ،
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 420)
وهو خطأ ومعناه إن لم تفعل هذا فليكن هذا ) والله أعلم .
قولها : ( صفية بنت حيي ) بضم الحاء وكسرها ، الضم أشهر ، وفي حديثها دليل لسقوط طواف الوداع عن الحائض ، وأن طواف الإفاضة ركن لا بد منه ، وأنه لا يسقط عن الحائض ولا غيرها ، وأن الحائض تقيم له حتى تطهر ، فإن ذهبت إلى وطنها قبل طواف الإفاضة بقيت محرمة ، وقد سبق حديث صفية هذا وبيان إحرامه وضبطه ومعناه وفقهه في أوائل كتاب الحج في باب ( بيان وجوه الإحرام بالحج ) .
قوله : ( حدثني الحكم بن موسى حدثنا يحيى بن حمزة عن الأوزاعي لعله قال عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن عائشة ) هكذا وقع في معظم النسخ ، وكذا نقله القاضي عن معظم النسخ ، قال : وسقط عند الطبري .


قوله : ( لعله ) قال عن يحيى بن أبي كثير ، قال : وسقط لعله ، قال : فقط لابن الحذاء ، قال القاضي : وأظن أن الاسم كله سقط من كتب بعضهم أو شك فيه فألحقه على المحفوظ الصواب ونبه على إلحاقه بقوله : لعله . قوله : ( قالوا : يا رسول الله ، إنها قد زارت يوم النحر ) فيه دليل لمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأهل العراق أنه لا يكره أن يقال لطواف الإفاضة طواف الزيارة ، وقال مالك : يكره ، وليس للكراهة حجة تعتمد . قولها : ( تنفر ) بكسر الفاء وضمها ، الكسر أفصح ، وبه جاء القرآن . والله أعلم .
ج - قال الزيلعي رحمه الله [ نصب الراية ] ( 3 / 123 ) . :
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 421)
الحديث الحادي عشر : روي أنه عليه السلام رخص للنساء الحيض في ترك طواف الصدر ، قلت : أخرج البخاري ومسلم عن طاوس عن ابن عباس قال : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1328),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض ، وأخرج البخاري في الحيض عن ابن عباس قال : صحيح البخاري الحج (1672),صحيح مسلم الحج (1328),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1933). رخص للحائض أن تنفر بعد الإفاضة . قال : وكان ابن عمر يقول أولا : أنها لا تنفر ، ثم رجع . وقال : ( تنفر ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لهن ) . انتهى .
وأخرج الترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : صحيح البخاري الحج (1672),صحيح مسلم الحج (1328),سنن الترمذي الحج (944),مسند أحمد بن حنبل (2/101),سنن الدارمي المناسك (1934). من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت إلا الحيض ورخص لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى . وقال : حديث حسن صحيح ، ورواه الحاكم في [ المستدرك ] ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . انتهى .


د - قال الترمذي رحمه الله [ تحفة الأحوذي ] ( 4 / 20 ، 21 ) . :
( باب ما جاء أن مكث المهاجر بمكة بعد الصدر ثلاثا ) . حدثنا أحمد بن منيع ، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد ، سمعت السائب بن يزيد ، عن العلاء بن الحضرمي - يعني : مرفوعا - قال : صحيح البخاري المناقب (3718),صحيح مسلم الحج (1352),سنن الترمذي الحج (949),سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1454),سنن أبو داود المناسك (2022),سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1073),مسند أحمد بن حنبل (5/52),سنن الدارمي الصلاة (1512). يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثا . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وقد روي من غير هذا .
قال صاحب [ تحفة الأحوذي ] : باب ما جاء أن مكث المهاجر بعد الصدر ثلاثا ، قال في [ النهاية ] : ( الصدر بالتحريك رجوع المسافر من
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 422)
مقصد ، والشاربة من الورد ، يقال : أصدر يصدر صدورا وصدرا . انتهى . وقال في [ المجمع ] : ( أي : بعد الرجوع من منى وكان إقامة المهاجر بمكة حراما ثم أبيح بعد قضاء النسك ثلاثة أيام ) . انتهى .
قوله : ( يمكث ) بضم الكاف من باب نصر ينصر ، أي : يقيم ( المهاجر بعد قضاء نسكه ) أي : بعد رجوعه من منى ، كما قال في الرواية الأخرى : بعد الصدر ، أي : الصدر من منى ، قال النووي : ( بمكة ثلاثا ) أي : يجوز له مكث هذه المدة لقضاء حوائجه ، ولا يجوز له الزيادة عليها ، لأنها بلدة تركها لله تعالى فلا يقيم فيها أكثر من هذه المدة ؛ لأنه يشبه العود إلى ما تركه لله تعالى .
قال النووي : ( معنى الحديث : أن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم عليهم استيطان مكة والإقامة بها ، ثم أبيح لهم إذا وصلوها بحج أو عمرة أو غيرهما أن يقيموا بعد فراغهم ثلاثة أيام ولا يزيدوا على الثلاثة ) . انتهى .


قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) ، وأخرجه البخاري في الهجرة ، ومسلم في الحج ، وأبو داود أيضا في الحج ، وأخرجه النسائي أيضا في الحج وفي الصلاة ، وابن ماجه في الصلاة ( وقد روي من غير هذا الوجه بهذا الإسناد مرفوعا ) إن شئت الوقوف على ذلك فارجع إلى [ الصحيحين ] والسنن وقد ذكرنا مواقع الحديث فيها .
هـ - قال الشوكاني رحمه الله [ نيل الأوطار ] ( 5 / 170 - 172 ) . :
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 423)
عن ابن عباس قال : كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : صحيح البخاري الحج (1668),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (1/222),سنن الدارمي المناسك (1932). لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه ، وفي رواية : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1328),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض متفق عليه ، وعن ابن عباس : صحيح مسلم الحج (1328),مسند أحمد بن حنبل (1/370). أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت في الإفاضة رواه أحمد ، وعن عائشة قالت : صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (943),سنن النسائي الحيض والاستحاضة (391),سنن أبو داود المناسك (2003),سنن ابن ماجه المناسك (3072),موطأ مالك الحج (945),سنن الدارمي المناسك (1917). حاضت صفية بنت حيي بعد ما أفاضت ، قالت : فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : " أحابستنا هي ؟ " قلت : يا رسول الله ، إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة ، قال : " فلتنفر إذن متفق عليه .


قوله : " لا ينفر أحد . . . " إلخ . فيه دليل على وجوب طواف الوداع ، قال النووي : وهو قول أكثر العلماء ، ويلزم بتركه دم ، وقال مالك وداود وابن المنذر : هو سنة لا شيء في تركه ، قال الحافظ : والذي رأيته لابن المنذر في [ الأوسط ] أنه واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء . انتهى ، وقد اجتمع في طواف الوداع أمره صلى الله عليه وآله وسلم به ونهيه عن تركه ، وفعله الذي هو بيان للمجمل الواجب ، ولا شك أن ذلك يفيد الوجوب . قوله : ( أمر الناس ) بالبناء على ما لم يسم فاعله ، وكذا قوله : ( خفف ) .
قوله : " إذا كانت قد طافت طواف الإفاضة " . قال ابن المنذر : قال عامة الفقهاء بالأمصار : ليس على الحائض التي أفاضت طواف وداع ، وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا كانت
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 424)


حائضا لطوافي الوداع ، فكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها ، قال : وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك ، وبقي عمر فخالفناه ؛ لثبوت حديث عائشة ، وروى ابن أبي شيبة من طريق القاسم بن محمد : ( كان الصحابة يقولون : إذا أفاضت قبل أن تحيض فقد فرغت ، إلا عمر ) . وقد روى أحمد وأبو داود والنسائي والطحاوي عن عمر أنه قال : سنن الترمذي الحج (946),سنن أبو داود المناسك (2004),مسند أحمد بن حنبل (3/416). ليكن آخر عهدها بالبيت . وفي رواية كذلك : حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واستدل الطحاوي بحديث عائشة على نسخ حديث عمر في حق الحائض ، وكذلك استدل على نسخه بحديث أم سليم عند أبي داود الطيالسي أنها قالت : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1328),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1934). حضت بعد ما طفت بالبيت فأمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أنفر ، وحاضت صفية فقالت لها عائشة : حبستنا ، فأمرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تنفر ورواه سعيد بن منصور في كتاب المناسك ، وإسحاق في مسنده ، والطحاوي ، وأصله في البخاري ، ويؤيد ذلك ما أخرجه النسائي ، والترمذي ، وصححه الحاكم ، عن ابن عمر قال : صحيح البخاري الحج (1672),صحيح مسلم الحج (1328),سنن الترمذي الحج (944),مسند أحمد بن حنبل (2/101),سنن الدارمي المناسك (1934). من حج فليكن آخر عهده البيت إلا الحيض رخص لهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .


قوله : " فلتنفر إذن " أي : فلا حبس علينا حينئذ ، لأنها قد أفاضت فلا مانع من التوجه والذي يجب عليها قد فعلته ، وفي رواية للبخاري : " فلا بأس انفري " ، وفي رواية له : " اخرجي " ، وفي رواية : " فلتنفر " . ومعانيها متقاربة ، والمراد بها الرحيل من منى إلى جهة المدينة ، واستدل بقوله : " أحابستنا " على أن أمير الحاج يلزمه أن يؤخر الرحيل لأجل من تحيض
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 425)
ممن لم تطف للإفاضة ، وتعقب باحتمال أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم أراد بتأخير الرحيل إكرام صفية كما احتبس بالناس على عقد عائشة ، وأما ما أخرجه البزار من حديث جابر ، والثقفي في فوائده من حديث أبي هريرة مرفوعا : أميران وليسا بأميرين : من تبع جنازة فليس له أن ينصرف حتى تدفن أو يأذن أهلها ، والمرأة تحج أو تعتمر مع قوم فتحيض قبل طواف الركن فليس لهم أن ينصرفوا حتى تطهر أو تأذن لهم ففي إسناد كل واحد منها ضعيف شديد الضعف كما قال الحافظ .


2 - النقول من كتب الفقهاء :
أ - الحنفية :
قال صاحب [ المبسوط ] [ المبسوط ] ( 4 / 34 ، 35 ) . :
الثالث : طواف الصدر : وهو واجب عندنا ، سنة عند الشافعي رحمه الله تعالى ، قال : لأنه بمنزلة طواف القدوم ألا ترى أن كل واحد منها يأتي به الآفاقي دون المكي ، وما يكون من واجبات الحج فالآفاقي والمكي فيه سواء . ( ولنا ) في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الحج (1672),صحيح مسلم الحج (1328),سنن الترمذي الحج (944),مسند أحمد بن حنبل (2/101),سنن الدارمي المناسك (1934). من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف ورخص للنساء الحيض ، والأمر دليل الوجوب ، وتخصيص الحائض برخصة الترك دليل على الوجوب أيضا ، وكما أن طواف الزيارة لتمام التحلل من إحرام الحج ، فطواف الصدر لانتهاء المقام بمكة فيكون واجبا على من ينتهي مقامه بها ، وهو الآفاقي أيضا الذي يرجع إلى أهله دون المكي الذي لا يرجع إلى موضع آخر ، ويسمى هذا : طواف
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 426)
الوداع ، فإنما يجب على من يودع البيت دون من لا يودعه .


فأما الطواف الرابع : فهو طواف العمرة : وهو الركن في العمرة ، وليس في العمرة طواف الصدر ولا طواف القدوم ، أما طواف القدوم فلأنه كما وصل إلى البيت يتمكن من أداء الطواف الذي هو ركن في هذا النسك - فلا يشتغل بغيره بخلاف الحج ، فإنه عند القدوم لا يتمكن من الطواف الذي هو ركن الحج فيأتي بالطواف المسنون إلى أن يجيء وقت الطواف الذي هو ركن ، وأما طواف الصدر فقد قال الحسن رحمه الله تعالى في العمرة : طواف الصدر أيضا في حق من قدم معتمرا إذا أراد الرجوع إلى أهله كما في الحج ، ولكنا نقول : إن معظم الركن في العمرة الطواف وما هو معظم الركن في النسك لا يتكرر عند الصدر ، كالوقوف في الحج ؛ لأن الشيء الواحد لا يجوز أن يكون معظم الركن في نسك ، وهو بعينه غير ركن في ذلك النسك ، ولأن ما هو معظم الركن مقصود ، وطواف الصدر تبع يجب لقصد توديع البيت والشيء الواحد لا يكون مقصودا وتبعا .
وقال صاحب [ بدائع الصنائع ] [ بدائع الصنائع ] ( 2 / 142 ، 143 ) . :
( فصل ) : وأما طواف الصدر : فالكلام فيه يقع في مواضع ، في بيان وجوبه ، وفي بيان شرائطه ، وفي بيان قدره وكيفيته ، وما يسن له أن يفعله بعد فراغه منه ، وفي بيان وقته ، وفي بيان مكانه وحكمه إذا نفر ولم يطف .
أما الأول : فطواف الصدر واجب عندنا ، وقال الشافعي : سنة ، وجه قوله مبني على أنه لا يفرق بين الفرض والواجب ، وليس بفرض بالإجماع
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 427)


فلا يكون واجبا لكنه لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه على المواظبة ، وأنه دليل السنة ، ثم دليل عدم الوجوب أنا أجمعنا على أنه لا يجب على الحائض والنفساء ، ولو كان واجبا لوجب عليهما ، كطواف الزيارة ، ونحن نفرق بين الفرض والواجب على ما عرف ، ودليل الوجوب ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : صحيح البخاري الحج (1672),صحيح مسلم الحج (1328),سنن الترمذي الحج (944),مسند أحمد بن حنبل (2/101),سنن الدارمي المناسك (1934). من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف ومطلق الأمر لوجوب العمل ، إلا أن الحائض خصت عن هذا العموم بدليل ، وهو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للنساء الحيض ترك طواف الصدر لعذر الحيض ولم يأمرهن بإقامة شيء آخر مقامه وهو الدم ، وهذا أصل عندنا في كل نسك جاز تركه لعذر أنه لا يجب بتركه من المعذور كفارة . والله أعلم .
( فصل ) : وأما شرائطه : فبعضها شرائط الوجوب ، وبعضها شرائط الجواز . أما شرائط الوجوب فمنها : أن يكون من أهل الآفاق فليس على أهل مكة ، ولا من كان منزله داخل المواقيت إلى مكة طواف الصدر إذا حجوا ؛ لأن هذا الطواف إنما وجب توديعا للبيت ، ولهذا يسمى : طواف الوداع ، ويسمى طواف الصدر لوجوده عند صدور الحجاج ورجوعهم إلى وطنهم ، وهذا لا يوجد في أهل مكة ؛ لأنهم في وطنهم ، وأهل داخل المواقيت في حكم أهل مكة فلا يجب عليهم كما لا يجب على أهل مكة ، وقال أبو يوسف : أحب إلي أن يطوف المكي طواف الصدر ؛ لأنه وضع لختم أفعال الحج ، وهذا المعنى يوجد في أهل مكة ، ولو نوى الآفاقي الإقامة بمكة أبدا بأن توطن بها واتخذها دارا فهذا لا يخلو من أحد وجهين : إما أن نوى الإقامة بها قبل أن يحل النفر الأول ، وإما أن نوى بعدما حل النفر الأول ، فإن نوى الإقامة قبل أن يحل النفر الأول سقط عنه طواف الصدر ،
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 428)


أي : لا يجب عليه بالإجماع ، وإن نوى بعدما حل النفر الأول لا يسقط ، وعليه طواف الصدر في قول أبي حنيفة ، وقال أبو يوسف : يسقط عنه إلا إذا كان شرع فيه ، ووجه قوله : إنه لما نوى الإقامة صار كواحد من أهل مكة ، وليس على أهل مكة طواف الصدر ، إلا إذا شرع فيه ؛ لأنه وجب عليه بالشروع فلا يجوز له تركه ، بل يجب عليه المضي فيه ، ووجه قول أبي حنيفة : أنه إذا حل له النفر فقد وجب عليه الطواف لدخول وقته ، إلا أنه مرتب على طواف الزيارة ، كالوتر مع العشاء ، فنية الإقامة بعد ذلك لا تعمل ، كما إذا نوى الإقامة بعد خروج وقت الصلاة . ومنها : الطهارة من الحيض والنفاس ، فلا يجب على الحائض والنفساء حتى لا يجب عليهما الدم بالترك ، لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للحيض ترك هذا الطواف لا إلى بدل ، فدل أنه غير واجب عليهن ، إذ لو كان واجبا لما جاز تركه إلا إلى بدل وهو الدم ، فأما الطهارة عن الحدث والجنابة فليست بشرط للوجوب ، ويجب على المحدث والجنب ؛ لأنه يمكنهما إزالة الحدث والجنابة فلم يكن ذلك عذرا . والله أعلم .
( فصل ) : وأما شرائط جوازه ، فمنها : النية ، لأنه عبادة فلا بد له من النية ، فأما تعيين النية فليس شرطا حتى لو طاف بعد طواف الزيارة لا يعين شيئا ، أو نوى تطوعا كان للصدر ؛ لأن الوقت تعين له فتنصرف مطلق النية إليه ، كما في صوم رمضان ، ومنها : أن يكون بعد طواف الزيارة حتى إذا نفر في النفر الأول فطاف طوافا لا ينوي شيئا ، أو نوى تطوعا ، أو الصدر يقع عن الزيارة لا عن الصدر ؛ لأن الوقت له طواف ، وطواف الصدر مرتب عليه فأما النفر على فور الطواف فليس من شرائط جوازه حتى لو طاف
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 429)


الصدر ثم تشاغل بمكة بعده لا يجب عليه طواف آخر ، فإن قيل : أليس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صحيح البخاري الحج (1672),صحيح مسلم الحج (1328),سنن الترمذي الحج (944),مسند أحمد بن حنبل (2/101),سنن الدارمي المناسك (1934). من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف ، فقد أمر أن يكون آخر عهده الطواف بالبيت ، ولما تشاغل بعده لم يقع الطواف آخر عهده به ، فيجب أن لا يجوزان إذ لم يأت بالمأمور به ، فالجواب : أن المراد منه آخر عهده بالبيت نسكا لا إقامة ، والطواف آخر مناسكه بالبيت وإن تشاغل بغيره ، وروي عن أبي حنيفة أنه قال : إذا طاف للصدر ثم أقام إلى العشاء فأحب إلي أن يطوف طوافا آخر لئلا يحول بين طوافه وبين نفره حائل ، وكذا الطهارة عن الحدث والجنابة ليست بشرط لجوازه ، فيجوز طوافه إذا كان محدثا أو جنبا ويعتد به ، والأفضل : أن يعيد طاهرا ، فإن لم يعد جاز وعليه شاة إن كان جنبا ؛ لأن النقص كثير فيجبر بالشاة ، كما لو ترك أكثر الأشواط ، وإن كان محدثا ففيه روايتان عن أبي حنيفة : في رواية : عليه صدقة وهي الرواية الصحيحة ، وهو قول أبي يوسف ومحمد ؛ لأن النقص يسير فصار كشوط أو شوطين ، وفي رواية عليه شاة ؛ لأنه طواف واجب فأشبه طواف الزيارة ، وكذا ستر عورته ليس بشرط للجواز حتى لو طاف مكشوف العورة قدر ما لا تجوز به الصلاة جاز ، ولكن يجب عليه الدم ، وكذا الطهارة عن النجاسة إلا أنه يكره ولا شيء عليه ، والفرق ما ذكرنا في طواف الزيارة . والله أعلم .
( فصل ) وأما قدره وكيفيته فمثل سائر الأطوفة ، ونذكر السنن التي تتعلق به في بيان سنن الحج إن شاء الله تعالى .
( فصل ) : وأما وقته فقد روي عن أبي حنيفة أنه قال : ينبغي للإنسان إذا أراد السفر أن يطوف طواف الصدر حين يريد أن ينفر ، وهذا بيان الوقت
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 430)


المستحب لا بيان أصل الوقت ، ويجوز في أيام النحر وبعدها ويكون أداء لا قضاء ، حتى لو طاف طواف الصدر ثم أطال الإقامة بمكة ولم ينو الإقامة بها ولم يتخذها دارا - جاز طوافه وإن أقام سنة بعد الطواف ، إلا أن الأصل أن يكون طوافه عند الصدر ؛ لما قلنا ، ولا يلزمه شيء بالتأخير عن أيام النحر بالإجماع .
( فصل ) : وأما مكانه فحول البيت لا يجوز إلا به ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الحج (1672),صحيح مسلم الحج (1328),سنن الترمذي الحج (944),مسند أحمد بن حنبل (2/101),سنن الدارمي المناسك (1934). من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف والطواف بالبيت هو : الطواف حوله ، فإن نفر ولم يطف ، يجب عليه أن يرجع ويطوف ما لم يجاوز الميقات ، لأنه ترك طوافا واجبا ، وأمكنه أن يأتي به من غير الحاجة إلى تجديد الإحرام ، فيجب عليه أن يرجع ويأتي به ، وإن جاوز الميقات لا يجب عليه الرجوع ، لأنه لا يمكنه الرجوع إلا بالتزام عمرة بالتزام إحرامها ، ثم إذا أراد أن يمضي مضى وعليه دم ، وإن أراد أن يرجع أحرم بعمرة ثم رجع ، وإذا رجع يبتدئ بطواف العمرة ثم بطواف الصدر ولا شيء عليه لتأخيره عن مكانه . وقالوا : الأولى أن لا يرجع ويريق دما مكان الطواف ؛ لأن هذا أنفع للفقراء وأيسر عليه ، لما فيه من دفع مشقة السفر وضرر التزام الإحرام . والله أعلم . اهـ .


ب - فقهاء المالكية :
قال ابن رشد رحمه الله [ بداية المجتهد ] ( 1 / 273 ) . :
القول في أعداده وأحكامه :
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 431)
وأما أعداده : فإن العلماء أجمعوا على أن الطواف ثلاثة أنواع : طواف القدوم على مكة ، وطواف الإفاضة بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر ، وطواف الوداع ، وأجمعوا على أن الواجب منها الذي يفوت الحج بفواته هو طواف الإفاضة ، وأنه المعني بقوله تعالى : سورة الحج الآية 29 ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ وأنه لا يجزئ عنه دم ، وجمهورهم على : أنه لا يجزئ طواف القدوم على مكة عن طواف الإفاضة إذا نسي طواف الإفاضة ؛ لكونه قبل يوم النحر ، وقالت طائفة من أصحاب مالك : إن طواف القدوم يجزئ عن طواف الإفاضة ، كأنهم رأوا أن الواجب إنما هو طواف واحد ، وجمهور العلماء على أن طواف الوداع يجزئ عن طواف الإفاضة بخلاف طواف القدوم الذي هو قبل وقت طواف الإفاضة ، وأجمعوا فيما حكاه أبو عمر بن عبد البر : أن طواف القدوم والوداع من سنة الحاج إلا لخائف فوات الحج فإنه يجزئ عنه طواف الإفاضة ، واستحب جماعة من العلماء لمن عرض له هذا أن يرمل في الأشواط الثلاثة من طواف الإفاضة على سنة طواف القدوم من الرمل ، وأجمعوا على أن المكي ليس عليه إلا طواف الإفاضة ، كما أجمعوا على أنه ليس على المعتمر إلا طواف القدوم ، وأجمعوا أن من تمتع بالعمرة إلى الحج أن عليه طوافين ، طواف للعمرة لحله منها ، وطواف للحج يوم النحر على ما في حديث عائشة المشهور ، وأما المفرد فليس عليه إلا طواف واحد كما قلنا يوم النحر ، واختلفوا في القارن : فقال مالك
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 432)


والشافعي وأحمد وأبو ثور : يجزئ القارن طواف واحد وسعي واحد ، وهو مذهب عبد الله بن عمر وجابر ، وعمدتهم حديث عائشة المتقدم ، وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وابن أبي ليلى : على القارن طوافان وسعيان ، ورووا هذا عن علي وابن مسعود ؛ لأنهما نسكان من شرط كل واحد منهما إذا انفرد طوافه وسعيه ، فوجب أن يكون الأمر كذلك إذا اجتمعا .
وقال الدسوقي [ حاشية الدسوقي ] ( 2 / 47 ) . رحمه الله :
حاصل المسألة : أن الخارج إلى مكة إذا قصد التردد لها فلا وداع عليه مطلقا وصل للميقات أم لا ، وإن قصد مسكنه أو الإقامة طويلا فعليه الوداع مطلقا ، وإن خرج لاقتضاء دين أو زيارة أهل نظر ؛ فإن خرج لنحو أحد المواقيت ودع ، وإن خرج لدونها كالتنعيم فلا وداع ، هذا محصل كلام ( ح ) .
قوله : ( لا لقريب كالتنعيم والجعرانة ) أي : ما لم يخرج ليقيم فيه ؛ لكونه مسكنه ، أو ليقيم فيه طويلا وإلا طلب منه .
قوله : ( وإن صغيرا ) مبالغة في قوله وندب طواف الوداع إن خرج لكالجحفة ، أي : وإن كان ذلك الخارج صغيرا ، وظاهره ولو كان غير مميز فيفعله عنه وليه .
قوله : ( وتأدى . . إلخ ) الحاصل أن طواف الوداع ليس مقصودا لذاته ، بل يكون آخر عهده من البيت الطواف ، فلذلك يتأدى بطواف الإفاضة أو
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 433)
العمرة ، ولا يكون سعيه لها طولا حيث لم يقم عندها إقامة تقطع حكم التوديع ، والمراد بتأديه بهما : أنه لا يستحب لمن طاف للإفاضة أو للعمرة ، ثم خرج من فوره أن يطوف للوداع ، بل يسقط عنه الطلب بما ذكر ، ويحصل له فضل الوداع إن نواه بما ذكر ، قياسا على تحية المسجد .


ج - فقهاء الشافعية :
قال النووي رحمه الله [ المجموع شرح المهذب ] ( 8 / 253 - 257 ) . :
قال المصنف رحمه الله : ( إذا فرغ من الحج وأراد المقام بمكة لم يكلف طواف الوداع ، فإن أراد الخروج طاف للوداع وصلى ركعتي الطواف ، وهل يجب طواف الوداع أم لا ؟ فيه قولان :
( أحدهما ) : أنه يجب ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت .
( والثاني ) : لا يجب ؛ لأنه لو وجب لم يجز للحائض تركه ، فإن قلنا : إنه واجب وجب بتركه الدم ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : من ترك نسكا فعليه دم . وإن قلنا : لا يجب ، لم يجب بتركه دم ؛ لأنه سنة فلا يجب بتركه دم ، كسائر سنن الحج ، وإن طاف للوداع ثم أقام لم يعتد بطوافه عن الوداع ؛ لأنه لا توديع مع المقام ، فإذا أراد أن يخرج أعاد طواف الوداع ، وإن طاف ثم صلى في طريقه أو اشترى زادا - لم يعد الطواف ؛ لأنه لا يصير بذلك مقيما ، وإن نسي الطواف وخرج ثم ذكره ( فإن قلنا ) : إنه واجب نظرت ، فإن كان من مكة على مسافة تقصر فيها الصلاة استقر عليه الدم ، فإن عاد
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 434)


وطاف لم يسقط الدم ؛ لأن الطواف الثاني للخروج الثاني فلا يجزئه عن الخروج الأول ، فإن ذكر ذلك وهو في مسافة لا تقصر فيها الصلاة فعاد وطاف سقط عنه الدم ؛ لأنه في حكم المقيم ، ويجوز للحائض أن تنفر بلا وداع ؛ لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : صحيح البخاري الحج (1668),صحيح مسلم الحج (1328),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1934). أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه قد خفف عن المرأة الحائض ، فإن نفرت الحائض ثم طهرت ، فإن كانت في بنيان مكة عادت وطافت وإن خرجت من البنيان لم يلزمها الطواف ) .
( الشرح ) حديث ابن عباس الأول : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده رواه مسلم ، وحديثه الآخر : ( أمر الناس . . ) إلى آخره ، رواه البخاري ومسلم ، وحديث : من ترك نسكا فعليه دم سبق بيانه في هذا الباب مرات .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (943),سنن النسائي الحيض والاستحاضة (391),سنن أبو داود المناسك (2003),سنن ابن ماجه المناسك (3072),موطأ مالك الحج (945),سنن الدارمي المناسك (1917). لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفر إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة فقال : " عقرى ، حلقى ، إنك لحابستنا " ثم قال لها : " أكنت أفضت يوم النحر ؟ " قالت : نعم . قال : " فانفري رواه البخاري ومسلم . والوداع بفتح الواو ، وتنفر بكسر الفاء .
أما الأحكام ففيها مسائل :


( إحداها ) : قال أصحابنا : من فرغ من مناسكه وأراد المقام بمكة ليس عليه طواف الوداع ، وهذا لا خلاف فيه سواء كان من أهلها أو غريبا ، وإن أراد الخروج من مكة إلى وطنه أو غيره طاف للوداع ولا رمل في هذا الطواف ولا اضطباع كما سبق ، وإذا طاف صلى ركعتي الطواف ، وفي هذا الطواف قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما : أصحهما : أنه
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 435)
واجب ، والثاني : سنة ، وحكي طريق آخر أنه سنة قولا واحدا ، حكاه الرافعي وهو ضعيف غريب . والمذهب : أنه واجب .
قال القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما هذا نصه في [ الأم ] والقديم ، والاستحباب هو نصه في الإملاء ، فإن تركه أراق دما ( فإن قلنا ) : سنة فالدم سنة ، ولو أراد الحاج الرجوع إلى بلده من منى لزمه دخول مكة لطواف الوداع إن قلنا هو واجب . والله أعلم .
( الثانية ) : إذا خرج بلا وداع وقلنا يجب طواف الوداع عصى ، ولزمه العود للطواف ما لم يبلغ مسافة القصر من مكة ، فإن بلغها لم يجب العود بعد ذلك ، ومتى لم يعد لزمه الدم ، فإن عاد قبل بلوغه مسافة القصر سقط عنه الدم ، وإن عاد بعد بلوغها فطريقان :
( أصحهما ) وبه قطع الجمهور : لا يسقط .
( والثاني ) : حكاه الخراسانيون وجهان : ( أصحهما ) : لا يسقط ، ( والثاني ) : يسقط .
( الثالثة ) : ليس على الحائض ولا على النفساء طواف وداع ولا دم عليها لتركه ؛ لأنها ليست مخاطبة به للحديث السابق ، لكن يستحب لها أن تقف على باب المسجد الحرام ، وتدعو بما سنذكره إن شاء الله تعالى .
ولو طهرت الحائض والنفساء فإن كان قبل مفارقة بناء مكة لزمها طواف الوداع ؛ لزوال عذرها ، وإن كان بعد مسافة القصر لم يلزمها العود بلا خلاف ، وإن كان بعد مفارقة مكة وقبل مسافة القصر فقد نص الشافعي : أنه لا يلزمها ، ونص أن المقصر بترك الطواف يلزمه العود . وللأصحاب طريقان : ( المذهب ) الفرق كما نص عليه وبه قطع المصنف والجمهور ؛


(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 436)
لأنه مقصر بخلاف الحائض .
( والطريق الثاني ) : حكاه الخراسانيون فيهما قولان : ( أحدهما ) : يلزمهما ، ( والثاني ) : لا يلزمهما . ( فإن قلنا ) : لا يجب العود فهل الاعتبار في المسافة بنفس مكة أم بالحرم ؟ فيه طريقان : المذهب وبه قطع المصنف والجمهور بنفس مكة ، والثاني : حكاه جماعة من الخراسانيين ، فيه وجهان أصحهما هذا ، والثاني الحرم ، وأما المستحاضة إذا نفرت في يوم حيضها فلا وداع عليها ، وإن نفرت في يوم طهرها لزمها طواف الوداع .
( الرابعة ) : ينبغي أن يقع طواف الوداع بعد جميع الأشغال ، ويعقبه الخروج بلا مكث ، فإن مكث نظر : إن كان لغير عذر أو لشغل غير أسباب الخروج كشراء متاع أو قضاء دين أو زيارة صديق أو عيادة مريض لزمه إعادة الطواف ، وإن اشتغل بأسباب الخروج كشراء الزاد وشد الرحل ونحوهما ، فهل يحتاج إلى إعادته ؟ فيه طريقان : قطع الجمهور بأنه لا يحتاج ، وذكر إمام الحرمين فيه وجهين ، ولو أقيمت الصلاة فصلاها معهم لم يعد الطواف ، نص عليه الشافعي في الإملاء ، واتفق عليه الأصحاب . والله أعلم .
( الخامسة ) : حكم طواف الوداع حكم سائر أنواع الطواف في الأركان والشروط ، وفيه وجه لأبي يعقوب الأيبوردي أنه يصح بلا طهارة وتجبر الطهارة بالدم ، وقد سبق بيان الوجه في فصل طواف القدوم ، وهو غلط ظاهر . والله تعالى أعلم .
( السادسة ) : هل طواف الوداع من جملة المناسك أم عبادة مستقلة ؟ فيه خلاف ، فقال إمام الحرمين والغزالي : هو من المناسك وليس على الحاج
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 437)


والمعتمر طواف وداع إذا خرج من مكة لخروجه ، وقال البغوي والمتولي وغيرهما : ليس طواف الوداع من المناسك ، بل هو عبادة مستقلة يؤمر بها كل من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر سواء كان مكيا أو آفاقيا ، وهذا الثاني أصح عند الرافعي وغيره من المحققين تعظيما للحرم وتشبيها لاقتضاء خروجه الوداع باقتضاء دخوله الإحرام ، قال الرافعي : ولأن الأصحاب اتفقوا على أن المكي إذا حج ونوى على أن يقيم بوطنه لا يؤمر بطواف الوداع ، وكذا الآفاقي إذا حج وأراد الإقامة بمكة لا وداع عليه ، ولو كان من جملة المناسك لعم الحجيج ، هذا كلام الرافعي ، ومما يستدل به من السنة لكونه ليس من المناسك ما ثبت في [ صحيح مسلم ] وغيره : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صحيح البخاري المناقب (3718),صحيح مسلم الحج (1352),سنن الترمذي الحج (949),سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1455),سنن أبو داود المناسك (2022),سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1073),مسند أحمد بن حنبل (5/52),سنن الدارمي الصلاة (1512). يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا وجه الدلالة أن طواف الوداع يكون عند الرجوع وسماه قبله قاضيا للمناسك ، وحقيقته أن يكون قضاها كلها . والله أعلم .
( فرع ) ذكرنا في هذه المسألة السادسة عن البغوي : أن طواف الوداع يتوجه على كل من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر ، قال : ولو أراد دون مسافة القصر لا وداع عليه ، والصحيح المشهور : أنه يتوجه على من أراد مسافة القصر ودونها سواء كانت مسافة بعيدة أم قريبة ؛ لعموم الأحاديث وممن صرح بهذا صاحب البيان وغيره .
( فرع ) قد ذكرنا أنه لا يجوز أن ينفر من منى ويترك طواف الوداع إذا قلنا بوجوبه ، فلو طاف يوم النحر للإفاضة وطاف بعده للوداع ، ثم أتى منى ثم أراد النفر منها في وقت النفر إلى وطنه واقتصر على طواف الوداع السابق فهل يجزئه ؟ قال صاحب البيان : اختلف أصحابنا المتأخرون فيه ، فقال


(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 438)
الشريف العثماني : يجزئه ؛ لأن طواف الوداع يراد لمفارقته البيت وهذا قد أرادها ، ومنهم من قال : لا يجزئه ، وهو ظاهر كلام الشافعي ، وظاهر الحديث ؛ لأن الشافعي قال : وليس على الحاج بعد فراغه من الرمي أيام منى إلا وداع البيت فيودع وينصرف إلى أهله ، هذا كلام صاحب البيان ، وهذا الثاني هو الصحيح وهو مقتضى كلام الأصحاب . والله أعلم .
( فرع ) قال صاحب البيان : قال الشيخ أبو نصر في المعتمد : ليس على المقيم بمكة الخارج إلى التنعيم وداع ولا دم عليه في تركه عندنا ، وقال سفيان الثوري : يلزمه الدم . دليلنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم ولم يأمرها عند ذهابها إلى التنعيم بوداع . والله أعلم .
( فرع ) إذا طاف للوداع وخرج من الحرم ، ثم أراد أن يعود إليه وقلنا : دخول الحرم يوجب الإحرام . قال الدارمي : يلزم الإحرام ؛ لأنه دخول جديد - قال - ولو رجع لطواف الوداع من دون مسافة القصر لم يلزمه الإحرام . والله أعلم .


د - فقهاء الحنابلة :
قال ابن قدامة رحمه الله [ المغني ] ( 3 / 458 - 462 ) . :
( مسألة ) قال : ( فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت ، يطوف به سبعا ويصلي ركعتين إذا فرغ من جميع أموره ، حتى يكون آخر عهده بالبيت ) .
وجملة ذلك : أن من أتى مكة لا يخلو إما أن يريد الإقامة بها ، أو
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 439)
الخروج منها ، فإن أقام بها فلا وداع عليه ؛ لأن الوداع من المفارق لا من الملازم ، سواء نوى الإقامة قبل النفر أو بعده ، وبهذا قال الشافعي ، وقال أبو حنيفة : إن نوى الإقامة بعد أن حل له النفر لم يسقط عنه الطواف ، ولا يصح ؛ لأنه غير مفارق فلا يلزمه وداع كمن نواها قبل حل النفر ، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت وهذا ليس بنافر ، فأما الخارج من مكة فليس له أن يخرج حتى يودع البيت بطواف سبع ، وهو واجب من تركه لزمه دم ، وبذلك قال الحسن والحكم وحماد والثوري وإسحاق وأبو ثور ، وقال الشافعي في قول له : لا يجب بتركه شيء ؛ لأنه يسقط عن الحائض ، فلم يكن واجبا كطواف القدوم ، ولأنه كتحية البيت أشبه طواف القدوم .


( ولنا ) ما روى ابن عباس قال : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1328),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض متفق عليه ، ولمسلم قال : كان الناس ينصرفون كل وجه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت . وليس في سقوطه عن المعذور ما يجوز سقوطه لغيره ، كالصلاة تسقط عن الحائض وتجب على غيرها ، بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها ، إذ لو كان ساقطا عن الكل لم يكن لتخصيصها بذلك معنى ، وإذا ثبت وجوبه فإنه ليس بركن بغير خلاف ، ولذلك سقط عن الحائض ولم يسقط طواف الزيارة ، ويسمى طواف الوداع ؛ لأنه لتوديع البيت ، وطواف الصدر ؛ لأنه عند صدور الناس من مكة ، ووقته بعد فراغ المرء من جميع أموره ؛ ليكون آخر عهده بالبيت على ما جرت به العادة في توديع المسافر إخوانه وأهله ، ولذلك قال النبي
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 440)
صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). حتى يكون آخر عهده بالبيت .


( فصل ) : ومن كان منزله في الحرم فهو كالمكي لا وداع عليه ، ومن كان منزله خارج الحرم قريبا منه فظاهر كلام الخرقي : أنه لا يخرج حتى يودع البيت ، وهذا قول أبي ثور ، وقياس قول مالك ، ذكره ابن القاسم ، وقال أصحاب الرأي في أهل بستان ابن عامر ، وأهل المواقيت : إنهم بمنزلة أهل مكة في طواف الوداع ؛ لأنهم معدودون من حاضري المسجد الحرام ، بدليل سقوط دم المتعة عنهم .
( ولنا ) عموم قوله صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت ، ولأنه خارج من مكة فلزمه التوديع كالبعيد .
( فصل ) فإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج ، ففيه روايتان : إحداهما : يجزئه عن طواف الوداع ؛ لأنه أمر أن يكون آخر عهده بالبيت وقد فعل ، ولأن ما شرع لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه ، كتحية المسجد بركعتين تجزئ عنهما المكتوبة ، وعنه : لا يجزئه عن طواف الوداع ؛ لأنهما عبادتان واجبتان فلم تجزئ إحداهما عن الأخرى ، كالصلاتين الواجبتين .
( مسألة ) قال : ( فإن ودع واشتغل في تجارة عاد فودع ) .
قد ذكرنا أن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه ؛ ليكون آخر عهده بالبيت ، فإن طاف للوداع ، ثم اشتغل بتجارة أو إقامة فعليه إعادته ، وبهذا قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور ، وقال أصحاب الرأي : إذا طاف للوداع ، أو طاف تطوعا بعد ما حل له النفر أجزأه عن طواف الوداع ، وإن أقام شهرا أو أكثر ؛ لأنه طاف بعد ما حل له النفر فلم يلزمه إعادته ، كما
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 441)
لو نفر عقيبه .


( ولنا ) قوله عليه السلام : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت ، ولأنه إذا أقام بعده خرج عن أن يكون وداعا في العادة فلم يجزه ، كما لو طافه قبل حل النفر ، فأما إن قضى حاجة في طريقه أو اشترى زادا أو شيئا لنفسه في طريقه لم يعده ؛ لأن ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت ، وبهذا قال مالك والشافعي ولا نعلم مخالفا لهما .
( مسألة ) قال : ( فإن خرج قبل الوداع رجع إن كان بالقرب وإن بعد بعث بدم . ) .
هذا قول عطاء والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور ، والقريب : هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر ، والبعيد : من بلغ مسافة القصر ، نص عليه أحمد وهو قول الشافعي ، وكان عطاء يرى الطائف قريبا ، وقال الثوري : حد ذلك الحرم ، فمن كان في الحرم فهو قريب ، ومن خرج منه فهو بعيد .
ووجه القول الأول : أن من دون مسافة القصر في حكم الحاضر في أنه لا يقصر ولا يفطر ، ولذلك عددناه من حاضري المسجد الحرام ، وقد روي أن عمر ( رد رجلا من مر إلى مكة ؛ ليكون آخر عهده بالبيت ) رواه سعيد ، وإن لم يمكنه الرجوع لعذر فهو كالبعيد ، ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم ، ولا فرق بين تركه عمدا أو خطأ لعذر أو غيره ؛ لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطؤه ، والمعذور وغيره كسائر واجباته ، فإن رجع البعيد فطاف للوداع . فقال القاضي : لا يسقط عنه الدم ؛ لأنه قد استقر عليه الدم ببلوغه مسافة القصر
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 442)


فلم تسقط برجوعه ، كمن تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم رجع إليه ، وإن رجع القريب فطاف فلا دم عليه سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أو لا ؛ لأن الدم لم يستقر عليه لكونه في حكم الحاضر ، ويحتمل سقوط الدم عن البعيد برجوعه ؛ لأنه واجب أتى به فلم يجب عليه بدله كالقريب .
( فصل ) إذا رجع البعيد فينبغي أن لا يجوز له تجاوز الميقات إن كان جاوزه إلا محرما ؛ لأنه ليس من أهل الأعذار ، فيلزمه طواف لإحرامه بالعمرة والسعي ، وطواف لوداعه ، وفي سقوط الدم عنه ما ذكرنا من الخلاف ، وإن كان دون الميقات أحرم من موضعه ، فأما إن رجع القريب فظاهر قول من ذكرنا قوله : إنه لا يلزمه إحرام ؛ لأنه رجع لإتمام نسك مأمور به ، فأشبه من رجع لطواف الزيارة ، فإن ودع وخرج ثم دخل مكة لحاجة ، فقال أحمد : أحب إلي أن لا يدخل إلا محرما وأحب إلي إذا خرج أن يودع البيت بالطواف ، وهذا لأنه لم يدخل لإتمام النسك ، وإنما دخل لحاجة غير متكررة ، فأشبه من يدخلها للإقامة بها .
( مسألة ) قال : ( والمرأة إذا حاضت قبل أن تودع خرجت ، ولا وداع عليها ولا فدية ) .
هذا قول عامة فقهاء الأمصار ، وقد روي عن عمر وابنه أنهما ( أمرا الحائض بالمقام لطواف الوداع ) وكان زيد بن ثابت يقول به ، ثم رجع عنه : فروى مسلم ( أن زيد بن ثابت خالف ابن عباس في هذا ) قال طاوس : كنت مع ابن عباس إذ قال : ( زيد بن ثابت يفتي أن لا تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت ، فقال له ابن عباس : أما لا تسأل فلانة الأنصارية ، هل
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 443)
أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ؟ قال : فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك ، وهو يقول : ما أراك إلا قد صدقت ) .


وروي عن ابن عمر أنه رجع إلى قول الجماعة أيضا ، وقد ثبت التخفيف عن الحائض بحديث صفية حين قالوا : صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (943),سنن النسائي الحيض والاستحاضة (391),سنن أبو داود المناسك (2003),سنن ابن ماجه المناسك (3072),موطأ مالك الحج (942),سنن الدارمي المناسك (1917). يا رسول الله ، إنها حائض ، فقال : " أحابستنا هي ؟ " قالوا : يا رسول الله ، إنها قد أفاضت يوم النحر ، قال : فلتنفر إذن ، ولا أمرها بفدية ولا غيرها ، وفي حديث ابن عباس : ( إلا أنه خفف عن المرأة الحائض ) . والحكم في النفساء كالحكم في الحائض ؛ لأن أحكام النفاس أحكام الحيض فيما يوجب ويسقط .
( فصل ) وإذا نفرت الحائض بغير وداع ، فطهرت قبل مفارقة البنيان ، رجعت فاغتسلت وودعت ؛ لأنها في حكم الإقامة ، بدليل أنها لا تستبيح الرخص ، فإن لم يمكنها الإقامة فمضت ، أو مضت لغير عذر فعليها دم ، وإن فارقت البنيان لم يجب الرجوع إذا كانت قريبة ، كالخارج من غير عذر .
قلنا : هناك ترك واجبا فلم يسقط بخروجه حتى يصير إلى مسافة القصر ؛ لأنه يكون إنشاء سفر طويل غير الأول ، وهاهنا لم يكن واجبا ، ولا يثبت وجوبه ابتداء إلا في حق من كان مقيما .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
ثم إذا نفر من منى ، فإن بات بالمحصب - وهو الأبطح ، وهو ما بين الجبلين إلى المقبرة - ثم نفر بعد ذلك فحسن ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بات ، وخرج ، ولم يقم بمكة بعد صدوره من منى ، لكنه ودع البيت ، وقال : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت فلا يخرج الحاج حتى يودع البيت ، فيطوف
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 444)
طواف الوداع ، حتى يكون آخر عهده بالبيت ، ومن أقام بمكة فلا وداع عليه .


وهذا الطواف يؤخره الصادر من مكة حتى يكون بعد جميع أموره فلا يشتغل بعده بتجارة ونحوها ، لكن إن قضى حاجته ، أو اشترى شيئا في طريقه بعد الوداع ، أو دخل إلى المنزل الذي هو فيه ؛ ليحمل المتاع على دابته ، ونحو ذلك مما هو من أسباب الرحيل ، فلا إعادة عليه ، وإن أقام بعد الوداع أعاده ، وهذا الطواف واجب عند الجمهور ، لكن يسقط عن الحائض .
وقال ابن جاسر [ مفيد الأنام ونور الظلام ] ( 2 / 127 - 137 ) . وفقه الله :
فإذا أتى مكة متعجل ، أو غيره وأراد خروجا لبلده أو غيره ، لم يخرج من مكة حتى يودع البيت بالطواف ، إذا فرغ من جميع أموره ؛ ليكون آخر عهده بالبيت على ما جرت به العادة في توديع المسافر إخوانه وأهله ؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). حتى يكون آخر عهده بالبيت إن لم يقم بمكة أو حرمها ، فإن أقام بمكة أو حرمها فلا وداع عليه ، وهو على كل خارج من مكة ووطنه في غير الحرم ، سواء كان حرا ، أو عبدا ، ذكرا ، أو أنثى ، صغيرا ، أو كبيرا ، وتقدم في أول فصل من هذا الكتاب حكم طواف الصغير ، فليراجع عند الاحتياج إليه ، ودليل ذلك ما روى ابن عباس قال : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1328),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض متفق عليه ، وفي رواية عنه قال : كان الناس ينصرفون في كل وجه ، فقال
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 445)


النبي صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه ، وعن ابن عباس : صحيح مسلم الحج (1328),مسند أحمد بن حنبل (1/370). أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت في الإفاضة رواه أحمد ، وعن عائشة قالت : صحيح البخاري الحج (1670),سنن أبو داود المناسك (2003),سنن ابن ماجه المناسك (3072),مسند أحمد بن حنبل (6/82),موطأ مالك الحج (822),سنن الدارمي المناسك (1917). حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت ، قالت : فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أحابستنا هي ؟ " قلت : يا رسول الله ، إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة ، فقال : فلتنفر إذن متفق عليه ، ومن كان خارج الحرم ثم أراد الخروج من مكة فعليه الوداع ، سواء أراد الرجوع إلى بلده أو غيره ؛ لما تقدم ، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : ( فلا يخرج الحاج حتى يودع البيت فيطوف طواف الوداع حتى يكون آخر عهده بالبيت ، ومن أقام بمكة فلا وداع عليه ، وهذا الطواف يؤخره الصادر من مكة ، حتى يكون بعد جميع أموره فلا يشتغل بعده بتجارة ولا نحوها ، ولكن إن قضى حاجته ، أو اشترى شيئا في طريقه بعد الوداع ، أو دخل إلى المنزل الذي هو فيه ؛ ليحمل المتاع على دابته ونحو ذلك ، مما هو من أسباب الرحيل فلا إعادة عليه ، وإن أقام بعد الوداع أعاده ، وهذا الطواف واجب عند الجمهور ، ولكن يسقط عن الحائض ) انتهى كلامه .


ومن مفهومه يؤخذ : أنه لو دخل منزله بعد طواف الوداع فاشتغل فيه بغير ما هو من أسباب الرحيل - أنه يلزمه إعادة الوداع ، وبالأولى لو ودع في الليل ونام في بيته أو غيره من مساكن مكة أو ما يدخل في مسماها ؛ لأن هذا يعد إقامة ، وينافي مقتضى الحديث الذي نص فيه بأن يكون آخر عهده بالبيت ، أما لو ودع البيت ثم انتظر وداع رفقته حتى يسافروا جميعا ، فإنه لا
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 446)
يضر هذا الانتظار إذا لم يشتغل بعد الوداع بما هو ممنوع منه . والله أعلم .
وقال في [ الترغيب والتلخيص ] : لا يجب طواف الوداع على غير الحاج ، قال في [ الفروع ] : ( وإن خرج غير حاج فظاهر كلام شيخنا لا يودع ) انتهى .
قلت : كلام شيخ الإسلام يخالف ما استظهره في [ الفروع ] ، قال شيخ الإسلام : ( وطواف الوداع ليس من الحج ، وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة ) انتهى . والمذهب : وجوبه على كل من أراد الخروج من مكة وبلده في غير الحرم .
( هذا بحث نفيس مهم لا تجده في غير هذا الكتاب ) وهو أن يقال : هل يجوز طواف الوداع أول أيام التشريق قبل حل النفر والفراغ من واجبات الحج والإقامة بعده بمنى والبيع والشراء فيه أم لا ؟
فنقول وبالله التوفيق : قال في [ المنتهى وشرحه ] : ( فإذا أتى مكة متعجل أو غيره لم يخرج من مكة حتى يودع البيت بالطواف ) انتهى ملخصا ، قال الشيخ عثمان النجدي : ( فهم منه أنه لو سافر إلى بلده من منى ولم يأت مكة لا وداع عليه ، صرح به في [ الإقناع ] عن الشيخ تقي الدين في موضع ) انتهى .
قلت : ألم أجد ذلك في [ الإقناع ] بعد المراجعة مرارا ، اللهم إلا أن يكون مراده بذلك قوله الآتي : وطواف الوداع ليس من الحج . . إلى آخره . وهذا ليس بصريح فيما قاله عن الشيخ تقي الدين ) .
وقال النووي الشافعي : ( ولو أراد الحاج الرجوع إلى بلده من منى لزمه دخول مكة لطواف الوداع ) انتهى ، قال ابن حجر المكي : ( أي : بعد نفره


(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 447)
وإن كان قد طاف قبل عوده من مكة إلى منى كما في [ المجموع ] ) انتهى ، وقال ابن نصر الله البغدادي الحنبلي في حواشي الكافي : ( وظاهر كلام الأصحاب لزوم دخول مكة بعد أيام منى لكل حاج ، ولو لم يكن طريق بلده عليها لوجوب طواف الوداع عليه ولم يصرحوا به ) .
وقال ابن نصر أيضا : ( وقوة الأصحاب أن أول وقت طواف الوداع بعد أيام منى ، فلو ودع قبلها لم يجزئه ولم أجد به تصريحا ، ويؤخذ ذلك من قولهم : من أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج كفاه ذلك الطواف عن طواف الزيارة والوداع ، ولم يقولوا من اكتفى بطواف الزيارة يوم النحر عن طواف الوداع ولم يعد إلى مكة ) انتهى .
قلت : ( بل قد صرح به [ المغني ] حيث قال : فيما يأتي كما لو طافه قبل حل النفر ، أي : فإنه لا يجزئه ) قال في [ المغني ] : ( ووقته بعد فراغ المرء من جميع أموره ؛ ليكون آخر عهده بالبيت على ما جرت به العادة في توديع المسافر إخوانه وأهله ؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). حتى يكون آخر عهده بالبيت انتهى ، قال في [ الإنصاف ] : ( وظاهر كلام المصنف - يعني : الموفق - أن طواف الوداع يجب ولو لم يكن بمكة ، قال في [ الفروع ] : وهو ظاهر كلامهم ، قال الآجري : يطوف من أراد الخروج من مكة أو من منى أو من نفر آخر ) انتهى ، وفي أثناء كلام للشيخ يحيى بن عطوة النجدي تلميذ الشيخ العسكري قال : ( وأخبرنا جماعة : أن الشويكي أفتاهم بجواز طواف الوداع أول أيام التشريق قبل حل النفر ، والفراغ من واجبات الحج ، والبيع والشراء والإقامة بعده بمنى ، ونقلوا عنه أنه بالغ حتى نسب ذلك إلى جميع الأصحاب ، ولو تحقق ما صرح به الزركشي و [ المغني ] و [ الشرح الكبير ]


(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 448)
وغيرها من كتب الأصحاب ما قال ما قال ) ، قال الخرقي : فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت ، قال الزركشي : والمراد الخروج من الحرم ، قال في الشرح : ووقته بعد فراغ المرء من جميع أموره ؛ ليكون آخر عهده بالبيت ، وكذا قال في [ المغني ] ، قال : ولقد كشفت قريبا من خمسين كتابا من كتب المذهب فلم أظفر فيها بما نسبه هذا المتفقه إليهم ، وأفتى به عنهم ، وأنا أتعجب منه كيف صدرت منه هذه النسبة إلى جميع الأصحاب ؟ ! والصريح عنهم العكس ، ولعله دخل عليه اللبس من لفظ الخروج في كلام الخرقي ، وتوهم أنه الخروج من مكة وليس كذلك ، فقد صرح الزركشي أن مراد الخرقي الخروج من الحرم ، ولعله ذهل عن وقت الطواف : أعني : طواف الوداع ، ولو حقق النظر في [ المغني ] و [ الشرح الكبير ] وغيرهما لزالت عنه ضبابة الشك ، ولعله اعتمد على ما وجهه ابن مفلح في [ فروعه ] قال : فإن ودع ثم أقام بمنى ولم يدخل مكة فيتوجه جوازه ، ومراده بعد حل النفر ودخول وقت الوداع ، هذا مع تسليم جواز الإفتاء بالتوجيه المذكور ، وجواز اعتماد المقلد عليه من غير نظر في الترجيح ) انتهى كلام ابن عطوة .
قلت : أما لفظ الخروج فهو صريح في كلام الأصحاب أنه الخروج من مكة ، خلافا لما فهمه الشيخ ابن عطوة ، قال الخرقي : ( فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت يطوف به سبعا ويصلي ركعتين إذا فرغ من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت ، قال الموفق في [ المغني ] : وجملة ذلك أن من أتى مكة لا يخلو : إما أن يريد الإقامة بها ، أو الخروج منها ، فإن أقام بها فلا وداع عليه ، فأما الخارج من مكة فليس له أن يخرج حتى يودع البيت بطواف سبع ، وهو واجب من تركه لزمه دم ) انتهى ملخصا ، ومثله
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 449)


في [ الشرح الكبير ] ، قال في [ الإقناع وشرحه ] : ( فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف . . . إلى أن قال : وهو على كل خارج من مكة ) انتهى ملخصا ، قال في [ المنتهى وشرحه ] : ( فإذا أتى مكة متعجل أو غيره وأراد خروجا لبلده أو غيره لم يخرج من مكة حتى يودع البيت بالطواف ) انتهى ، وقال في [ الإقناع ] أيضا : ( قال الشيخ : وطواف الوداع ليس من الحج ، وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة ، قال في [ المستوعب ] : ومتى أراد الحاج الخروج من مكة لم يخرج حتى يودع ) انتهى ، وأما فتوى الشيخ الشويكي بجواز طواف الوداع أول أيام التشريق قبل حل النفر والفراغ من واجبات الحج والإقامة في منى - فلا تسلم له صحة فتواه هذه ؛ لما تقدم عن ابن نصر الله أن ظاهر كلام الأصحاب لزوم دخول مكة بعد أيام منى لكل حاج ، ولو لم يكن طريق بلده عليها ، لوجوب طواف الوداع عليه ، ولما تقدم عنه أيضا : أن قوة كلام الأصحاب أن أول وقت طواف الوداع بعد أيام منى ، فلو ودع قبلها لم يجزئه ، قال في [ المغني ] بعد كلام سبق : ( ولأنه إذا أقام بعده أي : طواف الوداع خرج عن أن يكون وداعا في العادة فلم يجزئه ، كما لو طافه قبل حل النفر . . إلخ ) فجعل صاحب [ المغني ] ما إذا طاف للوداع قبل حل النفر أصلا في عدم الإجزاء ، وقاس عليه من ودع بعد حل النفر ، ثم اشتغل بتجارة أو إقامة ، فعلم منه أنه لو طاف للوداع قبل حل النفر وهو ثاني عشر ذي الحجة أنه لا يجزئه ؛ لأن وقت طواف الوداع لا يدخل إلا بعد حل النفر . والله أعلم ، ومثله في [ الشرح الكبير ] ، وأما توجيه صاحب [ الفروع ] الذي نصه : ( فإن ودع ثم أقام بمنى ولم يدخل مكة فيتوجه جوازه ) فمراده - والله أعلم - إذا
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 450)


كان طاف للوداع بعد حل النفر ودخول وقت الوداع ، وقد نص العلماء : أن وقت طواف الوداع إذا فرغ من جميع أموره ، ومن كان بقي عليه المبيت ليالي منى ورمي الجمار ، فإنه لا يكون قد فرغ من جميع أموره ، بل بقي عليه شيء من واجبات الحج ، أما إذا نفر من منى النفر الأول أو الآخر ، ثم ودع البيت وسافر ونزل خارجا عن بنيان مكة للبيتوتة أو المقيل أو غيرهما ، سواء كان ذلك النزول بمنى أو غيرها من بقاع الحرم المنفصلة عن مسمى بنيان مكة ، فلا يلزمه إعادة طواف الوداع ؛ لأنه قد سافر من مكة وليس مقيما بها بعد الوداع ، هذا ما ظهر لي في تحرير هذه المسألة التي طال فيها النزاع قديما وحديثا . والله سبحانه وتعالى أعلم .


وفي [التحفة] للشافعية : ( وإذا أراد الحاج أو المعتمر المكي وغيره الخروج من مكة أو منى عقب نفره منها ، وإن كان طاف للوداع عقب طواف الإفاضة عند عوده إليها طاف وجوبا للوداع إذ لا يعتد به ، ولا يسمى طواف وداع إلا بعد فراغ جميع النسك ) انتهى ملخصا بتصرف في التقديم والتأخير .
قال في [المغني] : ( فصل ) : ومن كان منزله في الحرم فهو كالمكي لا وداع عليه ، ومن كان منزله خارج الحرم قريبا منه فظاهر كلام الخرقي أنه لا يخرج حتى يودع البيت ، وهذا قول أبي ثور وقياس قول مالك ، ذكره ابن القاسم ، وقال أصحاب الرأي في أهل بستان ابن عامر وأهل المواقيت : إنهم بمنزلة أهل مكة في طواف الوداع ؛ لأنهم معدودون من حاضري المسجد الحرام ، بدليل سقوط دم المتعة عنهم ، ولنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت ، ولأنه خارج عن الحرم فلزمه
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 451)
التوديع كالبعيد ) انتهى ، وكذا في [الشرح الكبير] ، قال في [الإقناع وشرحه] : ( ومن كان خارجه : أي : خارج الحرم ، ثم أراد الخروج من مكة فعليه الوداع ، وهو على كل خارج من مكة ) انتهى ملخصا ، وتقدم أول الفصل أنه إذا أقام بمكة أو حرمها لا وداع عليه ، وأنه على كل خارج من مكة ووطنه في غير الحرم ، ثم بعد طواف الوداع يصلي ركعتين خلف المقام كسائر الطوافات ، قال في [المنتهى] و[الإقناع] وغيرهما : ويأتي الحطيم نصا أيضا وهو تحت الميزاب فيدعو ) انتهى .


قال في [الإقناع وشرحه] : ( فإن خرج قبله : أي : قبل الوداع فعليه الرجوع إليه ، أي : إلى الوداع لفعله إن كان قريبا دون مسافة القصر ولم يخف على نفسه أو ماله أو فوات رفقته أو غير ذلك من الأعذار ولا شيء عليه إذا رجع قريبا سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أو لا ؛ لأن الدم لم يستقر عليه ؛ لكونه في حكم الحاضر ، فإن لم يمكنه الرجوع لعذر مما تقدم أو لغيره أو أمكنه الرجوع للوداع ولم يرجع ، أو بعد مسافة قصر عن مكة - فعليه دم رجع إلى مكة وطاف للوداع أو لا ؛ لأنه قد استقر عليه ببلوغه مسافة القصر فلم يسقط برجوعه ، كمن تجاوز الميقات بغير إحرام ثم أحرم ثم رجع إلى الميقات ، وسواء تركه أي : طواف الوداع عمدا أو خطأ أو نسيانا لعذر أو غيره ؛ لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطؤه والمعذور وغيره ، كسائر واجبات الحج ، ومتى رجع مع القرب لم يلزمه إحرام ؛ لأنه في حكم الحاضر ويلزمه مع البعد الإحرام بعمرة يأتي بها فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر ثم يطوف للوداع إذا فرغ من أموره ) انتهى .
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 452)
قال الخرقي : ( مسألة ) فإن خرج قبل الوداع رجع إن كان بالقرب ، وإن بعد بعث بدم ، قال في [المغني] : هذا قول عطاء والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور ، والقريب : هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر ، والبعيد من بلغ مسافة القصر ، نص عليه أحمد ، وهو قول الشافعي ، وكان عطاء يرى الطائف قريبا ، وقال الثوري : حد ذلك الحرم فمن كان في الحرم فهو قريب ومن خرج منه فهو بعيد ، ووجه القول الأول : أن من دون مسافة القصر في حكم الحاضر في أنه لا يقصر ولا يفطر ، ولذلك عددناه من حاضري المسجد الحرام .


وقد روي ( أن عمر رد رجلا من مر إلى مكة ؛ ليكون آخر عهده بالبيت ) رواه سعيد ، وإن لم يمكنه الرجوع لعذر فهو كالبعيد ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم ، ولا فرق بين تركه عمدا أو خطأ لعذر أو غيره ؛ لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطؤه والمعذور وغيره كسائر واجباته ، فإن رجع البعيد فطاف الوداع ، فقال القاضي : لا يسقط عنه الدم ؛ لأنه قد استقر عليه الدم ببلوغه مسافة القصر فلم يسقط برجوعه ، كمن تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم رجع إليه ، وإن رجع القريب فطاف فلا دم عليه ، سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أو لا ؛ لأن الدم لم يستقر عليه لكونه في حكم الحاضر ، ويحتمل سقوط الدم عن البعيد برجوعه ؛ لأنه واجب أتى به فلم يجب عليه بدله كالقريب .
( فصل ) : إذا رجع البعيد فينبغي أن لا يجوز له تجاوز الميقات إن كان جاوزه إلا محرما ؛ لأنه ليس من أهل الأعذار ، فيلزمه طواف لإحرامه بالعمرة والسعي ، وطواف لوداعه ، وفي سقوط الدم عنه ما ذكرنا من
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 453)
الخلاف ، وإن كان دون الميقات أحرم من موضعه ، فأما إن رجع القريب فظاهر قول من ذكرنا قوله : أنه لا يلزمه إحرام ؛ لأنه رجع لإتمام نسك مأمور به ، فأشبه من رجع لطواف الزيارة ، فإن ودع وخرج ثم دخل مكة لحاجة ، فقال أحمد : أحب إلي أن لا يدخل إلا محرما ، وأحب إلي إذا خرج أن يودع البيت بالطواف ؛ وهذا لأنه لم يدخل لإتمام النسك ، إنما دخل لحاجة غير متكررة ، فأشبه من يدخلها للإقامة بها ) انتهى كلام صاحب [المغني] .
ومثله في [الشرح الكبير] ونصه : ( وإن أخر طواف الزيارة أو القدوم فطافه عند الخروج كفاه ذلك الطواف عن طواف الوداع ) .


قال الشيخ مرعي في [الغاية] : ( ويتجه من تعليلهم ولو لم ينو طواف الوداع حال شروعه في طواف الزيارة أو القدوم ) انتهى ؛ لأن المأمور به أن يكون آخر عهده بالبيت وقد فعل ، ولأنهما عبادتان من جنس فأجزأت إحداهما عن الأخرى ، ولأن ما شرع مثل تحية المسجد يجزئ عنه الواجب من جنسه ؛ كإجزاء المكتوبة عن تحية المسجد ، وكإجزاء المكتوبة أيضا عن ركعتي الطواف ، وعن ركعتي الإحرام ، وكغسل الجنابة عن غسل الجمعة ، فإن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة ولو كان ناسيا لطواف الزيارة ؛ لأنه لم ينوه ، وفي الحديث : صحيح البخاري بدء الوحي (1),صحيح مسلم الإمارة (1907),سنن الترمذي فضائل الجهاد (1647),سنن النسائي الطهارة (75),سنن أبو داود الطلاق (2201),سنن ابن ماجه الزهد (4227),مسند أحمد بن حنبل (1/43). وإنما لكل امرئ ما نوى .
فإن قيل : كيف يتصور إجزاء طواف القدوم عن طواف الوداع ، وقد قال الأصحاب : ثم يفيض إلى مكة فيطوف مفرد وقارن لم يدخلاها قبل للقدوم برمل ثم للزيارة ؟ قلنا : يتصور فيما إذا لم يكن دخل مكة لضيق وقت الوقوف بعرفة مثلا ، وقصد عرفات فلما رجع منها طاف للزيارة أولا ، ثم
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 454)


طاف للقدوم إما نسيانا أو غيره ، فطواف القدوم هذا وإن كان متأخرا عن طواف الزيارة يكفيه عن طواف الوداع ، وهذا على القول بسنية طواف القدوم بعد الرجوع من عرفة للمتمتع ، وللمفرد والقارن اللذين لم يدخلا مكة قبل وقوفهما بعرفة ، وهو نص الإمام أحمد ، اختاره الخرقي ، أما على اختيار الموفق ، والشارح ، وشيخ الإسلام ، وابن القيم ، وابن رجب ، فلا يسن طواف القدوم بعد الرجوع من عرفة ، وهو الذي تدل عليه السنة ، كما تقدم في فصل : ( ثم يفيض إلى مكة ، ويكتفي بطواف الزيارة الذي هو ركن في الحج ) والله أعلم . ولا وداع على حائض ونفساء لحديث ابن عباس وفيه : ( إلا أنه خفف عن الحائض ) وتقدم ، والنفساء في معناها ؛ لأن حكمه حكم الحيض فيما يمنعه وغيره ، ولا فدية على الحائض والنفساء ؛ لظاهر حديث صفية المتقدم ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يأمرها بفدية إلا أن تطهر الحائض والنفساء قبل مفارقة بنيان مكة فيلزمهما العود ، ويغتسلان للحيض والنفاس ؛ لأنهما في حكم المقيم بدليل أنهما لا يستبيحان الرخص قبل مفارقة البنيان ثم يودعان ، فإن لم تعودا للوداع مع طهرهما قبل مفارقة البنيان ولو لعذر فعليهما دم ؛ لتركهما نسكا واجبا ، فأما إن فارقت الحائض والنفساء البنيان قبل طهرهما لم يجب عليهما الرجوع لخروجهما عن حكم الحاضر ، فإن قيل : فلم لا يجب الرجوع عليهما مع القرب كما يجب على الخارج لغير عذر ؟ قلنا : هناك ترك واجبا فلم يقسط بخروجه مع القرب كما تقدم تفصيله ، وهاهنا لم يكن واجبا عليهما ولم يثبت وجوبه ابتداء إلا في حق من كان مقيما وهما حين الإقامة لا يجب عليهما لحصول الحيض والنفاس . والله أعلم ، وأما المعذور غير الحائض والنفساء ، كالمريض
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 455)
ونحوه فعليه دم إذا ترك طواف الوداع ؛ لأن الواجب لا يسقط جبرانه بالعذر ) وتقدم .
3 - قال ابن حزم رحمه الله :


( وأما قولنا : من أراد أن يخرج من مكة من معتمر أو قارن أو متمتع بالعمرة إلى الحج ففرض عليه أن يجعل آخر عمله الطواف بالبيت ، فإن تردد بمكة بعد ذلك أعاد الطواف ولا بد ، فإن خرج ولم يطف بالبيت ففرض عليه الرجوع ولو كان بلده بأقصى الدنيا حتى يطوف بالبيت ، فإن خرج عن منازل مكة فتردد خارجا ماشيا فليس عليه أن يعيد الطواف ، إلا التي تحيض بعد أن تطوف طواف الإفاضة فليس عليها أن تنتظر طهرها لتطوف لكن تخرج كما هي .
فإن حاضت قبل طواف الإفاضة فلا بد لها أن تنتظر حتى تطهر وتطوف وتحبس عليها الكرى والرفقة ، فلما رويناه من طريق مسلم قال : نا سعيد بن منصور ، نا سفيان ، عن سليمان الأحول ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : كان الناس ينصرفون في كل وجه ، فقال رسول الله : صحيح البخاري الحج (1671),صحيح مسلم الحج (1327),سنن أبو داود المناسك (2002),سنن ابن ماجه المناسك (3070),مسند أحمد بن حنبل (6/431),سنن الدارمي المناسك (1932). لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت .
ومن طريق مسلم ، نا محمد بن رمح ، نا الليث عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة -وهو عبد الرحمن بن عوف - أن عائشة أم المؤمنين قالت : - صحيح مسلم الحج (1211),سنن الترمذي الحج (943),سنن النسائي الحيض والاستحاضة (391),سنن أبو داود المناسك (2003),سنن ابن ماجه المناسك (3072),موطأ مالك الحج (945),سنن الدارمي المناسك (1917). حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت ، فذكرت حيضتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه السلام : أحابستنا هي ؟ فقلت : يا رسول الله ، إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلتنفر .
قال أبو محمد : فمن خرج ولم يودع من غير الحائض فقد ترك فرضا لازما فعليه أن يؤديه ، روينا من طريق وكيع عن إبراهيم بن يزيد ، عن أبي الزبير بن عبد الله :
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 456)


( أن قوما نفروا ولم يودعوا فردهم عمر بن الخطاب حتى ودعوا ) .
قال علي : ولم يخص عمر موضعا عن موضع ، وقال مالك : بتحديد مكان إذا بلغه لم يرجع منه ، وهذا قول لم يوجبه نص ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب ، ومن طريق عبد الرزاق ، نا محمد بن راشد ، عن سليمان بن موسى ، عن نافع قال : ( رد عمر بن الخطاب نساء من ثنية هرشي كن أفضن يوم النحر ، ثم حضن فنفرن ، فردهن حتى يطهرن ، ويطفن بالبيت ، ثم بلغ عمر بعد ذلك حديث غير ما صنع فترك صنعه الأول ) .
قال أبو محمد : هرشي هي نصف الطريق من المدينة إلى مكة بين الأبواء والجحفة على فرسخين من الأبواء ، وبها علمان مبنيان علامة ؛ لأنه نصف الطريق ، وقد روي أثر من طريق أبي عوانة عن يعلى بن عطاء ، عن الوليد بن عبد الرحمن ، عن الحارث بن عبد الله بن أوسي : سنن الترمذي الحج (946),سنن أبو داود المناسك (2004),مسند أحمد بن حنبل (3/416). أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمر بن الخطاب أفتياه في المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ، ثم تحيض أن يكون آخر عهدها بالبيت .
قال أبو محمد : الوليد بن عبد الرحمن غير معروف ، ثم لو صح لكان داخلا في جملة أمره عليه السلام أن لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت وعمومه ، وكأن يكون أمره عليه السلام : الحائض التي أفاضت بأن تنفر حكما زائدا مبنيا على النهي المذكور مستثنى منه ليستعمل الخبران معا ولا يخالف شيء منهما . وبالله تعالى التوفيق .
وأما قولنا : من ترك عمدا أو بنسيان شيئا من طواف الإفاضة أو من السعي الواجب بين الصفا والمروة - فليرجع أيضا كما ذكرنا ممتنعا من النساء حتى يطوف بالبيت ما بقي عليه ، فإن خرج ذو الحجة قبل أن يطوف
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 457)
فقد بطل حجه ، وليس عليه في رجوعه لطواف الوداع أن يمتنع من النساء ، فلأن طواف الإفاضة فرض .


وقال تعالى : سورة البقرة الآية 197 الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ وقد ذكرنا أنها : شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، فإذ هو كذلك فلا يحل لأحد أن يعمل شيئا من أعمال الحج في غير أشهر الحج فيكون مخالفا لأمر الله تعالى .
وأما امتناعه عن النساء ؛ فلقول الله تعالى : سورة البقرة الآية 197 فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ فهو ما لم يتم فرائض الحج فهو في الحج بعد ، وأما رجوعه لطواف الوداع فليس هو في حج ولا في عمرة ، فليس عليه أن يحرم ولا أن يمتنع من النساء ؛ لأن الله تعالى لم يوجب ذلك ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا إحرام إلا بحج أو عمرة ، وأما لطواف مجرد فلا ) [المحلى] ( 7/ 241- 244 ) فقه عام . .


الخلاصة :
مما تقدم يتلخص ما يأتي :
1 - قال جماعة من العلماء : إن طواف الوداع من المناسك ، منهم : إمام الحرمين والغزالي ، وهو مذهب أحمد والشافعي .
وقال آخرون : هو عبادة مستقلة ، منهم : البغوي والمتولي وابن تيمية في أحد قوليه ؛ تعظيما للحرم ، وتشبيها لاقتضاء خروجه الوداع باقتضاء دخوله الإحرام ، ولأنه لو كان من جملة المناسك لعم الحجيج ، لكنه سقط عن المكي إذا لم يخرج ، وعن الآفاقي إذا نوى الإقامة بمكة ، ولحديث :
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 458)
صحيح البخاري المناقب (3718),صحيح مسلم الحج (1352),سنن الترمذي الحج (949),سنن النسائي تقصير الصلاة في السفر (1455),سنن أبو داود المناسك (2022),سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1073),مسند أحمد بن حنبل (5/52),سنن الدارمي الصلاة (1512). يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا فسماه قاضيا نسكه قبل الوداع عند نفره ، وعلى الأول : يطلب ممن نفر بعد نسك فقط ، وعلى الثاني : يطلب ممن نفر من مكة مطلقا .
2 - قال الحنفية والحنابلة : إن طواف الوداع واجب . وهو قول عند الشافعية ؛ لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - به ، ونهيه عن النفر قبله ، فمن تركه عمدا أو جهلا أو نسيانا لزمه دم ، وأثم إن كان متعمدا ، وقال المالكية : بأنه سنة وهو قول للشافعية ، وعليه لا يأثم من تركه ، ولا دم عليه .
وعلم مما سبق أن وقت طواف الوداع إنما يكون بعد فراغ الحاج من جميع نسكه .
3 - قيل : يطلب طواف الوداع ممن نفر بعد نسكه من مكة ، ولو كان ذلك إلى حدود الحرم فقط ؛ لعموم الأمر به والنهي عن تركه عند النفر .
وقيل : يطلب من كل من نفر بعد نسكه إلى خارج حدود الحرم ، ولو كان دون المواقيت ، ودون مسافة القصر ، لا ممن نفر من مكة إلى داخل حدود الحرم .
وقيل : لا يطلب ممن نفر بعد نسكه إلى المواقيت فما دونها .


وقيل : لا يطلب ممن نفر إلى ما دون مسافة القصر ؛ لأنه في حكم المقيم بمكة ، ولخروج عائشة مع أخيها عبد الرحمن - رضي الله عنهما - إلى التنعيم لتحرم منه بعمرة ، وذلك على علم منه صلى الله عليه وسلم ، ولم يأمرهما بوداع ، والتنعيم من الحل .
ولا يطلب ممن حج أو اعتمر من أهل مكة والمقيمين بها ، ولا من آفاقي حج ، أو اعتمر ونوى الإقامة بمكة مطلقا أو قبل النفر الأول ، وقال أبو
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 459)
يوسف : يستحب لأهل مكة إذا حجوا أو اعتمروا أن يطوفوا طواف الوداع .
4 - قال الحنفية : من ترك طواف الوداع عمدا أو نسيانا ، وجب عليه أن يرجع ليطوفه ما لم يتجاوز الميقات ، ومن قال بوجوبه من الشافعية ، قال : يجب عليه الرجوع ما لم يبلغ مسافة القصر ، وإلا لم يجب عليه الرجوع وعليه دم وعصى الله إن كان عامدا ، وهكذا عند الحنابلة .
فإن رجع بعد بلوغ مسافة القصر وطاف ، فقيل : يسقط عنه الدم ، لإتيانه بما وجب عليه ، وقيل : لا يسقط لتقرر وجوبه في ذمته بمجاوزته المسافة ، ويكون رجوعه بإحرام ، وإن رجع قبل بلوغ مسافة القصر وطاف ، فلا دم عليه ولا إحرام عليه في رجوعه ، ومن قال : إن طواف الوداع سنة لم يلزم من نفر من مكة بعد نسكه دون الوداع أن يرجع ليطوف ولم يؤثمه ولم يوجب عليه دما .
وقال ابن حزم : على من ترك طواف الوداع أن يرجع ليطوفه ولو بلغ أقصى الأرض في سفره .
5 - على القول بوجوب طواف الوداع : لا يجوز لمن أدى النسك أن ينفر من مكة ولو مؤقتا دون طواف وداع لمرض أو زحام ، ولو مع نيته أن يعود لطوافه بعد شفائه أو زوال الزحام .
هذا ما تيسر إعداده ، وبالله التوفيق ، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد ، وآله وصحبه .
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز


(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 460)
قرار هيئة كبار العلماء
رقم ( 70 ) وتاريخ 21/10/ 1399هـ
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على نبيه محمد ، وآله وصحبه ، وبعد :
فقد نظر مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمدينة الطائف ابتداء من 10/10/1399هـ حتى 21/10/1399هـ في حكم طواف الوداع للخارج من مكة المكرمة سواء كان حاجا أو معتمرا أو غيرهما ، وهل يفرق بين من كان سفره مسافة قصر ومن كان دون ذلك؟ واطلع على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الموضوع بناء على طلب المجلس في دورته الثالثة عشرة ، وقد تبين له أن العلماء مختلفون في تلك المسائل تبعا لاختلاف اجتهادهم والخلاف فيها معروف بين العلماء ، ومدون في كتب الأحاديث ، وكتب الفقه والمناسك ، وما زال عمل العلماء جاريا على الأخذ بما يترجح لهم دليله ، وينبغي للحاج وغيره أن يحرص على الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أقواله وأفعاله ما استطاع إلى ذلك سبيلا ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : سنن النسائي مناسك الحج (3062). خذوا عني مناسككم ؛ لذلك يرى المجلس في هذه المسائل الخلافية أن يستفتي العامي من يثق بدينه وأمانته ، ومذهب العامي مذهب من يفتيه من أهل العلم .
(الجزء رقم : 7، الصفحة رقم: 461)
وبالله التوفيق, وصلى الله على نبينا محمد, وآله وصحبه وسلم .
هيئة كبار العلماء
.... .... رئيس الدورة
.... .... عبد الله بن محمد بن حميد
عبد الله بن خياط ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
سليمان بن عبيد ... راشد بن خنين ... محمد بن علي الحركان
عبد الله بن غديان ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ غائب ... عبد الله بن قعود
محمد بن جبير ... .... صالح بن لحيدان
عبد المجيد حسن ... عبد العزيز بن صالح غائب ... صالح بن غصون
عبد الله بن منيع ... .... .

 

-المصدر البحوث العلمية لهيئة كبار العلماء المجلد السابع