قصة سعد بن معاذ مع بني قريظة

 

من مواقف الصحابة

 

قصة سعد بن معاذ مع بنى قريظة

عن عاشة (رضى الله عنها) قالت: "خرجت يوم الخندق أقفو­(1) آثار الناس"

قالت: "فسمعتُ وئيد الأرض ورائى؛ يعنى : حسًّ الأرض"

قالت: "فالتفتُّ، فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مِجَنَّة(2)".

قالت: "فجلستُ إلى الأرض، فمرَّ سعدُ وعليه درعٌ من حديد قد خرَجَتْ منها أطرافه، فأنا أتخوَّف على أطراف سعد".

قالت: "فمرَّ وهو يرتجز ويقول:

لَبَّثْ قَليلاً يُدْرِكِ الهَيْجَا حَمَلْ

                                            مَا أحْسَنَ المَوْتَ إذا حَانَ الأجَلْ"

قالت: "فقمتُ، فاقتحمتُ حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن الخطاب، وفيهم رجل عليه سبغة له؛ يعنى مغفراً(3)، فقال عمر: ما جاء بك؟ لعمرى والله إنك لجريئة! وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحَّوز؟".

قالت: "فما زال يلومنى حتى تمنَّيت أنَّ الأرض أنشقَّت لى ساعتئذ فدخَلْتُ فيها"!

قالت: "فرفع الرجل السبغةَ عن وجهه، فإذا طلحة ابن عبيد الله، فقال: يا عمر! إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوُّز أو الفرار إلا إلى الله (عزَّ وجلَّ)؟".

قالت: "ويرمى سعداً رجل من المشركين من قريش يقال له: ابن العرقة-بسهم له، فقال له: خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكْحَلَه(4)، فقَطَعه، فدعا الله (عزَّ وجلَّ) سعدُ، فقال: الهمَّ لا تُمِتنى حتى تُقرَّ عينى من قريظة".

قالت: "وكانوا حلفاء موالية فى الجاهلية".

قالت: "فَرقَأ كَلْمُه-أى: جُرْحة-،وبعث الله (عزَّ وجلَّ) الريح على المشركين، فكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قوياً عزيزاً، فلحق أبو سفيان ومَن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة، فتحصَّنوا فى صياصيهم(5)، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فوضع السلاح، وأمر بقبَّة من أدم(6)، فضربت على سعد فى المسجد".

قالت: "فجاء جبريل (عيله السلام) وأنَّ على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أوَ قد وضعتَ السلاح؟! والله ما وضَعَت الملائكة بعدُ السلاح، اخرج إلى بنى قريظة فقاتلهم".

قالت: "فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمَتَه(7)، وأذَّن فى الناس بالرحيل؛ أن يخروجوا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرَّ على بنى غنم-وهم جيران المسجد حوله-، فقال: مَن مرَّ بكم؟ مرَّ بنا دحيةُ الكبىُّ- وكان دِحْية الكلبى تشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل عليه السلام-".

قالت: "فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، فلما اشتدَّ حصرهم، واشتد البلاء؛ قيل لهم: انزلوا على حُكْم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشاروا أبا لُبابة بن عبد المنذز، فأشار إليهم أنه الذَّبح؛ قالوا: ننْزِلُ على حُكْم سعد بن معاذ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انْزِلوا على حُكْم سعد بن معاذ. فنزلوا".

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ، فأُتى به على حمار عليه أكاف(8) من ليف، وقد حُمِل عليه، وحفَّ به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو! حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومَن قد علِمْت! فلم يرجع إليهم شيئاً، ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم؛ التفت إلى قومه، فقال قد أنى(9) لى أن لا أُبالىَ فى الله لومة لائم".

قال: قال أبو سعيد: "فلمَّا طَلَعَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: قومو إلى سيَّدكم فأنزلوه. فقال عمر: سيَّدنا الله (عزَّ وجلَّ). قال: أنزِلوه. فأنزَلوه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احكُمْ فيهم. قال سعد: فإنى أحكم أن تُقتلَ مقاتِلهم، وتُسبى ذراريهم، وتُقسم أموالهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكْمتَ بحُكْم الله (عزَّ وجلَّ) وحُكم رسوله".

قالت: "ثم دعا سعد؛ قال: الهم إنْ كنت أبقيت على نبيك صلى الله عليه وسلم من حرب قريش شيئاً؛ فأبْقِنى لها، وإنْ كْنت قطعْتَ الحرب بينه وبينهم؛ فاقبضْنى إليك".

قالت: "فانْفَجَر كَلْمُه، وكان قد برىء حتى ما يُرى منه إلا مثل الخُرْص(10)، ورجع إلى قبَّتِه التى ضَرَبَ عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم".

قالت عاشئة: "فحَضَرَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر".

قالت: "فوالذى نفس محمد بيده؛ إنى لأعرف بكاء عمر من بكاء أبى بكر وأنا فى حجرتى، وكانوا كما قال الله عز وجل : (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)(11)".

قال علقمة: قالت: أى أمَّه! فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعُ؟

قالت: "كان عينُه لا تدمع على احد، ولكنَّ كان إذا وجد؛ فإنما هو آخذٌ بلحيته"(12).

***

تقول عائشة (رضى الله عنها): "فالتفتُّ، فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مِجَنَّة".

إنه الإستعداد للقتال. . .

أنه جيل الرجال. . .

إنه جيل البطولات والفتوحات.

***

ثم تقول عائشة (رضى الله عنها): "فمرَّ سعدُ وعليه درعٌ من حديد قد خرَجَتْ منها أطرافه، فأنا أتخوَّف على أطراف سعد".

هكزا كان شعور المؤمنة مع المؤمن، والمسلمة مع المسلم، والأخت مع أخيها.

هكزا كانت الأخُوَّة تقتضى التخوُّف على حال الإخوة والأخوات؛ من كل مؤلم أو محزن.

***

"فمرَّ وهو يرتجز ويقول:

لَبَّثْ قَليلاً يُدْرِكِ الهَيْجَا حَمَلْ

                                            مَا أحْسَنَ المَوْتَ إذا حَانَ الأجَلْ"

". . . فمرَّ وهو يرتجز".

فلماذا لا نرتضى لأنفسنا أن نفعل ما فعل ذلك الجيل الفاضل؟

ولمَ نسمح لأنفسنا التوسُّع فى الأمر، فنقول: أناشيد إسلامَّية! وحفلة على الطريقة الإسلامية! وأغنية إسلامية!

        ومن أين جاءت إسلامَّية؟!

أمن كتاب الله (تعالى)؟! فأين الآيات التى تنصُّ على صحة هذه الأناشيد؟!

أم قُلتُم عنها (إسلاميَّة) اقتباساً من سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم؟! فأين هذه الأناشيد فى "صحيح البخارى" و "صحيح مسلم" وكتب السنن والمسانيد وغيرها؟!

أم قُلتُم عنها (إسلاميَّة) لأن الصحابة (رضى الله عنهم) فعَلوها؟! فهاتوا من كتب الآثار ما يدلُّ على أنهم فعّلوا ذلك؟!

لعلَّه قد بقى لكم أن تقولو: إنَّه الجتهاد والقياس والإستنباط!!

سبحان الله! كيف تقولون بسدَّ باب الإجتهاد وتأمرون الناس بالتقليد، ثم تقولون: نفعله بالإجتهاد؟!

أوَ ما كان المقتضى لإنشاء مثل هذه الحفلات وارداً فى عهد الصحابة الكرام (رضى الله عنهم) فى القرون الخيريَّة أم لا؟ فلم تَرَكَه الصحابة الكرام (رضى الله عنهم) وكان زواجهم أكثر من زواجنا(13)؟!

فلما تركَهُ خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كان الأولى لنا أن نَذَرَه وندعَه.

لقد علمنا قياسكم، فعلامَ قِسْتُم؟! وأين المقيس عليه؟!

قولو بكل صراحة: إننا لا يمكِنْ أن نُشْبِعَ أذواقَ الناس برجز الصحابة (رضى الله عنهم) وأشعارهم.

قولوا ما فى قلوبكم، ولا تخفوا ذلك: إننا نريد أن نغلب الإذاعة الجاهليَّة والتفاز غير المسلم والإعلام المستمدّ من الكفر والشرك.

أو تريدونَ هذا بالوسائل الصحيحة أم بالوسائل الهالكة؟!

لقد وقعنا-بهذه الأمانى المخدوعة-بالتشبُّه بمَن أرَدْنا أنْ نغلبهم من حيث لا نشعر.

إنَّه لا ينبغى أن يقودنا التفكير بالبدائل إلى أقتراف الآثام والذنوب.

إنَّه لا ينبغى أن نُتْعِبَ أنفسنا لإرضاء أصحاب الأهواء، الذين عاشوا سنواتٍ مع أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، وقضَوْا حياتهم مع الطبل والمزمار وآلات العزف!

آنه مما يجدر بنا أن نُخْضِعَ رغباتها للدَّين، لا الدين لرغباتنا وأهوائنا.

وينبغى كذلك أن نترك الناس يتمرَّنون على جهاد أنفسهم، والتحاكم إلى شريعة الله (تعالى) فى كل أمر، لا أنْ نتأوَّل النصوص، ونلوى أعناقها-كما يقولون-، ونُحمَّلها ما لا تحمتمل(14).

هذا لمن يحبُّ الصحابة الكرام (رضى الله عنهم) ويسير على منهاجهم.

هذا هو الحبُّ الحقيقىُّ: أن نستقىَ سلوكياتنا من نبع هذا الجيل الفريد.

أنَّ المسلم الحقيقى لا يملك من الوقت ما يقضيه مع مثل هذه الأناشيد التى لم يعرفها أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم.

***

رأى عمر (رضى الله عنه) عائشة (رضى الله عنها) فخاف عليها خوفَ المؤمن كما خافت على سعد (رضى الله عنه)، فقال لها: "ما جاء بك؟ لعمرى والله إنك لجريئة! وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحّوز؟!".

قالت: "فما زال يلومنى حتى تمنَّيت أنَّ الأرض أنشقَّت لى ساعتئذ فدخَلْتُ فيها"!

خشى عمر (رضى الله عنه) وقوع بلاء يمسُّ أمَّ المؤمنين (رضى الله عنها)، فأخذ يعنَّفُها على وجودِها فى ذلك الموقع.

إنها مظاهر الرحمة على شخصيَّة المسلم والمسلمة تتجلى فى أجمل صورة بشكل عتابٍ أو تعنيفٍ محبَّب.

***

ثم يتصدىَّ طلحةُ بنُ عبيد الله (رضى الله عنه) لمناقشة عمر (رضى الله عنه) فى الأمر؛ غير متهيَّب من شخصيَّة عمر، ذلك لأن الإسلام علَّمه أن يقول الحق الذى يعتقده؛ دون مجاملة أو مداهنة.

قال (رضى الله عنه) : "إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوُّز أو الفرار إلا إلى الله (عزَّ وجلَّ)؟!".

خالَفَ عمرَ(15) فى مقولتِه من باب حُسن التوكُّل على الله، وأن ماقدَّره الله كائن لا محالة، والفرار لا يكون إلا لله (سبحانه)، والله (تعالى) لا يضيَّع عباده المتَّقين.

***

قالت: "ويرمى سعداً رجل من المشركين من قريش يقال له: ابن العرقة-بسهم له، فقال له: خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكْحَلَه(4)، فقَطَعه".

". . . خذها وأنا ابن العرقة".

هذا هو شأن المشكين؛ افتخار بالآباء والقبائل
 والعروق. . .

(ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ العِلْمِ)(16).

***

"فدعا الله (عزَّ وجلَّ) سعدُ، فقال: الهمَّ لا تُمِتنى حتى تُقرَّ عينى من قريظة".

التجاءٌ إلى الله (تعالى) أن يُبقيَهُ على قيد الحياة وأن لا يميتَه.

تُرى؛ لماذا هذا الدُّعاء؟

أمِنْ أجْل أن يتمتَّعَ بالطعام والشراب والنساء والمال
لا. . . ولكن من أجل أمرٍ عظيم هو أجلُّ من ذلك وأسمى.

ما أكثر الذين يتمنَّوْنَ طول الحياة لتقرَّ أعينهم من اللَّذاءذ والرَّغبات. . .

(ذَرْهُمْ يَأكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمونَ)(17).

***

"الهمَّ لا تُمِتنى حتى تُقرَّ عينى من قريظة".

أجْمِلْ بها مِن أعين تلك التى لا تَقَرُّ إلا بالإيمان. . .

أنعِمْ بها من اعين تلك التى لا تَقَرُّ إلا بمقتل الإعداء والمشركين والكفَّار. . .

ألا نِعْمَتِ الأعينُ ونِعْمَ ما تَقَرُّ به.

رضى الله عنه من جيل؛ راحتُه مرضاةُ الله (تعالى) وتحقيق طاعته.

لقد أقبل عليه الموت، ولكنَّه تضرَّع إلى الله (تعالى) أن يُدْبِر عنه؛ ليحَّقق هدفاً عظيماً نبيلاً.

إنَّه خشى أن يموت ولا ينتقم من أعداء الله الذين عاثوا فى الأرض فساداً. . .

كان يتضرعُ لله (سبحانه)، وكأنَّه لا يوجد على ظهر الأرض غيره؛ ليقتَّل الكفار وينتقمَ منهم

أنه السَّباق للخير، والمسارعة فى البِرَّ، والمنافسةُ لتقتيل أعداء الله (سبحانه).

إنَّه إلغاءٌ لكلَّ معانى الاتَّكاليَّة والتواكل، وتحقيقٌ للتوكُّل على الله (سبحانه وتعالى).

***

قالت: "فَرقَأ كَلْمُه (أى: جُرْحة)،وبعث الله (عزَّ وجلَّ) الريح على المشركين، فكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قوياً عزيزاً".

تحقَّقت الأمنية بفضل الله (تعالى)، وزال خطر الموت عن سعد (رضى الله عنه)، وسخَّر الله (تعالى) الريح لطاعته، وبَعَثَها على المشركين، فكفى الله المؤمنين القتال، فم يحتاجوا فى إجلائهم إلى منازلة ولا إلى مبارزة.

قال (تعالى): (وَرَدَّ اللهُ الذينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وكَفَى اللهُ الموُمِنينَ القِتالَ وكانَ اللهُ قَوِيّاً عَزيزاً)
الأحزاب 25.

وكان (صلى الله عليه وسلم) يقول: "الهمَّ! مُنزلَ الكتابَ، ومُجْرى السحاب، وهازمَ الأحزاب؛ اهزمهُم وانصُرنا عليهم(18)"

لحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر وَمن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحضَّنوا فى صياصيهم.

"ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فوضع السلاح، وأمر بقبَّة من أدم، فضربت على سعد فى المسجد".

قالت: "فجاء جبريل (عيله السلام) وأنَّ على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أوَ قد وضعتَ السلاح؟! والله ما وضَعَت الملائكة بعدُ السلاح، اخرج إلى بنى قريظة فقاتلهم".

"أوَ قد وضعتَ السلاح؟! والله ما وضَعَت الملائكة بعدُ السلاح".

إنَّ جبريل (عليه السلام) يستغرب أنْ يكون الصحابة قد وَضَعوا أسلحتهم.

"والله ما وضَعَت الملائكة بعدُ السلاح"

وما أدرى! فلعلَّ الملائكة قد استنفرتْ فى السماء لدُعاء سعد: "الهمَّ لا تُمِتنى حتى تُقرَّ عينى من قريظة".

ها هو الدُّعاء الذى انبثق من قلبه (رضى الله عنه)؛ قد فتحَ اللهُ (سبحانه) له باب الإستجابة، ومنَّ عليه بذلك.

هذه حقائق ينبغى ألا يغفِلَها المسلمون.

(يَا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُا اللهَ يَنْصُرْكُمْ ويُثَبَّتْ أقْدامَكُمْ) محمد (7).

فحذار إذن أن ننتظر نصراً من زيد ومن عمرو إذا لم نَرَ منه نصراً للإسلام.

لا يكفى أن نرى من فلانٍ وعلانٍ مواقف مضيئة، ننسى فيها المواقف المظلمة الهالكة الكثيرة، ولا سيما إن كان حاكماً؛ لأن منهاج الحاكم ينعكس على الأمَّة، أما خطأ الفرد؛ فينعكس على نفسه، ومهما تعاظم ذنبه؛ فلا يبلغ ما بلغه عوج الحاكم.

والعجبُ أنَّ الأمَّة تتأمَّلُ النصر وهى نائمة؛ دون أن تجاهد نفسها وتسعى لإرضاء ربَّها (سبحانه).

فإذا أردنا النصر؛ فعلينا أن نبذل الإسباب المؤدَّية إليه؛ من تقوى، وإيمان، وتغيير ما فى الأنفس والسلوك، وإعداد لما نستطيعه من القوَّة والرَّباط.

أمَّا أن يُسخَّر المذياع فى الإنحراق، والتلفاز فى الفساد، والإعلام فى المعاصى؛ فا نأملُ بنصر أو فوز.

لقد دعا سعدٌ ربَّه دعاءً خالصاً من قبله، فاستجاب الله (سبحانه) له. . . وها نحن ندعو وندعو بالنصر على
الأعداء.  .  . ولا إجابة!

تُرى ما السرُّ فى الأمر؟!

لقد قال ربٌّنا (سبحانَه): (وقالَ رَبُكُمُ ادْعُونْى أسْتَجِبْ لَكُمْ) غافر (60).

فلِمَ لم يستَجِبْ لنا؟!

 أفى الله شكُّ فاطر السماوات والأرض؟!

حاشا وكلا. . . لا يُخْلِفُ اللهُ الميعاد.

إذنْ؛ ما الأمر؟

أننا ما دعوناه فيستجيب لنا.

دعوناه بألسنة خاطئة.

دعوناه بألسنة مغتابة.

دعوناه بألسنة كاذبة.

دعوناه بألسنة منافقة.

دعوناه بألسنة زانية.

رفعنا له أيدىَ زانية.

رفعنا له أيدىَ عاصية.

رفعنا له أيدىَ مرابية.

رفعنا له أيدىَ سارقة.

رفعنا له أيدىَ ظالمة باطشة.

رفعنا له أيدىَ تعين على الإثم والعدوان.

دعوناه ونفوسنا مقيمة على المعاصى، ونسينا قولَه (سبحانه): (إنَّ اللهَ لا يُغَيَّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيَّرُوا مَا بِأنْفُسِهِمْ) الرعد (11).

لم ندعهُ (سبحانَه) بقلوب صادقة وأفئدة مخلصة. قد نقنت له فى بعض الصلوات ثم نذهب لننام، ولكنَّ الصحابة الكرام (رضى الله عنهم) كانوا يقنتون بالنوازل ويذهبون للقتال فى سبيل الله (سبحانه).

إننا لا نبذل الأسباب للقتال.

إنَّ أسمى أمانينا أن ننتصر على الأعداء، ولكن. . . هل دعونا الله (تعالى) صادقين من قلوبنا أن نموت شهداء؟!

إذا بَلَغْنا من الإخلاص حداً أن ندعو الله فيه أن يمنَّ علينا بالشهادة فى سبيله؛ فإنها الخطوة الأولى للنصر.

ثم إذا دعونا الله أن يغيَّر ما فى نفوسنا؛ فقد خطونا الخطوة الثانية للفوز.

أما الخطوة الثالثة؛ فهى أن نشرع بالعمل الجادَّ البنَّاء المستمر.

أما أن يسبَّ أبناء المسلمين الربَّ (سبحانه) ودين الإسلام فى الشوارع، ويتلفَّظون الألفاظ البذيئة؛ فالنصر عنَّا بعيد بعيد.

أمَّا أن نظلَّ غارقين فى الهوى والشهوات والمحرَّمات؛ فلا نحلم بالنصر، بل بيننا وبينه كما بين المشرق والمغرب.

***

"والله ما وضَعَت الملائكة بعدُ السلاح"

وما أدرى! فلعلَّ الملائكة قد استنفرتْ فى السماء والصحابة فى الأرض؛ تليبةً لدعوة سعد بن معذ (رضى الله عنه)؛ كى تَقَرَّ عينُه من قريظة.

قولوا هذا القول لمَن وضعَ السلاحَ عنه، ووضع اللهو والهوى فى قلبه ونفسه.

قولوه لمَن لا سلا عنده.

قولوه لمَن لا يُحْسِنُ استخدام السلاح.

قولوه لمَن لا يستطيع صناعة السلاح.

قولوه لمَن يوجَّهُ السلاح إلى غير محلَّه.

إنَّ الأمَّة التى لا تتعامل بالسلاح أمَّة هزيلة مهزومةٌ ضائعةٌ.

***

 

". . . اخرُجْ إلى بنى قريظة فقاتلهم. . . فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمَتَه".

جاء الأمر من السماء للنبىَّ صلى الله عليه وسلم بقتال بنى قُريظة، فلبِسَ الرسول صلى الله عليه وسلم لأمَتَه لأمر الله (سبحانه وتعالى).

هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسوة الحسنة لأمَّته.

هذا هو القائد العامل المجاهد يبدأ بنفسه أوَّلاً.

"وأذَّن فى الناس بالرحيل".

أصدر الرسول صلى الله عليه وسلم أوامره بالتوجُّه لقتال بنى قريظة، وكان ذلك؛ لأنهم مستعدُّون لمِثْل هذا، فأين استعدادُنا إذا طُلِب منَّ ذلك؟

لا بُدَّ من إعداد يتلوه إعداد؛ فى العقيدة، والإيمان، والقوة، والجهاد، والمجاهدة، والصبر، والمصابرة.

لابدَّ من تربية النفوس على هذا زمناً طويلاً، حتى إذا دعا داعى الجهاد؛ قمنا نلبَّى النداء.

أمَّا أن نظلَّ قاعدين ونردَّد شعارات الجهاد الزائفة؛ فهذه الإساليب لا تسمن ولا تُغنى من جوع.


***

"فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة".

حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كان الحصار فى عهد الإيمان والتقوى، ونحن الآن نُغْزَى ونُحتَلُّ ونُحاصر ونُهاجم.

ها هى الأممم قد تداعتْ علينا كما تتداعى الأكَلَة على قصعتها؛ لأننا تخلَّينا عن دين الله (تعالى)، وتركْنا الجهاد فى سبيل الله، واهتممْنا بالزَّرع والضَّرع والدَّرهم والدينار، ومع كلَّ هذه الإهتمامات؛ هُدَّدْنا فى زرعنا وأموالنا وبيوتنا وأراضينا، بل وفى أنفسنا.

خشينا الإحتلال من أعدائنا وسنظلُّ نخشاه حتى يأتى الله (سبحانه) بأمر من عنده، بل ووقع فى بعض بلادنا، بل وفى أغلاها.

"فلما اشتدَّ حصرهم، واشتد البلاء؛ قيل لهم: انزلوا على حُكْم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشاروا أبا لُبابة بن عبد المنذز، فأشار إليهم أنه الذَّبح؛ قالوا: ننْزِلُ على حُكْم سعد بن معاذ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انْزِلوا على حُكْم سعد بن معاذ. فنزلوا".

يريد الله (تعالى) أن يحقَّق دعوة سعد (رضى الله عنه)؛ كى تَقَرَّ عينُه مِن قريظة، فكيق تمَّ ذلك؟

تمَّ ذلك بأن ينزلوا على حكمه (رضى الله عنه).

(مِنَ المُؤمِنينَ رجالٌ صَجَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ومِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاَّ) الأحزاب (23). (رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ) المائدة (119).

لا غرابة ولا عجب أن يقعَ هذا كلَّه؛ فإنه الرجل الذى قال فيه (عليه السلام): "اهتز عرشُ الرحمن لموت سعد ابن معاذ"(19).

***

"حتى إذا دنا من دورهم؛ التفت إلى قومه، فقال قد أنى لى أن لا أُبالىَ فى الله لومة لائم".

لقد آن الأوان الذى لا يبالى فى الله لومة لائم.

لقد حان الوقت الذى يحكم فيه بحُكم الله.

لقد أقبلت عليه السعادة مرفرفة بأجنحتها كى تَقَرَّ عينهُ (رضى الله عنه) من القوم الظالمين.

***

"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احكُمْ فيهم. قال سعد: فإنى أحكم أن تُقتلَ مقاتِلهم، وتُسبى ذراريهم، وتُقسم أموالهم".

كان حُكْمه (رضى الله عنه) بالقتل والسبى وتقسيم الأموال.

فماذا بقى لأولئك المجرمين؟!

وهل هناك من شىء بعد هذا تَقَرُّ به عينُهَّ (رضى الله عنه).

إنها الإستجابة للدُّعاء تتمثَّل فى صورة مشرقة مضيئة.

هذا هو الصدق مع الله (تعالى)، وهذا هو الإخلاص لله (سبحانه).

***

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكْمتَ بحُكْم الله (عزَّ وجلَّ) وحُكم رسوله".

إنَّه يمشى(رضى الله عنه) على نور من ربَّه (سبحانه).

(والَّذينَ جَاهَدُوا فينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) العنكبوت (69).

توقيقٌ من الله (تعالى) له؛ ليحكم بالحقَّ والصواب... ليحكم بحُكْم الله (سبحانه) وحُكم رسوله صلى الله عليه وسلم. . . ذلك لأنه عاش حياته مع كتاب الله (تعالى) وتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

***

"ثم دعا سعد؛ قال: الهم إنْ كنت أبقيت على نبيك
صلى الله عليه وسلم   من   حرب   قريش   شيئاً؛   فأبْقِنى

لها، وإنْ كْنت قطعْتَ الحرب بينه وبينهم؛ فاقبضْنى إليك".

قالت: "فانْفَجَر كَلْمُه، وكان قد برىء حتى ما يُرى منه إلا مثل الخُرْص".

"الهم إنْ كنت أبقيت على نبيك صلى الله عليه وسلم من حرب قريش شيئاً؛ فأبْقِنى لها".

. . . سبحان الله!

ما أنقى قلوبَ هذا الجيل! ما أشدَّ ورعهم! ما أعظم تقواهم!

وكأنه لا يعيش إلا للجهاد فى سبيل الله (تعالى) ونُصرةِ دينه (سبحانه).

". . . فأبقينى لها".

أبْقِنى للحرب فى سبيلك.

أبقِنى لأقاتل الكفار والمشركين.

أبْقِنى لأعلِىَ كلمتَكَ.

أبْقِنى لتُعْبَدَ فى الأرض.

أبْقِنى لتَقْوى شوكة المسلمين.

هذا هو البقاء الذى ينبغى أن نفكر فيه وندعو له، وما سواه هو الفناء.


-------------------------------------------------------------------

(1) أتبع.                                                (2) الترس.

(3) زرد يُنسج على قدْر الرأس، يُلبس تحت القلنسوة.

(4) فى "لسان العرب": "عِرق فى اليد يُفْصَد، وقيل: الأكحل: عِرْق الحياة، يُدعى نهْر البََدن، وفى عضو منه شعبة، له اسم على حِدة، فإذا قُطع فى اليد؛ لم يرقأ الدم، وفى الحديث: أن سعداً رُمى فى أكحله. الأكحل: عِرق فى وسط الذُراع يكثر فصده"، والفصد: هو القطع.

(5) حصونهم.                                           (6) من الجلد.

(7) أداة الحرب كلّها؛ من: رمح، وبيضة، ومغفر، وسيف، ودرع. "الوسيط"

(8) هو البرذعة، وهو ما يوضع على الحمار أو البغل ليُركب عليه؛ كالسَّرج للفرس.

(9) كذا الأصل، وفى "المجمع": "أتى لى"، ولعله: "آن لى"، ويقال: أنى يأنى؛ بمعنى: دنا وقَرُب.

(10) الحلقة من الذهب والفضة.

(11) سورة الفتح: بعض الآية 29.

(12) قال الهيثمى فى "مجمع الزوائد": "رواه أحمد، وفيه محمد بن عمرو وبن علقمة، وهو حسن الحديث، وبقية رجال ثقات". وقال الحافظ فى "الفتح": "وسنده حسن".

وانظر" سلسلة الأحاديث الصحيحة" (رقم 67) لشيخنا الألبانى (حفظه الله تعالى)، حيث قال فيه: "وهذا إسناد حسن"، وأشار إلى رواية البخارى المختصرة وغيرها.

(13) لأننا اقتصرنا على الواحدة، وهم عدَّدوا؛ لتحقيق رغبة النبى صلى الله عليه وسلم فى مكاثرته الإمم بأمته يوم القيامة، ولإكثار النسل، وتقوية الأمة، والإعداد للجهاد، وكسْب الأجر والثواب، مع بذل الجهد فى التقوى والخشية لله (تعالى) فى تحقيق العدل الممكن بين نسائهم (رضى الله عنهم أجمعين).

(14) وبهذه المناسبة سرَّنى ما ذكره أحد الإخوة الأفاضل من قوله: "أن الشيطان لم يعمل بالنص، ولجأ إلى التأويل". فقال أخ حبيب آخر: "أخشى أن يَعذِره أقوام على تأويله"!.

(15) ولا يعنى هذا أن عمر (رضى الله عنه) على خطأ؛ لأنه كان يرى أن حسن التوكل لا يخالف الأخذ بالأسباب الصحيحة.

(16) سورة النجم: آيه 30.                              (17) سورة الحج: آية 3.

(18) البخارى ومسلم وأبو داود عن عبد الله بن أبى أوفى (رضى الله عنه).

(19) رواه البخارى ومسلم وغيرهما، وهو من "فتح البارى" كتاب مناقب الإنصار، باب مناقب سعد بن معاذ، المجلد السابع.

كتاب: من مواقف الصحابة

تأليف: حسين بن عُودة العوايشة

دار ابن القيم               دارُ ابن عفان

 

الأقسام الرئيسية: