مشاكل الطلاب الجامعيين و حلها2

مشكلات الطلاب الجامعيين وحلها على ضوء الإسلام (2)

للشيخ عطية سالم القاضي في المدينة

 

 

ثالثا: التوجيه الخارجي:

وهو تدخل الحكومة أو تأثير السياسة أو أي شخصية غير تعليمية فإن ذلك يؤدي إلى تغيير اتجاه سير التعليم ويحيد بالجامعات عن الغاية المرجوة ويجعلها تسير وفق رغبات أصحابه. وهكذا الجامعات تصنع رجالا أو على الأصح تصنع أفكارا وفق إرادة من يوجهونها, وقد كشف عن هذا المبدأ قديما نابليون في خطاب له قال: "لن يكون استقرار سياسي إلاّ بتحديد أغراض التعليم تحديدا لا شك فيه, فحيث لا يعرف الناس إن كان التعليم يرمي إلى يخلق منهم جمهوريين أو ملوكيين, نصارى أو كافرين, لا توجد جامعة جديرة بهذا الاسم".

إذن فالجامعة في نظره مصنع أفكار حسب اتجاه الدولة ولا تملك حق التوجيه أو الابتكار, وفي هذا سلب القيادة عنها, اللهم إلاّ في التعليم المهني كالطب والهندسة والزراعة لأن في ذلك رفعا لمستوى البلد, وكسبا أدبيا في المجال الدولي وكسبا ماديا في الأسواق التجارية العالمية, ولعل مناهج الدراسة في الجامعات الروسية تشير إلى حقيقة هذا القول, بل إن موقف بعض الدول من منظمة اليونسكو يؤيد هذه النظرية.

ومشكلة هذا التحيد العلمي تعطي لونا خاصا من المنهج من جهات:

1-  إلزام الطالب بما تريده الجهة الموجهة وتختاره وإغفال إرادة الطالب واختياره ومن هنا تسد أبواب حرية الفكر ويفوت استقلال الرغبات وبالتالي تموت الملكات, ويصبح الطالب قالبا للون خاص واتجاه معين. فإذا جاءت حكومة أخرى أو غيرت الأمة سياستها, أصبح الطالب بين أحد أمرين: إما أن يصبغ بصبغة أخرى ويصب في قالب أخر وفق السياسة الجديدة ومن ثم يكفر بالمنهج الماضي, وأما أن يظل على ما كان عليه فيصطدم بالمستقبل, ومن ثم تفقد الجامعة كيانها, ويضيع عليها مركزها, وتعجز عن إثبات وجودها بشخصية مستقلة.

 ولعل موقف بعض الجامعات من بعض القضايا كان سببا في انصراف الناس عن الثقة كل الثقة بها.

2-  عزل تلك الجامعة - أي الموجهة - عن محيط الجامعات الأخرى حيث لا يمكن تبادل ثقافي معها لا في الكتب ولا في المحاضرات ولا في الأساتذة اللهم ما كان منها وفق اتجاهها. ولا يتأتى هذا الاتفاق إلاّ في النواحي الصناعية الصرفة؛ لأن الإنتاج الصناعي مهما يكن ابتداء من المواد الخام إلى قطع الاستهلاك لا يحمل فكرة ولا يعرف مبدأ وغاية ما فيه إنما هو تنمية للدخل القومي .. أما سياسة الأمة أو تاريخها أو آدابها أو أخلاقها أو دينها فلا دخل له في شيء من ذلك, ولهذا فإن الجامعات الروسية يمكنها تبادل الثقافي مع جامعات العالم في مجال الصناعة والاختراع أما المجالات الفكرية والدينية والسياسية ...الخ فلا, اللهم إلاّ في نطاق النظام الشيوعي فحسب, ومثل ذلك الجامعات الأخرى بالنسبة إلى المعسكر الروسي.. فهذه مشكلة للجامعة بأكملها لا للطلاب فحسب.

أما علاج ذلك على ضوء الإسلام فإن أول آية نزلت في الإسلام قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ, خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ, اقرأ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم, عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ, كَلاّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى, أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى, إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}, فجعل القراءة والكتابة والعلم كلها باسم الله الذي خلق كل شيء, والذي خلق الإنسان بالذات من علق.

فجعل اتجاه العلم مبدأ وغاية من الله وإلى الله, أي لا سلطة لإنسان ولا لجهة ما في توجيه العلم (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ -  إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى), وفي جعل القراءة باسم الرب إشارة إلى أهمية القراءة والتعليم في التربية المفهومة من الربوبية في قوله تعالى: {بِاسْمِ رَبِّكَ}.

كما جعل صلة الموصول صفة الخلق المطلق, ثم خلق الإنسان بالذات إشارة إلى الإنشاء والابتكار والإبداع المفهوم من صفة الخلق المضمنة لقوله تعالى: {خَلَقَ}, وفي تكرار طلب القراءة مع {وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} إشارة إلى أن المنهج نعمة ومنة وإكرام من الرب الكريم, ثم بيين وجه ذلك الأكرم بقوله: {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم} وأنشأ يفصل ذلك العلم وأهميته بقوله تعالى: {عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}.. ومن هنا كان علم القلم أشرف العلوم لأنه علم الخاصة والقادة وحظ الروح والفكر ووسيلة الإصلاح والتوجيه ومهمة الأنبياء والمرسلين والهادي إلى الصراط المستقيم ومرضاة رب العالمين.

أما علم الصناعات فهو مهما كان وسيلة لا غاية انحط أو ارتفع. ولربما كان سببا للفساد والطغيان والعلو والتكبر والظلم والطغيان..وقد نوه تعالى عن ذلك في نفس الآية بقوله: {كَلاّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}.

إذن فعلاج الإسلام لهذه المشكلة (التدخل الخارجي في توجيه الدراسة الجامعية) هو منعه أصالة وترك المنهج يسير حرا طليقا باسم الرب الخالق ومن سبيل كسب العلوم المجهولة التي لم تعلم من قبل وتوجيه الأمة إلى أقوم سبيل.

وإذا كانت الصحافة قد انتزعت لقب (صاحب الجلالة) لحريتها ومضيها في سبيلها من غير حيف أو تحيز, فالجامعة أحق منها بهذا اللقب أو بما هو أعظم منه فلتلقب صاحبه القيادة أو نحوه لأن الصحافة ما هي إلاّ أثر من آثار الجامعة لأنها نتاج أقلام الجامعيين ومن دونهم.

 

رابعا: المنهج الجامعي:

من المعلوم أن مناهج الجامعات في كل أمة هي الأساس لتكوينها والصورة لاتجاهها و كل أمة تكيف مناهجها حسب فلسفتها في الحياة, فمناهج الجامعات في المعسكر الروسي خلافها في جامعات المعسكر الغربي.. وهي في المعسكرات الشرقية غيرها في الجميع. وهذا واقع الحياة التعليمية في الجهات المختلفة, ولا يمكن لجهة أن تتخلى عن واقع حياتها.

ولكننا إذا تطلعنا شرقا وغربا نطلب منهجا قويما بحاجات الإنسانية ويكون الإنسان الكامل كوحدة متماسكة يسير به في توازن وينهض به في اعتدال لن نجد منهجا سويا يفي بمقصودنا.

لأنها كلها قد جنحت في مناهجها إلى جانب من جوانب هذا الإنسان وهو الجانب الذي أحست به ولمسته فآمنت بوجوده, وهو الجانب المادي فراحت تعمل لخدمة هذا الجانب من هذه الناحية فرقت الصناعية تسهيلا لمعاشه وطورت الفنون تيسيرا لمسراته وأطلقت من قيود الحرية إشباعا لشهواته فأصبح يأكل ويتمتع ويلهو ويتوسع حتى أعطى هذا الجانب كل متطلباته.

بينما أغفل الجانب الآخر من الإنسان وهو الجانب الروحي الذي به حياته الحقيقة السعيدة وعليه قوامه, وبإغفال هذا الجانب اختل ميزانه وفقد اتزانه وظهر طغيانه.

لأن الإنسان إذا لم يكن له ضمير ينبهه ولا دين يردعه ووجد انطلاقة وراء شهواته وملذاته فلابد من أن يطغى على غيره ليحصل على أكبر قسط لنفسه, سيطغى فردا أو جماعة لإرضاء شهوة النفس من سلطة وسلطان:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد

ذا عفة فلعلة لا يظلم

والنفس من طبيعتها الشح كما قال الله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ}.. والشح يحمل على الحرص, والحرص يحمل على الأنانية وحب الذاتية, وهما يحملان على الاستزادة والإكثار من كل ما تصل إليه اليد ولو طغيانا وبطرا: {إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}.

وهذا كله نتيجة اختلال التوازن بين متطلبات الإنسانية من ثقافة متوازنة الجانبين: "الروح والمادة".

 ولقد شاهد العالم نتيجة الفلسفة المادية والانطلاق من قيود الحرية: شيوعية حمراء ورأسمالية نكراء, التقتا في تسابق ذري مهلك.

أما الإسلام فلم يفصل بين أجزاء الكائن المرتبطة ولم يغفل عوامل الفطرة فزاوج بين جسمه وروحه وعقله وملذاته, فأعطى كل جانب حقه, فساير كل منهما الآخر من غير تقصير ولا طغيان من جانب آخر, وقد تقدم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون, فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

فأوجد أمة متماسكة كالبنيان المرصوص, كان قادتها هم قادة الدنيا, وساستها ساسة العالم وعلماؤها هم علماء الدين والدنيا, خلفت حضارة أنارت العلم شرقا وغربا.

وتلك آثار حضارتهم في الطب والهندسة والعمران بل والجغرافيا والصناعة كانت أساسا لحضارة الغربيين جميعا.

فقد وصلوا في القرن الرابع الهجري في ميدان الطب إلى الكشف بالتحليل واستخدام البنج,  وكانوا أول من نظم الصيدلية وتوسع فيها وظهر فيهم التخصص في الطب, وقد اكتشفوا بعض العناصر الكيماوية كالبوتاس والنشادر ونترات الفضة كما استعملوا الترشيح والتقطير والبلورة وقد عرفوا المستشفيات, فقد بنى الوليد بن عبد الملك (المارستان) وعددا من الدور للمرضى, وجعل فيها أطباء وأجرى عليها النفقات والأرزاق, وقد كان ابن الهيثم الحسن أبو علي عنوانا على رجال العلم المدني والإنشاء والابتكار في القرن الرابع الهجري, فقد درس نواحي الضوء كانعكاسه وانعطافه...إلخ.

وعبد الله البتاني في الفلك والرياضيات.

وأمية بن أبي الصلت حيث ابتكر فكرة استخراج المراكب في قعر البحر .. وكذلك في النواحي العسكرية الحديثة فقد كانوا أول من اخترع القنابل عن طريق معرفتهم لتركيب النار اليونانية واستخدموها سنة 1205 حين حاصروا الأمير يعقوب.

 وإذا كان هناك من مبادئ يونانية أو إغريقية أو غيرها فإنهم بلا شك قد زادوا على ما وصلهم وابتكروا ما لم يصلهم كما تقدم من أوليات لهم في الاختراع.

وإذا تأملنا كتاب الله تعالى وهو الدستور السماوي الذي ملك عليهم حواسهم وجوارحهم نجده يشيد بالعلم ويشير إلى شتى العلوم.

فقد لفت الأنظار إلى الطب عن طريق خلق الإنسان في قوله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}, مع بيان قدرة الله تعالى على الخلق والإبداع في قوله تعالى: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ, وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ, وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ, وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ, فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ}, وقد لفت الأنظار إلى الصناعات في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}, كما وضع أساسا من أسس الصناعة وأصلا من أصول الدقة والإتقان في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ, أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ}.

وقد قال بعض العلماء: لقد وضعت آية من كتاب الله تعالى نظرية ثابتة لجميع المخترعات والصناعات وهي قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}, فكل موجود صناعي لابد له من مقادير ومقاييس إذا لم تضبط لا يتم وجوده ولو أردنا تطبيقها لوجدناها متمشية من أدنى شيء إلى أعظم اختراع كثوب الإنسان أو ستارة النافذة- وكنظام الذرة منذ أعلن عن اكتشاف الكترونات عام 1897. واستدلوا على أن الذرة المتعادلة لابد أن تكون من جزئين أحدهما موجب والآخر سالب, ومن شحنتين كل منهما مساوية ومضادة للأخرى.

وقد أعطى القرآن الكريم للإنسان الحق في بذل الوسع واستفراغ الجهد في العمل المادي لتحصيل مصلحتة والحفاظ على دينه الذي استخلفه الله به في الأرض حيث قال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}, ومعلوم أن إعداد القوة ليس في السلاح فحسب بل في كل شيء اليوم من أنواع الإنتاج من المأكل إلى المقتل, وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين حق العمل بمعارفهم الدنيوية حيث لم تتعارض مع الشريعة حيث قال: "أنتم أعرف بأمر دنياكم".

وبجانب هذا المنهج الصناعي في الإسلام تلك الكنوز من المكتبات المليئة بالكتل المشحونة من نتاج الفكر من مُثُل عليا وأخلاق مُثلى مما بهر العالم شرقا وغربا, وجعل سيرة القوم أشد تأثيرا في النفوس من دعوتهم فدخل الناس في دين الله أفوجا فسادت السكينة وعمت الطمأنينة وانتشر السلام وظهرت الفضيلة واختفت الرذيلة وقضي على الظلم والطغيان بالعدل والإحسان يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخليفة الأول في خطابه الأول: "أقواكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق له, وأضعفكم عندي قوي حتى آخذ الحق منه".

تعجز جامعات اليوم مجتمعة أن توجد مثل هذا المثال للمسلم, أو تأتي بأحسن من هذا المنهج لسعادة الأمة أو عدالة حكم.

هذا هو المنهاج الإسلامي في جملته حفاظ على التراث العزيز عند الأمة من دين وخلق.. الخ, تزاوج بين متطلبات هذا الإنسان من مادة وروح في توازن واعتدال.

تربية النفوس على فضيلة انطلاقته في كسب العلوم النافعة لا تقف عند حد البعثات العلمية كما في رحلات العلماء وسفر أبي أيوب من المدينة إلى مصر لحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. التخصص في المادة كما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت لتعلم اللغة ليكتب ويقرأ كتبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

خامسا: أوقات الفراغ:

لاشك أن الزمن هو أساس رأس مال الإنسان في هذه الحياة, والطالب الجامعي وغيره يشعر بفراغ في وقته أثناء الدراسة وفي العطلة, وإذا ترك لنفسه فإنه لا يدري كيف يقضيه وبما يشغل وقته, بينما يحيط به أسباب شغل الوقت بأسباب بعيدة عن مجال الدراسة والتحصيل قريبة من جانب الانحراف والتخلف مع تهيؤ الظروف أمامه وتكامل الأسباب عنده.

 

إن الشباب والفراغ والجدة

مفسدة المرء أي مفسدة

فبدافع عن غريزته وبقهر من شهواته سينطلق حيث دعاء النفس وملذاتها ومن هنا تنشأ المشكلة؛ لديه معلومات تتطلب ما ينميها, وأمامه ملهيات عظم داعيها, ولعل لهذه المشكلة صلة وثيقة بمشكلة أخرى وهي نظرة الكثيرين إلى التعليم على أنه وسيلة لشهادة تفتح أبواب العمل وتيسر سبل العيش, فينصب جهده أثناء العام الدراسي على مقررات المنهج لينجح, ثم يودع الدراسة إلى العام القابل ومن هنا لابد من شغل الوقت بما طاب له.

ولو كانت نظرته للدراسة أن العلم يطلب لذاته استكمالا لشخصية المتعلم لشغل وقته في التحصيل, كما قال أحدهم لأولاده: "تعلموا العلم فإن كنتم فقراء استغنيتم وإن كنتم أغنياء سدتم".

ولهذا فالإسلام لا يعرف فراغا ولا يوجد عند المسلم العامل ما يسبب له هذه المشكلة كيف والله تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ}, ويقول: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}, وعليه لابد أن يكون في عمل دائم إما لدنياه وإما لآخرته كما خاطب عموم الأمة بقوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ}.

ولكم هذا النوع من الحياة يتطلب إصلاح المجتمعات التي يعيش الطالب في جوها, وإلى ذلك الوقت ستظل مشكلة تشغل فراغ الطالب, ولا سيما مع وجود تلك الملاهي والمغريات وبالأخص أثناء العطلة الدراسية.

ولعل أنجع الوسائل لحل هذه المشكلة على ضوء الإسلام هو كالآتي:

أولا: بتكليف الطلاب الجامعيين أثناء العطلة بنشاط عملي كل على حسب اختصاص دراسته فيقوم طالب الطب مثلاً بتقديم مساعدات من إرشادات وتوجيهات طبية في بلده أو الحي الذي يقطن فيه سواء في المقاهي أو المساجد أو المنتزهات العامة ويقدم تقريراً للجامعة عن أهم الأخطاء الشعبية في النواحي الصحية وأهم طرق علاجها.

وكذلك طالب الزراعة ولو بذهابه إلى الأرياف ومخالطته للمزارعين ومثله في الهندسة.. إلخ وعلى الجامعة أن تهيّيء جوائز مغرية لمن يظهر لعمله أثر بين.

ثانياً: تمنح الجامعة طلابها بطاقات يسمح لهم بموجبها التطبيق العملي على النظريات العلمية كل في مجال دراسته، فمثلاً طالب الطب يسمح له بدخول المستشفيات للاطلاع على سير العلاج والمتزود بمعرفة الأمراض المستوطنة مثلاً وكيف تعالج, أو دخول غرف عمليات الجراحة والضماد ليكسب خبرة عملية ربما تكون أوسع من نطاق الدراسة النظامية.

وكذلك طالب الصيدلية يدخل ما يمكن من الصيدليات ويشارك بالفعل في تحضير بعض الأدوية ولاسيما ذات العناصر البسيطة كالوارند والبزمت والمراهم وإبر الكالسيوم والمحلولات الداخلية.. الخ.

وطالب الأزهر يذهب إلى المحاكم ليرى سير الدفاع والمرافعات أو إلى البنوك ليرى أنواع المعاملات أو إلى المساجد ليسهم في الوعظ والإرشاد والدعوة إلى الله تعالى.

وكل ذلك سيفتح أمام الطالب مجالاً للدراسة والتحصيل كما سيمكن الجامعة من اكتشاف طاقات مجهولة واستخدام خامات صالحة كما ستكسب الأمة من وراء ذلك فوائد في كل ميدان. وقد تستطيع الحكومة أن تستفيد من مثل هذا العمل فتستعين بالطلاب الجامعيين في بعض الظروف التي كانت تضطر فيها لاستخدام العسكريين في الأمور المدنية فتكسب روحاً علمية وشعورًا وطنياً وعملاً إنسانياً وتنقل الطلاب من فراغ وكسل إلى إنتاج وعمل, {وَقُلِ اعْمَلُوا...}.

وقد رسم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الطريقة في هذا كله قولاً وعملاً.

أما قولاً: فقد مر بقوم يحفرون لحدًا لميت فنظر فإذا به معوجًا فأمرهم أن يصلحوه وقال: "إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يحسنه", فأرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى إحسان العلم ولو لم يسهم عمليًا.

ومن حديث أبي ذر في الصحيحين أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي الرقاب أفضل؟" قال: "أنفسها", قلت: "يا رسول الله فإذا لم أفعل؟" قال: "تعين صانعًا أو تصنع لأخرق", قلت: "فإن لم أفعل؟" قال: "تدع شرّك عن الناس فإن ذلك صدقة منك على نفسك".

وأما عملياً فقد مرّ على رجل ذبح شاة له وهو لا يحسن سلخها فقال: "ألا أريك كيف تفعل؟ فأدخل يده صلى الله عليه وسلم بين إهابها واللحم وأدراها, وقال: هكذا فافعل".

فهذا إسهام عملي في توجيه أفراد الأمة حتى في أمور دنياها كما يرشدهم في أمر دينهم.

وقد أسهم صلى الله عليه وسلم في بناء المسجدين: مسجد قباء, ومسجد المدينة المنورة, وحفر الخندق.

وكان السلف يدأبون في طلب العلم ولا يعرفون عطلة ويديمون من أجله الرحلة, ومن أقوالهم: "لا بارك الله في يوم لا أزداد فيه علماً، "من استوى يوماه فهو مغبون"، "الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها".

وفي قصة الخطيب التبريزي مع نسخة كتاب التهذيب ورحلته لأبي العلاء المعري وما حدث عليهما أكبر دليل على حرص السلف على الدأب في طلب العلم مطلقًا وشغل أوقات فراغهم.

 

سادسًا: التعليم المادي:

وليس المراد به التعليم المهني كالطب والهندسة والزراعة.. الخ, بل التعليم الذي يقصد به صاحبه الحصول عن طريقه على وظيفة يحصل بها على المادة وذلك ما يكون فيمن ينظر إلى وظائف الحكومات التي تستوعب الكثير من المتخرجين, وقل أن تبرز في خضم أعمالها ملكات الموهوبين، فيكون هذا الصنف للحصول على الشهادات فحسب, بخلاف الذين لهم عزم على العمل الحر أو العمل المهني فإن ذلك الصنف يتعلم ليحصل على معلومات تتكون بها شخصيته وبها يكون قوامه ويشق طرق حياته بسلاح الموهبة والشهرة في النجاح في العمل وفرق بين الفريقين:.

1- فالأول يكتفي بملخص عرض الاستاذ ونقاط الدرس أو المحاضرات بينما الثاني يحرص على تفاصيل الموضوع ويستزيد الأستاذ إيضاحاً.

2- والأول ينجح في الملخصات والمختصرات بالقدر الذي ينجح في الاختبار بينما الثاني يطمح إلى أمهات الكتب والمطولات إلى الهدف الذي يشبع رغبته.

3- والأول يتمسك ذهنه على معلوماته إلى أن يسلم ورقة الإجابة عن سؤال الامتحان بينما الثاني يعتبر أسئلة الامتحان درسًا جديدًا يستزيد منه علمًا.

4- الأول تنتهي صلته بالعلم عند انتهائه من الدراسة وتسلمه الشهادة بينما الثاني يبدأ أبحاثه وتجاربه إلى أن يتسلم الناس عنه أحسن النتائج ومنشأ المشكلة في هذا النوع من حيث أن الطالب أو على الأصح المتخرج الجامعي يفقد خصائص الجامعيين من حب البحث وكثرة الاطلاع وسعة الأفق فيقف حيث سار الناس.

 

أما حلها على ضوء الإسلام:

فالإسلام قد جعل العلم غاية في ذاته بل جعله متعبدًا يثاب على تحصيله والاشتغال به وفي الحديث : "من سلك طريقًا يطلب فيها علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة"، "لغدوة في طلب العلم أحب إلى الله من مائة غدوة في طلب غيره من الخير", "ولا يخرج أحد في طلب العلم إلا وملك موكل به يبشره بالجنة".

ولا ينبغي الوقوف بكلمة علم عندما اشتهرت به عند الاطلاق بل يمكن حملها على كل علم يعود على الأمة بالخير إذا صاحبته نية حسنة.

كالطبيب إذا قصد بعلمه مؤاساة مريض وتخفيف آلام مصاب، والمهندس إذا قصد بعلمه إيواء مسكين أو إنشاء مدرسة لتربية أبناء الأمة فضلاً عن مسجد ونحوه, والزراعي لو قصد تنمية المحاصيل لإشباع جائع وتوفير الغذاء, بل والكاتب وأي موظف لو قصد خدمة الإنسانية والإسهام في هذا البناء العظيم, وكل بحسب نيته كما قال صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى", وعلى الجامعة أن تحبب العلم لطلابها وأن تقدمه بصورة شيقة تحملهم على الحرص عليه والاستزادة. والله ولي التوفيق, وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه, آمين.

"نشر بمجلة الجامعة الاسلامية"

الأقسام الرئيسية: