مقدمة: الإسلام من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نشأة الفرق


بعث الله تعالى محمداً صلى اله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ، وكان العالم يعيش في ظلمات الجهل والجاهلية ، وفوضى الأخلاق والسلوك ، ووثنية وشركٍ مطبقٍ .

(إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم( 1) عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب...) (2)

والعرب من جملة هذا العالم ، وهم قومه وعشيرته الأقربون ، أمة عريقة في الجاهلية واغلة في الوثنية ،اشتهروا بعبادة الأصنام ، وإتيان السحرة والكهنة والعرافين وتصديقهم والخضوع لهم ، وكذلك كانوا في حياتهم الاجتماعية : اعتداءات على الحقوق والحرمات ، ووأد البنات ، وغير ذلك من ألوان السلوك والخلق الذي ينم عن جهل وشر عظيم.

بعث الله تعالى نبيه بالهدى ودين الحق، فأقام حجة الله تعالى على خلقه بالحكمة والموعظة الحسنة فدان كثير لهذه الدعوة ودخلوا في دين الله تعالى، يأخذون دينهم غضًا طرياً من فيّ رسول الهدى والرحمة ، يأخذون ما آتاهم الله بقوة وأمانه وصدق وإخلاص.

ولقد ضربوا أروع الأمثلة في الامتثال والانقياد ، وفي حب الله تعالى وحب رسوله وتقديمهما على المال والنفس والولد ، وفي بذل الأموال والأرواح رخيصة في سبيل هذا الدين وإعلاء كلمته.

إنهم قوم اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ، ولإقامة دينه( 3) وشرعه في زمن وفترة غصت الأرض بأنواع الضلالات والظلمات والمنكرات ، وكثر فيها الشر والفساد.

لقد عاش الرعيل الأول من رجال هذه الأمة العظيمة ، وسلفها الصالح قلباً واحداً عاضين على دينهم بالنواجذ ، باذلين كل ما يملكون في سبيل طاعة الله ورسوله ونيل مرضاتهما ، ملتفين حول خير الخلق التفافاً لم يجعل الله تعالى فيهم ولا بينهم مدخلاً للشيطان وحزبه ، أو تمكينا له ولحزبه في صفوفهم ، بل وفقهم ربهم وكافأهم على صدقهم بالتأليف بين قلوبهم وإنزال السكينة عليهم حتى غدوا أخوة متحابين لم تفرق بينهم الأنساب والألوان والأعراف ، ولا غيرها من عصبيات الجاهلية.

عاش المسلمون حياةً خاليةً من الفرقة حول إمام الهدى والرحمة ، أمة واحدة ، وكلمة واحدة ، وعقيدة واحدة.

نعم كانت تطرأ بعض الاختلافات في بعض المسائل ، ولكن سرعان ما كانت تتلاشى ولا يبقى لها أثر برجوعهم إلى رسول الله وانقيادهم لأمر الله تعالى وشرعه وأمر رسوله وشرعه ، هكذا عاش سلف هذه الأمة ، ولقد جاءت الآيات والنصوص الكثيرة تشهد بفضلهم ، ومنزلتهم الرفيعة بسبب حسن امتثالهم ، وصدق إيمانهم ، وعظيم تضحيتهم لهذا الدين حتى شهد الله تعالى بالرضى عنهم ( 4) وقُبض الرسول صلى اله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ.

استمر السلف على تلك الحال الصافية النقية من كل شوائب الفرقة والاختلاف ، فضلاً عن البغض والكراهية طيلة أيام خليفة رسولهم أبي بكر الصديق الذي حمل اللواء ، وسار بالركب على نهج وسيرة رسول الله صلى اله عليه وسلم ، فما كاد خلاف ينشب أو يظهر حتى يُسوى ، وإن أعظم ما يدندن الناس حوله إلى يومنا هذا زاعمين أنه خلاف وهو ما جرى حول الإمامة والخلافة بعد رسول الله صلى اله عليه وسلم فإنه من أعظم الكذب والتزوير في تاريخ الأمة العظيمة.

لقد علم الله تعالى والمؤمنون جميعاً أن ما طرح من آراء حول الإمامة يوم السقيفة( 5) ، وإن سُمي خلافاً أو نزاعاً فإنه لم يبق ولم يستمر بل سُوي في مهده ، فما كاد يصل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة إلى مكان الاجتماع حتى سُوي الأمر واتفق المسلمون وأجمعوا على أمرهم، والفضل لله تعالى وحده ، ثم لجهود أولئك الرجال المخلصين الذين خلفهم رسولُ الله صلى اله عليه وسلم لقيادة هذه الأمة ، وسائر أمم الأرض.

ثم جاء الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، والأمة كلها على اتفاق ، لا اختلاف بينها ولا فرقة ، واستمروا كذلك فترة خلافته حتى انتقل إلى جوار ربه تعالى بعد أن قاد الأمة ، وسار بها على نهج سلفه ، وعلى سنة وهدي رسوله ونبيه ، وكما أراد الله تعالى منه.

ثم جاء الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فانتهج نهج سلفيه السابقين : أبي بكر وعمر ، وعلى وفق سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما زاغ عن ذلك كله قيد شبر ، ولا غيَّر ولا بدَّل رضي الله تعالى عنه ، بل سلك بالأمة المسلك القويم رغم كثرة الفتن ، وخاصة في أخريات أيامه حين لاحت بوادر الفرقة والاختلاف في حياة الأمة الإسلامية ،وارتفعت أصوات أهل الشر والفساد.

لقد عمل هؤلاء المجرمون من أيام الفتوحات التي أخضعت رقابهم ، وأذلت سلاطينهم ، وبددت دولتهم ، ومزقت جموعهم ، وحطمت أصنامهم وأوثانهم ، وإن هذا الفتح العظيم قد أقلق أهل الشر من أهل تلك الملل والنحل ، وسيف الإسلام العظيم أرعبهم ، فأظهروا لدولة الإسلام والمسلمين خلاف ما كانوا يبطنونه من الكفر والنفاق حقناً لدمائهم وحفاظاً على أرواحهم.

هكذا عاش هذا الصنف الخبيث في صفوف المسلمين ، وأخذوا يعملون في ظلام الليل ما يكيدون به هذا الدين العظيم وأهله بدافع من الحقد والحسد والبغضاء.
 ولما فشلت سيوفهم وجنودهم ، ولما رأوا من قوة الإسلام ، اتجهوا بسهامهم ومكرهم وكيدهم إلى جوانب الإسلام العلمية والاعتقادية لإفسادها ، فاتجهوا إلى كتاب الله وسنه نبيه بأنواع من المكر والكيد.

(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) [الأنفال: ٣٠ ] فكم زعموا أنَّ في آيات الله من تناقضٍ وتعارضٍ وتحريفٍ وتبديلٍ ، وكما قالوا في كتاب الله ، قالوا مثله وأكثر منه أضعافاً في سُنهَّ رسول الله صلى اله عليه وسلم ، وما علم أولئك الأقزام أنَّ الله تعالى قد تكفل بحفظ دينه من أيدي العابثين ، ومكر الماكرين من الكفرة والزنادقة الملحدين ، ومن نحا نحوهم (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) . [ الحجر: ٩ ]

كلما فشل إفسادهم في جانب من جوانب هذا الدين ، لجأوا إلى أسلوب آخر ، وسلاح جديد لمقاومة هذا الدين ، وهذا المد الإسلامي العظيم ، ولقد تعددت أسلحتهم ، وكثرت أساليبهم الماكرة التي استعملوها.

 ولقد رأوا أنهم قد وجدوا بغيتهم في أسلوب جابهوا به الدين ، وحاربوه به ، وهو محاربة الدين من داخله بتبني بعض مبادئه، وعقائده ، وسلوكياته ، والتظاهر بها ، والعمل تحت شعارها ، والتحمس في الدعوة إليها مع تجاوز الحد الشرعي فيها باسم الدعوة إليها ، وبحجة هجر الناس لها ، وإنكارها ، والبعد عنها.

إنَّ هذا الأسلوب كان وما زال من أخطر أساليب هدم الإسلام ، والفتك بأهله.

 ولقد وجد الأقزام المنحرفون فيه بغيتهم وضالتهم. وإنَّ حركة الغلو( 6) هذه استطاعت الصمود ، ومواصلة معركتها مع الحق وأهله في حين سقوط كثير من الأساليب والحركات الأخرى ؛ ذلك لأن الغلو لا يُبدي معارضته للإسلام ، وإنما يسير مع مبادئه وعقائده متظاهراً بالحرص عليه والرجوع إلى أصوله.

لقد استطاع الغلاة في أواخر أيام الخليفة الثالث من تحقيق أغراضهم ، فأحدثوا فتنةً عظيمةً أمسى الحليم فيها حيراناً ، ولقد اختار الخليفة عدم مقاومتهم مؤثراً اعتزال الفتنة ، ولزوم الصمت ، والصبر رغبة منه في حقن دماء  المسلمين ، وحباً منه أنْ تنقضي أيامه ، وهو على طريق من سبقه ، وحتى يتحقق فيه وعد رسول الله صلى اله عليه وسلم بالشهادة(7).

واستمرت الفتنة ، وظهر بين الناس واشتهر بعض دعاة الشر والفرقة ، وواصلوا عملهم وجهدهم في بث روح الفرقة ، ونشر الفتن باسم المصلحة الدينية ، والسياسة الشرعية ، وغيرها من الشعارات الدينية التي سبروا بها كفرهم ، وحقدهم للإسلام والمسلمين ، ثم ازداد أمرهم وخطرهم ، وعمّت فتنهم حتى استشهد فيها عثمان رضي الله عنه ولحق بالنبي ورفيقيه إلى رضوان الله تعالى.

 

ثم بدأت الفرقة والاختلاط تدبُّ بين المسلمين ، وظهرت الفرق والأحزاب الواحدة تلِْوَ الأخرى ، وتشيّع لكل منها طائفة من أهل القبلة ، وأظهرت تلك الفرق أفكاراً وعقائد تخالف في جملتها ما كان عليه سلف هذه الأمة.

وكان من أول ما حدث في هذه الأمة من هذه الفرق فرقتين تشيّع لكل منها جماعة من أهل القبلة ، وهما: فرقة الخوارج( 8)وفرقة الشيعة( 9) ، وكانت كل فرقة محلاً وموطناً لأنواع من البدع والمنكرات ، وعملوا جميعاً تحت ظلالغلوِّ ومجاوزة الحدِّ.

فغلا الخوارج في بُغض علي بن أبي طالب ، وتكفيره ، بينما غَلَت الشيعة الرافضة في حبه وولايته ،وحتى نبوته وألوهيته ، وكانت الفرقتان متقابلتين في جميع أفكارهما ، وعقائدهما ، فلا يزعم هؤلاء قولا ، إلّا ويدعّي أولئك ضداً له.

واستمر الشيعة في غلوهم ، فتظاهروا بحب آل البيت وستروا تحته غلوهم في علي وفاطمة والحسن والحسين وأولاده.

 وبدأوا يُوّجهون سهام كفرهم لهذا الدين من هذا المنطلق الذي جذبوا إليه عاطفة فئة كبيرة من المسلمين.

فطعنوا في الصحابة طعوناً عظيمةً ، تحز والله في نفوس أهل الإيمان ، وتذوب لها قلوبهم كمداً وحزناً ، وتثور فيها الآلام والشجون ، وتزداد حسرتهم ، ويَتَولّون وأعينهم تفيض من الدمع ألّا يجدوا ما يقمعوا به تلك الأصوات الصادرة من تلك الحناجر النتنة.

 إنَّ بدعتهم البشرية في تاريخها من فنون المكر والكيد والدس والتزوير والتشويه ، وغير ذلك من أنواع التآمر ما تتزلزل له الجبال الراسيات.
ولولا وعد الله بحفظ هذا الدين ، وبقائه وأهله إلى يوم الدين ، لكان الإسلام منذ قرون من الأخبار والأساطير المدونة في كتب التاريخ ، أو رسوماً في متاحف الشرق والغرب ؛ ذلك لأنه لم يتعرّض دينٌ من الأديان إلى محاولات التشويه والتزوير كما تعرض له هذا الدين مع قلة مانعيه ،وضعف أهله ، وعجزهم عن الذبِّ عنه.

 ولكن ، ورغم كثرة قوى الشر والعدوان ، وقوة حيلتهم في حربهم الإسلام بمبادئه ، ومن داخله بسلاح الغلو وغيره ، فقد قام رجال من هذه الأمة المباركة بواجب الذبِّ عن دين الله وشرعه ، وعن الأعلام الشامخين من أوائل هذه الأمة. إنَّ هذه الجهود المباركة التي بدأت مبكرة من حين ظهور بدعهم تمثل صورة من صور حفظ الله- تبارك وتعالى- لدينه فقد قيّض- سبحانه وتعالى- رجالا مؤمنين، علماء عاملين ، أمدهم
بالتوفيق ، وأعانهم بقوةٍ منه في معركتهم أمام قوى الشر والفساد.

وهؤلاء الأعلام يتعاقبون على مَرِّ القرون ، يذبّون عن دين الله ما ينتحله المجرمون. ويستمر هؤلاء ما دامت المعركة قائمة بين الحق والضلال حتى يرث اللهُ الأرض ومن عليها ، يتصدون لكل زيف وباطل ، وتحريف وتأويل.

كم تصدوا للحكام والسلاطين ، وكم ضحوا لهذه المهمة العظمية بأوقاتهم ، وجهودهم ، وحتى بأرواحهم ، وكم بذلوا لله تعالى حتى وصل إلينا هذا الدين العظيم ، وهذه النعمة العظيمة ، كما أنزلها ربنا - تبارك وتعالى- وهاهي مؤلفاتهم لا تكاد تُعد ولا تُحصى خدمة لله تعالى ولدينه. فرحمهم الله رحمة واسعة ، وجعلنا من الذين يعرفون حقهم وفضلهم ، ويسلكون مسلكهم ، ويكملون مسيرتهم المباركة في الدفاع عن هذا الدين ، وعن حملته الأوائل رضي الله عنهم وأرضاهم ؛ تحقيقاً لوعد الله تبارك وتعالى في قوله:
 إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [ الحج: ٣٨ ]



1) المقت من الله لا يكون إلا للفعل القبيح الذي كانوا فيه.

2) رواه مسلم : كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ( ٥١٠٩ )

٣) جزء من قول للصحابي عبد الله بن مسعود ، أخرجه أبو نعيم في الحلية وابن عبد البر في جامع بيان العلم ( ٩٧٠٢ )

4) قال الله عزَّ وجل في سورة التوبة : ١١٧
(لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)

5) يوم السقيفة ، عندما اجتمع المسلمون في سقيفة بني ساعدة وكانت رغبة الأنصار تولية سعد بن عبادة لكن شاء الله أن تكون البيعة لأبي بكر الصديق في السقيفة (راجع تاريخ الطبري ( ٢ /٢٤١ ) فالقصة مبسوطة فيه).

6) الغلو : هو مجاوزة الحد الشرعي.

7) حديث شهادة عثمان (اثبتْ أحداً فإنما عليك نبي وصدِّيق وشهيدان) الصديق : أبو بكر والشهيدان : عمر وعثمان. صحيح الجامع ( للألباني ( ١٣١
 
8) الخوارج : فرقة خرجت لقتال علي بن أبي طالب بسبب التحكيم ومن مذهبهم : التبرؤ من عثمان وعلي والخروج على الإمام والأمة.

9) الشيعة : هم الذين شايعوا علياً على الخصوص وقالوا بإمامته نصاً ووصايةً واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عن أولاده. )

 


تأليف الشيخ فلاح بن إسماعيل بن أحمد مندكار