الخوارج

لما رجع علي من الشام بعد موقعة صفين ، ذهب إلى الكوفة ، ولما دخلها انعزلت عنه طائفة من جيشه ،  قيل ستة عشر ألفا ، وقيل اثني عشر ألفا ، وقيل غير ذلك. فباينوه وخرجوا عليه وأنكروا ونقموا عليه أشياء.
 فبعث إليهم عبد الله بن عباس فناظرهم ورد على شبههم ، فرجع بعضهم ، واستمر الآخرون على ضلالهم ، ثم تعاهدوا فيما بينهم على الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميزوا إلى موضع يقال له النهروان وأمّروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي(1) المعروف بذي الثفنات لأن ركبته كانت كثفنات(2) الإبل من كثرة السجود.
وكان أول نزولهم في أرض حروراء ، في جانب من الكوفة. وقد عتبوا على علي بن أبي طالب فقالوا:
 "انسلخت من قميص ألبسكه الله (أي الإمارة) ، واسم سمّاك به الله ، ثم انطلقت فحكمت في دين الله – ولا حكم إلا لله – ويقال أن
عليا رضىّ الله عنه أمر الرجال بحمل المصاحف ثم دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين أيدي الرجال وجعل يصكه بيده ويقول:أيها المصحف حدث الناس ثم قرأ عليهم:
َ{إِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا }النساء : ٣٥ ]  فأمة محمد أعظم دماً وحرمة من امرأة ورجل .
وقال: ونقموا علي أن كاتبت معاوية:كتب علي بن أبي طالب.وذكّرهم بفعل رسول الله صلى اله عليه وسلم في الحديبية لمّا رفضوا أن يكاتبهم
باسم الله وباسم رسوله.فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشاً.ثم قرأ عليهم {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب:٢١] ولقد بقي كثير منهم ينقم على علي رضىّ الله عنه أمثال هذه الأمور ، ثم قال أحدهم وعلي يخطب الناس: يا علي أشركت في دين الله الرجال ولا حكم إلا لله، والله تعالى يقول: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[الزمر:٦٥]ثم تنادوا من كل جانب "لا حكم إلا لله ، لا حكم إلا لله"
وجعل علي يقول: هذه كلمة حق يراد بها باطل. ثم قال: إن لكم علينا ألَّا نمنعكم فيئا(3)ما دامت أيديكم معنا ، و ألَّا نمنعكم مساجد الله ،
و ألَّا نبدأكم القتال حتى تبدؤونا. ثم إنهم خرجوا بالكلية عن الكوفة وتميزوا إلى النهروان.

اشتد أمر الخوارج في النهروان وبالغوا في النكير على علي وصرحوا بكفره.ولقد أرسلوا له رجلين منهما يأمرانه بالتوبة والرجوع إلى الحق بزعمهما ثم قال أحدهما: لأقاتلنك ؛ أطلب بذلك رحمة الله ورضوانه.ثم خرجوا بحكم الكفر، وجاهروا به في الناس وتعرضوا له في خطبة وأسمعوه السب والشتم.

ثم اجتمع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي ، فخطبهم خطبة بليغة زهدهم في الدنيا ورغبهم في الآخرة والجنة وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأمرهم بالخروج من {هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا}[النساء:٧٥] إلى جانب هذا السواد ، إلى بعض كور الجبال.ثم خطبهم حرقوص بن زهير – وكان إماماً لهم في صلاتهم – ومما قاله: إنَّ المتاع بهذه الدنيا قليل ، وإنَّ الفراق لها وشيك ، فلا تدعونكم زينتها أو بهجتها إلى المقام بها ،ولا تلتفت بكم عن طلب الحق وإنكار الظلم {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}[النحل:١٢٨ ]
ثم خطبهم ثالث ورابع في اجتماعهم ذلك. ثم قال أحدهم: أشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى ، ونبذوا حكم الكتاب ،
وجاروا في القول والعمل، وأن جهادهم حق على المؤمنين.فبكى رجل منهم ، ثم حرض أولئك الخوارج على الخروج على الناس وقال في كلامه:اضربوا وجوههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم، فإن ظفرتم ، وأطيع الله كما أردتم ، أثابكم ثواب المطيعين له العاملين بأمره ، وإن فشلتم فأي شيء أفضل من المصير إلى رضوان الله وجنته.


ثم بعثوا إلى إخوانهم ، ممن هم على رأيهم ومذهبهم من أهل البصرة وغيرها حتى اجتمع منهم جمع عظيم بالنهروان وصارت لهم شوكة ومنعة
،وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة وإقدام ، وبزعمهم أنهم يتقربون إلى الله تعالى بذلك. ثم إنهم عاثوا في الأرض الفساد ، وسفكوا الدماء ،وقطعوا السبيل، واستحلوا المحارم ، وكان من جملة من قتلوه: عبد الله بن خباب الصحابي الجليل ، وذبحوا امرأته وبقروا بطنها عن حملها.

ثم عزم علي ومن معه على قتال الخوارج والبداءة بهم قبل أهل الشام.ولما تراءى الجيشان قال علي لأصحابه:كفوا عنهم حتى يبدؤوكم.

وأقبلت الخوارج يقولون: لا حكم إلا لله ، الرواح الرواح إلى الجنة ، وحملوا على الخيالة الذين قدمهم علي على جيشه ، وانهزموا شر هزيمة وقُتل أمراؤهم:عبد الله بن وهب ، وحرقوص(4)بن زهير وغيرهما.

يقول أبو أيوب(5):"طعنتُ رجلاً من الخوارج بالرمح فأنفذته من ظهره وقلت له: أبشر عدو الله بالنار.فقال:ستعلم أينا أولى بها صلياً ولم يُقتل من أصحاب علي إلا سبعة نفر ، وجعل علي يمشي بين القتلى ويقول: بؤساً لكم ،  لقد ضركم من عزكم.وأنه لما وجد بين القتلى ذا الثدية المخدج سجد سجدة طويلة.

ذكر ما ورد في الخوارج

عن أبي سعيد الخدري رضىّ الله عنه قال:"بينما رسول الله صلى اله عليه وسلم يقسم ذات يوم قسماً قال ذوالخويصرة التميمي :يا رسول الله اعدل ،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ويحك فمن يعدل إذا لم أعدل»فقال عمر : يا رسول الله أتأذن لي أن أضرب عنقه؟
 فقال: لا ، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاتهم إلى صلاتهم ، وصيامه إلى صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، يخرجون
على فرقة من الناس ، آيتهم رجل أدعج مخدج ، وإحدى يديه مثل ثدي المرأة"(6)

"..سيكون في أمتي اختلاف وفرقة ، قوم يحسنون القيل ، ويسيئون الفعل ، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، هم شر الخلق والخليقة ، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء ...سيماهم التحليق"(7)

"تمرق مارقة على حين فرقة من الناس _وفي رواية:"من المسلمين "، وفي أخرى "من أمتي "_ فيقتلها أولى الطائفتين".(8)

"تفترق أمتي فرقتين ، فتمرق بينهما أولى الطائفتين بالحق "(9)

"إن فيكم فرقة يتعبدون ويدينون حتى يعجبوا الناس ، وتعجبهم أنفسهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"(10)
 
.«... يدعون أهل الأوثان ، ويقتلون أهل الإسلام ...»
.«... يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ... لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ...»

 ولقد سئل علي رضىّ الله عنه عن أهل النهروان :أمشركون هم ؟ قال :« من الشرك فروا».قيل :أفمنافقون ؟ :فقال إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً ، فقيل : فما هم ؟قال:« إخواننا بغوا علينا ، فقاتلناهم ببغيهم علينا ».

ولقد تركت هزيمة النهروان في نفوس الخوارج أثراً وجرحاً لا يزول ، فصارت هذه الموقعة والهزيمة عندهم رمزاً للجهاد والاستشهاد الديني وأساساً للحماس الديني والتأثير المعنوي للبذل والعطاء والتضحية والفداء في جميع ثوراتهم التي أقاموها في دولة الإسلام وبين أهل الإسلام.وهي تعادل مأساة كربلاء بالنسبة للشيعة في إذكاء نار الفتنة وتأجيج شعورهم وحميتهم ضد أهل الحق والسنة ، والانتقام منهم.

وإن من أعظم صور الانتقام التي قاموا بها هو مقتل أمير المؤمنين والخليفة الرابع في دولة الإسلام.وذلك أن ثلاثة من الخوارج وهم:عبد الرحمن بن ملجم الحميري(11) ، وكان أسمر حسن الوجه ، في وجهه أثر السجود، والبُرَك ابن عبد الله التميمي(12)وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا فتذاكروا قتل علي لإخوانهم ، وترحموا عليهم وقالوا:ماذا نصنع بالبقاء بعدهم.وقد اشتهروا بأنهم لا يخافون في الله لومة لائم

فقالوا: لو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلال فقتلناهم ، وأرحنا منهم البلاد وأخذنا بثأر إخواننا منهم.فقال ابن ملجم:أما أنا فأكفيكم علي ابن أبي طالب وقال البرك: وأنا أكفيكم معاوية. وقال عمرو بن بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص.

ثم إن عروس ابن ملجم حرضته وزادت من حماسه.واسمها قطام ابنة الشجنة ، وقد قتل أبوها وأخوها يوم النهروان.فسار ابن ملجم إلى الكوفة ،ومما قاله لبعض أصحابه:... فإن شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا. وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها. ولقد أراد الله تعالى أمراً فتمكن ابن ملجم الخبيث من ضرب علي حين خروجه لصلاة  الغداة ، وقال حين يضربه: لا حكم إلا لله ، ليس لك يا علي ولا لأصحابك وتلا قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}[لبقرة:٢٠٧]كان ذلك في السابع عشر من رمضان سنة٤٠ ه


وقد امتدح ابنَ ملجم بعضُ الخوارج المتأخرين – في زمن التابعين – وهو عمران بن حطان(13)، وكان أحد العباد وله روايات عن
عائشة في صحيح البخاري(14) قال فيه:

يا ضربة من تقي ما أراد بها       إلا ليبلغ من ذي العرش رضواناً
إني لأذكره يوماً فأحسبه           أوفى البرية عند الله ميزانا

والخلاصة أن أول بدعة حدثت في الإسلام : بدعة الخوارج والشيعة ، حدثتا في خلافة علي .أما الخوارج فقاتلهم ، وأما الشيعة فأحرق غاليتهم

وطلب قتل ابن سبأ فهرب.والخوارج هم أول من كفرالمسلمين بالذنوب ،وكفروا من خالفهم في بدعتهم واستحلوا دمه وماله.ولم يختلف الصحابة

في قتالهم كما اختلفوا في قتال الفتنة يوم الجمل وصفين.
* * *

ومن ألقاب الخوارج:

 

الخوارج: وذلك لخروجهم على علي بن أبي طالب – وقيل لخروجهم قبل على عثمان.

الحرورية: سموا به لنزولهم بحروراء في أول أمرهم بعد انفصالهم عن جيش علي.

المحكمِّة: سموا به لإنكارهم الحكمين ، ومن رضي بهما ولقولهم إن الحكم إلا لله.

الشُراة: سموا به لقولهم شرينا أنفسنا في طاعة الله ، أي بعناها بالجنة.

المارقة: لمروقهم عن دين الله كما جاء في النصوص الشرعية.

وهم يرضون بجميع هذه الأسماء والألقاب عدا المارقة ، فإنهم ينكرون كونهم مارقة عن الدين.
والخوارج يخالفون الشيعة ويقابلونهم في أصولهم وآرائهم ، فهم يكفرون علياً ، ويعظمون قاتله ، بينما تبالغ الشيعة وتغلو في تقديسه.
وبينما يتواصى الشيعة بالتقية والمداراة والمصانعة للمخالفين ، يوجب هؤلاء الخروج على السلطان الجائر مهما كانت النتائج والظروف ، فضلاً عن مطلق المخالفين.

 


1) عبد الله بن وهب: أول من أمّره الخوارج عليهم، قتل مع أصحابه في صفر ٣٨ ه ، وكان ذا علم ورأي وفصاحة وشجاعة وكان عجباً في العبادة والزهد ، أدرك النبي ولم يصحبه ، شهد الفتوح مع سعد بن أبي وقاص ، قتل يوم النهروان.
2)ثفنات الإبل: ركب الإبل.
3)فيئا: هو ما يأخذه المسلمون من أعدائهم من الغنائم.
4)حرقوص: الملقب بذي الخويصرة شهد صفين مع علي وبعد التحكيم صار أشد الخوارج على علي فقتل بالنهروان.
5) أبو أيوب: المخزومي البخاري واسمه خالد بن زيد بن كليب خصه النبي صلى اله عليه وسلم بالنزول عليه، له عدة أحاديث في البخاري
ومسلم ،شهد المشاهد كلها، قال الخطيب: شهد حرب الخوارج مع علي، مات سنة ٥٢ ه  ودفن بأصل حصن بالقسطنطينية ، قال الذهبي :« بلغني أن الروم يتعاهدون قبره ويستسقون به »
6) البخاري : كتاب المناقب ، باب علامات النبوة.ومسلم: كتاب الزكاة ، باب ذكر الخوارج وصفاتهم.
7) أخرجه البخاري وابن ماجة في سننه .
8) أخرجه أحمد في مسنده ( ٧٩:٣ ) والبيهقي في الكبرى ( ١٧٨:٨ ) ، وأبو نعيم في الحلية ( ٩٩١٣ )
9)أخرجه أحمد في مسنده ( ٧٩:٣ ) والبيهقي في الكبرى ( ١٧٨:٨ ) ، وأبو نعيم في الحلية ( ٩٩١٣ ).٧٩/ ٥)
سنن النسائي كتاب ٢٣
10)حاشية ( ٦) ص ١٤
11) البرك بن عبد الله التميمي: الصريمي وقيل اسمة الحجاج.
12) عمران بن حطان: ابن ظبيان السدوسي البصري من أعيان العلماء لكنه من رؤوس الخوارج توفى سنة ٨٤ ه.
13) الخوارج من أصدق أهل البدع فتقبل روايتهم وقد قال أبو داود: «ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج »فلا تعجب إذاوجدنا
لهم روايات صحيح في البخاري .

 

الشيخ فلاح بن اسماعيل بن أحمد مندكار

http://www.mandakar.com