نشأة الفرق

ظهر في القرن الأول رجلان اشتغلا وأشغلا الناس بما لم يكونوا يعرفونه عن نبيهم ، وكلاهما من الدخلاء ممن امتلأت قلوبهم حقداً وغيظاً على الإسلام وأهله.
الأول منهما كان يهودياً حاقداً لما رأى من انتصار وانتشار الإسلام ، فتظاهر بالدخول فيه طلباً للنجاة وحقن دمه ، وهو عبد الله بن سبأ(1)المعروف بابن السوداء ، وأحدث في دين الله أموراً أهمها:
القول بالوصية والنص عليها لعلي بن أبي طالب ، والقول برجعة علي إلى الدنيا قبل موته ليملأ الدنيا عدلا وليقتص وينتقم من أعدائه ، ثم القول
برجعة النبي صلى الله عليه وسلم محتجاً لذلك بعجبه ممن يؤمن برجعية عيسى بن مريم ولا يؤمن برجعة محمد أفضل الأنبياء والمرسلين. والقول بأن علياً فيه جزء إلهية ، وأنه لم يمت ولم يقتل وأنه لا يزال حياً يسكن السحاب وأنَّ الرعد صوته والبَرْق سوطه.
وكان يظهر حب علي وحب آل البيت ويتباكى عليهم وأنهم قد ظُلموا ولابد من نصرتهم ، فاستمال بذلك فئة كبيرة من الناس إليه محبة لآل البيت وتعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم وحفظ وصيته في أهل بيته من بعده ، وأقواله مأخوذة عن اليهودية والنصرانية من غلوٍّ في الأشخاص ، وحقدٍ على أمم الأرض وشعوبها من غير أهل ملتهم.

 وابن سبأ هو الذي أثار الفتنة على أمير  المؤمنين عثمان بن عفان ممن استمالهم من الأوباش والطغام والسفهاء الذين أطاعوه فتألّبوا وثاروا على الخليفة الراشد حتى قتلوه ظلماً ، ثم نصبوا عليّاً بعده وغلوا فيه غُل وا عظيماً.
ولقد انفصلت فرقة من الشيعة ، وانقلبوا على علي وناصبوه العداء ، واجتمعوا ضده وضد خلافته ، وهم الخوارج الذين كفروا علياً وكل من قبل بالتحكيم وأثاروا سيوفهم في أهل الإسلام ، زاعمين أن تحكيم الرجال كفر وأن الحكم لله تعالى وحده.

وأمّا الرجل الثاني ، فهو سوسن النصراني الذي استطاع أنْ يَبُثَّ سمومه وحقده في معبد بن عبد الله الجهني(2)فأظهر القول بالقدر وأخذ ينشر بدعته واستجاب له قوم وجماعة من أهل القبلة ، مما حمل الصحابة والتابعين على رد بدعته وإنكارها كابن عمر( 3)والحسن( 4) ومسلم بن يسار(5) ، وذكروا عنه أنه يقول بقول النصارى ، فعرف الناس أمره وأخذه عبد الملك بن مروان( 6) سنة ( ٨٠ ه) فقتله وصلبه بدمشق (قتله الحجاج( 7) بأمر عبد الملك).
وقام بعده تلميذه غيلان الدمشقي( 8) بحمل لواء هذه البدعة وزاد على شيخه بنسبة الخير والشر للعباد ، ووفّق الله تعالى هشام بن عبد الملك(9) بن مروان فأمر بقتله وقطع يديه ورجليه.
 ثم تبعه تلميذه الجعد بن درهم(10)على بدعته وضمَّ إليها بدعاً أخرى ، وتبعهم عمرو بن عبيد(11) في حمل لواء بدعة القدر ، وسلك الناس في البصرة هذا المسلك وعظمت الفتنة بهم.
وفي أواخر القرن الأول الهجري ، وبعد عصر الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم ، نبت جهم(12) بن صفوان بترمذ(13) من بلاد المشرق فأورد على أهل الإسلام شكوكاً وأشغلهم في إنكارها والتحذير منها والرد عليها.
ولقد تولدت عن بدعته بدع وبلاء عظيم وفرقة بين المسلمين لأن فتنته كانت تتعلق بصفات الله - تبارك وتعالى- وأفعاله ، وفيها من الجرأة على نفي ما أثبته الله تعالى ، ورد أخباره عن نفسه جل وعلا ، متمماً مسيرة شيخه الجعد بن درهم الذي كان ينكر أنَّ الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً وكلّم موسى تكليماً ، وكان يزعم أنَّ القرآن ليس كلامه بل هو مخلوق ، بالإضافة إلى بدعة القدر وغيرها من البدع المنكرة التي أنكرها عليه أهل العلم وحذّروا الأمة منه ومن بدعه حتى وفّق الله تعالى الأمير خالد بن عبد الله القسري(14) أمير الكوفة في دولة بني أميّة فقتله يوم عيد
: الأضحى سنة ١٢٤ ه حين خطب الناس وقال قولته المشهورة
أيها الناس ، ضَحُّوا تقبل الله ضحاياكم ، فإني مضحٍ بالجعد بن درهم ، إنه زعم أنَّ الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ، ولم يكلّم موسى تكليماً.
 تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه في أصل المنبر ، وشكره أهل الإسلام عامة على فعله ذلك رحمه الله ، وأما الجهم بن صفوان فإنه على ضلالته العظيمة كان يحمل السلاح ويقاتل السلطان مظهراً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فخرج مع الحارث( ابن سريج(15) على نصر بن سيار(16) نائب خرسان.
 
وكان ذلك حين انتقلت الخلافة إلى مروان بن محمد الحمار (17)آخر خلفاء بني أميّة ، فامتنع الحارث عن بيعته وأراد الخروج عليهم.
فأمر نصر بن سيار الجيوش وانتدبها لقتاله ، فقاتلهم وقتل منهم طائفة كثيرة ، وأسر كذلك طائفة فيهم الجهم ابن صفوان ، فأوقف بين يدي سلم بن أحوز المازني(18) – رحمه الله - فأمر بقتله. فقال إنَّ لي أماناً من أبيك .
 فقال : ما كان له أن يؤمنك ، ولو فعل ما أمنتك ، ولو ملأت هذه الملاءة كواكب ، وأنزلت عيسى بن مريم ، ما نجوت ، والله لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك. ثم أمر بقتله فقُتل وأراح الله تعالى البلاد والعباد. وكان ذلك سنة.( ١٢٨ ه( ٢

وفي هذه الأثناء من اشتغال أهل السنة في الرد والإنكار على الجهمية وما ابتدعوا من تعطيل وجرأة في باب القدر والإيمان وصفات الله وأفعاله جل وعلا، ظهرت المعتزلة في زمن الحسن البصري في المائة الثانية من الهجرة لماّ أظهر واصل بن عطاء مذهبه المخالف لأهل الحق في أهل الكبائر بأنهم في منزلة بين الكفر والإيمان فعزله الحسن رحمه الله ، فاعتزل مجلس أهل الحق ، ووافقه بعض أصحابه فسُمُّوا المعتزلة. ثم انضم إليه عمرو بن عبيد بن باب ، وعليهما انتشر المذهب.
 وقد كان واصل بن عطاء(19) أحد الأئمة البلغاء المتكلمين ، وكان يلثغ بالراء فيجعلها غيناً.
 ويقول أبو العباس المبرد: كان واصل أحد الأعاجيب ، وذلك أنه كان ألثغ قبيح اللثغة في الراء ، فكان يخلص كلامه من الراء ، ولا يُفطن لذلك ، لاقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه.
 وأما عمرو بن عبيد فقد كان من أزهد أهل زمانه وأكثرهم عبادة ، وكان بين عينه أثر السجود وقد أثنى عليه إمام أهل السنة في عصره الحسن البصري وغيره من أئمة أهل السنة  في عبادته وزهده وتقشفه.
 ومما قاله الحسن - رحمة الله عليه - لما سُئل عنه
((لقد سألت عن رجل كأن الملائكة أدّبته ، وكأن الأنبياء ربّته ... إنْ أمر بشيءٍ كان ألزم الناس له ، وإنْ نهى عن أمرٍ كان أترك الناس له ، ما رأيت ظاهراً أشبه بباطن منه ، ولا باطناً أشبه بظاهرٍ منه))
وأصبح الاعتزال بعد هذين: واصل بن عطاء ، وعمرو بن عبيد ، فرقة لها أصول وقواعد وكيان ، وقد رُزقوا في كل طبقة من طبقاتهم ، وعصر من عصورهم بجماعة من فحول الرجال من أهل البراعة والمنطق والشهرة مما ساهم في نشر آرائهم ، وأصولهم ، لحكمة أرادها الله جل وعلا. كما أنَّ اتصالهم بالخلفاء والأمراء منحهم قوة وسلطة جعلتهم يظهرون على خصومهم بالبيان والسنان.

ثم ظهر مذهب التجسيم المضاد للمعتزلة ، فظهر محمد بن كرام السجستاني(20) بعد المائة الثانية من الهجرة ، واشتهر أتباعه بالزهد والتقشف والعبادة ، وكثرت المناظرات بينهم وبين المعتزلة ، والمناكرات والفتن.

 فبينما كان المعتزلة ينفون ويُعطلّون ، اشتهر الكرامية بالغلو والمبالغة في إثبات صفات الله تعالى ولم يتهيأ لمحمد بن كرام من الظروف التي تهيأت لواصل وابن عبيد ، فضعف مذهبه بعد موته سنة ٢٥٠ ه .

كل ذلك وأمر الشيعة كان يفشو في الناس حتى حدث مذهب القرامطة ، بعد ظهور حمدان الأشعث ، المعروف بقرمط لقصر قامته ورجليه وتقارب خطاه ، وكان ابتداء أمرهم سنة ٢٦٤ ه في الكوفة ، ثم عظمت الفتنة لما قامت لهم دولة في البحرين وما حولها ، وأخافوا الناس وحتى خلفاء بني العباس كثيراً ، وكانوا يتعرضون للحجاج ويعملون فيهم قتلًا وسلباً ونهبا ، ووصلوا البصرة غزاةً سنة ٣٣١ ه وبقوا فيها سبعة عشر يوماً يسلبون ويقتلون وينهبون ويبعثون ألوان الفساد فيها ، وغزوا بغداد – وما دخلوها – والشام ومصر والحجاز ، وفرضوا الأموال على الناس ، وفي سنة ٣١٧ ه دخلوا مكة وقتلوا الحجاج بجوار الكعبة ، وألقوا جثثهم في بئر زمزم ، وخلعوا باب الكعبة ، وأخذوا كسوتها ، واقتلعوا الحجر الأسود من مكانه ، وأخذوه إلى بلدتهم وبقى عندهم بضعة عشر عاماً.
وكان القرامطة يسمون دعوتهم بعلم الباطن ، واشتهروا بتأويل شرائع الإسلام وصرفها عن ظاهرها ، وابتدعوا وضلوا وأضلوا خلقاً كثيراً.

وفي عهد المأمون(21) سابع خلفاء بني العباس أمر بترجمة كتب اليونان ، وجندّ لذلك الأموال والنفقات الكثيرة ، وكان ذلك بعد المئتين ببضع عشرة سنة مما أدى إلى انتشار مذاهب الفلاسفة ، واشتهرت مؤلفاتهم وكتبهم في أغلب الأمصار ، وأقبلت المعتزلة والقرامطة(22)والجهمية والصوفية ، وغيرهم عليها ، وأكثروا من النظر فيها ، وقد صبغوا كثيراً من قواعدهم الفلسفية والكلامية بصبغة إسلامية شرعية بزعمهم ؛ لتروج بين الناس.
ولا شك أنه قد دخل على الإسلام وأهله بلاء عظيم ومحنة دينية عن طريق الفلسفة والكلام ،فعظم ضلال أهل البدع ، وازدادوا كفراً إلى كفرهم.

ثم قامت دولة بني بوية ببغداد سنة ٣٣٤ ه – ٤٣٧ ه ، وهي دولة الشيعة فظهر أمرهم ، وكتبوا على أبواب المساجد سنة ٣٥١ ه
لعن الله معاوية ، ولعن اللهُ من أغضب فاطمة ، ومن منع الحسن أنْ يدفن عند جده ، ومن  نفى أبا ذر ، ومن أخرج العباس من الشورى » :
وكثرت الفتن ببغداد بين السنة والشيعة.

ثم فشا مذهب الاعتزال لما بينهم وبين الشيعة من تقارب وجهات النظر أو الاتفاق في كثير من مسائل الإيمان والأصول.

ثم قوي أمر الفاطميين(23) بمصر وإفريقية حتى ملكوها سنة ٣٥٨ ه ، وهكذا انتشر مذهب الرفض في الشام ومصر والعراق وخراسان والحجاز واليمن ، وكثرت الفتن بينهم وبين أهل السنة ، وكذا القتال والحروب، وامتلأت الأرض والبلاد الإسلامية بمن نظر في الفلسفة من رافضة وجهمية ومعتزلة وكرامية وقرامطة وخوارج وصوفية وباطنية.

وكان علي بن إسماعيل الأشعري تلميذاً لأبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي ، وأخذ عنه الاعتزال ولازمه أعواماً طويلة ، حتى وفّقه الله إلى تركه وترك الاعتزال فانتقل إلى مذهب أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلّاب(24) وتبعه في الصفات والقدر.
سلك الأشعري مذهباً وسطاً بين النفي والتعطيل وبين غلاة أهل الإثبات المجسمة وتبعه على مذهبه ذلك جهابذة الزمان وحفاظ الأنام في ذلك العصر وبعده : القاضي أبو بكر الباقلاني المالكي ، وأبو بكر بن فورك ، وأبو إسحاق الاسفراييني ، وأبو إسحاق الشيرازي ، وأبو حامد الغزالي ، وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ، وأبو بكر الرازي ، وأبو المعالي الجويني ، وغيرهم من الأذكياء ، والعلماء الذين نشروا مذهبه ، وصنفّوا فيه ، وهذّبوه وزيّنوه فانتشر المذهب في العراق ثم في الشام حتى كانت دولة بني أيوب الذين اعتنقوا المذهب ، فنشروه وحملوا الناس عليه ، فساد المذهب في المشرق. ثم أخذه محمد بن تومرت بعد أن تتلمذ على أصحاب أبي حامد الغزالي ثم عاد إلى بلاده في المغرب ، وقامت دولتهم هناك باسم دولة الموحدين ، فساد المذهب غرباً بعد أن ساد شرقاً.فعم المذهب التلفيقي وساد حتى نسى الناس ، ولم يبق مذهب يخالفه وينازعه إلا ما كان من بعض الحنابلة في أماكن متفرقة ، يظهرون مذهبهم أحياناً ، ويخفونه أحياناً خوف البطش من الأشاعرة السلاطين الذين ملكوا أو تحكموا في البلاد والعباد.
وكذلك كان ينتشر مذهب أبي منصور الماتريدي(25) في أقصى الشرق وما وراء النهر ، وكان بين مذهبه ومذهب الأشعري تشابه كثير في الأصول ومسائل الاعتقاد.
 ولا شك أن لهذين المذهبين ولعلمائهما فضل عظيم في محاربة الاعتزال وبيان فساد مذهبهم بعد أن كان قد ساد وانتشر في معظم بلاد الإسلام.
 ثم إنَّ أبا الحسن الأشعري - - مال إلى عقيدة أهل السنة والجماعة وأعلن نقلته هذه بقوله
 قولنا الذي نقول به ، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى اله عليه وسلم وما رُوي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ، ونحن بذلك معتصمون ، وبما كان عليه أحمد بن حنبل – نضر الله وجهه ، ورفع درجته ، وأجزل مثوبته – قائلون ، ولمن خالف قولُه قولَه مجانبون ؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل الذي أبان الله تعالى به الحق عند ظهور الضلال.ثم بقي  ينتصر لأهل الحديث ومذهبهم فألّف وكتب الإبانة والمقالات وغيرها ، وظلَّ رحمه الله مختلطاً بأهل الحديث حتى توفي سنة ٣٣٠ ه ، ولكن تلاميذه وأتباعه ظلّوا على مذهبه في طوره الثاني ، وما زالوا يصرّون على ذلك وينسبونه إلى أبي الحسن الأشعري رحمه الله.

ثم ظهر بعد السبعمائة من الهجرة بدمشق وأعمالها شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني ، وأظهر الله على يديه مذهب أهل السنة وسلف الأمة ، وكشف للناس أمر الأشاعرة وحقيقة مذهبهم ، فجدّد للناس والأمة أمر دينهم ، وحمل لواء الرجوع إلى الأمر الأول ، لماَِ كان عليه النبي صلى اله عليه وسلم وأصحابه ، ولقد جاهد في سبيل هذه الغاية جهاد الأبطال فبالغ - رحمه الله - في الرد على الأشاعرة ؛ لأنه اشتهر بين العامة والخاصة أنَّ مذهبهم هو مذهب أهل السنة والجماعة ، وكذلك فعل مع الرافضة والصوفية والفلاسفة والمناطقة والملاحدة واليهود والنصارى؛ كشفاً لما عليه أهل الملل والنحل من الضلال والانحراف ، وذ با عن دين الله الحق ومذهب سلف الأمة ، واستمر في جهاده بالبيان والسنان حتى توفاه الله تبارك وتعالى سنة ٧٢٨ ه بعد حياةٍ مليئةٍ بالجهاد والمحن الكثيرة رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء ، وألحقنا به بمنه وكرمه.
يقول فيه الإمام الذهبي - رحمه الله
شيخنا وشيخ الإسلام ، وفريد العصر علمًا ومعرفةً وشجاعةً وذكاءً ، وأمراً بالمعروف ، ونهياً عن المنكر. وأنه أكبر من أنْ ينبه على سيرته مثلي ، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني ما رأيت بعيني مثله ، وأنه ما رأى مثل نفسه. ولقد نصر السنة المحضة ، والطريقة السلفية ، واحتج لها ببراهين ومقدمات لم يسبق إليها.
 
ثم استمر تلاميذه من بعده يواصلون الذبَّ عن دين الله تعالى وإظهار عقيدة وعلم سلف الأمة والصدر
الأول من أمثال ابن القيم(26) وابن عبد الهادي(27) وابن كثير(28) والذهبي(29) وغيرهم ممِنَّ نصر الله تعالى بهم الدين
والملة ، وما زال الناس يستضيئون بنور علمهم وعلم شيخهم إلى يومنا هذا ولله الحمد والمنة.
وإن المعركة بين الحق والباطل ستستمر إلى آخر الزمان ولكن الحق سيبقى ولن يزول مهما كثر أهل الباطل وكثر عددهم وعدتهم وقويت شوكتهم وقامت دولتهم تحقيقاً لوعد الله ووعد رسوله
. (30) «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي
وعد الله

والحق أن أصل كل بدعة في دين الله تعالى هو البعد عن وحي الله تعالى : الكتاب والسنة ، ومنهج السلف الكرام وطريقتهم في فهم نصوص الوحي والتعامل معها ، فأصل كل ضلال وبدعة هو الانحراف ومجانبة معتقد الصدر الأول.
فنرى مثلاً القدري يبالغ في القدر حتى يجعل العبد إلهاً خالقاً ، بينما يبالغ الجبري في مقابلته فيجعل العبد كالريشة في مهب الريح.
ونرى المعطل يبالغ في التنزيه فيسلب عن ربه الصفات ، ويقابله المشبه الذي يبالغ في الإثبات تمثيلاً وتشبيهاً.
ونرى المرجئ يبالغ في سلب وتهوين الوعيد والعقاب ، ويقابله المعتزلي والخارجي (الوعيدية) فيبالغون في الوعيد وتخليد العصاة في النار.
ونرى الناصبي( 31) يبالغ في دفع الإمامة عن علي ، فيعاديه ويبغضه تقرباً إلى الله بزعمه ، ويقابله الغلاة من أهل الغلو فيعتقدون حقه في النبوة والألوهية.
ونرى بعض أهل السنن يبالغون في تقويم أبي بكر فيزعمون أن إمامته نص ووحي ، ويقابلهم الرافضة فيبالغون في تأخيره وتكفيره قبحهم الله.

فميدان الظن واسع ، وحكم الوهم غالب ، وعلة ذلك كله البعد عن نور الوحي واعتماد الوهم والظن والخيال؛ لذلك تعارضت الظنون وكثرت الأوهام عند كل فريق مما أدى إلى تعدد الفرق والملل والنحل ، ثم أعجب كل فريق بما لديه من الأوهام والظنون ، يظنها أدلة وحجة مما أدى بهم إلى الشر والعناد والبغي والفساد والعدوان حتى تباغضوا وتلاعنوا ، وأعملوا سيوفهم وبيانهم في بعضهم مستحلين الأموال ومستبيحين الدماء والأعراض ، ولقد استعان كثير منهم بالدول والملوك الكفار ضد بعضهم الآخر انتصاراً لمذهبهم ، فعاشوا كذلك ، وما زالوا في التقاطع والتدابر والاختلاف ، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ، ولن يغير الله حالهم إلا باعتصامهم بما هو عصمة وسبب للنجاة والألفة والاتفاق والتآلف ، وما ذلك إلا بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة.



1) عبدا لله بن سبأ: الذي قال لعلي (أنت أنت) يعني الله وكان يهودياً فأسلم وكان يقول في اليهودية : يوشع بن نون وصي موسى

فقال في الإسلام مثلها لعلي.
٢) معبد الجهني : محمد بن عبدالله الجهني أول من قال بالقدر بالبصرة خرج مع ابن الأشعث على الحجاج ، صلبه عبد الملك ابن مروان بدمشق سنة ٨٠ ه.
٣) ابن عمر: عبد الله بن عمر بن الخطاب صحابي جليل أسلم وهو صغير وروى كثيراً عن النبي، مات سنة ٧٣ ه.
٤) الحسن البصري: مولى زيد بن ثابت ، كان سيد أهل زمانه علماً وعملاً، مات في أول رجب سنة ١١٠ ه.
٥) مسلم بن يسار: القدوة الفقيه ، أبو عبد الله البصري مولى بني أمية.
6) عبد الملك بن مروان: أبو الوليد الأموي ولد سنه ٢٦ ه ، سمع عثمان وأبا هريرة ، وهو أول من ضرب الدنانير وكتب عليها القرآن
وكان الحجاج من ذنوبه، توفي سنة ٨٦ ه.
7) الحجاج: أهلكه الله في رمضان سنة ٩٥ ه كهلاً ، وكان ظلوماً جباراً سفاكاً للدماء له حسنات مغمورة في بحر ذنوبه.
8) غيلان الدمشقي: أبو مروان تنسب إليه فرقة الغيلانية من القدرية وهو ثاني من تكلم بالقدر بعد معبد، ناظر الأوزاعي فأفتى الأوزاعي بقتله ، توفى في سنه ١٠٥ ه.
9) هشام بن عبد الملك: ابن مروان، بويع بالخلافة بعد وفاة أخيه يزيد سنه ١٠٥ ه.
10) مؤدب مروان الحمار قال عنه المدائني: كان زنديقاً ، وهو من الطبقة الرابعة من التابعين.
11) عمرو بن عبيد: القدري كبير المعتزلة ، قال عنه ابن المبارك : دعا إلى القدر فتركوه ، مات بطريق مكة سنة ١٤٣ ه
 وقيل ١٤٤ه.
12) الجهم بن صفوان: أبي محرز رأس الجهمية ، هلك في زمان صغار التابعين ، أمر بقتله بن سيار سنة ١٢٨ ه.
13) ترمذ: مدينة مشهورة من أمهات المدن يحيط بها سور ، ومنها المحدث الترمذي صاحب السنن.
14) خالد القسري: أمير العراق من أهل دمشق ولي مكة سنة ٨٩ ه ، وعزله هشام سنة ١٢٠ ه ، توفي سنة ١٢٦ ه.
15) الحارث بن سريج: صلب بلا رأس على (،باب جرو سنة ١٢٨ ه.
16) نصر بن سيار: نائب مروان بن محمد ولي خرسان ٢٠ سنة، توفي سنة ١٣١ ه.
17) مروان بن محمد الحمار: ابن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي يعرف بالحمار وبالجعدي نسبة لمؤديه ابن درهم عاش ٦٢ سنة.

18) سلم بن أحوز المازني: قيل ابن أحور بالراء وقيل بالزاي ، كان من قواد نصر بن سيار في خرسان في أواخر بني أمية. (٢٧/ ٢) راجع البداية والنهاية ( ١٠ )
19) واصل بن عطاء: رأس الإعتزال البليغ الأفوه أبو حذيفة المخزومي، مات سنة ١٣١ ه.
20) محمد بن كرام السجستاني: المبتدع شيخ الكرامية كان كثير الأصحاب ، ولكنه يروي الواهيات ، وقال عنه ابن حبان:خذل حتى التقط من المذاهب أرداها ، مكث بسجن نيسابور ٨ سنوات ، مات بأرض بيت المقدس سنة ٢٥٥ ه.
21) سابع خلفاء بني العباس عبد الله بن هارون الرشيد ولد سنة ١٧٠ ه . ولم يرجع عن مسألة القرآن حتى أخذه الله سنة ٢٢٨ ه.
22) القرامطة: فرقة باطنية خبيثة ، وقصة سرقة القرامطة للحجر مبسوطة في البداية والنهاية لإبن كثير (ج ١١ ، ص ١٦٠ )
23) الفاطميين: رأسهم عبيد الله بن ميمون القداح كان يهودياً صباغاً فادعى الإسلام وأنه شريف فاطمي فتبعة الجهلة وصارت له دولة.
24) أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلّاب: رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه ، وكان يلقب كلاباً لأنه كان يجر الخصم لنفسه ببيانه
وبلاغته وقيل غير ذلك.
25)أبو منصور الماتريدي: محمد بن محمد بن محمود الماتريدي إمام المتكلمين، توفي سنة ١٩٥ ه .
26) ابن القيم: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي ، لازم شيخ الإسلام ملازمة تامة ما يقارب ١٦ سنة فنهل من علمه الواسع. توفى رحمه الله سنة ٧٥١ ه .
27) هو الإمام العالم الناقد معبد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي ولد سنة ٧٠٥ ه ، حصل من العلوم ما لا يبلغه الشيوخ الكبار وتفنن في الحديث والنحو والتصريف والفقه والتفسير والقراءات والتاريخ ، وله مجاميع وتعاليق مفيدة وكان حافظاً لأسماء الرجال وطرق الحديث وعارفاً بالجرح والتعديل بصيراً بعلل الحديث ، حسن الفهم له ، جيد المذاكرة ، صحيح الذهن، مستقيماً على طريقة السلف واتباع الكتاب والسنة ، مثابراً على فعل الخيرات، توفي رحمه الله سنة ٧٤٤ ه مات وهو دون الأربعين.
28) ابن كثير: العلامة الحافظ ذو الفضائل أبو الفداء صاحب تفسير القرآن العظيم ، والبداية والنهاية، توفى سنه ٧٧٤ ه.
29) الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي ، ولد بدمشق سنة ٦٧٣ ه ، كف بصره سنة ٧٤١ ه وتوفى سنة ٧٤٨ ه.
30) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد.
31) الناصبي : من النواصب الذين نصبوا العداء لأهل البيت.

 

تأليف الشيخ فلاح بن إسماعيل بن أحمد مندكار