معنى لا إله إلا الله للفوزان

معنى لا إله إلا الله

ومقتضاها وآثارها في الفرد والمجتمع

بقلم الدكتور/  صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان

 الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره , ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , و من يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمداً عبده ورسوله , صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه , وكل من اتبعه وتمسك بسنته إلى يوم الدين ....... أما بعد :-

فإن الله سبحانه وتعالى أمرنا بذكره وأثنى على الذاكرين ووعدهم أجراً عظيماً فأمر بذكره مطلقاً , وبعد الفراغ من العبادات ... قال تعالى

( فإذا قضيتم الصلوة فاذكروا الله قيما وقعودا وعلى جنوبكم )

وقال :-

( فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم أو أشد ذكراً ) "2"

وأمر بذكره أثناء أداء مناسك الحج خاصة فقال تعالى :

( فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ )

وقال تعالى

وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ) "4"

وقال تعالى

( وأذكروا الله في أيام معدودات )

وشرع إقامة الصلاة لذكره فقال :

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ) "6 " .......وقال تعالى

( يأيها الذين آمنوا أذكروا الله ذكراً كثيراً     وسبحوه بكرة وأصيلاً ) "7"

ولما كان أفضل الذكر : لا إله إلا الله وحده لا شريك له – كما ورد عن النبي صلى اله عليه وسلم أنه قال ( خير الدعاء دعاء عرفة وخير ما قلت أنا و النبين من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) "8" ولما كانت هذه الكلمة العظيمة ( لا إله إلا الله ) لها هذه المنزلة العالية من بين أنواع الذكر ويتعلق بها أحكام ولها شروط ولها معنى ومقتضى , فليست كلمة تقال باللسان فقط – لما كان الأمر كذلك أثرت أن تكون موضوع حديثي راجيا من الله تعالى أن يجعلنا وأياكم من أهلها المستمسكين بها وة العارفين لمعناها , الاملين بمقتضاها ظاهراً وباطناً .

وسيكون حديثي عن هذه الكلمة في حدود النقاط التالية :-

مكانة لا إله إلا الله في الحياة , وفضلها , وإعرابها وأركانها وشروطها ومعناها , ومقتاضاها , و متى ينفع الإنسان التلفظ بها و متى لا ينفعه ذلك وآثارها فأقول مستعيناً بالله تعالى :-

 (1 ) الآية من سورة النساء رقم ( 103 ) .

( 2 ) الآية من سورة البقرة رقم ( 200 )

( 3 ) الآية من سورة البقرة رقم ( 198 ) .

( 4 ) الآية من سورة الحج رقم ( 28 ) .

( 5 ) الآية من سورة البقرة ( 203 ) .

( 6 ) رواه مسلم .

( 7 ) الآيتان من سورة الأحزاب رقم ( 41-42 ) .

( 8 ) رواه الترمذي .  

1- مكانة لا إله إلا الله في الحياة      

  إنها كلمة يعلنها المسلمون في أذانهم  و اقامتهم و في خطبهم وماحدثهم و هي كلمة قامت بها الأرض و السموات , وخلقت لأجلها جميع المخلوقات , وبها أرسل الله ورسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه , ولأجلها نصبت الموازين ووضعت الددواوين وقام سوق الجنة و النار , وبها انقسمت الخليقة إلى مؤمنين وكفار , فهي منشأ الخلق والأمر و الثواب والعقاب , وهي الحق الذي خلقت له الخليقة , وعنها وعن حقوقها السؤال و الحساب وعليها يقع الثواب و العقاب , وعليها نصبت القبلة وعليها أسست الملة , ولأجلها جردت سيوف الجهاد , وهي حق الله على جميع العباد , فهي كلمة الإسلام , ومفتاح دار السلام , وعنها يدي الله حتى يسأل عن مسألتين : ( ماذا كنت تعبدون , وماذا أجبتم المرسلين ) وجواب الأولى بتحقيق لا إله إلا الله معرفة وإقرار وعملاً . وجواب الثانية بتحقيق ن محمداً رسول الله معرفة وانقياداً وطاعة ) "9" .

هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام , وهي كلمة التقوى . و العروة الوثقى وهي التي جعلها إبراهيم ( كلمة باقية في عقبة لعلهم يرجعون ) "10 " . وهي التي شهد الله بها لنفسه وشهدت بها ملائكته وأولو العلم من خلقه قال تعالى

( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) "11"

وهي كلمة الإخلاص وشهادة الحق , ودعوة الحق وبراءة من الشرك , ولأجلها خلق الخلق كما قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) " 12 " .

ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب , كما قال :

( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فأعبدون ) " 13 " .

وقال تعالى : ( ينزل الملئكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) " 14"

قال ابن عيينة : ما أنعم الله على عبده من العباد من نعمة أعظم من أن عرفهم لا إله إلا الله . وأن لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا " 15 " , فمن قالها عصم ماله ودمه , و من أباها فماله ودمه هدر , ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله  ودمه وحسابه على الله ) " 16", وهي أول ما يطلب من الكفار عندما يدعون إلى الإسلام فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له : أنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ) الحديث أخرجاه في الصحيحين . "17" .

وبهذا تعلم مكانتها في الدين وأهميتها في الحياة وأنها أول واجب على العباد لأنها الأساس الذي تبنى عليه جميع الأعمال .

( 10 ) من الآية ( 28 ) من سورة الزخرف .

( 11 ) سورة آل عمران الآية ( 18 ) وأنظر مجموعة التوحيد ( 105 ) , ( 167 ) .

( 12 ) من الآية ( 56 ) من سورة الذاريات .

( 13 ) من الآية ( 25 ) من سورة الأنبياء .

(14 ) من الآية ( 2 ) من سورة النحل .

( 15 ) كلمة الإخلاص لابن رجب ص 52-53 .

( 16 ) رواه مسلم في الإيمان برقم ( 23 ) .

( 17 ) رواه  البخاري ( 3/255 ) ومسلم في الإيمان برقم ( 19 ) ..

2- فضل لا إله إلا الله :

فلها فضائل  عظيمة ولها من الله مكانة , و من قالها صادقة أدخله الله الجنة , و من قالها كاذباً حقنت دمه وأحرزت ماله في الدنيا وحسابه على الله عز وجل , وهي كلمة وجيزة اللفظ قليلة الحروف خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان – فقد روى ابن حبان و الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال موسى يارب علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به قال يا موسى قل لا إله إلا الله – قال كل عبادك يقولون هذا القول يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بعهن لا إله إلا الله ) " 18 " فالحديث يدل على أن لا إله إلا الله هي أفضل الذكر , و في الحديث عبد الله بن عمر مرفوعاً : ( خير الدعاء دعاء يوم عرفة , وخير ما قلت أنا و النبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) رواه – أحمد و الترمذي "19" , ومما يدل على ثقلها في الميزان أيضاً ما رواه الترمذي وحسنه , و النسائي و الحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم , عن عبد الله بن عمرو : قال النبي صلى الله عليه وسلم ( يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشبر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر ثم يقال أتنكر من هذا شيئاً , فيقول لا يارب , فيقال : ألك عذر أو حسنة فيهاب الرجل فيقول لا – فيقال بلى إن لك عندنا حسنات , وأنه لا ظلم عليك فيخرج له بطاقة فيها أشد أن محمداً عبده ورسوله , فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقال أنك لا تظلم , فتوضع السجلات في كفة و البطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ) " 20 " ولهذه الكلمة العظيمة فضائل كثيرة ذكر جملة منها الحافظ ابن رجب في رسالته المسماة ( كلمة الإخلاص ) واستدل لكل فضيلة ومنها : أنها ثمن الجنة , و من كانت آخر كلامه دخل الجنة ) وهي نجاة من النار : وهي توجب المغفرة , وهي أحسن الحسنات , وهي تمحو الذنوب و الخطايا وهي تجدد ما درس من الإيمان في القلب وترجع بصحائف الذنوب , وهي تخرق الحجب حتى تصل إلى الله عز وجل وهي الكلمة  التي يصدق الله قائلها وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفاً وتعدل عتق الرقاب وتكون حرزاً من الشيطان , وهي أمان من وحشة القبر وهول الحشر , وهي شعار المؤمنين إذا قاموا من وحشة القبر وهول الحشر , وهي شعار المؤمنين إذا قاموا من قبورهم . و من فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء , و من فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها فإنهم لابد أن يخرجوا منها , هذه عناوين الفضائل التي ذكرها ابن رجب في رسالته واستدل لكل واحد منها  " 21 " .

3- إعرابها وأركانها وشروطها :-

1- إعرابها

إذا كان فهم المعنى يتوقف على معرفة إعراب الجمل فإن العلماء رحمهم الله قد اهتموا بإعراب لا إله إلا الله – فقالوا :لا – نافية للجنس – وإله أسمها مبني معها على الفتح وخبرها محذوف تقديرها : ( حق ) أي لا إله حق , وإلا الله استثناء من الخبر المرفوع – والإ له معناه : المألوه بالعبادة – وهو الذي تألهه القلوب وتقصده رغبة إليه في حصول نفع أو دفع ضرر . ويغلط من قدر خبرها بكلمة : ( موجود أو معبود ) فقط , لأنه يوجد معبودات كثيرة من الأصنام والأضرحة وغيرها ولكن المعبود بحق هو الله . وما سواه فمعبود بالباطل وعبادته باطلة , وهذا مقتضى ركني لا إله الله .

(18 ) رواه الحاكم ( 1/258 ) وابن حبان برقم ( 2324 ) مورد الظمآن .

( 19 ) الترمذي في الدعوات رقم ( 3579 ) .

(20 ) رواه الترمذي رقم ( 2641 ) في الإيمان و الحاكم ( 1/5-6 ) وغيرهما

( 21 ) كلمة الإخلاص لابن رجب 54-66 .

ب – ركنا لا إله إلا الله

لها ركنان : الركن الأول النفي – و الركن الثاني الإثبات . و المراد بالنفي نفي الألهية عما سوى الله تعالى من سائر المخلوقات . و المراد بالإثبات إثبات الألهية لله سبحانه فهو إله الحق – وما سواه من الألهة التي اتخذها المشركون فكلها باطلة ,

( ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل ) "22" .

قال الإمام ابن القيم : فدلالة لا إله إلا الله على إثبات إلهيته أعظم من دلالة قوله : الله إله – وهذا لأن قول ( الله إله ) لا ينفي إلهية ما سواه بخلاف قول :

لا إله إلا الله فإنه يقتضي حصر الألوهية ونفيها عما سواه , وقد غلط غلطاً فاحشاً كذلك من فسر إلا له بأنه القادر على الاختراع فقط .

قال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرح كتاب التوحيد – فإن قيل قد تبين معنى الإله والإلهيه فما الجواب عن قوله من قال بأن معنى إلا له القادر على الاختراع ونحو هذه العبارة – قيل الجواب من وجهين أحدهما أن هذا قول متبدع لا يعرف أحد قاله من العلماء ولا من أئمة اللغة – وكلام العلماء وأئمة اللغة هو معنى ما ذكرنا كما تقدم "23" فيكون هذا القول باطلاً .

الثاني :- على تقدير تسليمة فهو تفسير باللازم للإله الحق , فإن اللازم أن يكون خالقاً قادراً على الاختراع , ومتى لم يكن كذلك فليس بإله حق وأن سمى إلهاً , وليس مراده أن من عرف أن إلا له هو القادر على الاختراع فقد دخل في الإسلام وأتى بتحقيق المرام من مفتاح دار السلام فإن هذا لا يقوله أحد , لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين , ولو قدر أن بعض المتأخرين أراد ذلك فهو مخطئ يرد عليه بالدلائل السمعية و العقلية "24 " .

جـ - وأما شروط لا إله إلا الله :-

        فإنها لا تنفع قائلها – إلا بسبعة شروط :-

الأول         : العلم بمعناها نفياً وإثباتاً . فمن تلفظ بها وهو لا يعرف معناها ومقتضاها فإنها لا

                  تنفعه لأنه لم يعتقد ما تدل عليه – كالذي يتكلم بلغة لا يفهمها .

الثاني        : اليقين وهو كمال العلم بها المنافي للشك و الريب .

الثالث        : الإخلاص المنافي للشرك , وهو ما تدل عليه لا إله إلا اله .

الرابع         : الصدق المانع من النفاق . فإنهم يقولونها بألسنتهم غير  معتقدين لمدلولها .

الخامس     : المحبة لهذه الكلمة ولما دلت عليه و السرور بذلك , بخلاف ما عليه المنافقون .

السادس    :الانقياد بأداء حقوقها وهي الأعمال الواجبة إخلاصاً لله وطباً  لمرضاته  . وهذا  هو مقتضاها .

السابع      : القبول المنافي للرد "25 " , وذلك بالانقياد لأوامر الله وترك ما نهى عنه .

وهذه الشروط قد استنبطها العلماء من نصوص الكتاب و السنة التي جاءت بخصوص هذه الكلمة العظيمة وبيان حقوقها وقيودها وأنها ليست مجرد لفظ يقال باللسان .

( 22 ) من الآية ( 62 ) من سورة الحج .

( 23 ) وهو ما ذكرته هنا في أركان لا إله إلا الله .

( 24) تيسر العزيز الحميد ص 80 .

( 25 ) فتح المجيد ص 91 .

4- معنى هذه الكلمة ومقتضاها :-

اتضح مما سبق أن معنى لا إله إلا الله – لا معبود بحق إلا إله واحد وهو الله وحده لا شريك له , لأنه المستحق للعبادة فتضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى الله من سائر المعبودات ليس بإله حق وأنه باطل . لأنه لا يستحق العبادة .

ولهذا كثيرا ما يرد الأمر بعبادة الله مقروناً بنفي عبادة ما سواه , لأن عبادة الله لا تصح مع إشراك غيره معه – قال تعالى :-

( وأعبدوا الله و لا تشركوا به شيئاً ) "26" .

وقال تعالى :- ( فمن يكفر بالطغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها و الله سميع عليم ) "27 " .

وقال تعالى :- (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) "28" .


وقال صلى الله عليه وسلم ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم دمه وماله ) "29" .

وكل رسول لقومه ( أعبدوا الله مالكم من إله غيره ) "30"

إلى غير ذلك من الأدلة قال الإمام ابن رجب رحمة اله : وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد : لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله – وإلا له هو الذي يطاع فلا يعصي هيبة له وإجلالا , ومحبة وخوفاً ورجاء وتوكلاً عليه وسؤالاً منه ودعاء له ولا يصلح ذلك كله إلا الله عز وجل .

ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لكفار قريش :" قولاً لا إله إلا الله قالوا :

( أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) " 31 "


ففهموا من هذه الكلمة أنها تبطل عبادة الأصنام كلها وتحصر العبادة لله وحده وهم لا يريدون ذلك , فتبين بهذا المعنى أن معنى لا إله إلا الله ومقتضاها إفراد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه , فإذا قال العبد : لا إله إلا الله فقد أعلن وجوب إفراد الله بالعبادة وبطلان عبادة ما سواه و القبور والأولياء و الصالحين , وبهذا يبطل ما يعتقده عباد القبور اليوم وأشباههم من أن  معنى لا إله إلا الله هو الإقرار بأن الله موجود أو أنه هو الخالق القادر على الاختراع وأشباه ذلك . أو أن معناها لا حاكمية إلا لله ويظنون أن من اعتقد ذلك وفسر به لا إله إلا الله فقد حقق التوحيد المطلق ولو فعل ما فعل من عبادة غير الله والاعتقاد بالأموات و التقرب إليهم بالذباح و النذور و الطواف بقبورهم و التبرك بتربيتهم , وما شعر هؤلاء أن كفار العرب الأولين يشاركونهم في هذا الاعتقاد ويعرفون أن الله هو الخالق القادر على الاختراع ويقربونهم بذلك وأنهم ما عبدوا غيره إلا لزعمهم أنهم يقربون إلى الله

(26 ) الآية ( 36 ) من سورة النساء .

( 27 ) الآية ( 256 ) من سورة البقرة .

( 28 ) الآية ( 36 ) من سورة النحل .

( 29 ).صحيح مسلم رقم ( 23 ) كتاب الإيمان .  

( 30 ) ا الآية (59 ) من سورة الأعراف.

( 31 ) الآية ( 5 ) من سورة ص .

زلفى لا أنهم يخلقون ويرزقون فالحاكمية جزء من معنى لا إله إلا الله وليست هي معناها الحقيقي المطلوب فلا يكفي الحكم بالشريعة في الحقوق والحدود والخصومات مع وجود الشرك في العبادة .

 ولو كان معنى لا إله إلا لله ما زعمه هؤلاء لم يكن بين الرسول صلى الله عليه وسلم و بين المشركين نزاع بل كانوا يبادرون إلى إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قال لهم أقروا بأن الله هو القادر على الاختراع أو أقروا أن الله موجود .. أو قال لهم تحاكموا إلى الشريعة في الدماء والأموال و الحقوق وسكت عن العبادة , لكن القوم وهم أهل اللسان العربي فهموا أنهم إذا قالوا ( لا إله إلا الله ) فقد أقروا ببطلان عبادة الأصنام وأن هذه الكلمة ليست مجرد لفظ لا معنى له , ولهذا نفروا منها وقالوا :-

( اجعل الألهة إلهاً واحداً إذا هذا الشيء عجاب ) " 32" .

كما قال الله عنهم

( إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ  ) " 33" .

فعرفوا أن لا إله إلا الله تقتضي ترك عبادة ما سوى الله وإفراد الله بالعبادة , وأنهم لو قالوها واستمروا على عبادة الأصنام لتناقضوا مع أنفسهم وهم يأنفون من التناقض , وعباد القبور اليوم لا يأنفون من هذا التناقض الشنيع فهم يقولون لا إله إلا الله , ثم ينقضونها بعباده الأموات و التقرب إلى الأضرحة بأنواع من العبادات فتبا لمن كان أبو جهل وأبو لهب أعلم منه بمعنى لا إله إلى الله .

و الحاصلة أن من قال هذه الكلمة عارفاُ لمعناها عاملاً بمقتضاها ظاهراً أو باطناً من نفي الشرك وإثبات العبادة لله مع الاعتقاد الجازم لما تضمنته والعمل به فهو المسلم حقاً , و من قالها وعمل بها وبمقتضاها ظاهراً من غير اعتقاد لما دلت عليه فهو المنافق , و من قالها بلسانه وعمل بخلافها من الشرك المنافي لها فهم المشرك المتناقض فلابد مع النطق بهذه الكلمة من معرفة معناها , لأن ذلك وسيلة للعمل بمقتضاها قال تعالى :

( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) الآية ( 86 ) من سورة الزخرف

والعمل بمقتضاها هو عبادة الله والكفر بعبادة ما سواه – وهو الغاية المقصودة من هذه الكلمة , ومن مقتضى لا إله إلى الله قبول تشريع الله في العبادات و المعاملات و التحليل و التحريم , ورفض تشريع من سواه – قال تعالى :-

( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ) " 34 " .

فلابد من قبول تشريع الله في العبادات و المعاملات و الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه في الأحوال الشخصية وغيرها رفض القوانين الوضعية , ومعنى ذلك رفض جميع البدع والخرافات التي يبتدعها ويروجها شياطين الأنس و الجن في العبادات و من تقبل شيئاً من ذلك فهو مشرك كما قال في هذه الآية :

( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ) .

وقال تعالى :

(32 ) من الآية (5 ) من سورة ص .

(33 ) الآيتان : ( 35, 36 ) من سورة الصافات

( 34 ) سورة الشورى الآية ( 21 ) .

 ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) " 35 " .

وقال تعالى :

( اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أرباباً من دون الله ) " 36 " .

  وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم : تلى هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه فقال : يا رسول الله لسنا نعبدهم , قال : أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه , ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه , قال : بلى – قال النبي صلى الله عليه وسلم فتلك عبادتهم ) " 37 "

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمة الله : فصارت طاعتهم في المعصية عبادة لغير الله وبها اتخذوهم أرباباً كما هو الواقع في هذه الأمة . وهذا من الشرك الأكبر . المنافي للتوحيد الذي هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله .... فتبين أن كلمة الإخلاص نفت هذا كله لمنافاته لمدلول هذه الكلمة " 38 " .

وكذلك يجب رفض التحاكم القوانين لأنه يجب التحاكم إلى كتاب الله وترك ما عداه من النظم والقوانين البشرية ......

( فإن تنزعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول ) "39" .

وقال تعالى :_

( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي ) " 40" .

وقد حكم سبحانه بكفر من لم يحكم بماأنزل اله وبظلمه وفسقه . ونفي عنه الإيمان مما يدل على أن الحكم بغير ما أنزل الله إذا كان الحاكم به يستبيحه أو يرى أنه أصلح من حكم الله وأحسن فهذا كفر وشرك ينافي التوحيد ويناقض لا إله إلا الله تمام المناقضة – وإن كان لا يستبيح ذلك ويعتقد ان حكم الله هو الذي يجب الحكم به – ولكن حملة الهوى على مخالفته فهذا كفر أصغر وشرك أصغر ينقض معنى لا إله إلا الله ومقتضاها.

إذاً – فلا إله إلا الله منهج متكامل يجب أن يسيطر على حياة المسلمين وجميع عباداتهم وتصرفاتهم فليست لفظا يردد للبركة والأوراد الصباحية و المسائية بدون فهم لمعناه وعمل بمقتضاه والسير على منهج كما يظنه كثير ممن يتلفظون بها بألسنتهم ويخالفونها في معتقداتهم وتصرفاتهم .

و من مقتضى لا إله إلا الله إثبات أسماء الله وصفاته التي سمى ووصف بها نفسه أو سماه ووصفه بها رسوله صلى اله عليه وسلم وقال تعالي :-

وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) " 41 " .

قال في فتح المجيد :- وأصل الألحاد في كلامالعرب العدول عن القصد و الميل و الجور والانحراف وأسماء الرب تعالى كلها أسماء وأوصاف تعرف بها تعالى إلى عباده ودلت على كماله جلا وعلا .

وقال رحمة الله "42" . فالالحاد فيها ما يجحدها وانكارها , وأما بجحد معانيها وتعطيلها , واما بتحريفها عن الصواب واخراجها عن الحق بالتأويلات , واما أن يجعلها أسماء لهذه المخلوقات كالحاد أهل الاتحاد فانهم جعلوها أسماء هذا الكون محمودها و مذمومها ......... انتهى .

( 41 ) سورة الأعراف الآية ( 180 ) .

( 42 ) فتح المجيد ص 537 – 538 وانظر مدارج السالكين ( 1/29 – 30 ) لابن القيم

فمن ألحد في أسماء الله وصفاته بالتعطيل والتأويل أو التفويض ولم يعتقد ما دلت عليه من المعاني الجليلة من الهجمية والمعتزلة والأشاعرة فقد خالف مدلول لا إله إلا الله – لأن إلا له هو الذي يدعى ويتوسل إليه بأسمائه وصفاته – كما قال تعالى    : ( فادعوه بها ) والذي ليس له أسماء و لا صفات كيف يكون الهاً وكيف يدعى وبماذا يدعى .....

قال الإمام ابن القيم رحمة الله : تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد بل اتفق الصحابة و التابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها , وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بياناً وأن العناية ببيانها أهم , لأنها من تمام تحقيق الشهادتين وإثباتها من لوازم التوحيد فبينها الله سبحانه وتعالى ورسوله بياناًُ شافياً لا يقع فيه ليس .

وآيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس .

وأما آيات الصفات فيشرك في فهم معناها الخاص والعام , أعنى فهم أصل المعنى لا فهم الكنة و الكيفية " 43 " .

وقال أيضاً : وهذا أمر معلوم بالفطر و العقول السليمة و الكتب السماوية أن فاقد صفات الكمال لا يكون إلهاًُ ولا مدبر ولا رباً , بل هو مذموم معيب ناقص , ليس له الحمد لا في الأولى و لا في الآخرة , و إنما الحمد في الأولى و الآخرة لمن له صفات الكمال ونعوت الجلال التي لأجلها استحق الحمد , ولهذا سمي السلف كتبهم التي صنفوها فيالسنة وإثبات صفات الرب وعلوه في خلقه وكلامه وتكليمه توحيداً , لأن نفي ذلك وإنكاره و الكفر به إنكار للصانع وحجد له , وإنما إثبات صفات كماله وتنزيهه عن التشبيه و النقائض " 44" .

5- متى ينفع الإنسان قول لا إله إلا الله ومتى لا ينفعه ذلك :-

سبق أن قلنا أن قول لا إله إلا الله لابد أن يكون مصحوباً بمعرفة معناها و العمل بمقتضاها – ولكن لما كان هناك نصوص قد يتوهم منها إن مجرد التلفيظ بها يكفي وقد تعلق بهذا الوهم بعض الناس , اقتضى الأمر إيضاح ذلك لا زالة هذه الوهم عمن يريد الحق , قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمة الله على حديث عتبان ...... الذي فيه ( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) " 45 " قال : أعلم أنه قد وردت أحاديث ظاهرها أنه من أتى بالشهادتين حرم على النار كهذا الحديث أنس قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل فقال يا معاذ : قال لبيك يا رسول الله وسعديك , قال : ( ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا حرمه الله على النار ) " 46 ) ولمسلم عن عباده مرفوعاً :

( و من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله حرمه الله على النار ) " 48 " . ووردت أحاديث فيها أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة وليس فيها أنه يحرم على النار , منها حديث عبادة الذي تقدم قريباً وحديث أبى هريرة أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك – الحديث وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة ) رواه مسلم " 48 " .

 (43 ) مختصر الصواعق المرسلة ( 1/15 ) .

( 44 ) مدارج السكاكين ( 1/26 )

( 45 ) رواه البخاري 11/206 ومسلم رقم ( 33 ) .

( 46 ) رواه البخاري 1/1999 .

( 47 ) صحيح مسلم ( 1/228-229 ) بشرح النووي

( 48 ) صحيح مسلم مع شرح النووي ( 1/224 ) .

ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية

قال : وأحسن ما قيل في معناه ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره : أن هذه الأحاديث انما هي فيمن قالها ومات عليها . كما جاءت مقيدة وقالها خالصا من قلبه مستيقناً بها قلبه غير شاك فيها بصدق ويقين , فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة لأن الخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحاً فإذا مات على تلك الحال نال ذلك , فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة وما يزن  خردلة وما يزن ذرة , وتواترت بأن كثيراً ممن يقول لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها , وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله , و من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله , لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص و لا اليقين و من لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت فيحال بينه وبينهما , وأكثر من يقولها تقليداً وعادة لم يخالط الإيمان بشاشة قلبه , وغالب من يفتن عند الموت و في القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث " سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته " وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم وهم أقرب الناس من قوله تعالى :-

( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونََ ) " 49 " .

وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصراً على ذنب أصلاً , فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء فاذاً لا يبقى في قلبه أراده لما حرم الله ولا كراهية لما أمر الله وهذا هو الذي يحرم على النار وأن كانت ذنوب قبل ذلك , فإن هذا الإيمان وهذه التوبة وهذا الإخلاص وهذه المحبة وهذا اليقين لا تترك له ذنباً إلا يمحى كما يمحى الليل و بالنهار . انتهى كلامه رحمة الله " 50 " .

( 49 ) الآية ) من سورة الزخرف .

( 50 ) تيسير العزيز الحميد بشرح كتاب التوحيد ص 66-67 .

ما قاله الشيخ محمد عبد الوهاب " 51 " .

ولهم شبهة أخرى يقولون أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على أسامة قتل من قال لا إله إلا الله , وقال : ( أقتله بعد ما قال لا إله الله ) وأحاديث أخرى في الكف عمن قالها , ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها  لا يكفر و لا يقتل ولو فعل ما فعل , فيقال لهؤلاء الجهال معلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون ,  مراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر و لا يقتل ولو فعل ما فعل , فيقال لهؤلاء الجهال معلوم أن رسول صلى الله عليه وسلم قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون لا إله إلا الله , وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويدعون الإسلام , وكذلك الذين حرقهم على بن ابي طالب , وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا الله , وأن من جحد شيئاً من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها فكيف لا تنفعه إذا جحد شيئاً من الفروع وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هوأصل دين الرسل ورأسه ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث .

وقال رحمة الله : فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلاً أدعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه . ما إدعاه إلا خوفا على دمه , و الرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك وأنزل الله في ذلك .

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ ) " 52 " .

أي فتثبتوا فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه و التثبيت فإن تبين بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله .

( فتبينوا ) ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبيت معنى , وكذلك الحديث الآخر وأمثاله معناه ذكرناه من أن من أظهر الإسلام و التوحيد وجب الكف عنه إلا أن تبين منه ما يناقض ذلك .... و الدليل على هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال : ( أقتله بعد ما قال لا إله إلا الله ) وقال : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) هو الذي قال في الخوارج ( أينما لقيتموهم فاقتلوهم , لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ) مع كونهم من أكثر تهليللاً حتى إن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم , وهم تعلموا العلم من الصحابة , فلم تنفعهم لا إله إلا الله و لا كثرة العبادة و لا إدعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة بني حنيفة .

ما قاله الحافظ بن رجب

وقال الحافظ ابن رجب في رسالته المسماة : ( كلمة الإخلاص ) " 53 " على قوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ( لا إله إلى الله , وأن محمداُ رسول الله ) قال : ففهم عمر وجماعة من الصحابة أن من أتى بالشهادتين امتنع من عقوبة الدنيا بمجرد ذلك فتوقفوا في قتال مانعي الزكاة – وفهم الصديق أنه لا يمنع قتاله إلا بأداء حقوقها لقوله صلى الله عليه وسلم : ( فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم إلا بحقها وحسابهم على الله , وقال : ( الزكاة حق المال ) وهذا الذي فهمه الصديق قد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحاً غير واحد من الصحابة منهم ابن عمر وأنس وغيرهما وأنه قال : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى  يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة )

( 51 ) أنظر مجموعة التوحيد صــ 120 – 121 .

( 52 ) من الاية ( 94 ) من سورة النساء .

( 53 ) كلمة الإخلاص لابن رجب صــ 13- 14 .

وقد دل على ذلك قوله تعالى :

( فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  )

كما دل قوله تعالى :

فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ )

على أن الأخوة في الدين لا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد فإن التوبة من الشرك لا تحصل إلا بالتوحيد فلما قرر أبو بكر هذا للصحابة رجعوا إلى قوله ورأوه صوابا فإذا علم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدى الشهادتين مطلقاً , بل يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام فكذلك عقوبة الآخرة , وقال أيضاً " 54 " : وقالت طائفة من العلماء المراد من هذه الأحاديث أن التلفظ بلا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ومقتضى لذلك .

ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه , فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع – وهذا قول الحسنووهب بن منبه وهو الأظهر- ثم ذكر عن الحسن البصري أنه قال للفرزذق وهو يدفن امرأته : ما أعددت لهذا اليوم – قال : شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة – قال الحسن : نعم العدة – لكن للا إله إلا الله شروط فإياك وقذف المحصنات – وقيل للحسن : أن أناسا يقولون من قال لا إله إلا الله دخل الجنة فقال : من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة – وقال وهب بن منبه لمن سأله : أليس لا إله إلا اله مفتاح الجنة – قال : بلى ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك . ...

وأظن أن في هذا القدر الذي نقلته من كلام أهل العلم كفاية في رد هذه الشبهة التي تعلق بها من ظن أن من قال لا إله إلا الله لا يكفر ولو فعل ما فعل من أنواع الشرك الأكبر التي تمارس اليوم عند الأضرحة وقبور الصالحين مما يناقض كلمة لا إله إلا الله تمام المناقضة و يضادها تمام المضادة , وهذه طريقة أهل الزيغ الذين يأخذون من النصوص المجملة ما يظنون أنه حجة لهم ويتركون ما يبينه ويوضحه النصوص المفصلة كحال الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض وقد قال الله في هذا النوع من الناس :

( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد ) " 55" .

اللهم أرنا الحق حقاً وأرزقنا آتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ....

6- آثار لا إله إلا الله :

لهذه الكلمة إذا قيلت بصدق وإخلاص وعمل بمقتضاها ظاهراً وباطناً آثار حميدة على الفرد والجماعة من أهمها :_

1- اجتماع الكلمة التي ينتج عنها حصول القوة للمسلمين والانتصار على عدوهم لأنهم يدينون بدين واحد وعقيدة واحدة كما قال تعالى :

( واعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا ) " 56 " .

(54 ) في ص 9- 11 من رسالة كلمة الإخلاص .

(55 ) الآيات من (7-9 ) من سورة آل عمران .

( 56 ) الآية رقم ( 103 ) من سورة آل عمران .

وقال تعالى :-

( هو الذي ايدك بنصره وبالمؤمنين "62" والف بين قلوبهم لو انفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ) "57" .

والا ختلاف في العقيدة يسبب التفرق و النزاع والتناحر كما قال تعالى

( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ) " 58 " .

( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) " 59 " .

 

فلا يجمع الناس سوى عقيدة الإيمان و ا لتوحيد التي هي مدلول لا إله إلا الله واعتبر ذلك بحالة العرب قبل الإسلام وبعده .

2- توفر الأمن والطمأنينة في المجتمع الموحد الذ يدين بمقتضى لا إله إلا الله لأن كلاً من أفراده يأخذ ما أحل الله له وما يترك ما حرم الله عليه تفاعلاً مع عقيدته التي تملى عليه ذلك فينكيف عن الاعتداء والظلم و العدوان ويحل محل ذلك التعاون و المحبة و الموالاة في الله عملاً بقوله تعالى :

( إنما المؤمنون إخوة ) " 60 " .

يظهر هذا جلياً في حالة العرب قبل أن يدينوا بهذه الكلمة وبعد ما دانوا بها – فقد كانوا من قبل أعداء متناحرين يفتخرون بالقتل و النهب و السلب فلما دانو بها أصبحوا أخوة متحابين كما قال تعالى :

( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ)" 61" .

 

وقال تعالى :

( وأذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوناً ) " 62" .

3- حصول السيادة والاستخلاف في الأرض وصفاء الدين والثبوت أمام تيارات الأفكار و المبادئ المختلفة – كما قال تعالى :

( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا  ) " 63" .

فربط سبحانه حصول هذه المطالب العالية بعبادته وحده لا شريك له الذي هو معنى ومقتضى لا إله إلا الله .

4- حصول الطمأنينية النفسية والاستقرار الذهني لمن قال لا إله إلا الله وعمل بمقتضاها لأنه يعبد ربا واحداً يعرف مراده وما يرضيه فيفعله ويعرف ما يسخطه فيجتنبه بخلاف من يعبد آلهة متعددة كل واحد منها له مراد غير مراد الأخر وله تدبير غير تدبير الآخر كما قال تعالى :

( أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) " 64 " .

وقال تعالى

َرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) " 65 " .

قال الإمام ابن القيم رحمة الله : هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد , فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحون و الرجل المتشاكس : الشيء الخلق .

فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شبه بعبد يملكه جماعة متنافسون في خدمته لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين , و الموحد لما كان يعبد الله وحده فمثله كمثل عبد

( 57 ) الآيتان  رقم ( 62 –63 ) من سورة الأنفال .

( 58 ) الآية رقم ( 159 ) من سورة الأنعام .

( 59 ) الآية رقم ( 53 ) من سورة المؤمنون .

( 60 ) الآية رقم ( 10 ) من سورة الحجرات .

( 61 ) الآية رقم ( 29 ) من سورة الفتح .

(62 ) الآية رقم ( 103 ) من سورة آل عمران .

( 63 ) الآية رقم ( 55 ) من سورة النور .

 لرجل واحد قد سلم له وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه , بل هم سالم لمالكه من غير تنازع فيه مع رأفة مالكه ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليه لمصالحه , فهل يستوي هذان العبدان " 66 "

5 - حصول السمو و الرفعة لأهل لا إله إلا الله في الدنيا والآخرة – كما قال تعالى .

( حنفاء لله غير مشركين به و من يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق ) " 67 " .

فدلت الآية على أن التوحيد علة وارتفاع وإن الشرك هبوط وسفول وسقوط .

قال العلامة ابن القيم رحمة الله : شبه الإيمان والتوحيد في علوه وسعته وشرفه بالسماء التي مصعده ومهبطه , فمنها هبط إلى الأرض واليها يصعد منها , وشبه تارك الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين من حيث التضييق الشديد والآلام المتركمة و الطير التي تخطف أعضاءه وتمزقه كل ممزق بالشياطين التي يرسلها الله تعالى وتؤزره وتزعجه وتقلقله إلى مظان هلاكه – و الريح التي تهوى به في مكان سحيق هو هواهالذي يحمله على القاء نفسه في أسفل مكان وأبعده عن السماء . " 68 " .

6- عصمة الدم و المال و العرض , لقوله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ) " 69 " . , وقوله ( بحقها ) معناه أنهم إذا قالوها وامتنعوا من القيام بحقها وهو أداء ما تقتضيه من التوحيد والابتعاد عن الشرك و القيام بأركان الإسلام أنها لا تعصم أموالهم ولا دماءهم بل يقتلون وتؤخذ أموالهم غنيمة للمسلمين كما فعل بهم النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه هذا – ولهذه الكلمة آثار عظيمة على الفرد والجماعة في العبادات و المعاملات والآداب والأخلاق ....

وبالله التوفيق , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

( 64 ) الآية رقم ( 39 ) من سورة يوسف .

( 65 ) الآية رقم ( 29 ) من سورة الزمر .

( 66 ) إعلام الموقعين ( 1/187 ) .

( 67 ) الآية رقم ( 31 ) من سورة الحج .

الأقسام الرئيسية: